ولا شك ان مزالى ابرز كتاب تونس الذين حاولوا ان يتتبعوا أحداث العصر ويقدموها فى شكل مقالى . ومقالاته ودراساته تتناول حركة الشعب فى مواجهة ثورة البناء والتقدم ، وكان اهتمامه بوطنه الحبيب الى قلبه مثار تقدير واعجاب من كل الوطنيين ، ومن المجاهد الاكبر الزعيم الحبيب نفسه .
ويتحدث عن زعيم بلاده ، المجاهد الأكبر الرئيس الحبيب بورقيبة ، فيقول :
لا يزال اهتمام رجال الفكر والادب في هذه البلاد متجها الى دور المثقف فى المجتمعات النامية ، بعد الندوة التى انتظمت فى هذا الصدد بنادى " ابو القاسم الشابى خلال شهر رمضان المنصرم
لقد تحمل الحبيب بورقيبة منذ اكثر من ثلاثين سنة اعباء كل المثقفين واضطلع بالرسالة المقدسة ، فلا أقل من أن يتحمل كل المثقفين اليوم بعض اعباء " الحبيب بورقيبة " .
ومن تحليل محتوى كتاب من كتبه مثل وحي الفكر " يتضح لنا تنوع الاتجاهات فى موضوع الرسالة الابداعية عند مزالى ، ومن ذلك ما يندرج تحت الوطنيات ، مثل :
تونس في دروب الديمقراطية ، تونس تستقل ، تونس جمهورية ، التحرر الاقتصادى ، ثورة متواصلة ، العبرة من ذكرى الساقية ، الشعب ينتخب ، ثورتنا ، ذكرى 8 يونية ٠٠ جبهات ومعركة واحدة ، نخوتنا بعد الجلاء ،
من وحى الجلاء ، عيد الجلاء ، الجلاء الزراعي ، على عتبة مؤتمر المصير ، مؤتمر المصير ، الشعر وملحمة الكفاح التونسى ، الذكرى العاشرة لعيد النصر
وما يندرج تحت عنوان المغرب العربى
اساس وحدة المغرب العربى ، تضامن المغرب العربي ، معركة الوجود الاكمل ، كيف نحقق وحدة المغرب الكبير ، فى سبيل ثقافة مغرية ، وحدة المغرب العربى بين الامل والواقع ، مسؤولية رجال الثقافة فى وحدة المغرب الكبير ، والتربية ووحدة المغرب العربى
وتحت عنوان " الثورة الجزائرية
كفاح من اجل الحرية ، الثورة الجزائرية مغامرة انسانية ، لماذا نتضامن مع الجزائر ، فى سبيل الثورة الجزائرية ، ونصر مبين
وتحت عنوان " شخصيات تونسية " :
فرحات حشاد ، ابن خلدون ، محمد العربى الكبادى ، الحبيب بورقيبة ، أبو القاسم الشابى ، مصطفى خريف ، وحسن حسنى عبد الوهاب ،
وتحت عنوان " قضايا ومواقف " :
سبيلنا ، العظمة فى اصالة المفكر الحر ، الحرية والديمقراطية ، الحرية الحق ، نحو مذهب فكرى تونسى ، حول مؤتمر الادباء المصريين الثالث مؤتمر الكتاب الافريقيين الاسيويين ، حرية الاديب والتفرغ ، الالتزام ، نحو التونسى ، الحركة الادبية فى تونس ، تفاؤل ، قضايا الادب العربي المعاصر ، مؤتمر الكتاب الافريقيين الاسيويين ، حرية الاديب والتفرع ، الالتزام ، نحو اشعاع الادب التونسي ، مؤتمر الادباء العربى الخامس ، احياء الدين ، دعوة الى الاجتهاد ، الى من يظلم الأدب التونسى ، كيف نقاوم آفات الفكر ، واجب المثقفين بعد مأساة يونيو ، هل انقضى عهد المجلات الادبية ، تمرد الشباب بين الرياضه والادب ، تقدم العلم والاخلاق ، الاسلام دين الحرية ، تحدى " واقعية" كبار الحومة ، الاديب الحق ، هل الادب مأساة بالضرورة ، والادب ملحمة .
