منذ أن أنشأ الاستاذ محمد مزالى مجلة ( الفكر ) فى تونس عام 1955 ، شاء لها أن تكون منارة على طريق النهضة الفكرية التونسية ، وأن تشارك فى خلق الوعى الوطنى . الى جانب النهضة الفكرية . والنهضة الفكرية اذا لم يرافقها وعى وطنى . هى نهضة ناقصة . بل هى نهضة مبتورة الساقين .
كانت تونس يومئذ ما تزال فى بواكير عهد الاستقلال ، وما تزال آثار الاستعمار الفرنسى الطويل الصارم مغروسة فى حياة تونس ، وحياة الشعب التونسى . وكان لابد للأقلام من أن تخوض المعركة حتى خواتيمها ، فمعارك الحرية لا تنتهى بخروج العسكر المستعمر . بل تبدأ من هناك معركة البناء والاعمار والتوعية الوطنية . لكى يقطف الشعب ثمار كفاحه ، ويعرف كيف يستفيد من الحرية ومن الاستقلال الوطنى .
هنا يأتى واجب الصحافة الوطنية . وواجب المفكرين وحملة الاقلام . انهم الجنود الذين يحاربون لاجل تثبيت النصر . واقامة دعائم الحرية الوطنية . وقد كان محمد مزالى واحدا من هؤلاء الجنود المحاربين من أجل تثبيت النصر ، ومن أجل اقامة دعائم الحرية الوطنية . واشاعة الوعى الوطنى فى البلد الذى خرج منه الاستعمار حديثا بجيوشه . ولكنه لم يخرج بثقافته ، وعقابيل استعماره ، وذيول حكمه الطويل ، وببقايا أمله فى أن يعيش ويعشش فى روح الشعب الذى طرده من أرضه .
واننى أنظر الآن فى الكتب الاربعة التى جمع فيها محمد مزالى افتتاحياته لمجلة الفكر ، منذ انشائها ، كما جمع فيها محاضراته . واذاعاته ومقالاته المنشودة فى عدد من الصحف الأخرى . هذه الكتب هى :
من وحي الفكر - وجهات نظر - مواقف - دراسات .
هذه الكتب الاربعة هى كلها مؤلفات لا يربط بينها موضوع واحد ، بل يتألف كل منها من مجموعات مقالات أو محاضرات . فيها مجموعة أفكار وآراء ، تؤلف فى مجموعها فكر محمد مزالى الهادف الى خلق الوعى الوطنى والثقافى ، لأجل تحويل الكفاح الوطنى . الذى كان يوما ضد الاستعمار الفرنسى . الى كفاح من أجل نهضة وطنية حقيقية . تحارب الجهل والخمول والتأخر . وتتحقق فيها معانى الاستقلال والحرية .
ولأقف وقفة قصيرة عند بعض العناوين العامة التى كتب فيها صاحب (الفكر) من مثل : ( سبيلنا الحرية والديمقراطية - الحرية الحق - نحو مذهب فكرى تونسى - الى البكائين على الادب التونسى - الى من يظلم الادب التونسى ) وغير ذلك من الموضوعات التى يركز فيها صاحب ( الفكر ) على تونس . والنهضة الثقافية التونسية .
هذه بعض العناوين التى جاءت تحت عنوان عام هو ( قضايا ومواقف ) وأغلبها فى الأدب وحده . أما فى التوعية الوطنية ، فهذه أيضا بعض العناوين التى جاءت تحت عنوان عام آخر هو ( فى سبيل الوطن ) : ( تونس فى دروب الديمقراطية - تونس تستقل - تونس جمهورية - التحرر الاقتصادى - ثورة متواصلة - ثورتنا - جبهات ومعركة واحدة - نخوتنا بعد الجلاء - الجلاء الزراعى - الشعر وملحمة الكفاح التونسى ) .
وهكذا كانت افتتاحيات ( الفكر ) التى كتبها محمد مزالى ، موزعة بين خلق النهضة الفكرية . وخلق الوعى الوطنى معا .
يقول مزالى تحت عنوان « الحرية والديمقراطية » :
« نحن فى هذه المجلة من أنصار الحرية . ولسنا نريد حصرها فى ميدان دون آخر ، أو قصرها على طائفة دون طائفة . الحرية كل متماسك الاطراف ، اذا أصابها ضيم فى ميدان أو شخص ، أو فريق ، فانما تكون حينذاك مهددة فى وجودها وجوهرها وأساسها . لذلك وجب علينا فى هذه البلاد أن نخرج بالحرية من حيز الكلام الى طور الفعل . ولابد ان نضمن لجميع المواطنين حق التمتع بالحرية وحقوق الانسان » .
