الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

مجوب بن ميلاد، ميخاييل نعيمة، او حكمة الشرق تبعث

Share

لم أقبل قط - فى سالف الايام - على مجابهة الجمهور لالقاء محاضرة ما (١) عن غرض ما فاستشعرت نفسى ما تستشعره في هذه الدقيقة من عواطف تتأجج ، وأحاسيس تفور ، وخواطر تزدحم ، وفكر تضطرب وتريد أن تنطلق ، فى نظام أو فى غير نظام كأسراب من الطيور .

ولم أقدم قط - فى سالف الايام - على معالجة موضوع ما فطفحت نفسى بما تطفح به فى هذه الدقيقة من دواعي الغبطة والرجاء والاسف والخوف في حين واحد اذ أريد ان احدثكم عن مفكر هو في طليعة المفكرين في العصر الحاضر : ميخائيل نعيمة !

أشعر بالغبطة التى لا تحد ولا توصف لان " جمعية الاتحاد الصفاقسي الزيتونى " أرغمتنى إرغاما على الالحاد عن شواغلى الكثيرة لاقضى دينا بعنقي منذ عهد مديد : فمخائيل نعيمة - كدت ادعوه " ميشا " (٢) مثلما كان يدعوه جبران خليل جبران وبقية رفاقه من شعراء المهجر - معرفة قديمة لدى ... عرفته منذ ان كنت تلميذا بالمدرسة الصادقية عن طريق كتابه " الغربال " وما انقطعت عن مطالعة كل ما صدر له من الآثار ليومنا هذا .

واشعر بالرجاء ... لان ميخائيل نعيمة " شهادة حية " بأن روح الشرق قابل - رغم كسوفه الطويل - للبعث الحقيقى وسط عالمنا الحاضر وبأن " النموذج الانساني الشرقي " يمكن لنا ان نتحدث عنه اليوم كحقيفة حية حاضرة تتأهب لتجديد مصيرها فى نطاق مغامرة جديدة رائعة ، لا كحقيقة مضت وطواها الزمن

فى " متحف " نماذجه الانسانية الغابرة ... لا ولا كنسخة مشوهة من النموذج الانسانى الغربى الحاضر !..

وأشعر بالاسف لانه يبدو ان الشرقيين لم ينتبهوا بعد للمكانة الممتازة التى يحتلها ميخائيل نعيمة ولا شعروا - دقيق الشعور - بما يربطه من متين الروابط وحي الوشاجة بالحقيقة الانسانية الشرقية الخالدة ، فى اضطرام اخلاصها لذاتها المعنوية الطريقة !...

صحيح أنهم يسمونه " نبي بسكنتا " (١) ولكنى اخشى ان تكون هذه التسمية ضربا من " الالقاب " او " الشارات " الشرقية العارية عن كل مدلول ... فلاهم " يعقلون " لها معني ولا هم يدركون لها حقيقة ولا هم يشمون لها عبيرا ...

تطالع ما يحرره الادباء فى الشرق من الكتب والرسائل والدراسات فلا تعثر على سطر واحد تفهم منه ان لتفكير ميخائيل نعيمة صدى في نفوس الشرقيين او فى شواغل الشرقيين او فى تفكير الشرقيين او في سلوك الشرقيين ... وعبثا تحاول ان تعثر على دراسة جدية تقيم لك الدليل على ان الشرقيين احسوا في اعماقهم " بحرقة " الاشواق التى ما انفك ميخائيل نعيمة يضرم نارها الزكية في " سبل " البعث الشرقي الحقيقي ! وعبثا تحاول ان تعثر على امر تفهم منه ان اشواقهم اخذت تخالط أشواقه وان انفاسهم اخذت تنسجم مع انفاسه !

فأنت واحد - فيما يحرر من الكتب والمجلات والصحف الشرقية - ما شئت من فصول النقد والتحليل ومن ضروب المقاومة او التأييد حول انتاج مختلف الادباء الشرقيين - الاحياء منهم والاموات - طه حسين وتوفيق الحكيم والعقاد والمازني والرافعى والمنفلوطى واحمد امين وشوقى وحافظ ابراهيم وغيرهم ... ولكنك غير واجد شيئا يذكر عن أدب ميخائيل نعيمة ...

ألم أقل لكم إني أخشى أن تكون تسميتهم إياه " بنبى بسكنتا " على سبيل الالقاب والشارات الشرقية ، بل أخشى أن تكون هذه التسمية ضربا من ضروب " اللياقة الشرقية " أو " التهذيب الشرقي " يعربون به عن اعتبارهم إياه " رجلا شاذا " اعتزل الناس لا هو من هذا العصر ولا هذا العصر منه !

