لقد جاء منذ ربع قرن فى الافتتاحية الاولى لمجلة " الفكر " [ العدد الاول للسنة الاولى : اكتوبر 1955 ( : " ان المجتمع التونسى اليوم يجتاز مرحلة دقيقة فى حياته هو أشد الحاجة فيها الى أن يعرف نفسه ويعى منزلته ويوضح أهدافه ويضبط سبله . فنحن أحوج ما تكون اذن الى مذهب أصيل منتزع من واقعنا مستلهم من ماضينا وحاضرنا يلقى أضواء ساطعة على مختلف جوانه حياتنا ويكسب أعمالنا معنى ساميا .
واذا امكن لهذه المجلة أن تكون ملتقى المثقفين فى هذه البلاد حتى يعالجوا مشاكلهم على ضوء الفكر فانها تكون قد قامت بنصيب متواضع من عمل انشائى أكيد "
وهكذا أرادت مجلة " الفكر " منذ تأسيسها أن تكون ملتقى المثقفين والمفكرين مهما اختلفت اهتماماتهم ونزعاتهم ومشاربهم وأساليبهم وأعمارهم لالقاء الاضواء على الواقع التونسي وابراز الشخصية التونسية وهكذا كانت ولا تزال تحترم حرية الفكر وتذود عنها وتحتمل فى شجاعة وثبات وصبر كل ما يترتب عنها من شتى أنواع التبعات
ولقد كانت منذ أعدادها الاولى حريصة على فتح صدرها واسعا للشباب نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر محمد فرج الشاذلى ومنور صمادح والشاذلى زوكار ومحمد عامر غديرة ومصطفى الحبيب بحرى وعبد الواحد ابراهيم وفريد غازى وغيرهم كثير .
وليس هذا غريبا فصاحب مجلة " الفكر " ومديرها شاب لم يتجاوز اذ ذاك الثلاثين همه مع جمع شمل المثقفين والمفكرين فتح منبر للشباب فكان ولا يزال يرحب باثار الشبان ويحرضنا على الاخذ بأيديهم بالنظر فى كتاباتهم بكثير من التسامح واسداء النصيحة لهم وبتشجيعهم - حتى فى حالة الرفض - بنشر
بعض المقتطفات مما يرسلون الى المجلة وهكذا كنا هيئة التحرير نصنع أثناء اجتماعاتنا الاسوعية كل أمسية سبت ثم كل أمسية اثنين ولقد بلغ بنا الامر أحيانا إلى اصلاح الكتابات وحتى ترميمها ليتسنى نشرها كما كنا ننقل الى اللغة العربية ما كان يرد علينا باللغات الاجنبية فما كان يعلم بذلك غير أصحابها ولا علم به لغيرهم الى يومنا هذا ولقد كان ذلك شاملا للقصة والشعر وحتى المقالة وبالاحرى الدراسة
ففي ميدان القصة نجحت الى حد كبير فى بعث القصة التونسية لحما ودما فبعد ان احتضنت قصص الطيب التريكى والطاهر قيفة ومحمد فرج الشاذل فتحت صفحاتها منذ سنتها الاولى لقصاصين شبان مثل عبد الواحد ابراهم مثلا
ثم ان الفكر هي التى اكتشفت القصاص البشير خريف وغامرت بتشجيعه ونش رواياته ) وتقصد بالرواية القصة الطويلة ( فمنذ العدد الثالث ) ديسمبر 1958 ( من سنتها الرابعة أخذت على عاتقها نشر " افلاس أو حبك دربانى للبشير خريف ولبس للقارئ الاديب ان ينسى الضجة التى أحدثتها تلك الرواية والمعركة التى اثارتها من جديد بين انصار الفصحى والعامية تلك المعركة التى لا يمكن أن تنتهي أبدا وتبين بعد ذلك أن " الفكر " كان لها دائما السمق إذ أصبح البشر خريف من أبرز ممثلى القصة التونسيه المعترف بهم فى الشرق والغرب