وتحت عنوان " فى التعليم والتربية " :
فى سبيل تربية قومية ، فى سبيل الاصالة ، أول الغيث قطر ، بين الجامعة والمجتمع ، الجامعة والانتاج الادبى ، جدوى التعليم ، ومسؤولية الجامعة
وتحت عنوان " شؤون الثقافة "
الثقافة الشعبية ، نداء ، دور المثقفين ، دور الثقافة ، الثقافة والتثقيف ، التبادل الثقافى ، ان بعد العسر يسرا ، واجب النشر ، النشاط الثقافي الثقافة والتربية الشاملة ، لا مركزية الثقافة ، رسالة المثقف ، تطور الحركة الثقافية ، الجوائز الادبية ، مشكل توزيع ، مشكل توزيع ام استهلاك الادب وعناية الدولة ، تشجيع الانتاج الثقافي ، ونشاط متواصل .
وتحت عنوان فنون الادب :
فى القصة التونسية ، فى سبيل القصة التونسية ، فى سبيل نهضة مسرحية ، فى الشعر والشعراء ، أى المسرح ؟ ، فى الشعر ، ومهرجان الشعر الاول . .
وتحت عنوان منهاج الفكر وشؤونها
اتجاهنا ، " الفكر " تونسية مغربية وانسانية ، منهاجنا ، الحاجة الى التوجيه والتشجيع ، ضرورة التجارب ، وفاء ، ثبات ، مجلة الاديب الواعى ، " الفكر والشباب ، سر النجاح ، نضال لا ينتهى ، خدمة الادب ، رب انعمت فزد نشوة العمل لوجه الله ، لكل امرئ ما سعى ، فكر حى شاب ، مرحبا بادب الشباب ، السعى الى النسخ الجديد ، ودفاع عن الفكر
ورغم تنوع هذه الاتجاهات الفكرية والموضوعية عند مزالى ، فقد سادها بوجه عام جانبان : جانب اجتماعي يتمثل فى نقد المجتمع المعاصر سواء على الصعيد الدولى حيث يتربع على قمته ساسة لا هم لهم الا اشعال نار الحروب ولا يهمهم ما تعانيه البشرية نتيجة ذلك . او على الصعيد المحلى حيث تتربع على قمته طبقة اجتماعية منحلة وما يعانيه نتيجة ذلك افراد الطبقات الشعبية ولا شك ان تعاطف مزالى مع هذه الطبقة انما يرجع الى نشأته فى دولة اسلامية مجاهدة كذلك يتجه النقد الاجتماعى الى وضع المرأة فى المجتمع العربى ولذلك عني في دراساته ووجهات نظره فى دروب الفكر بقضايا المرأة على نحو ما نجد فى دراسته عن تعليم الفتاة التونسية " يقول مزالى :
" ان الحديث عن المرأة التونسية يستوجب اولا التعرض لمشكل المرأة عامة والتعرف الى منزلتها الاجتماعية وحظها من المساواة مع الرجل . فقد اعتبر الكثير ، قديما وحديثا ، انها أقل ذكاء من الرجل وأضعف من أن تضطلع بما يضطلع به من واحبات سياسية ويتحمله من تبعات علمية وثقافية . .
ولئن تغنى بها شعراء الوجدان وتغزلوا بمحاسنها وتلطفوا اليها وخطبوا ودها فلابراز جمالها وقابليتها لاسعاد الرجل وارضاء حاجاته ،
ويقول ايضا عن الحرية الحق
الحرية حق مقدس وواجب أكيد : مظهران لماهية واحدة وجوهر واحد إذا فقد حدهما او اختل التوازن بينهما انقلبت الحرية فوضى او آلت الى استبداد وفى كلتا الحالتين هزيمة الانسان " .