وأشعر بالخوف ... لاني غير واثق من انى سأوفق في الاعراب عما اريد الاعراب عنه فى هذا الحديث عن ميخائيل نعيمة وعن تفكير ميخائيل نعيمة وعن طابع تفكير ميخائيل نعيمة ...

فميخائيل نعممة " تاريخ " برمته . هو صورة حية ، نابضة ، مختصرة من الشرق الخالد . وللحديث عن ميخائيل نعيمة وعن تفكير ميخائيل نعيمة وعن احساس مخائيل نعيمة لهو هو الحديث عن تفكير الشرق الخالد ، واحساس الشرق الخالد .

وليس يمكن لك ان " تخلص " فى تقديم ادبه وتحديد نظرته للوجود دون ان تطلق - طلقة بائنة - ما ورثه الشرقيون عن ظلمة الانحطاط الشرقي في القرون الاخيرة من ضروب الشعبذة اللفظية ، وصنوف التمويه البلاغى ، والوان الزيف البياني - ودون ان تجشم نفسك الغوص عن جوهري الامور فتثيرها " عوالم فكرية " تترقرق فى أجوائها كالنجوم بلى تضطرم كالجمر جواهر الحقائق والقيم والمبادئ الانسانية : الحياة والموت . اللذة والالم . الامل واليأس ، الظفر والانكسار . الهداية والغواية ، اليقظة والنوم . الحرب والسلم . المعرفة والجهل ، اليقين والشك . الحرية والعبودية . القضاء والقدر . الجبر والاختيار . الخير والشر . الحسن والقبح . الصدق والرياء . البطولة والجبن ... الى ما هنالك من المفاهيم التى تكتنف " المنزلة الانسانية " في كفاحها الدائب !...

وبدهى أن نطاق هذه المحاضرة لا يمكن ان يتسع لمثل هذا الغرض . فيحسبي ان تكون مدخلا - ومدخلا متواضعا جدا - إلى تفكير ميخائل نعيمة .

وإني لاعتبر نفسي موفقا كل التوفيق ان فزت بتحبيبه اليكم فسرى من نفسي إلى نفوسكم جزء مما تكنه له من الحب والاعجاب والتقدير !

وليكن هذا الحديث منحصرا فى هذه النقط الثلاث : أ ) ميخائيل نعيمة فى ظل جبران خليل جبران . ب) ميخائيل نعيمة الحكيم . ت) ميخائيل نعيمة أو روح الشرق يستيقظ.

- أ - ميخائيل نعيمة في ظل جبران خليل جبران ليس من شك عندى فى انه ليس هنالك امر احب الى قلب ميخائيل نعيمة

من ذكر العهد الذى كان فيه - بعيد الحرب العالمية الاولى - هو وجبران خليل جبران وعبد المسيح حداد والياس عطا الله ، ونسيب عريضة ورشيد ايوب ووليم كاتسفلس يؤلفون " الرابطة القلمية " ويحاولون من أميركا نفسها وعن طريق اعداد جريدة " السائح " ان ينفخوا فى الادب العربى روحا جديدا ...

فميخائيل نعيمة هو نفسه الذى حرر مقدمة قانون الجمعية . وهو هو الذي أكد فى تلك المقدمة :

" ليس كل ما سطر بمداد على قرطاس أدبا . ولأكل من حرر مقالا او نظم قصيدة موزونة بالاديب فالادب الذى نعتبره هو الادب الذي يستمد غذاءه من تربة الحياة ونورها وهوائها . والاديب الذى نكرمه هو الاديب الذي خص برقة الحس ، ودقة الفكر ، وبعد النظر فى تموجات الحياة ، وتقلباتها وبمقدرة البيان عما تحدثه الحياة فى نفسه من التأثير .

" ان هذه الروح الجديدة التى ترمى الى الخروج بأدبنا من دور الجمود والتقليد الى دور الابتكار فى جميل الاساليب والمعانى لحرية في نظرنا بكل تنشيط ومؤازرة . فهي أمل اليوم وركن الغد : كما ان الروح التى تحاول بكل قواها حصر الآداب واللغة العربية ضمن دائرة تقليد القدماء في المعنى والمبنى هى في عرفنا سوس ينخر جسم أدبنا ولغتنا وان لم تقاوم ستؤدى بها الى حيث لا نهوض و لا تجدد !

