الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

مجالس الانس في القرن الرابع الهجري

Share

اعتاد مؤرخو الآداب أن يسموا القرن الرابع للهجرة " زبدة الحقب " فيما يخص النشاط الأدبى وسوف لا نتعرض هنا الى الحركة الفكرية التى غمرت ذلك العصر واكسته حلة خلابة وزينته بين العصور الذهبية للادب العربى ولكن سنحاول ان نتبين الاطارات المادية التى انتجت هذه الحركة الفكرية والظروف الاجتماعية والاحوال النفسانية التى شجعت على هذا الخلق فى مختلف الميادين .

- قلنا ان المؤرخين اعتادوا ان يسموا هذا العصر ؛ " زبدة الحقب " ونحن نستطيع ان نسميه ايضا " عصر الحظرات " ونعنى بالحضرة تلك الحلقة والمجلس الذي يقام عند الخلفاء والوزراء والامراء والخاصة بصفة عامة والمسمى " مجلس الأنس "

ومجالس الانس هذه وجدت عند العرب منذ القدم وهى عادة تلائم كل الملاءمة طبع الشرقيين بصفة عامة ونزعات أهالي الشرق الأدنى بصفة خاصة وذلك لدى جميع الطبقات الإجتماعية . وكادت هذه الظاهرة تميز كل العصر الأموى والكثير من الحقبات التاريخية العباسية قبل القرن الرابع الا انها انتشرت انتشارا كبيرا فى هذا القرن وذلك لأسباب كثيرة اهمها اسباب سياسية  

فقد استقلت معظم المقاطعات الشرقية والغربية عن بغداد وكونت كل منها امارة لا تربطها بالخلافة العباسية الا بعض الروابط الدينية الضئيلة الواهية . فكانت ايران بايدي البويهيين من الشيعة والشام بايدي الحمدانيين ومصر  خاضعة لسلطان الاخشيديين . و استقل الفاطميون بافريقية والامويون بالاندلس  وحتى بلد العراق نفسه وهو مركز الخلافة ، فانه افتك من ايدي العباسيين الذين أجبروا على تسليم دواليب الدولة الى " أمير الأمراء " من الأعاجم

وهكذا تمزقت الدولة الإسلامية و لم يصبح للخليفة العباسى الاولاية بغداد يأمر فيها فلا يطاع .

وصارت اعمار الخلفاء بيد خدامهم . ففي اثناء اربعة عشر عاما نصبوا وعزلوا سبعة من الخلفاء حتى يسمى المتنبى هذه الحقبة من الزمن " دولة الخدم " .

الا أن تفكك الامبراطورية العباسية هذا فى منتصف القرن العاشر للميلاد كانت له أحسن النتائج في الميدان الثقافي . فلم تعد بغداد وحدها قطب الحضارة الفكرية بل اجبرت على التخلى فى ذلك الى " نيسابور " و " بلخ " و" حلب " وخاصة الى القاهرة . وتكون فى عاصمة من هاته العواصم بلاط بأتم معنى الكلمة وأخذ الامراء في التنافس الثقافي باجتلاب الشعراء والكتاب والعلماء و الفقهاء الى دائرتهم حتى استولت على هؤلاء المفكرين حيرة الاختيار " بين البويهيين فى الرى والحمدانيين فى حلب والاخشيديين فى القاهرة وسرعان ما انتشرت هذه النزعة الى الخواص فتألفت حول قواد الجيوش والوزراء وسامي الموظفين حلقات فكرية على نمط البلاط

وكانت هذه المجالس الأنيسة تجمع حول الأمير أو الخليفة كل من تشمله كلمة " خاصة " من عظماء وظرفاء . ويقول الثعالبى فى يتيمة الدهر : وكان من جلساء الوزير الملهبى ثلاثة قضاة : ابن قريعة وابن معروف والتنوخى وكان الى جانب هؤلاء الذين يسميهم الصاحب ابن عباد " أهل الفضل " جماعة من المفكرين المرموقين وحملة الاقلام المشهورين - ومن الملاحظ ان هذه الخاصة كانت تقبل فى مجلسها بعض الظرفاء من العامة ، من الدجالين والمكدين وغيرهم ، ولم تكن هذه الخواص لتحتقر هذه الطبقة السفلى من الشعب بل كانت تستأنس إليها وتعجب لحكاياتها المضحكة وأدوارها المرفهة

فهذا الشاعر الصعلوك " الأحنف العكبري " كان من الملازمين للوزير " الملهبى " فى مجلسه . وهذا " أبو دلف " وهو من بنى ساسان كان لا يفارق حضرة " الصاحب بن عباد " وكذلك كان الشأن بالنسبة لبعض الشعراء المجان المتبذئين مثل ابن الحجاج المتوفى سنة 391 او الداركى المتوفى سنة 375 .

- نلاحظ إذن ان هاته المجالس لم تكن تتألف من طبقة معينة بل كانت خليطا ممن تجمعهم كلمة " ظريف " بل لم تكن مقتصرة على المسلمين وحدهم إذ كثيرا ما نجد فيها بعض الشخصيات المتدينة بعقائد أخرى . فهذا هلال

الصابى يخبرنا فى كتاب الوزراء ان الوزير أبا الحسن بن الفرات كان يدعو كل يوم على مائدة تسعة من الكتاب الذين اختص بهم وكان منهم اربعة نصارى - وعلى كل فان هذا الخليط من مختلف طبقات المجتمع العربي انذاك كانت تجمع بين آفراده عبقرية اللسان وحسن المجالسة والالمام بالكثير من قواعد البلاغة والبيان

واشهر هذه المجالس في القرن الرابع هو مجلس الصاحب بن عباد المتوفى سنة 385 ه الموافق لسنة 995 ميلادية . وقد كان الصاحب نفسه شاعرا مجيدا وساجعا مكثرا ، جمع حوله الكثير من الشعراء كالسلامي و ابن الحجاج والداركى والكثير من الناثرين المبدعين نذكر منهم خاصة أبا حيان التوحيدى الذي سيغادره ويشنع به فى كتابه " الامتاع والمؤنسة " و يديع الزمان الهمذاني الذي سيؤلف مقاماته على صورة مجلس بن عباد .