ونحن ننادى بمجلس تأسيسى ليحدد حقوق المواطنين وواجباتهم حتى يتعايشوا فى كنف الحرية الحق ، على ارض هذا الوطن العزيز ، اخوانا متحابين لا ذئابا متناحرين
ذلك معناه ان الديمقراطية التى نحن على ابوابها يجب ان نحققها سليمة قويمة مبرأة من كل شائبة . . فعلينا - اذن - ان نكون ايقاظا وان نحسن الاختيار حتى لا تصبح مجالسنا مسارح لاقصى المهازل وقعا وحتى لا نصنع بأيدينا القيود التى قد نكبل بها من جديد . .
وكم من عبودية ترفل فى زى الحرية الكاذبة التى ليست لها من وظيفة سوى ذر الرماد فى العيون واخفاء قيود الجهل والبؤس والحيف الاجتماعى واختلاس المحظوظين كد الكادحين
نحن لا نريد حرية زائفة ، نحن نريد " الحرية !
ومزالى يرى قيمة الاتصال الادبى فى مدى تأثيره فى الجمهور المتلقى ، الذى خاطبه فى مقدمة أحد كتبه مؤكدا هذا الاتجاه الايجابى نحو الجمهور المستقبل ، يقول مزالى :
" هذه أيها القارئ الكريم معالم أخرى أضعها فى طريقك القاك بها وتلقانى ، بعد ان كانت سعت اليك كتبي " من وحى الفكر " و مواقف و " دراسات و وجهات نظر فحفلت بها ورحبت ورأيت فيها صورة بينة الملامح ، بعيدة الافق ، لنضال دابت عليه سنين طوالا وما زلت ، مساهمة منى فى ايقاظ الهمم واستنهاض العزائم وفتح البصائر ودعوة أهل الفكر من ابناء امتنا الى تكسير أغلالهم وتفجير طاقاتهم وتسخير قواهم لخدمة ثقافتهم ومعالجة قضاياهم وانارة شعوبهم
وها أنا استجيب الى رغبتك ، معتزا بتشجيعك ، مؤمنا بتأييدك ، فأقبل عليك بهذه " الباقة " التى نضدت بين متفرقات وضممت ما كنت لقيتك به
فى مطلع كل شهر مدة خمس سنوات ، فاذا هو هذا الكتاب الذي أضعه بين يديك . . بعد ان اخترت له من العناوين فى دروب الفكر " .
ولئن كان من معاني " باب السكة الواسع " و " الباب الأكبر فان من معانيه " الطريق " ! والطريق - كما قال أحدهم - لن تكون طريقا حتى تكون بلا نهاية ! . . وذلك انها اشارة الى ما تتخذه المغامرة الفكرية من ابعاد وما تقتضيه من عمل مضن وسعى دائب واصرار مرهق وثبات عنيد وصراع عنيف بين الحقيقة والخيال وبين الخير والشر وبين الدعة والجهد وبين الواقع والغيب ، وهى بالتالى جوس في مطاوى الحياة بما يكتنفها من معميات ويطغى عليها من ضبابيات ويتفرع عنها من متعرجات .
وهل الفكر فى يقظته والوجدان فى وميضة والايمان فى يقينه سوى هذه الشعلة التى تشق ظلمات الحيرة وتزيل وساوس الشك وتنير شعاب الوجود ؟ ! . .
وهل رجل " الفكر " غير هذا الضارب في متاهات الحياة مستجليا أثارها ، مستقرئا اسرارها ، مستحضرا اخبارها ؟ . .
لقد حاولت ، يا قارئي الكريم ، ان اطرح بين يديك قضايا هي قضاياك وان اثير مشاكل هي مشاكلك ، وان اجابه متناقضات هى متناقضاتك ، وان اواجه تساؤلات هى تساؤلاتك ، وأن اقف من الوجود مواقف دعوتك الى التفكير فيها بكل جد ، ورجوتك امعان النظر في ابعادها بكل صبر ومعالجتها بكل شجاعة
ولقد كان ديدني في كل ذلك أن اكون معك صريحا ، اذ كنت أطمح بامالى الى ان افيد قومي وشباب بلادى ، وان اعرض عليهم مآسينا وقضايانا عارية كيوم الحساب، وان اصدع بما اعتقده الحق غير مكتف بعرض القضايا دون حلولها ، بل كنت أدعو الى اعمال الفكر وايثار الصدق والاعتبار بما يجرى فى غير دارنا . . وهل التفتح شئ آخر غير الاعتبار اساسا بما يقع حولنا وفى ظروف حياتية تشبه ظروفنا ؟ . .
