الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

مجلة " الفكر " : الوسيلة هي الرسالة

Share

يذهب التفسير الاعلامى للادب الى ان اكثر المسائل الفنية صعوبة واشدها تعقيدا تتضح لنا حينما ننظر اليها على اساس الجوهر الاتصالى للآثار الفنية والادبية ، ذلك ان معظم خصائص العقل البشرى التى تميزه عن غيره انما ترجع إلى كونه أداة للاتصال . او كما يقول ريتشاردز : " حقا ان التجربة لا بد ان يتم تكوينها قبل ان يبدأ توصيلها ، غير أن التجربة عادة تأخد شكلها المألوف لان وجوب توصيلها امر محتمل الوقوع . ولقد جعل قانون الانتقاء الطبيعى القدرة على الاتصال لدى الانسان عاملا ذا اهمية بالغة . واهمية الاتصال اكثر ما تكون فى ميدان الفنون . ففى الفنون تظهر عملية التوصيل فى اسمى صورها " .

وإذا كنا بذلك قد طرحنا الافتراض الاساسى ، وهو أن الادب يقوم على جوهر اتصالى ، فان عمليات التفسير الاعلامى للادب تقوم على أساس من النموذج الاتصال الشهير : من ( الاديب ) ؟ يقول ماذا ( الرسالة ) لمن ( الجمهور ) وبأية وسيلة : ( وسائل الاتصال بالجماهير ) وبأى تأثير ؟ ولأى هدف ؟

فالاديب والمضمون والوسيلة والمستقبل والاستجابة انما هى جميعا حلقات متصلة فى سلسلة واحدة . وينهار العمل الادبى إذا اعترت هذه السلسلة نقطة ضعف فى اية حلقة من حلقاتها ، فالعمل الفنى الحقيقى هو - كما يقول تولستوى - " ذلك الانتاج الصادق الذى يمحو كل فاصل بين صاحبة من جهة ، وبين الانسان الذى يوهبه اليه من جهة اخرى ، ثم هو ايضا ذلك الانتاج العامر بالعاطفة الذى يكون من شأنه أن يوجد بين قلوب كل من يوجه اليهم " .

وإذا كان التفسير الاعلامى للادب يتميز من مناهج التفسير الادبى الاخرى باهتمامه بالوسائل الاتصالية فى الابداع الفنى ، فان رائده فى ذلك يرجع                            29                        381

الى التراث العربى ، والإسلامى ، اذ تنبه ابو الحسين الكاتب فى كتابه " البرهان فى وجوه البيان " والذى نسب خطأ الى قدامة بن جعفر باسم " نقد النثر " الى ارتباط الابداع الادبى بالوسيلة الاتصالية حين قسم وجوه البيان الى البيان بالقول " الحضارة السمعية " والبيان بالكتابة " الحضارة التدوينية " . ووفقا لنظرية الاعلام فقد انتقلت الحضارات الاتصالية من الحضارة السمعية الى الحضارة التدوينية الى حضارة الطباعة ثم حضارات السنما والأذاعة والتليفزيون حتى حضارة الآلية الذاتية .

وكانى بهذا الكاتب العربى القديم قد توصل الى مقولة عالم الاعلام الشهير ماكلوهان والتى يعتمد عليها التفسير الاعلامى للادب ، وهى ان " الرسالة هى الوسيلة " ، ذلك ان اى تقدم تكنلوجى من شأنه ان يبدع بالتدريج بيئة انسانية جديدة تماما . فالبيئات ليست مجرد اغلفة سلبية ، بل انها تشكل عمليات ايجابية .. وكما استطاعت الكشوف التكنلوجية الخصبة ان تبدع سلسلة كاملة من البيئات الجديدة فان الانسان قد ادرك ان الفنون هى " بيئات مضادة " او انها " ترياق " يمنحنا الوسائل التى تمكننا من ادراك البيئة ذاتها .

وليس من المبالغة ان نقول مع القائلين ان مستقبل المجتمع الحديث واستقرار حياته الداخلية يتوقفان الى حد كبير على المحافظة على التوازن بين قوة تقنيات لاتصال وقدرة كل فرد على الاستحابة لها . وقد ذكر أ . ج . ليبلنج (Liebling) فى كتابه " الصحافة : The press " ان الانسان لا يمكن ان يكون حرا اذا كان لا يعرف أين هو ذاهب . حتى ولو كان يحمل بندقية لهذا الغرض . ان كل وسيلة هى سلاح يمكن استخدامه لتوجيه ضربات للآخرين ، او لوسائل اتصال اخرى . ولهذا السبب فان العصر الحاضر هو عصر عدة حروب اهلية لم تقف عند حدود الفن والترفيه .

وقد ذكر الاستاذ ج . ر. نيف ( Nef ) فى كتابه " الحرب والتقدم الانسانى ( Progrees In War And Human ) " ان الحروب الشاملة فى ايامنا هذه هى نتيجة سلسلة من الاخطاء العقلية " . .