تري بشرت محلة الفكر " سنة 1961 بمجلة " التجديد " التى أصدرها وأدارها أحد ممن كانوا يحررون فى " الفكر " وهو اذذاك الاستاذ الشاب المنجى الشملى والتي كان يشترك في تحريرها جماعة من الاساتذة الشبان نذكر منهم صالح الفرمادي الذي كانت نشرت له " الفكر " قبلا وابتهجت بعد ذلك " الفكر " لصدور دورية التى أصدرها " نادى ابى القاسم الشابى " بادارة احد محرري الفكر الاولين هو الاستاذ محمد العروسى المطوى وكان اعتمادها فى اعدادها الاولى خاصة على القصاصين الشبان الذين اكتشفتهم وشجعتهم " الفكر " كما ان والفكر " هي التى اكتشفت وشجعت وأحيانا وجهت القصاصين الدين اصبحوا يمثلون القصة التونسية الحديثة أمثال محمد رشاد الحمزاوى ورشيد الغالي وحسن نصر ثم فتحت صفحاتها للقصة التجريبية مع سمير العيادى والطاهر الليب وعلى الشملى وخاصة عز الدين المدنى بقصة الانسان الصفر " التى كان نشرها أعظم وأخطر مغامرات " الفكر " يضاف اليها سنة 1976
" وسواس قهرى " وسنة 197 " التربيع والتدوير " وهنا أيضا كان السبق وصدق التكهن لمجلة " الفكر اذ اصبح عز الدين المدني بدون منازع من أبرز وأحسن القصاصين والمسرحيين التونسيين وحتى العرب اليوم
و " الفكر " هي التى عرفت بالمحاولات الاخيرة المختلفة كلوحات البشير بن سلامة ومحاولات سالم ونيس ومبروك المناعى والعربى بنتركة ومختار العبيدى ومحمد باردى وفتحى الجلاصى وهشام بوقمرة وبوراوى عجينة والتهامى الهاني وخليفة الجورنى
و هي التى اكتشفت وأبرزت القصة النسائية بما نشرت وتنشره لناجيه ثامر وعروسية النالوتى وفاطمة سليم وحياة بن الشيخ ونافلة ذهب ونتيلة التباينية ونعيمة الصيد وفوزية علوى وشريفة غرسلاوى وغيرهن ...
وهي تنشر اليوم المحاولات المسرحية الجديدة ليوسف رزوقه ووحيد الخضراوى .
وعرفت على نطاق أوسع بالقصاص مصطفى الفارسى
اما فى ميدان الشعر فقد كان الفضل فى نشر اثار حركة " الشعر الحر " فى تونس بريادة الاستاذين محمد العروسى المطوى ومحسن بنحميدة وذلك منذ عددها الاول ) اكتوبر 1955 ( ولقد انضم اليهما كثير من الشعراء الشبان حتى من الذين كانوا يتمسكون تمسكا كبيرا بالشعر العمودى أمثال أحمد اللغمانى ونور الدين صمود و " الفكر التى شجعت جعفر ماجد وهو لا يزال اذ ذاك طالبا بدار المعلمين بأن نشرت له أول ما نشرت قصيد " حنين " فى " بريد القراء " بعددها الثامن ) (ماى 1959 ) لسنتها الرابعة
كما نشرت الفكر لاصحاب الشعر العمودى المتصلب أمثال محمد الناصر الصدام والشاذلى عطاء الله ومحمد مزهود ومحمد الشعبونى والهاشمى زين العابدين
ولقد فتحت " الفكر " بعد ذلك سنوات 69 الى 1971 ذراعيها لجماعة الشبان الذين - انطلاقا من حركة " الشعر الحر " - كونوا حركة " غير العمودى والحر وهم كلهم شبان متحمسون تواقون الى الاصداع بالجديد والطريف فى غير تكلف نخص بالذكر منهم محمد الحبيب الزناد والطاهر الهمامى وأحمد القديدى ومحمود التونسي وفضيلة الشابى وشامة الخمير وأحمد حباشة
وتخرج عن الفكر جميع الشعراء الشبان بألوانهم الجديدة كعبد الرحمن الكبلوطى ونزعاتهم المختلفة ومحاولاتهم المتنوعة أمثال الطيب الرياحى ومنصف الوهايبى وأحمد مختار الهادى وعبد الحميد خريف وأبو وجدان الصادق شرف محيى الدين خريف وعلى دب وسويلمى بوجمعه ومحمد عمار شعابنيه وعبد القادر شروده .