فلا تطمعن اذن ، أيها القارئ الكريم ، فى ان تجد - فيما اقدمه اليك - ادبا " أبداعيا " يجنح بك الى الخيال ويدعوك الى التأويل . . ويسمو بك او ينزلق الى ضرب من التسابيح الضبابية والتجليات الصوفية ، بل لقد سلكت اليك اسلوبا واضح العبارة ، فصيح الاشارة ، لم اركب فيه مركب
الرمز والاغماض ولم التجيء الى المداورة والالتواء ، رجاء النفاذ الى نفسك بلا تأشيرات ولا مسوغات ، واقامة حوار معك - وحوار آخر بينك وبين ذاتك . حوار قوامه نزاهة فى الحكم وصراحة فى القول وصدق فى معالجة الامور
فعسى أن اكون قد وفقت
والله الهادى الى سواء السبيل . . " ( 5 )
وينطلق مزالى فى اتجاهه نحو القراء من هذا الفهم العلمى في رؤياه الابداعية الى مواصلة رسالته الفكرية ، وهو يصرح به فى مقدمة كتابه دراساته " حين يقول :
هذا كتاب يكمل مواقف ، ويحتوى مثله - على جملة من المقالات المنشورة بمجلتى " الندوة " و " الفكر من المحاضرات التى ألقيت فى مناسبات شتى ، وتناولت مواضيع مختلفة ، منها اثنتان يرجع بهما العهد الى سنة 1949 ، اى الى ربع قرن مضى
وقد دفعني الى نشر هذه النصوص ما لقيه كتاب - مواقف من اهتمام شد ازرى ، وما حظى به من تشجيع ثبت قدمى وحملنى على المثابرة . وآمل أن يجد القراء فى " دراسات " فائدة أدبية وشاهدا تاريخيا ، وان يحفز كل الادباء والمثقفين الى الانتاج ، ثم الانتاج فالانتاج ، والاقدام على النشر رغم الصعاب ، دون ان يعبأوا بابتسامات القاعدين وتشكك المتفر حين ، فحركية الخلق اذا ما توفرت أسبابها النفسية وتهيأ مناخها الحضاري فانطلقت ، لن تعرف الانتكاس
والادب التونسى فى حاجة - ليزدهر ويشع - الى مزيد من ثقة التونسيين بأنفسهم ، وفى حاجة الى ثبات رجال الفكر والادب فى مواقفهم ، والى طول النفس فى انجاز مشاريعهم .
اما انا فقد حاولت ، واجتهدت ، وسأواصل . . . 6
وهكذا ادب مزالى ، وثيق صلة بقارئية ، ففي رؤيا مزالى الابداعية تظهر عملية الاتصال فى اسس صورها . ولا شك ان اكثر المسائل الفنية صعوبة وأشدها تعقيدا ستتضح طبيعته لنا فى مجلة الفكر من ناحية عامل الاتصال
ومن هذه المسائل - ما يذكره ريتشاردز - اسبقية العناصر الشكلية على المضمون ، ومسأله اللاشخصية او ابعاد الذات التى يؤكد اهميتها علماء الجمال .