واذا كانت القوم الخلاقة لوسائل الاتصال تكمن فى الوسائل نفسها ، كما تقول ماكلوهان ، فان ذلك يثير عددا من المسائل الهامة حول مجلتنا التى نحتفل وثلاثينيتها اليوم ، مجلة " الفكر " التى تناغمت فيها " الرسالة " مع " الوسيلة " لتؤكد هذا المعنى .   382                              30

ذلك ان هذه المجلة - كوسيلة - تنتمى الى الحضارة الطباعية ، التى مددت عقول الناس وأصواتهم ، وأعادت تشكيل حوار انسانى على نطاق واسع ، يتجاوز حدود الزمان .

واذا ما نظرنا إلى الطباعة على أنها مجرد وسيلة لاختزان المعلومات ، أو الاسترحاع السريع للمعرفة ، فاننا سنجدها بهذا المعنى قد حطمت النزعات الفكرية والقبلية محدودة النطاق تحطيما سيكلوجيا واجتماعيا ، سواء من حيث المكان او الزمان .

وللطباعة - شأنها شأن اى حزب من امتدادات الانسان - كما يقول ماكلوهان - نتائج سيكلوجية واجتماعية تتجلى بوضوح فيما تحدثه من تغيير مفاجئ لحدود ونماذج الثقافة السابقة . وحينما تم مزج العصر القديم بالعصر الوسيط - او الخلط بينهما كما يحلو للبعض أن يقول - فان الكتب المطبوعة قد خلقت حينئذ عالما ثالثا هو العالم الحديث الذى يواجه الآن تكنلوجية جديدة ، أو امتداد جديدا للانسان ، الا وهى التكنولوجية الكهربية لقد غيرت الوسائل الكهربية المستخدمة فى نقل المعلومات من ثقافتنا الطباعية بنفس الطريقة التى غيرت بها المطبوعات الثقافية المدرسية المخطوطة التى سادت العصور الوسطى . وليس هناك شئ ابعد عن الثقافة الطباعية ، تلك الثقافة التى " جعلت لكل شئ ، وبكل شئ مكانه " .

لقد أحدث امتداد الانسان فى مجال الطباعة تأثيرا اجتماعيا هاما تمثل فى ظهور القومية ، والصناعية ، ونمو الاسواق الجماهيرية ، ومحو الامية ، والتعليم العام ، ذلك ان المطبوعات قد مثلت صورة الدقة المتكررة التى اسهمت فى ظهور أشكال جديدة ، تماما من امتداد الطاقات الاجتماعية . لقد اضفت حروف الطباعة على الانسان شخصية قوية ، واعطته شجاعة التعبير .

ولقد كان تطور الصحافة المطبوعة أكثر الابتكارات التكنولوجية تأثيرا على الانسان . ولقد رأينا أن القصة العربية الحديثة ثمرة من ثمار الصحافة التى قدمت فنونها مترجمة اول الامر ثم قدمتها مؤلفة بعد ذلك وطبعتها بطابع الوسيلة الاعلامية الجديدة شكلا ومضمونا .

وتأسيسا على هذا الفهم فان دراسة مجلة الفكر فى اطار دراسة الصحافة الادبية يعد من اهم اوجه الدراسة الادبية والاعلامية ، ولا سيما أن دراسة

الادب المعاصر - كما يقول د. شكرى فيصل بحق - لا تلقى بالا الى هذه الصحافة الادبية الثروة التى مهدت لهذا الادب واغنته ووهبته وجوده . فان أكثر الذين يدرسون هذا الادب يقفون عند الاثر الادبى : عند الديوان أو عند الكتاب ، او يقفون عند ترجمة صاحب الاثر الادبى ولكنهم يغفلون عن مراجعة التربة التى نشأ فيها وتقلب فى اعطافها فى الحياة الادبية وقد لا يصعون أدبه فى مكانه من النتاج الذى كان من حوله . . اى لا يضعونه فى حيزه من لدانه واقرانه فى الظروف التى نشأ فيها وفى الشرائط التى احاطت به فكوبته أو أخرجته هذا المخرج .. وبذلك يهملون مصدرا ثرا من المصادر التى تعينه على ادراك مدى تأثر الاديب بمن حوله أو غيرته ممن حوله او انحرافه عمن حوله . انهم او اكثرهم ينصرفون عن دراسة تطور الأدب فى هذا النحو من رصد التطور .

من اجل ذلك اردت لفت انظار الدارسين الى هذه الدراسة الاعلامية الادبية مجددا ، ونحن نحتفل بثلاثينية مجلة الفكر ، التى لا ننظر اليها على أنها مجرد " وسيلة " توصيل ، ولكن على اعتبار ان " الرسالة " فيها هى " الوسيلة " ان جاز التعبير ، فهذه المجلة تتجسد لنا فى ضوء هذا الفهم كائنا حيا يغدو ويغتذى يفعل وينفعل ، تتعاون عليه كثرة من العقول والقلوب ، فيكون من ذلك هذا الاثر الذى نتحدث عنه اليوم : مجلة الفكر ، والتى أصبحت بحق من أهم المؤسسات الفكرية فى حياتنا العربية خلال الثلاثين عاما الماضية .