وفى حرية الفكر يقول محمد مزالى فى افتتاحيته « العظمة فى أصالة الفكر الحر » :
« نحن نؤمن أن أهم مظهر للحرية ، وأجمل صورة لها . هى حرية الفكر ... انه من الغبن فى ذات البشرية . ومن الاجرام فى ذات الفكر ، كبت حرية التفكير أو حصر الحقيقة فى فرقة دون فرقة ، أو مذهب دون مذهب . أو عصر دون عصر » .
وأنا وقفت عند هذه المعانى لان الحرية هى المشكلة الكبرى . وهى المطلوب الأعظم فى العالم العربى كله : كان العالم العربى كله محروما منها فى العهد العثمانى ، ثم فى عهد الاستعمار الغربى . وحين تخلص من العهدين الاستعماريين : العهد العثمانى والغربى ، وقع فى عهد الثورية والانقلابات العسكرية ، فظل محروما من الحرية : حرية الفكر ، وحرية الممارسة والعمل .
لذلك حين يقوم قلم ينادى بالحرية ، تتطلع اليه الانظار ملهوفة ، وتسأل فى منتهى العطش والجوع : « وأين هى الحرية ؟ أعطونا الحرية ! نشقونا هواءها المنعش ، آجركم لله ! » .
لقد كانت السجون والمنافى وأعواد المشانق هى وحدها نصيب الأحرار والمنادين بالحرية فى كل ديار العرب فى عهود الاستعمار ، فلما خرج الاستعمار بكفاح الشعوب ودمائها ، ظلت السجون والمنافى وأعواد المشانق هى وحدها نصيب الاحرار والمنادين بالحرية فى كل ديار العرب ، ولكنها هذه المرة صارت من العرب للعرب . لا من الغرباء والاعداء . وزاد عليها التعذيب والبطش الذى لا رحمة فيه .
هذه الحرية فى الفكر والممارسة ، كانت ميدانا فسيحا خاض فيه قلم محمد مزالى على صفحات الفكر طويلا . وكان مؤمنا بدعوته ، منافحا عنها ، وقد فتح المجال للمناداة بها أمام الاجيال الجديدة التى فتح لها صفحات ( الفكر ) على مصاريعها ، وهو بعد فى أول الطريق ومبتدأ الشوط .
وأود أن أقف كذلك عند افتتاحية العدد الاول من السنة الاولى من مجلة ( الفكر ) ، ففيها دعوة ، ومنهج ، وخطة عمل ، ومصباح على الطريق . يقول مزالى تحت عنوان « سبيلنا » :
« ان المجتمع التونسى اليوم يجتاز مرحلة دقيقة في حياته، وهو فى أشد الحاجة فيها الى أن يعرف نفسه ، ويعى منزلته ، ويوضح أهدافه . فسنة الحياة تقتضيه أن يخرج من السلبية الى الايجابية ، وأن يصهر ما فى نفسه من امكانيات ، وأن يتميز ككائن حى سوى ، وينفرد كشخصية مستقلة .. ونحن شاعرون بقوة التيارات الفكرية الاجنبية التى تحاول جرفنا الى ما لا ارتياح معه ولا وثوق به .. فنحن أحوج ما نكون الى مذهب أصيل ، منتزع من واقعنا ، ومستلهم من ماضينا وحاضرنا ، يكسب أعمالنا معنى ساميا » .
ويضيف قائلا :
« بالفكر نوفق الى وضع المشاكل الوضع الصحيح ، والى علاجها الناجع ، وبالفكر نتمكن من السير على هدى نحو مذهب تونسى صميم أصيل ، يزيل حيرتنا ويسمو بنا » .
ويختم افتتاحيته بقوله :
« فاذا أمكن لهذه المجلة أن تكون ملتقى المثقفين فى هذه البلاد ، حتى يعالجوا مشاكلهم على ضوء الفكر ،فانها نكون قد قامت بنصيب متواضع من عمل انشائى أكيد » .