" بيد أننا اذا ما عملنا على تنشيط الروح الادبية الجديدة ، لا نقصد بذلك قطع كل علاقة مع الاقدمين . فبينهم من فطاحل الشعراء والمفكرين من ستبقى آثارهم مصدر إلهام لكثيرين غدا وبعد غد . الا اننا لسنا نرى في تقليدهم سوى موت لادبنا . لذلك فالممحافظة على كياننا الادبي تضطرنا للانصراف عنهم الى حاجات يومنا ومطاليب غدنا وحاجات يومنا ليست كحاجات امسنا . (١) "

ليس من شك فى ان هذه الوثيقة المحررة في سنة ١٩٢٠ تفصل بين عهدين فى تاريخ الادب العربي . فهى تسجل ظهور " عقلية شرقية " جديدة لها مقاييسها الجديدة فى الحياة ، وشؤون الحياة ، في الادب وشؤون الادب .

وليس من شك فى ان هذه العقلية الشرقية الجديدة ستهب كالاعصار العاتي وتريد أن تجتث ما وهن من فروع " الهيكل الشرقى الهرم " وان تبعث فيه

روحا جديدا كى يعود إلى عزمه مضاؤه ، وإلى بصيرته نورها ، وإلى وجدانه يقظته . هى عصابة البعث !

أفرادها لا يعرفون إلا الصراحة فى اللهجة ، والصدق فى العبارة . والكفر بكل ضروب التمويه والدجل والنفاق والمؤاربة والالتواء والمراوغة لاحساسهم القوى بأن " الحق " هو المحك الوحيد الذى تحك به حيوية الافراد والجماعات : فمن قوى على هضم الحقائق المرة فهناك رجاء فى شفائه من علله وأسقامه ... ومن لم يقو على هضم تلك الحقائق فكبر عليه وصل!...لذلك كنت تراهم أثناء تصفيتهم حساب العجز الشرقى يسمون " البعوضة بعوضة والمدرة مدرة ! "

والاخلاص للتاريخ والوفاء للحقيقة يقضيان بأن نقول إن جبران خليل جبران هو زعيم الحركة . وعن جدارة ! فقد كان دماغها . وكان روحها . وكان ثورتها الجاحمة ...

هو القائل فى بعض رسائله لاخيه بطرس عن القوم :

" لقد نسى الناس فن الكتابة يا بطرس وانشغلوا عنه بصناعة رصف الكلام ، فلا روح . ولا جمال فيما يكتبون . ولو عادوا إلى سفر أيوب والمزامير ونشيد الاناشيد لعرفوا ان العواطف إذا ما فارت والافكار إذا ما ثارت ضاقت دونها القوالب المحدودة وغصت بها المجارى المالوفة . لكنهم لا عواطف فيهم تفور ، وينظمون كما لو كانت لهم عواطف . ولا أفكار لهم تثور وينثرون كما لو كانوا ذوى أفكار . فهم أموات فيما ينظمون وينثرون " . (١)

وجبران خليل جبران هو القائل عن مهمة الفن :

" يحسب البعض الفن فى تقليد الطبيعة والطبيعة اعظم من ان تقلد . ومهما تسامى الفن لا ياتي بمعجزة من معجزاتها . ومن ثم فما الحاجة إلى تقليد الطبيعة وهي محسوسة لكل دي حس ؟ إنما الفن أن نتفهم الطبيعة ونؤدى معانيها للذين لا يفهمونها ، الفن أن نؤدى " روح " الشجرة لا أن نصور جذعا وفروعا وأغصانا وأوراقا تشبه الشجرة . الفن أن نأتي " بضمير " البحر لا أن نرسم أمواجا مزبدة أو مياها زرقاء هادئة . الفن ان نرى فى المألوف ما ليس مألفا . لذلك

ابتعد في التصوير وفي الكتابة عن كل مألوف لأتوصل إلى ما فيه من معان والوان غير مألوفة " (١)

فجبران خليل جبران - من دون شك - هو الذى كان يشق الطرق الجديدة ويكسر السدود ويفتح منغلق العوالم بما كان يعرضه على الناس من آيات الفن العجيب والخيال الملتهب والفكر الجاحم : دمعة وابتسامة ، الارواح المتمردة . العواصف . المروج . المواكب . السابق . النبى . يسوع بن الانسان...

اما ميخائيل نعيمة فانه لم يكن اذ ذاك إلا الناقد . ولم يكن له ما كان لجبران خليل جبران من القدرة على الخلق . يكفيك ان تطلع على كتاب " الغربال " لترى البون الشاسع بين الرجلين . وإنى إذ أقول هذا لا أنسى ديوان ميخائيل نعيمة " همس الجفون " ولا ما اشتمل عليه من قصائد رائعة تعرج احيانا الى درجة الالهام كقصدة الشهير : " النهر المتجمد "

ولكني أومن - مهما بلغ اعجابي ببعض تلك القصائد - بأنه لا يقارب جبران فى غزارة ينابيع فنه وشعره . فجبران الشاعر اعظم بكثير من ميخائيل نعيمة الشاعر ...