لقد وجدت مجلة الفكر مع هذا التقدم الفكرى الذى غمر العالم العربى . ومن حديث صحفى مع الاستاذ مزالى تحدث عن " قصة انبعاث مجلة " الفكر " "

قال : " أقبلت على مطالعة المجلات الادبية منذ ان كنت تلميذا بالمدرسة الصادقية فى اعقاب الحرب العالمية الثانية ، وولعت بها لان وجدت فيها الغذاء الروحى والمتعة الادبية واستقيت منها ما اكمل تكوينى العام وسد بعض الثغرات التى لم تخل منها البرامج المدرسية فى ذلك العهد وقد اقبلت خاصة على مجلة المباحث التى كان يرأس تحريرها الاستاذ محمود المسعدى ويشارك فيها بالخصوص الاساتذة عل البلهوان وعبد الوهاب باكير ومحمد باكير ومحمد السويسى والصادق مازيغ ومحمد الهادى العامرى وغيرهم من الشعراء والقصاصين والباحثين ... وتألمت كثيرا عندما توقفت هذه المجلة كما توقفت من قبلها مجلات كثيرة وفى مقدمتها ( العالم الادبى ) .

وكانت "الرسالة" و "الثقافة" و "الكاتب المصرى " و الكتاب " و "الهلال" وغيرها من المجلات الشرقية تبرز بانتظام ويقبل عليها الناس فى بلادى بكل شغف وكأنهم يعتبرون طبيعيا ان تهب ريح الادب من الشرق فقط وان تأتيهم المعرفة ويهبط عليهم الوحى من البلاد العربية دون بلاد المغرب الكبير - بله تونس - وانه من المناسب لطبيعة الاشياء ان تكون هذه البلاد عقيما فاذا برز مشروع أدبى للوجود سرعان ما يصيبه الوهن وتتألب عليه جاذبية الشك وداء فقدان الثقة فى النفس وعقارب التهافت والعصبيات الى هوة الموت واعماق النسيان .

وكان من الهين ادراك ما لسياسة الاستعمار والثقافة من مسؤولية فى تثبيط العزائم ووأد الهمم فكنت أتمنى وأنا طالب ثم استاذ ان اساهم فى بعث مجلة تخدم الادب التونسى وتحيى الثقافة القومية وتقاوم السموم التى كان ينفثها تعليم الحماية فى نفوس الاجيال جيلا بعد جيل .

وكنت حريصا على ان اقيم الدليل على انه فى الامكان بعث مشروع ثقافى وتعهده وقبول كل أنواع التضحية فى سبيله كى يكتب له البقاء ويوفق فى اداء رسالته ، طالما كنت مؤمنا بان التونسى لا ينقصه طول النفس ولا يعوزه الايثار والتفانى اذا اهتدى الى منهاج العمل الصحيح وتمسك بالقيم الاصيلة التى يجب ان تكون نبراسا له ومرجعا .

وكنت سعيدا بالعمل ضمن أسرة " الندوة " سنتى 1954،1953 ، وبذلت جهدى كى تستمر فى البروز .

وفى تلك الظروف القاسية التى كان الشعب التونسى يقاوم فيها الاستعمار بشتى الوسائل ظهرت بوارق الامل وجنح المحتل الى السلم وبدأت المفاوضات بين تونس وفرنسا على أساس الاستقلال الذاتى ثم التام ورجع المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة من سجونه ومنافيه مظفرا منصورا ، ففكرنا فى الحزب وفى اوساط الاساتذة والمثقفين ، الذين كان اكثرهم من المضطلعين بمسؤوليات فى الحركة التحريرية او فى نقابة التعليم الثانوى او الجامعة القومية للتعليم فكرنا فى انشاء مجلة ثقافية وتحملت - فى اندفاع متعقل ، وتفكير متحمس ، ومغامرة محسوبة - هذه المسؤولية بكل شرف واعتزاز ، يحدونى الامل فى النجاح حيث اخفقت مجلات اخرى كثيرة من قبل ، وتعم

قلبى الثقة فى المثقفين وجمهور القراء بهذه البلاد التى طوت صفحة مظلمة وأخذت تتهيأ لان تعيش حياة الحرية وتقرير المصير فى نخوة تضاعف طاقات العمل ، وحمية تتحدى المستحيل " .

ثم يقول الاستاذ مزالى محددا أبعاد " الرسالة " فى " الوسيلة " : والمجلة قد تكون الاطار العلمى المناسب ليعبر فيها المفكر ، والمثقف عامة ، عن آرائه ويبلغ بواسطتها شهادته ، ويناضل فى اطارها عن أفكاره سعيا الى التجديد وثورة على الاوضاع البالية وتشهيرا بالاغراض الزائلة وتمهيدا الى الغد المرتقب .