هكذا بدأ محمد مزالى مجلته ( الفكر ) ، والى هذا دعا المثقفين ليجندوا أقلامهم فى خدمة الفكر التونسى الوطنى الجديد الحر ، الذى يحاول أن يبنى تونس الجديدة ، الحرة المستقلة ، بناء سليما على أسس وطنية ، وبسواعد واثقة أمينة . فالفكر لاجل البناء ، والفكر فى خدمة الوطن والشعب ، والفكر فى خدمة الحرية والاستقلال .
ولكن فكر محمد مزالى لم يتقوقع داخل الشرنقة التونسية ، بل كان واعيا لما حوله من قضايا وأحداث ومشاكل . وحدة المغرب العربى الكبير ، مثلا ، كان لها نصيب من فكره ، ونضال الجزائر الدامى الباسل كان له نصيب كذلك ، والقضية الفلسطينية لم تغب عن تفكيره وعن جولات قلمه .
فى وحدة المغرب كتب مزالى كثيرا من الافتتاحيات والمقالات ، منها : ( أساس وحدة المغرب - تضامن المغرب العربى - معركة الوجود الاكمل - كيف نحقق وحدة المغرب الكبير ؟ - فى سبيل ثقافة مغربية - مسؤولية رجال الثقافة فى وحدة المغرب الكبير » .
فى افتتاحية بعنوان « فى سبيل ثقافة مغربية » ، يقول محمد مزالى :
« اليوم وقد انتصرت الجزائر المجاهدة . وانبرى أبناؤها ينشئون الحياة ويبنون ، لعله أصبح من اليسير أن نصمم برنامج النهضة بالادب والثقافة فى ربوع المغرب الكبير ، ونضبط الوسائل الكفيلة بتمتين العلاقات بين أدباء الاقطار الاربعة ، وارسائها على قواعد ثابتة ، وتوحيد الجهود كى يستفيد كل بتجارب الآخر ، فتطوى المراحل ، وتختصر المحاولات » .
والدعوة الى وحدة المغرب العربى الكبير . بأقطاره الاربعة المسلمة : ليبيا ، تونس ، الجزائر ، والمغرب ، هى أخت الدعوة الى الوحدة العربية الكبرى : كلتاهما مخلصة مؤمنة ، وكلتاهما حلم من احلام العرب الكبرى ، ولكنها لا يمكن أن تتحقق ، لأن دعوات الانفصال والتشرذم والقوقعة أقوى منها بما لا حدود له ، فوراء دعوات الانفصال قوى كبيرة تدعمها فى الداخل والخارج ، وتريد لها أن تبقى ، وأن تقوى وتشتد ، لأن فى وحدة الاقطار العربية قوة هائلة للعرب ، تخيف وتهدد . ولذلك تظل قوى الاعداء جميعهم تدعم الانفصال ، وتساعد على التمزق ، لأجل بقاء الامة العربية ضعيفة خانعة . ثم ، أين يذهب أصحاب السلطان يوم تقوم الوحدة بين الدول والشعوب ؟ ومن منهم سيتنازل عن كرسى مجده وسلطانه للآخرين ؟ ومن منهم سيحكم دون سواه ؟ .. وهكذا تتوحد المصلحة فى الخارج والداخل ، وتضيع قضايا الشعوب وتهدر .
لا أريد أن أسترسل فى الحديث عن كل ما عالجه قلم محمد مزالى فى افتتاحيات مجلة ( الفكر ) ، ولا فى محاضراته ، واذاعاته ، ومقالاته فى الصحف الأخرى ، فهذا حديث واسع جدا . ولكننى أريد أن أقول فى ختام كلمتى هذه ان مجلة ( الفكر ) قد انفتحت صفحاتها لأقلام كثيرة جدا ، من تونس ومن خارح تونس ، على مدى ثلاثين سنة من عمرها ، تبدأ بعد الاستقلال بقليل ، وتمضى قدما مع التاريخ الحديث . وقد استطاعت فعلا أن تخلق فى تونس نهضة أدبية مرموقة ، تجنى تونس اليوم ثمارها الخيرة .
لقد خرجت ( الفكر ) أجيالا من الأدباء وحملة الأقلام ، يشاركون اليوم فى نهضة الأدب التونسى المعاصر . وسيسجل لها التاريخ التونسى الحديث أنها ساهمت فى نهضة أدب الاستقلال ، وأنها كانت مصباحا على الدرب فى تونس العربية المستقلة .