واذا كنا لا نرى مزالى اثناء ابداعه للعمل الادبى يهتم عادة بالتوصيل عن قصد وبطريقة واعية ، فاننا نجد اثار هذا الاهتمام فى الاداء الصحيح للعمل الادبى ، كما نجد اثار هذا الاهتمام فى " تجسيد " التجارب الفكرية فى انتاجه بحيث يجعل هذا النتاج على قد التجربة ويمثلها اصدق التمثيل ، على تعبير ريتشاردز . فلعملية " الاداء " السليم نتائج اتصالية بالغة ، ودرجة التطابق بين انتاج مزالى وبين تجربته المعنية هى ذاتها معيار لدار ما يحدثه النتاج من تجارب مماثلة عند الغير
ومزالى حين يصرح بأنه يتجه الى مجتمعه اتجاها ايجابيا ، فانما يؤكد ذلك الدافع اللاشعورى فى رؤياه الابداعية والمتمثل فى الرغبة فى الاتصال وقد يرجع ذلك الى " توازن الفنان " فى رؤياه الابداعية ، الامر الذي يؤدى الى احداث التناغم والتوافق بين دوافع الاديب والدوافع الممكنة لدى القارىء ، فكل تصال ناجح - كما يقول ريتشارد ايضا بتضمن هذا التوافق ولن يستطيع ان يعوض عنه اى تدبير وتفكير
وبناء على هذا الفهم ، فاننا نجد اتجاه مزالى نحو الجمهور المتلقي اتجاها ايجابيا . هذا الاتجاه الايجابى يرتبط بالطبيعة الادائية فى رؤيته ، لنقل التجارب ، الامر الذى يجعل لانتاجه اكبر قدرة على الانتقال الى القراء ومن اجل ذلك يمتاز اسلوبه بوضوح وانطلاق متدفق ترتدى فيه أفكاره ايسر العبارات التى تدل عليها . وهنا يمزج بين الواقعية والرومانية . وله فكاهة حادة " تستمد من طبيعته . فهو إذا ضحك لم يزد كثيرا على الابتسام ، واذا ضحك لم يثر فى قارئه شعورا بالسخرية المريرة . كأنه يريد ان يروض قارئه على ما جبل عليه من طبيعة الاعتدال والقصد ، فهو سمح الخليقة ، هادىء النفس وهذا مما يقدره على الكتابة وعلى ممارسة نشاطه المتنوع . انه - فيما يبدو ! يضن بوقته وجهده واعصابه ان يبذلها فيما يطلق عليه " هوامش الحياة التى تطغى على الحياة نفسها وتعطل او تعوق سيرها الطبيعي ، فلو نظرنا الى نواحى نشاطه المتعددة ، وهو مصدر عجب الناس من قدرته على متابعة جميع نواحيه فى كفاءة وكفاية متعادلة ، تتبع فى الحقيقة من مصدر واحد هو ايمانه بكرامة الانسان . وهذا الايمان هو الذي جعله يتحمل مسؤولياته فى الحكومة والحزب الاشتراكى الدستورى منذ الاستقلال ، ويؤسس مجلة الفكر سنة 1955
ويراس اتحاد الكتاب التونسيين ، واللجنة الاولمبية العالمية ، الى جانب ما قام به وما يقوم به من اجل الانسان العربى ، الذى يمثل فى أدبه وفكره محور كل بناء .
وتأسيسا على ما تقدم ؛ يمكن القول ، ونحن نحتفل بثلاثينية مجلة الفكر ان الصحافة التى صنعت الادب الحديث ؛ هى نفسها صانعة ادب المستقبل
هذه المقولة التى يطرحها احتفالنا بمزور ثلاثين عاما على صدور مجلة الفكر انما نستند الى ما شهده العالم منذ اواخر النصف الثاني من هذا القرن من اهتمامات متزايدة بين رجال الفكر حول ظاهرة " ثقافة الجماهير " والتي اثارت جدلا كبيرا حول استخدام " وسائل الاتصال بالجماهير " ومميزاتها الايجابية والسلبية فى المجال الثقافي ، ولا سيما بعد ظهور الأجهزة الآلية فى التوصيل ، ومنافستها للصحافة والكلمة المطبوعة استنادا الى " قانون بذل أقل الجهود ومازلنا نذكر المجيد الذى قدمه الاديب الكبير جورج دوهاميل عن الادب على افتراض ان هذه الاجهزة الآلية ؛ قد أدت الى تقهقر القراءة وضعف مكانة الكتاب والكلمة المطبوعة فى نفوس الجماهير
ولكن المفكرين قد حرصوا خلال السنوات الماضية على التأكيد بأن الكلمة المطبوعة سوف تبقى لها قيمتها وثباتها عند الجماهير ، فما تزال القراءة أعمق وأصح وسيلة للمعرفة والفهم والثقافة .
