الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

مجلة الفكر فى مواجهة عصرها

Share

مهما حاول المتكلم عن مجلة " الفكر " أن يختصر موضوعه فى نقطة أو نقطتين من ميزاتها ، فان اختصاره لن يسعفه لينضبط مع الوقت المحدد لكلمته . ذلك أن ميزات مجلة الفكر واسعة ومتشعبة حتى ان كل ميزة من ميزاتها تستحق دراسة مستقلة وجادة . فهى تصوير صادق لمسيرة ربع قرن من تطور تونس فى ميدان الادب والفن . وهى صورة كاملة للنفسية التونسية المتحضرة الشفافة . وهي ديوان صادق من روائع النثر ومستجد الشعر لفترة تستغرق أكثر من جيل من رجال القلم التونسيين . وهى عنوان كبير لقوة التوازن والاعتدال ومد الجسور بين الاجيال والتيارات الفكرية التى يزخر بها عصرنا الحديث . وهى صورة أمينة لروح الامة التونسية المتشعبة بعروبتها العميقة وأصالتها الناضجة واسلامها المتفتح . وهي فصل أساسي من كتاب النهضة العربية الحديثة بتونس الشقيقة .

وليس فى وسع أى منا أن يلم بخصال هذا المجهود الضخم ليحلله أو حتى ليستعرضه استعراضا عابرا فى كلمة أو مقالة أو دراسة . وكنت أتمنى أن لو استطاعت أسرة " الفكر " أن تطلب من المحتفلين بها بسنة مسبقة أن يخصص كل واحد منهم دراسة محللة لجانب من جوانبها ، حتى يكون مجموع دراساتهم لها فى هذه الفترة الطويلة من حياتها " حدثا " ثقافيا يليق بوزنها وأثرها وفحواها الغزير .

واذا كانت مجلة " الفكر " مجلة أدبية فى الدرجة الاولى بالرغم مما يوحى به اسمها ، الا انها مجلة " فكرية " ايضا فى الدرجة الثانية . واذا لم أكن انا رجل أدب يتذوق كل ما فيها من متعة الشعر ومشوقات القصة ، فانى أجد فيها من فائدة الفكر وعميق الدراسات ما يجعلني أضعها فى مصاف مراجعى

من الدراسات الاجتماعية والثقافية والفلسفية التى أستفيد منها فائدة لا غنى عنها .

ومع ذلك فان سن الرشد الذى بلغته مجلة " الفكر " ومرحلة النضج التى تتمتع بها تجعلني وأمثالى ممن يرجون لها الكمال ، أن ننتظر منها مزيدا من الغذاء الفكرى والدراسات الاجتماعية والسياسية الهادفة .

فقد سبق لمديرها ومؤسسها صديقنا الاستاذ محمد مزالي فى السنوات الاولى من حياتها أن حدد رسالتها بأن " تكون ملتقى لاسرة الادباء والمفكرين ، ومنبرا لكل الآراء الصادقة والافكار النيرة ، ورائدة فى اثراء التراث الفكرى فى الوطن الاصغر والوطن الاكبر " .

وبعد نحو العشرين سنة من تحديد هذا المطمح نظريا نستطيع أن نقول أمام التاريخ : ان الرجل لم يكن يقول شعرا ، ولم يكن قوله صادرا عن حماس الفتوة وحدها ، وانما هو أتبع قوله بعمل ضخم جبار . وفى مقدمة هذا العمل ، القدرة على التعامل البشرى ، والمحافظة على الاصدقاء من ذوى المبادىء والمؤمنين بالقيم العالية ممن شدوا أزره فى أداء هذه الرسالة النبيلة وكانوا الى جنبه فى جهاد فلم تلههم المغريات المادية عن العمل الشاق المتواصل ولم يحسب لمجلة " الفكر " أن تعثرت يوما فيما تتعثر فيه الاعمال الفكرية الكثيرة فى وطننا العربى مشرقه ومغربه - وبقيت طيلة ربع قرن كامل تسير بنفس الخطوة النابغة والمنهج القويم والتوازن الصعب والرؤية الواضحة . وكل هذا ليس بالشئ السهل فى بلداننا المتخلفة التى ننهض بالمشاريع فى حماس وسرعة ، ثم تتخلى عنها بنفس السرعة وقلة الاكتراث وبرود العزائم .