ويذهب جورج ديهاميل الى ان المجلة تجمع بين الكتاب والجريدة ، وهى كما يدل عليها معنى لفظها الاشتقاقى ( Rcvue ) اى استعراض ، تسعى او تحاول ان تسعى الى " تستجلى " اى توضح حقبة من العالم ، ولقد مارست المجلة على تعاقب الاجيال ، نفوذا شديدا فى التكوين الاجتماعى والاقتصادى ، وذلك بتنظيم الميول والأذواق وتنشيط التجارة وصياغة الرأى العام . وظلت المجلة على تعاقب الاجيال - كما يقول بوند مدركة لحاجات الجمهور وأذواقه ، ولعبت أدوار متوالية كحكم أدبى ، ومدافعة عن عقيدة ، وحاملة على الفساد ، واداة امتاع ومؤانسة .

بحيث اذا تناولنا مجتمعا متقدما ، واردنا ان نستقصى اتجاهات التفكير فيه لم نجد الى ذلك سبيلا افضل من استعراض المجلات التى تصدر فى هذا المجتمع ، فهى تعالج مختلف العلوم والفنون والاتجاهات والأذواق ، تطبع مصورة وغير مصورة ، منها ما يعالج امور الدين والفلسفة ومنها ما يعالج علوم الدنيا كالطبيعة والكيمياء ومنها ما يختص بالمهن المختلفة ومنها ما يعالج الفلك والنحوم فى مسالكها ومنها ما يكتب فى الادب الرفيع ومنها ما يختص بالقصص الرخيص ونشر الفضائح والانحرافات .

وتقف المجلات المتخصصة نفسها على البحث فى موضوع معين كالمسرح مثلا أو السنما ، أو العناية بالطفل أو ما الى ذلك ، ومنها مجلات المسرح والسنما والشعر والقصة ، التى تصدرها وزارة الثقافة .

وتعنى المجلات الفنية والمهنية بما تدل عليه أسماؤها تماما فلكل مهنة وتجارة وحرفة الآن منشوراتها الخاصة ، تختص بالاعلان والطب ، والتعليم ، والجغرافيا ، والصحافة والعمال والراديو . الخ . 386                       34

وللمجلة - كما يقول ديهاميل - على الحوادث اليومية نوع من الرقابة ، وهى تصفى تلك الحوادث . او على الاصح ترفع من قيمتها ، اذ يمر ما يعلو تفاصيلها من غبار بمنجلها فيختفى ، ولا يبقى منها الا ما يصح لان يكون غداء لتكوين النفوس الحريصة على ذاتيتها . فالمجلة الحقيقية يجب ان تحمل أثرا لكل ما يحدث فى العالم ، ولذلك يقول الاستاذ مزالى عند صدور مجلة " الفكر " :

" كان من طبيعة الاشياء ان تظهر مجلة ثقافية وان تعيش من يوم ان هب نسيم الحرية على هذه البلاد وانها بذلك سدت حاجة ملحة كانت تقتضيها طبيعة ارحلة التى مر بها الوطن .. " .

" ولكن لماذا عمرت مجلة واحدة ؟ ولماذا اختفت مجلات اخرى كثيرة بعد ان برزت فى عهد الاستقلال ؟ يجيب الاستاذ مزالى :

الحقيقة ان هذا النسق من التفكير يذكرنى بموقف عدد من المثقفين التونسيين كانوا يتفرجون ايام كفاح الشعب التونسى من اجل كرامته واستقلاله وربما كانوا يستهزئون من نزول بعض زملائهم الى الميدان وتحمل التضحيات ودخول السجون والمنافى ، حتى اذا تكلل هذا الكفاح بالنجاح واستقلت تونس وفتحت الباب لشعوب شقيقة وصديقة فى شمال افريقيا ووسطها ، قالوا : هو التيار التاريخى القاضى بتحرير الشعوب وأفول نجم الاستعمار ، ان هذا التفكير لا يخلو من " جبرية " مشعور بها ام لا ، وهو يعتمد على معتقد ماورائى يسمى " التاريخ " يحجب عن الاعين رؤية كفاح الرجال والزعماء والرسل والعلماء والبحاثين والادباء وما فى هذا الكفاح من جهد وجهاد وآمال وآلا ، ومحاولات واخطاء وتفاؤل وتشاؤم ، وحماس وانكسار ، ومن صبر ومثابرة ومغامرة وحظ ...

ولا أزعم ان المسؤولين عن مجلة " الفكر " فى هذا المستوى من التضحية والقيمة ، ولكنى أعتقد ان ايمان الفرد وقابليته على التعاون مع الغير وتجاوز الاعراض فى سبيل الجوهر من شأنها ان تخلق التاريخ او ان تغير مجراه .

قلت : إن هذا المشروع لم يكن عفويا طبعا لانه كان ثمرة عزيمة مترشدة وايمان واع ولم يكن حتميا فرضته قوة ما ورائية قد تسمى - اليوم - التاريخ، بل كان ولا يزال نابعا من اختيار شخصى ومستمدا قوته من غيرة جماعة من المثقفين فى هذه الديار على اصالة الادب التونسى وضرورة خدمته واعانة الشباب على حمل المشعل ومواصلة النضال " .                                   35                                       387

ويذكر الاستاذ مزالى " ان اول اجتماع لاسرة الفكر انعقد بمقر مطبعة الشركة التونسية لفنون الرسم القديم بنهج سيدى البناء وحضره مع الاساتذة على البلهوان والطيب السحبانى ومحمد الطالبى .