كما يرجع للفكر فى نشر آخر محاولات الشباب فى ميدان الشعر لامثال محمد أحمد أحمد القابسى ويوسف رزوفة وحسن بن ذياب رضا بورخيص ومحمد لطفى اليوسفى وحميدة الصولى وكمال قداوين وسوف عبيد ومحمد ميلاد .
ومع ان الشعر لم يستهو كثيرا التونسيات فان " الفكر حرصت على ان تحتضن الشاعرات القليلات اللاتى داعبن القريض من زبيدة بشير الى فضيلة الشابى وشامة خمير وعائشة الحضراوى . ومن اعظم وأجل أعمال " الفكر " انها ربطت بين الاجبال فنشرت للاب وابنه امثال عطاء الله وابنه مصطفى عطاء الله ومحمد المرزوقى وابنه رياض المرزوقى وأحمد اللغمانى وابن عمه المأسوف عليه مختار اللغمانى ونشرت للشاعر مصطفى خريف ولاخيه القصاص البشير خريف ولا بنى أخيه عبد الحميد خريف ومحى الدين خريف الشاعرين ونشرت للمعلم أو الاستاذ وتلميذه أمثال محمد الهادى العامرى وتلميذه محمد مزالى والصادق مازيغ وتلميذه محسن بن حميده ومحسن بن حميده وتلميذه محمد بن صابر وغيرهم ..
ومن اعظم وأجل أعمالها ايضا انها سهلت التعارف وأوثقت الصلة بين الادباء التونسيين واخوانهم العرب فى المغرب والمشرق والادباء والمفكرون المغربيون والمشرقيون الذين ساهموا فى تحرير الفكر كثيرون جدا لسنا نقصد هنا ذكرهم أو احصاء عددهم لكن يجدر بنا ان نذكر القراء على سبيل المثال بالدور الهام الذى قامت به الفكر فى مناصرة القضية الجزائرية قبل استقلال الجزائر ومناصرتها منذ تأسيسها الى اليوم للقضية الفلسطينية فرحبت بكل ما يتعلق بالقضيتين ويساهد فى التعريف بهما والدعاية لهما كما فتحت صفحاتها لكل أصواتهما من الادباء والشعراء والمفكرون والسياسيين هذا عدا الاعداد الممتازة التى خصصتهما للقضيتين
ومن غريب الصدف أن يكون مؤسس " الفكر " ومديرها هو الذي يقف اليوم بصفته الوزير الاول للجمهورية التونسية للدفاع امام جمعية الامم المتحدة بنويورك عن القضية الفلسطينية والمطالبة بالحل السريع لمظلمة العصر
وهكذا كانت محلة " الفكر " ولا تزال ملتقى المثقفين والادباء والمفكرين ومنبر الشاب المتحمس المتوقد التواق الى الخلق والابداع وهذا هو سر نجاحها ودوامها والتفاف الجميع حولها كما كتب ذلك مؤسسها ومديرها محمد مزالى منذ خاتمة سنتها السابعة قائلا :
ان " الفكر " ليست مجلة شخص بعينه أو جماعة ضيقة بعينها بقدر ما هى ملتقى لاسرة الادباء والمفكرين عامة ومنبر لكل الآراء الصادقة والافكار النيرة ومجال لكل المحاولات الادبية الاصيلة القيمة رائدها السعى فى تبين ملامح الشخصية الادبية القومية وتعزيز مقومات الثقافة الوطنية والمساهمة فى اثراء التراث الفكرى فى الوطن الاصغر والوطن الاكبر ومبدؤها التمسك بحرية التفكير والذود عن حرمة المفكر الاصيل دون المزيف والمتاجر بأدبه والايمان بأن النهضة الادبية المنشودة ثمرة جهاد جميع الادباء مهما كان سنهم أو اسلوبهم أو نزعتهم أو مدرستهم وبأن معيار تقييم الاثر الادبى انما هو قيمته الذاتية بقطع النظر عن الموضوع بل بالرغم عن أهمية الموضوع والايمان كذلك بأن قضيتنا الكبرى نحن معشر الادباء ليست الادب الملتزم أو الادب غير الملتزم مثلا بل هي قضية الادب أو اللا أدب " .

