لا شك أن الفنون والتقاليد الشعبية هى خلاصة ما تعيشه الشعوب عبر الزمن . تجد فيها ما تنغمس جذوره فى أعماق العصور الحجرية وتجد فيها ثمرة أحدث العوامل الحضارية . وفى الفنون والتقاليد الشعبية نلمس نظرة المجموعات البشرية تجاه الحياة وفيها أيضا ردود فعل إزاء الظروف السياسية والاقتصادية والدينية التى أحاطت وتحيط بها . وبفنونها وتقاليدها تعرب الشعوب صادقة مخلصة عما يخالجها من تخمينات وعواطف وآمال وطموح . بل كثرا ما تكون تلك الفنون والتقاليد الشعبية أداة مقاومة ونضال فى سبيل مثل أعلى . فيدراستها يمكنك الغوص فى أعمق طبقات الروح الجماعية . فتتعرف على ما تكنه الشعوب وتقف على الظروف التاريخية التى عاشتها .
فكل حركة من الحركات الشعبية وليدة ماض عاشه الشعب الذى يقوم بتلك الحركة . وقد تكون الحركة أغنية نظم كلماتها شاعر أصيل واقتبست نغماتها من حصيلة النغمات التى منت بها العبقرية الشعبية . وقد تكون تلك الحركة ثوبا مرصعا بالصور المعبرة والالوان الزاهية البديعة ثوبا حاكته يد لها من الحذق ما يقيها شر الخروج عن الأصالة الحق .
وقد تكون الحركة رقصة فردية أو جماعية وقد تكون صورة ترسم على الزجاج فتقرئنا قصة أبطال تحن لذكراهم قلوبنا . وقد تكون الحركة غير ذلك مما يتعلق بالانسان والمحيط الذى نشأ فيه وترعرع .
فللفنون والتقاليد الشعبية قيمة عظمى تفطنت لها الشعوب الحية حتى غدت لا تبخل بأموالها وجهودها فى سبيل المحافظة عليها وإثرائها ودراستها والتعريف بها .
وفى نطاق النهضة التى تعيشها بلادنا منذ التحاقها بصفوف الشعوب اليقظة
الحرة نشأ مركز الفنون والتقاليد الشعبية وهو أحد الفروع الأربعة التى يحويها معهد الآثار والفنون الكائن بدار حسين . ومن نشاط هذا المركز الفنى اليافع أنه يصدر مجلة يجد فيها القارىء خلاصة أبحاث وتفكير وتمحيص مما يقوم به ثلة من أهل الذكر فى هذا الميدان الشيق وإن كان عسير الولوج .
وتحمل هاته المجلة العلمية الفنية اسم (( كنش الفنون والتقاليد الشعبية )) ولقد ظهر العدد الثالث منها خلال شهر ماى 1970 وجاء على غرار العددين السابقين حافلا بالدراسات والتحقيقات فقدمت السيدة (( سميرة ستهم )) دراسة ضافية حول (( حلة الزفاف بتونس )) على أن دراستها تمر بنا بمختلف انحاء البلاد لتصف لنا الحلل وتقارن بينها محاولة الوقوف أحيانا على أصل الحلة ومأتى الزخارف التى تتحلى بها . من ذلك ترى سميرة ستهم (( تقارن بين حلة الزفاف المعروفة بالمهدية وبين ما يرتديه أشخاص رسمت صورهم على ألواح الفسيفساء . والمعلوم أن بلادنا أثرى بقاع العالم فى هذا الميدان .
وقدمت لنا فتحية السخيرى غطاءين من حياكة مدينة تستور الأندلسية . فتحدثت الكاتبة بادىء ذى بدء عن تسمية الأغطية وعن مختلف وظائفها . من ذلك أبرزت الفرق بين البطانية والفراشية . وأشارت فى دراستها الى طرق تنظيف الصوف ونشفه وغزله . وفيها فقرة حول الزخارف التى تتحل بها تلك الأغطية . وتكون تلك الزخارف أشكالا هندسية أحيانا وقد تكون صور أحياء من أشجار وحيوانات وبشر . وتجدر الاشارة الى الاهتمام الذى أعارته فتحية السخيرى تجاه مدينة تستور . ففى العدد الثانى من هاته المجلة قدمت دراسة دقيقة حول تقاليد الطبخ الأندلسية بمدينة تستور ووصفت بعض الاكلات كالسفنج والعصيدة والحلالم والمرقة الحلوة ومقرونة الأبارى وغيرها .
لكن لنتصفح هذا العدد الثالث من جديد حيث تناول الأب أندرى لويز موضوع غراسة الزياتين فى جبال مطماطة . فتعرض الى مشكلة وجودها فى هاته المناطق الجافة العسيرة . ويبدو أنها احتضنت الزيتونة منذ زمن بعيد سبق الفتح العربى الاسلامى . فقد عثر هناك على معاصر أثرية تعود الى الأيام التى شهدت بلادنا جزءا من الامبراطورية الرومانية . ثم يصف لنا الأب أندرى لويز الطرق التى يتوخاها الفلاح لغرس الزياتين وسقيها وشذبها . ومن ذلك يتخلص الى الزيت وطرق استخراجه من حبات الزيتون . ويصف لنا المعاصر التى لا تختلف فى جوهرها عن التى عرفتها بلادنا فى العصور القديمة . فهى دراسة دقيقة مدعمة بصور شمسية تساعد القارئ على الفهم .
واعتنت الآنسة كليمانس سوجيى بدراسة حول الأسد ومكانته فى الفنون
الشعبية التونسية . من ذلك صورة أسد مطرزة على رداء من صنع مدينه المكنين ترتدية العروس فى اليوم السابع من زفافها ويبدو أن الأسد يشير هنا الى العريس .
ودرس محمد المصمودى مدير مركز الفنون والتقاليد الشعبية لوحتين من الزجاج المزخرف ورسمت على كلتيهما مجازفة الأمير عبد الله بن جعفر مع آمنة بنت الملك الأكبر . فافتتح محمد المصمودى دراسته الموضوعيه بوصف دقيق للصور والأشكال والألوان التى تتحلى بها كلتا اللوحتين . وأثبت أن هذا الغرض الفنى مقتبس من الأساطير التى تولدت عن الفتوحات الاسلامية بافريقية التى ينسبونها الى الواقدى .
ولا شك أن فى هاته الصور ما يعود الى أعمق طبقات تراثنا الأصيل . فمن من الصور التى رسموها على هاته الألواح الزجاجية ترى صقرا وقد التقط حية بمنقاره الفتاك ، ولهاته الصورة أصل عريق فى تراثنا الفنى المعبر وذلك أننا نجدها فى بعض الاحيان منقوشة على موسى الحلاقة البونيقية كما نجدها منحوتة على بعض النصب .
وكف نتحدث عن كنش الفنون والتقاليد الشعبية دون أن نشير الى الصفحات التى تجمع فيها مصادر من كتب ومجلات تتعلق بتونس وتاريخها و عاداتها وتقاليدها وفنونها . ولئن عمدت أسرة المجلة الى جمع تلك الوثائق فذلك سعيا لتيسير عمل الدارسين والباحثين ممن تعلقت همتهم بمعرفة بلادنا وتراثها .