والى جانب الاستاذ على البلهوان الذى مد المجلة بتوجيهاته ومقالاته الى ان مات رحمه الله لكنه لم يحضر اجتماعات أسرة المجلة الاسبوعية ، التف حول المجلة فى الاشهر الاولى الاساتذة محسن بن حميدة والطاهر فيفة ومحمد الطالبى والطيب التريكى والعروسى المطوى والبشير العريبى والهادى حمو وخميس المكنى والبشير بن سلامة والحقيقة ان الكثير من هؤلاء الاصدقاء حالت مشاغلهم دون مواصلة المشاركة فى اعمال اسرة المجلة بانتظام ، وانضم مثقفون آخرون كثيرون كل حسب شواغله او طول نفسه ، والباب مفتوح دائما على اساس خدمة الادب التونسى وتجاوز القضايا الهامشية والعاطفية والسعى المتواصل لتشجيع الشباب واعدادهم للاضطلاع برسالتهم فى تونس الجديدة المتجددة " .

ويلخص الاستاذ مزالى خطة مجلة - الفكر - فى النقط التالية : 1) الحرص على الاصالة القومية وتحسس طرافة الشخصية التونسية  وخصائصها تخلصا مما علق بها او لونها من غريب النزعات واجنبى التيارات طيلة قرون . ودرءا بالخصوص لرواسب ما سعى المحتلون الغاصبون الى غرسه فينا من سموم وتنشئتنا عليه من ردود فعل دخيلة على مزاجنا واعمق اعماق نفوسنا ، متنكرة لواقعنا ، مخلة بكرامتنا فنحن امة عربية اسلامية تتوق الى المطلق وتؤمن بالله وتخلص للقيم العليا ولا تساوم او تتواطأ فى نصرة المبادئ السامية ، ونحن كذلك امة تنتسب منذ فجر تاريخها الى حوض البحر الابيض المتوسط قد أخذت من حضارته المشرقة وتراثه الثرى وامتزجت بشعوبه المختلفة وتفاعلت مع تياراته الفكرية المتكاملة ، ورسب فى اعماقها من هذا وذلك ايمان بالانسان وبقدرته على تجاوز منزلته وتحدى المطلق ومحاولة الخلق والابداع ، كما طبعت نفوس ابنائها على الاعتدال والتسامح والتفتح وجبلت على الشعور بالتضامن مع البشر ، كل البشر والرضا بتحمل تبعات وحدة مصير الانسانية .

فنحن أمة مثالية وواقعية ، معتزة بماضيها ومنصرفة بكليتها الى بناء مستقبلها ، ومتشبثة فى كفاحها بنيل الغاية على قدر تمسكها بسلامة الوسائل حريصة فى مستوى الفكر على التعاون مع كل الامم على قاعدة : الاخذ على قدر العطاء .  388                                       36

اذن فنحن لا نؤمن بما يسمى "الاهمية" المطلقة او الجوفاء التى تدعو الى تجاوز الشعوب والسمو عن الاوطان بل نعتقد ان كمال الانسانية وانتصار الانسان فى مغامرته الوجودية الكبرى وتحقيق السلم بين الناس على اساس التعاون الحق والتقدير المتبادل لا يتكون كلها الا اذا تخلصت كل أمة مما قد يشوهها او يمسخها ، واذا اخلصت لروحها وهويتها ، ثم انتسبت الى البشرية فاشعت واعطت وساهمت بقسطها فى رفعة الانسان واثراء الحضارة البشرية وتطور المعارف والعلوم والفنون .

هذا الموضوع فى مقدمات العمل الفكرى والسعى الى معرفة النفس قبل معرفة الآخرين ، بله الاعتماد عليهم او الذوبان فيهم ، وهذه المساهمة فى نماء الثقافة الاصيلة وازدهار الادب التونسى الصميم بوصفهما عينا ثرة واجبة الوجود والتدفق المعطاء ، من بين عيون الثقافة الانسانية والآداب العالمية ، لم نزل نؤمن بها وسنظل دائما ندعو لها ونرفع الغشاوة عن أعين ضحايا الاستعمار الثقافى او كل من لا يميز بين التعاون والتطفل ، الابتكار والتقليد ، القيادة والتبعية ، الانتاج والاستهلاك .

2 ) بقدر ما نتشبت باختياراتنا الكبرى السابقة التى هى مصيرية فى اعتقادنا ، اذ من دونها لا نرى ضرورة فى نشر كتاب أو خلق مجلة بحيث يمكن الاكتفاء بالتقاط الفتات من موائد الغير - كما يقال - بقدر ما نجتنب التقيد بمنهاج دون آخر أو مدرسة دون أخرى أو جيل على حساب جيل آخر ، بل نحن نؤمن بان شر ما يصيب المفكر اذ يفكر الحد من حريته فى الخلق بدعوى الاخلاص لشعار معين أو الوفاء لعقيدة بالذات .