ومع هذا فانى أسمح لنفسي - وأنا أقدر الصعاب المتنوعة حق قدرها - بان أطلب المزيد من مجلة " الفكر " لا فى ميدان الادب البحث ، بل فى ميدان الفكر الواسع ، وفى مقدمته مجال الدراسات الاجتماعية الاجتماعية والسياسية والثقافية التى تفسر الادب وتقوده ، ولا تتركه مجرد انتاج عفوى .

صحيح أننا فى بلادنا العربية عامة وبلاد المغرب العربي خاصة فى حاجة لأن نفسح المجال - كما فعلت الفكر - لكل التيارات الادبية ، ولكل الاصوات والمطامح الفنية بصورة ديموقراطية تتلاقح فيها الافكار ويتقد منها نور الرأى . وصحيح أيضا وأننا لم نبلغ درجة التخصص التى تتبنى فيها كل مجلة تيارا

بعينه أو مدرسة فكرية بذاتها فتدافع عنها وتنشرها دون سواها فى الناس ولكننا - وبالضبط لاننا فى بلد متخلف تغلب الامية على قاعدته الشعبية العريضة - لا بد لنا من أن نحرص على ما يشدنا الى هذه القاعدة فى عملنا الثقافي ولا ننفصل عنها ، حتى ولو كان ذلك على حساب نوعية ما نطمح اليه من الانتاج الراقى .

فلقد كتب لى أن أقرأ فى مجلة " الفكر " من روائع القصص الرمزية ما هو جدير بأرقى المجلات في أرقى الامم المثقفة ، ومن الشعر ما هو خليق بأن يعبر عن أرقى الاحاسيس وأرق النبضات التى ما يزال شعبنا الأمي بعيدا عن أن يرقي اليها ، وما نريده من كتابنا وشعرائنا ومفكرينا هو أن يكونوا تعبيرا عن مجتمعهم ومحيطهم الشعبى وان يأخذوا بيده الى ما هو أرقى . وليس هذا بالغريب عن تراثنا وتقاليدنا الثقافية : فلطالما افتخر علماؤنا فى مقدمات كتبهم العلمية والادبية بأنهم بسطوا مادتها لكل قارىء ووضحوا منغلقها لك راغب وفكوا رموزها لكل متعطش للمعرفة .

وإني أقرأ فى برنامج الحكومة التونسية الذى قدمه الاستاذ محمد مزالي الوزير الاول الى مجلس الامة فى الصيف الماضى فأجد فى رأسى اهتماماتها الثقافية " العمل على تثقيف الجماهير واشاعة الديموقراطية الثقافية ، وتكثيف الجهود من أجل إقحام العمل الثقافي فى الدورة الاقتصادية .. اذ أن الثقافة - كما جاء فى الوثيقة التونسية الهامة - ليست عملية خلق جمالية فقط " ، أقرأ هذا فأذكر فقيدنا المرحوم الشيخ باديس الذي كان يقف أمام مسجده فى الحي الشعب بقسنطينة ، وكلما مر به واحد من أفراد الشعب يدعوه الى الدخول الى المسجد قائلا : أدخل يا أخي أقرئك درسا وكل ما يقرئه الى أفراد الشعب البسطاء ينشره فى مجلة الشهاب ، فلا يحصر دروسه للطلبة ولا ينشر في مجلته ما يهم المثقفين وحدهم ، وانما كان يجعل الدين والاجتماع والادب والتاريخ والسياسة فى متناول بسطاء الناس تدريسا فى الجامع ونشرا فى المجلة . ونحن لم نستطع أن نقدر هذا السلوك الثقافي الا بعد أن نشئت عليه أجيال من فئات الشعب فرأينا منهم وخاصة فى ظروف الثورة من يحكمون على الامور بدقة وموضوعية ، ويمارسون من المسؤوليات ما لا يقدر عليه العاديون من الناس ، ويدافعون عن أفكارها بمنطق وحجة سليمة وهم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون . وارجع الى الحركة التونسية فأجد أصالتها قد نبتت فى مؤتمر قصر هلال ، وكان أبرز ما ميزها