وكانت القاعدة الكبرى لهذه الحلقات أن ياتي كل من الحاضرين بما لم تستطعه الاوائل من النكتة المضحكة والزخرف اللفظى والاعجاز المعنوى أو اللغوي ونجد فى الجزء الثالث من " يتيمة الدهر " للثعالبي هذه القصة الطريفة  التى تنبئنا عن الجو المعنوى والنفسانى الذى كان يسود مجالس الأنس في القرن الرابع . يقول الثعالبى : " اجتمع يوما عند الصاحب أبو القاسم بن أبى الحسين بن سعد وأبو الحسين بن فارس وأبو عبد الله الطبرى وأبو الحسن البديهي فحياه بعض الزائرين بأترجة حسنة فقال لهم تعالوا نتجاذب أهداب وصفها " وسئل بعض الحاضرين فى مجلسه عن قصة له فقال ولم يقصد وزنا .

أى جهد لقيته    وشقاء شقيته

فقال الأستاذ قولوا على هذا الوزن شعرا

وكان ابوحيان التوحيدى ممتع المؤانسة ، حلو المذاكرة ، جامعا آداب المنادمة عارفا بشروط المعاقرة . ويحكى انه استؤذن لآبى حيان على الصاحب بطريقة ما ، فرأى رجلا صوفى السمت ، رث الهيئة وعلى وجهه الاعتداد بالنفس والادلال فقال له الصاحب : ابو من ؟ فاجابه : أبو حيان - فقال له بلغني أنك تتأدب " فقال : تآدب أهل الزمان . فقال له بن عباد : " أبو حيان ينصرف أو لا ينصرف ؟ فأجابه : " ان قبله مولانا لا ينصرف . "

ويقول يا قوت الحموى فى " معجم الأدباء : " تكلم الصاحب يوما فى النحو فقال : ان وزن فعل وافعال قليل فى اللغة . فتصدى له التوحيدى يقول : أنا أحفظ ثلاثين حرفا كلها على فعل وأفعال ويقول كذلك الانبارى في كتابه " نزهة الالباء " اجتمع يوما النحوي أبو على الفارسي مع المتنبى فقال : كم فى اللغة العربية من كلمة يكون جمعها على وزن " فعلى " فأجابه أبو الطيب حجلى جمع حجل وظربى جمع ظربان . قال ابو علي فبقيت ليلتي كلها افتش عن كلمة ثالثة فلم أجد .

نلاحظ من هذه الامثلة ذلك التصنع والتكلف والزخرف اللفظى وغيره مما يدل على حب التظاهر والبروز وسط الحضرة وأمام الاستاذ ولكن الادب وان كان يحتل مكانة لا بأس بها فى حياة مجلس الانس ، فان ذلك كان بقدر ما يسمح به سبب وجود هذه المجالس : وهو اللهو والمجون وهذا اللهو وهذا المجون لم يكونا على نمط الترفيه الطريف اللين الذي تحلت به "صالونات " فرنسا في القرنين السابع عشر والثامن عشر

بل كانت عبارة عن مجمع يطفح الجو فيها بشرا ولذة لما يعمه ويغمده من موسيقى ورقص وخمر ونساء وجميع أنواع الاستهتار و الاباحة ونكتفى للاستشهاد على ذلك بهذه القصة التى نجدها فى يتيمة الدهر " عن القاضي التنوخى . قال يحكى أنه كان أربعة قضاة فى جملة الذين ينادمون الوزير المهلبى ويجتمعون عنده فى الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والتبسط فى القصف والخلاعة . فإذا تكلل الأنس وطاب المجلس ولذ السماع وأخذ الطرب منهم مأخذه ، وهبوا ثوب الوقار للعقار وتقلبوا فى أعطاف العيش ، بين الخفة والطيش " ولعمري ان كتاب بعد الشدة للتنوخى ليس آخر الامر الا مجموعة أوصاف لهذه المجالس وقد تألفت كتب مطولة ككتاب " الموشى " للوشاء " وأدب النديم " لكشاجن سطر فيها أصحابها قواعد الانس وآداب المجالسة .

ونتج عن هذه المجالس خلق فكرى وادبى لا بأس به سواء ذلك فى الشعر أو فى النثر أو فى العلوم أو فى الفلسفة . وما مقامات الهمذانى الا وليدة تلك الأندية والحلقات وهى فى آن واحد صورة لها وصدى لحياتها وما احتوت عليه . ونستطيع

ان نقول ايضا انه قل آن نجد كاتبا أو شاعرا لم يلتحق ، بمجلس من هذه المجالس التى تكسبه الشهرة اللازمة وتسلم اليه أوراق اعتماده

وهكذا يتبين لنا الدور الهام الذى لعبته تلك الاندية فى القرن الرابع للهجرة فى الميدان الادبى بقطع النظر عن خفتها وطيشها

وختاما نقول ان مجالس الانس هى التى جعلت من القرن الرابع للهجرة قرنا ما زال الانتاج الادبى فيه زاخرا والحركة الفكرية حية جادة قبل ان تصاب بالجمود التام والسبات العميق حينا طويل من الدهر .

اشترك في نشرتنا البريدية