فالتمذهب الاعمى هو عدو الفكر وهو بمثابة السجن او الكفن ، انه حجاب يحول دون رؤية الكون واستشفاف الحقيقة المجردة ، النسبية فى المكان والزمان دائما ، و الذى نادينا المثقفين بالعمل على تبينه وتحديده منذ العدد الاول من مجلة "الفكر" هو فى الواقع اجتناب التمذهب المطلق ، المنغلق على نفسه انه أولا تبين جملة من المبادئ والقيم تعطى الحياة الفردية والجماعية معنى وهو ثانيا دعوة متواصلة للاجتهاد الجسور ، والتفكير الفاتح ، وايثار العقل " العاقل " على العقل " المعقول " ، بل انظر الى أغلبية المذاهب الفلسفية والادبية فى الماضى والحاضر كيف تتصلب ويجف ماء الحياة فيها فتذوى وتموت بعد نوبات عصبية تبلغ فيها حمى التعصب او برودة الاحتضار درجات قصوى .                        37                             389

3) لذا لم نزل ولن نزال نتوسم الخير فى الشباب ونفسح المجال امامهم ، لانهم النسغ النابض والطاقة المتجددة ، والحياة المتدفقة والقوة الواقعية من داء التحجر ومغبة التعصب وكارثة التحنط ، ولان الحوار معهم هو الضمان الاكبر لترابط الاجيال وتفاهمها وتمتين صلة الرحم بين عناصر الامة الواحدة فى سعيها العنود الى الوجود الاكمل وتعزيز التواصل والاستيحاء المتبادل بين الماضى والحاضر والمستقبل .

وليس المقصود والشباب الشبان وصغار السن وحدهم ، بل الشباب هو حالة نفسية واستعداد فكرى وحيوية قد تجدها فى الكهل وحتى فى الشيخ تفتقدها فى بعض المراهقين الذين انبروا يلوكون شعارات اعتقدوها - ما دامت " عقولهم فى اذانهم" - الحق المطلق ، ويدعون الى بعض الافكار ظنوها - فى غباوتهم - الخير المجرد او الواقع الذى " لا يختلف فيه اثنان " .

فالشباب حده وماهيته - كما قد يقال - الشوق الى المعرفة والطموح الى مخبئات المجهول والتجاسر على مغلقات الكون والاخذ بالشك المنهاجى كطريق المعرفة التى تتطور بدورها وتضطر العقل الشاب والفكر الحى الى اعادة النظر والملاءمة من جديد بين الرأى والواقع والسيطرة على الكون والتأثير فيه ليكون الانسان بذلك خليفة الله فى الارض .

لذلك لا نزال نحرص على التواضع الشديد ازاء انتاج الشباب ، ننتظر منهم الكثير ونقدر فيهم الطاقات الكامنة وتتراءى لنا من بينهم النجوم التى ستتألق فى سماء الادب والثقافة ببلادنا فنشعر باننا قمنا بالواجب ووفينا بالغرض اذا نحن أخذنا بايديهم وساعدناهم فى خطواتهم الاولى ويغمرنا الاعتزاز والفخر اذا هم قلقوا من معتقداتنا وحملونا على مزيد التفكير ومجدد الاجتهاد واعادة النظر فيما اعتقدناه حقا وخيرا وجمالا ، نقوم بكل ذلك على اساس المحبة لكن من دون محاباة او مركبات ، ديدننا خدمة الثقافة والادب بهذه الديار .

وليس يعنى ذلك - وهل انا فى حاجة الى تأكيده ؟ - ان انتاج الشباب مقبول وواجب التشجيع لمجرد كونه من انتاج الشباب ؟ لا ، طبعا اننا دائما نحاول ان نتعرف إلى ملكات الشباب ومواهبهم واستعدادهم الى التحسن والتكوين والنظر الى انتاجهم لا فى حد ذاته بل بوصفه مبشرا - أو غير مبشر - بما هو خير وارقى واعمق ، واعتقد اننا وفقنا فى ذلك الى حد كبير .   390                                                 38

4) العمل على اساس الهواية ولوجه الله ، لانا نعتبر مجلة " الفكر " مجلة مناضلة ، ومضطلعة برسالة فى تونس الجديدة ، يلتف حولها وينتسب اليها ويشارك فيها بالكتابة او الارشاد والتوجيه كل من يؤمن بقداسة الحرف وبعد اثره فى المجتمع ، وكل من يؤمن بنفسه ويعطى لحياته معنى ولنشاطه هدفا ، وكل من يؤمن بأن الخلق الادبى والمخاض الفنى ليسا من الاعمال التى تقاس بالمادة أو تكافأ بالمال .

إن تجربة الخلق الادبى الاصيلة عفوية ، تلقائية لا تفتقر الى الوازع الذى ليس من جنسها او الملوث لطهارتها .

والادب نضال من اجل المبدأ ، من أجل الحق ، والخير والجمال والرفعة الانسانية ، ومناخه الطبيعى الحرية ، فاذا اصبح الاديب يكتب ليعيش ويوفر قوته فمن ذا الذى يضمن له الحرية والكرامة فاصالة الانتاج وسلامة التجربة !؟ .