عن الدستور القديم قرارها بأن تعتمد على الجماهير وتذهب الى اعماق الشعب فتصير منه بالتوعية قوة مادية تقهر سلطة الاستعمار فى الشارع لانها تكونت على قهره فى مستوى القوة النفسية وتفتح الذهن بل أرجع الى الاسلام نفسه فأجده بعث فى أمة أمية كان من يحسن الكتابة فيها سبعة عشر شخصا . ولكن الاسلام ثقفهم فلم يفتحوا العالم بالشجاعة وحدها ، بل بالقدرة على سياسة الشعوب ، ولم تكن الجيوش الفاتحة عسكريا الا مقدمة للفاتحين الحقيقيين الآتين بعدهم مباشرة ، وهم المثقفون الناشرون للوعى والتثقيف والمخرجون للناس من الظلام الى النور ، ولم يكن من نسميهم بالمزابطين من أجدادنا غير ناشرى وعى وتثقيف فى أمم وشعوب ومجتمعات لا يعرفون لغتها ولا تقاليدها ولا كيف سيستقبلهم أهلها ، فكانت اجزاء العالم الاسلامى التى فتحت بجنود القلم والفكر أوسغ وأثبت من الاجزاء التى فتحت بالخيل فى قارتى آسيا وافريقيا .

ولعلنا نحن كثقفين بعيدين عن معترك الحياة وقساوته وخاصة فى عصر العلم والمعرفة الذى نعيش فيه - لا ننتبه الى قيمة الثقافة كسلاح اجتماعى واقتصادى وكاستثمار فى الانتاج لأننا تعودنا منذ تقاليدنا الثقافية في عصر الانحطاط أن نفصل عالم المادة عن عالم الفكر ، وعالم الجمهور عن عالم الخاصة ، والعامة عن النخبة ، مما جعل ابن خلدون ينحو باللائمة فى ذلك على الخاصة لا على العامة ، وعلى المثقفين لا على الجمهور ، فيتهمهم بالعجز عن فهم السياسة ، وبأنهم من كثرة تعودهم على المطلق من الأمور لا يؤتمنون فى حكمهم على الواقع منها . واستفحل هذا الحكم عندنا على المثقفين فأصبح أمرا شائعا وقاعدة مسلما بها . لقد كنت استمع فى شهر سبتمبر الماضى الى خطاب كان يلقيه صديقنا الاستاذ محمد مزالى فى احدى جولاته الأخيرة بالقطر التونسى فذكر كيف ان السياسيين يشكون فى واقعية برامجه السياسية والأقتصادية والثقافية التى ينادى بها ويعمل لتحقيقها ، ويقولون عنها انها برامج رجل ادب ، ورد عليهم الاخ الاستاذ بقوله : على كل حال الادب أحسن من قلة الأدب .

وزاد الطين بلة أن السياسيين من ناحيتهم آمنوا بهذه القاعدة الخاطئة فراحوا يخططون للنهوض بأوطانهم دون أن يستشيروا رجال الثقافة فيما يخططون ، واذا استعانوا فى البحث عن عوامل هذه النهضة فانهم يستعينون بمن نسميهم بالخبراء من الدول الأجنبية فينصحهم هؤلاء لا باستيراد المعرفة من أوربا ، وتلقينها للجمهوز فيتسلح بها فى الانتاج والتسيير ، بل

ينصحونهم باستيراد التكنولوجيا من أوربا جاهزة معقدة لتضطر حكوماتنا الى أن نستورد معها الخبراء والمسيرين وحتى قسما كبيرا من العمال ، وجماهيرنا الجاهلة وعمالنا الاميون يتفرجون على عملية التخريب الواسعة هذه لبلادهم

اما المثقفون فى بلادنا فقد تعودوا هذا الوضع وأصبح فى نظرهم طبيعيا لا يستحق التغيير . وتعودوا أيضا أن ينتجوا ولكنهم لا ينتجون للجمهور ليتثقف بل ينتجون لبعضهم بعضا .

إن مسألة تثقيف الجمهور اليوم أصبحت في العالم الثالث أهم مشكلة واجهها ، وذلك عندما استيقظ المسؤولون أخيرا فى هذا العالم بأن نهضة بلادهم لا تتحقق بما تسميه استيراد التكنولوجيا الجاهزة ، بل تتحقق باستيراد المعرفة ، وليس فى هذه القضية أية علاقة بالمشكلة الأيدولوجية . فقد عمل بها الاتحاد السوفياتى الاشتراكى واليابان الليبيرالى منذ نصف قرن ، وهما البلدان اللذان يعدان اليوم الى جانب الولايات المتحدة أقوى دول العالم اقتصاديا واجتماعيا بل وحضاريا .