فاذا قلنا ان الصحافة هي " صانعة " الادب الحديث ؛ فاننا نستطيع ايضا ان نقول ان مجلة الفكر قد اسهمت في صنع الادب العربي والتونسى خلال ثلاثين عاما من عمرها المديد باذن الله . فالمجلة الفكرية ليست مجرد أداة فنية للتوصيل ؛ وهذا الفهم يقتضى منا القيام بوضع " تخطيط " قائم على فهم علمى للمستقبل ، لما ينبغى ان تقوم به الصحافة الفكرية والادبية من تزويد للانسان العربى بزاد ثقافى وادبى وفنى ، ومن الاشتراك في تشكيل الملامح الحضارية لمجتمع المستقبل ، بصورة تحقق الاهداف المستقبلية في تجديد الذات العربية
واذا كانت الدرسات المستقبلية قد حققت نجاحا ملحوظا في مجالات الاقتصاد والسياسة والبيئة والطب والطاقة البشرية والتكنلوبا ، الا أنها ما تزال فى المجالات الادبية رهينة التصور الخيالي ، الذى يسعى حثيثا الى الاستناد على اسس علمية ولا سيما ان الادب يتمثل فيه خلاص الانسانية الامر الذي يجعلنا نذهب الى ان صحافة الادب هى صحافة المستقبل ، لان الادب - كما يقول استاذنا توفيق الحكيم - هو الكاشف الحافظ للقيم الثابتة فى الانسان
والامة . الحامل الناقل لمفاتيح الوعى فى شخصية الامة والانسان . . تلك الشخصية التى تتصل فيها حلقات الماضي والحاضر والمستقبل .
والاستقراء التاريخي يدلنا على ان مهمة الصحافة الأولى كانت عند نشأتها مهمة اخبارية : ما لبثت ان اضافت اليها وظائف اخرى مثل وظائف الرأى والتوجيه والامتاع والترفيه والاعلان والتسويق والتثقيف والتنشئة الاجتماعية
وتتضح الصورة المستقبلية للصحافة عند النظر الى الوظيفة الاخرى واعنى وظيفة التثقيف والتنشئة الاجتماعية ويذكرنا الحكيم فى هذا السياق بقول بول فاليرى ان الانسانية فى جملتها لا تقرأ اليوم شيئا غير الصحف الى ان قال يجب تعليم تلاميذ المدارس ان يطالعوا الصحف ! ولست امزح ، ذلك ان الشعب . . إذا كان هو الحاكم - فان للحاكم ان يتسلم في كل صباح تقريرا عن حالة ملكه وحالة العالم . . هذا التقرير موجود فى الصحف على انه ينبغى ان يتعلم كيف يستخرج منها هذا التقرير ، ذلك ان تحليل أية صحيفة من الصحف وغربلتها هما رياضة على جانب كبير من الفائدة . .
ان الغذاء العقلي للجنس البشرى ، انما يعد الآن اعدادا في مطابع الصحف ويعقب الحكيم على حديث فاليرى قائلا : " يدهشني كيف ان مفكرا من طراز فاليرى يبسط الحقيقة بهذا الهدوء . . حقا لقد انتقلت مهمة تثقيف الشعوب من ايدى الفلاسفة والكتاب والشعراء والخطباء الى ايدى الصحفيين
من أجل ذلك نذهب الى أن صحافة الادب والفكر هي صحافة المستقبل التى لا تقوم بمجرد اقناع القارئ ، بل في التفكير معه ، ذلك أن هذه الصحافة يمناها : الابداع الذى ينتج ويبتكر ، ويسراها : النقد الذى ينظم ويفسر
وفى ختام حديثى عن مجلة الفكر ، ومستقبل الصحافة الادبية فى وطننا الكبير ، لا يسعنى الا ان اقول مع الحكيم :
" إذا أبصرت شعاعا فاعلم ان وراءه كوكبا ، واذا رأيت ادبا فاعلم أن وراءه حضارة . . وما من خطر يهدد الشعاع الا انفجار الكوكب " .