تلك اهم اسس الخطة التى لا تزال مجلة " الفكر " تسير بمقتضاها .

اتجاه مزالى نحو وسيلة الاتصال :

وليس من شك ان اتجاه الكاتب نحو وسائل الاتصال بالجماهير يؤثر تأثيرا كبيرا فى نجاح الرسالة الاتصالية من اجل ذلك يقول احد علماء الاتصال : ان " الرسالة هى الوسيلة " ، ولقد ذهبنا فى دراساتنا للاعلام ( 1 ) والاتصال بالجماهير الى ان الوظائف الاعلامية هى التى خلقت وسائل الاتصال وقد ينظر الى وسائل الاتصال على أنها تمثل مظاهر ثورة ، بيد أنها تمثل بالفعل ثورة فى فنون التحرير الاعلامى والادبى الذى يقوم على نشر الفكر والادب .

من أجل ذلك ذهبنا الى ضرورة دراسة وسائل الاتصال فى اطار الدراسة الاعلامية للادب ، ذلك انها تمثل البلاغة الجديدة التى تجعل " الرسالة الابداعية " فى التفسير الاعلامى للادب هى " فن تطبيق الكلام المناسب للموضوع والحال والجنس الاعلامى على حاجة القارئ او المتلقى " . . فالتحرير الادبى والفكرى فى كل وسيلة من وسائل الاتصال تتميز بطبيعة جنسها الاعلامى الذى ينحو بدوره نحو اختيار لغته وأسلوبه وبلاغته .. ان طبيعة الجنس الاعلامى أو

الاتصال هى التى تحدد طريقة وضع الفكر فى رموز تتفق وخصائص الوسيلة الاعلامية او الاتصالية التى ترتبط بدورها بقدرات المتلقى وقدرات المصدر فى آن واحد .

ولقد ارتبط أدب مزالى بالاتصال الطباعى ارتباطا وثيقا ، ذلك أنه ابن الحضارة الطباعية والمعبر عنها فى الادب العربى الحديث ، ولذلك يرفض مزالى ما يذهب اليه بعض الناس من ان عهد الكتاب ولى وانقضى فى هذا الوصف الثانى من القرن العشرين حيث طغت الوسائل السمعية البصرية على سائر أساليب المعرفة والتبليغ الاخرى واستبدت السرعة بحياة الانسان العصرى فاصبح لا يكاد يجد متسعا من الوقت ليتغذى من الكتاب وهو وعاء "ملىء" علما واناء شحن مزاحا وجدا " كما يقول الجاحظ " .

ويؤكد مزالى : " ان الكتاب - رغم منافسة الاذاعة والتلفزة والاسطوانة - لا تزال سوقه نافقة وصناعته مزدهرة رابحة ولا يزال الاقبال عليه متزايدا مطردا ، ناهيك أن 500.000 كتاب جديد ينشر فى العالم كل سنة وان ثمانية مليارات من النسخ تطبع فى كل عام ، الى جانب الجرائد المجلات بكل انواعها بل ان مستوى الامم اصبح يقاس - فيما يقاس به - بالنسبة الموجودة بين عدد سكانها وأهمية الاعتمادات المرصودة للمكتبات .

ذلك ان الكتاب كما يقول مزالى هو الغذاء الضرورى وأداة التثقف والرقى العقلى والروحى لجميع البشر منذ أن انتشر التعليم ولم تعد الثقافة حكرا وامتيازا ومحظوظية لطبقة دون طبقة وبلاد دون أخرى ، واقتضت الديمقراطية أن تتقارب حظوظ الناس من المعرفة وتتكافأ فرص النجاح والتفوق بينهم جميعا .

" فليس من باب الصدفة اذن ان قرر المؤتمر العام لمنظمة الينسكو - فى دورته السادسة عشرة - ان يكون عام 1972 " السنة العالمية للكتاب " وأن تشرع معظم الامم منذ مطلع هذا العام فى العمل الايجابى بمقتضى التوصيات الصادرة عن هذه المنظمة الدولية ومختلف اللجان والهيآت الفنية التابعة لها ، وان تتعاون مع الينسكو الاتحادات الدولية لجمعيات المؤلفين والموسيقين والناشرين وباعة الكتب . . . " .

الى أن يقول : " ولعل الغرض الاول الذى يريد الجميع بلوغه انما هو تشجيع التاليف والترجمة ورعاية حقوق المؤلفين والزيادة فى انتاج الكتب واحكام توزيعها                               40

وهذا يقتضى الحث على القراءة وتيسير الطباعة والتخفيض من اثمان الكتب ، لذلك كان شعار هذه الحملة العالمية التى تتزعمها الينسكو " كتب للجميع " .

ونحن نريد ان نلاحظ فى هذا الصدد انه اذا كان حظ العالم المتقدم من الكتب - تأليفا وصناعة ومطالعة - فى تزايد متواصل فان العالم الثالث يشكو - فى هذا الميدان ايضا - تخلفا شديدا ويستهدف الى خطر كبير .