إن مشكلة العالم الثالث الحقيقية هى مشكلة تكوين الانسان فى الدرجة الاولى ، وليست مشكلة اقتناء التكنلوجيا ولا هي مشكلة الايديلوجية الا اذا كانت المشكلة الايديلية والتكنولوجية تضع مسألة تكوين الانسان فى اعتبارها الاول .

وقناعتي الخاصة أن تونس الشقيقة تستطيع أن تكون رائدة لنا ولكثير من الاقطار العربية في تصحيح هذا الوضع المنحرف الذى عشنا عليه حتى الآن وان بلوغ زجل فيها مثل الاستاذ مزالى الى قمة المسؤولية زيادة عن كونه شرفا لرجال الثقافة والقلم والفكر - هو منعرج كبير فى مسيرتنا الشاقة نختصر به متاعبنا . لقد أثبت أنه رجل مقدر على التسيير والتنظيم بقدر ما هو مقتدر على الفكر وصياغة الرأى بقلمه وثقافته الواسعة . فهو رجل جمع بين الفكر والسياسة وأصبح بذلك علامة فى حياتنا الثقافية والسياسية ببلاذ المغرب ، علامة على اننا تخلصنا من مرحلة الأنحطاط التى ظلت تفصل بين الكفاءتين ، وجاء ليدمج بين العمل والفكر وبين الخاصة والعامة وبين الكيف والكم ، وليثبت أن قوة الرأي عند الفرد تكون قوة عبقرية بقدر ما تكون لها القدرة على تجنيد الجماهير فى معركة الانتاج وتنمية الانسان والأرتفاع به الى مستوى الدفع الحضارى .

إننا لا نريد هنا أن نمتدح رجلا ، بل نحن فى الواقع نحمله مسؤولية تاريخية مؤمنين فقط بأنه أهل لأدائها ، وآملين أن تدرك تونس برجالها واطاراتها الشابة النظيفة - حظها السخى فى أن تولى زمام أمورها رجل نوفرت فيه خصال الفكر والعمل والعفة والرجولة .

ولا أشك أيضا فى أن هذه الخصال كلها قد انعكست الى حد بعيد فى تاريخ مجلة الفكر ، وانها فى تاريخها المقبل ستتمكن بفضل نضجها وحصافة رجالها من أن تتوغل أكثر فى الالتفات الى جماهير الشعب فتسهم مساهمة اكبر فى النهوض بها ثقافيا ، وفي تربية اجيال تونس الصاعدة على الالتصاق بشعبهم فى التنوير الثقافى والالتزام الخلقى .

وإن توسيع مجال الدراسات الاجتماعية الاجتماعية والفكرية والسياسية والثقافية الى أوسع قاعدة من متوسطى القراء ، هدف حققت منه مجلة الفكر الكثير . ولكنها قادرة على أن تحقق منه الاكثر والاكثر . وإن العناية بالمطلق والتجريد سواء فى الانتاج الادبى أو فى الدراسات والبحوث يجب أن نعطى منه لشعبنا بمقدار كالدواء . وإن اللغة نفسها التى تستعملها مجلة " الفكر " فى هذا الانتاج هى مفخرة لهذا الانتاج من حيث الصفاء والدقة والاختيار فى التعبير .

ولكن هذه المزايا نفسها هى التى يجب أن تتجاوزها الى البساطة والتبسيط ، والوضوح والتوضيح ، بحيث لا نكتب شيئا الا ويكون جوابا عن سؤال : لمن نكتب ؟ ونتذكر مستوى الثقافة العام الشائع فى شعبنا ونحن نكتب ونختار الموضوع والفكرة والتعبير ، ونحن أيضا شاعرون بأن ما نكتبه لا يوزن فى نظر التاريخ الا بميزان ما يستطيع أن يغير . وأن الثقافة فى عصرنا هي قبل كل شئ القدرة على التغيير ، وليست القدرة على إثارة الاعجاب ، أو اشاعة المتعة فقط .

إننا بثقافتنا وحدها وبدون شعبنا إلى جانبنا وفى مستوانا لا نعد شيئا . فنحن زعماء الرأى فى شعبنا . والزعيم الكبير كما يقول المثل الصينى ، هو من يجعل الشعب يثق فيه . أما الزعيم الحق فهو من يجعل الشعب يثق فى نفسه . وهذه رسالتنا التى اختارنا القدر لتحملها ، وهي التى عرضت على السماوات والارض فأبين أن يحملنها وحملها الانسان . ولكن أليست هنا عظمة الانسان المثقف ؟

اشترك في نشرتنا البريدية