واذا بان التخلف لكل الناس بسبب قلة القراء الناتجة عن ضعف نسبة المثقفين وكساد صناعة الطباعة وفساد مسالك التوزيع . . . فان وجه الخطر كامن فى فرض هذا العالم المتقدم بضاعته الثقافية على الشعوب الضعيفة واغتنام هذه الفرصة - التى له فيها مسؤولية تاريخية لا تنكر - لتكييفها وتوجيهها الوجهة التى فيها مصلحته ودوام هيمنته وسلطانه .

وازاء هذا الواقع المر لا يسعنا الا ان نستبشر ببا الينسكو ونعلق عليها عريض الآمال لا لما ستحققه فقط من مزيد التوعية بفوائد الكتاب والتغلب كل الصعوبات التى تعوقه عن النشر والتوزيع . . بل كذلك وبالخصوص لتصون ثقافات الشعوب وتأخذ بيدها كى تحقق نهضتها من دون ان تطمس طرافتها وتفقد شخصيتها وان تشجع ايضا الترجمة والاقتباس من كنوز حضارتنا إلى لغات البلاد الغنية التى كثيرا ما تجهلنا او تتجاهلنا ، وانه علينا فى هذا المقام ان نقوم بجهد جبار كى نعرف بأنفسنا ونترجم آثارنا الادبية والفنية والعلمية القديمة والحديثة الى اللغات الحية الواسعة الانتشار .

لانه بذلك يوجد الحوار بين الامم وتتلاقح الثقافات ويغنم الفكر البشرى غنما كبيرا .

وعسى أن يتواصل مجهود الينسكو كامل هذا العام والاعوام القادمة لان الكتاب اصبح ضروريا للبشر ضرورة الماء والهواء ولان كل شعب محتاج فى قوامه الروحى وفى انسانيته الى معرفة خصائص الشعوب الاخرى الثقافية والروحية . طالما أن أسطورة تفاضل الثقافات قد تبددت وبان زيفها كما تبددت اسطورة تفاضل الاجناس وظهرت بشاعتها من الوجهة الاخلاقية والحضارية .

وبذلك تتضاءل العنصرية الناجمة عن التجاهل المتبادل والكبرياء والتعالى ويحل محلها التقدير والاحترام فتزداد حظوظ التفاهم والسلم والوئام بين الناس أجمعين " ( 2 ) . .

وترتبط " مجلة الفكر " كوسيلة اتصالية باسم محمد مزالى ، وهى توضح فى سيرتها العريقة الاتحاد الايجابى فى رؤياه الابداعية نحو الاتصال الطباعى ، بعامة ، والمجلات الادبية بخاصة ، ذلك ان هذه المجلة التزمت مند صدورها عام 1955 شعار " الادب رسالة لا مهنة " فاستطاعت بهذا المفهوم ان تقوم بدورها كاملا . وان تؤدى واجبها غير منقوص نحو الادب التونسى والادب العربى عامة .

وإذا كان الاتحاد نحو الذات يؤثر على السلوك الاتصالى ، فان اتجاه مزالى نحو موضوعه يرتبط باتجاهه نحو ذاته ارتباطا وثيقا ، ذلك ان الاتجاه يقوم عليه الرأى او الاعتقاد المتعلق بموضوع معين ، من حيث القبول او الرفض ، ودرجة هذا القبول او الرفض ، الامر الذى يؤثر تأثيرا توجيهيا نحو الموضوعات أو المواقف المتعلقة بهذا الاستعداد العقلى أو العصبى .

وحول علاقة الاديب بموضوعه او " رسالته " بوجه عام كتب اكثر ما كتب فى النقد الحديث . فلقد حاول النقاد ان يعرفوا الكثير عن النص الادبى بواسطة ما يمكن ان يعرفوه عن مبدعه ، ومن أجل ذلك ننظر للاديب على انه كائن اجتماعى ، تعود منذ الصغر على الاتصال بالآخرين ، الامر الذى يكيف تحابه - كما رأينا مزالى - الى درجة لا ندرك مداها ، ذلك انه اكتسب من أبويه ومن الآخرين المحيطين به الكثير من طرائق التفكير والشعور ، وصار له اطلاع واسع على الادبين العربى والفرنسى ، فقد تفتحت عيناه عل ست أدبى ، وعلى مكتبة زاخرة بكثير من الكتب التى تستهوى طالبا تميل طبيعته الى القراءة فلم يكن عجيبا اذن ان يبدأ مزالى كتابته وهو طالب بالمدرسة الثانوية فى الصادقية ، وان يصدر مجلة آ الفكر " سنة 1955 م وهو فى الثلاثين من عمره ، واصدر العديد من المؤلفات مثل : الديموقراطية 1955 ، وتاريخ افريقيا الشمالية فى جزأين ترجمة من ش . أ . جوليان بمعية الاستاذ البشير بن سلامة 1968 ، ومن وحى الفكر 1909 - تعريب المعمرون الفرنسيون وحركة الشباب التونسى عن ش . أ.  جوليان بمعية الاستاذ البشير بن سلامه 1971 ومواقف 1973 و دراسات 1974 - و وجهات نظر 1975 . . وغيرها من الكتب والدراسات ..

اشترك في نشرتنا البريدية