وفي الحق فانه من الحيف ان تقارن بينهما . ذلك ان جبران شاعر وفنان قبل كل شئ في حين ان ميخائيل نعيمة مفكر او حكيم قبل كل شئ .

- ب - ميخائيل نعيمة الحكيم

وانه ليكفيك ان تطالع ما نشر من مؤلفاته النثرية إثر وفاة جبران لتقتنع بذلك ... المراحل . صوت العالم . زاد المعاد . فى مهب الريح . مذكرات الارقش . النور والديجور . البيادر . جبران خليل جبران . الاوثان . لقاء . كتاب مرداد ...

تطالع هذه الكتب التي ذكرتها لك في غير ترتيب فتقتنع بانك امام " مفكر أصيل " بل امام " حكيم " من طراز فريد فى العصر الحاضر . وتفهم ان ميخائيل نعيمة لم يعط أعز ما عنده ايام كان جبران خليل جبران حيا . كان بصدد المخاض ، بصدد البحث عن ذاته يتحسس اعماقها ، بصدد ما اسميه

" التكدية الروحية "... او ان شئت فقل كان " الدودة " التى تنتظر ان يحين حينها لتنقلب " الفراشة " !

وفي الحق فبالرغم من ان معظم تلك الكتب ليس الا مجموعات من فصول ومقالات ومحاضرات حررت فى ظروف مختلفة وفي اغراض متنوعة واذيعت في مناسبات متباينة فأنت لا تجيل بصرك فيها دون ان تنتبه فى دهشة الى ما هنالك من فروق تكاد تكون جوهرية ما بين ميخائيل نعيمة غداة الحرب العالمية الاولى وميخائيل نعيمة غداة الحرب العالمية الثانية . رجلنا تطور تطورا عجيبا وطوى ما بين الزلزالين الارضيين مراحل شاسعة ... او قل درج " بنير معارج الذات " الى ان بلغ قمتها !...

وكان شهادة حية على صحة الاثر : " من عرف نفسه فقد عرف ربه " اذكر معي هذا الاثر ولا تفهمه مثلما تفهمه الكائنات الببغاوية التى تغص بها الاقطار الشرقية غصا : تضطرب ألسنتها بشتى الالفاظ والمفاهيم من دون ان تضطرب العواطف فى قلوبها الفارغة والفكر فى عقولها المقفرة والحركة في عزائمها الخائرة ...

هو الحكيم الذى لم ينفك يسير أغوار النفس خلال تجاربه الشخصية وخلال متنوع قراءاته العربية والغربية - حتى عرف نفسه وعرف ذاته . وعرف اسرار خصبها وجدبها . وأسرار صورها وهواجسها ، وميولها ، واندفاعاتها ، واطماعها ونارها ونورها ... وأصبح لا يرى العالم الاخلال نورها ونارها . فتجلت له قدسية الحياة رغم تضارب مظاهرها وقدسية الكون وقدسية نواميسه رغم ما يبدو من متهاجر شؤون رحمتها وقسوتها ... فانقلب لسانا يمجد آياتها البينات .

واذكر معي هذا الاثر وفكر في اروع المغامرات الروحية التي لا تخلو من الغصص تتجرع ، والآلام ترتشف ، والافراح تتذوق في مختلف الشعاب والسبل والكهوف والمغاور والصخور والمفاوز والواحات التى لا بد أن يقتحهمها الفكر الحريص على أن يتجاوز الظواهر (ظواهر النفس وظواهر الكون) لينفذ الى البواطن (بواطن النفس وبواطن الكون) ...

اذكر معي هذا الاثر وفكر في أسمى قمة يمكن للفكر الانساني ان يوفق الى ارتقائها حيث تكتحل العيون بنور الوجود المطلق ، بسحر الوجود المطلق

وحيث تهمس فى الاذان - داوية فى همسها هامسة فى دويها - انغام موسيقى الوجود المطلق ...

تلك القمة هي القمة التى ارتقى اليها ميخائيل نعيمة فألهمته أروع الصفحات عن " سحر الوجود " وهاكم بعض آيه في هذا الصدد :

" ياليت الله يظهر ذاته بعجيبة إذن لامن به كل الناس على السواء ولا ارتدعوا عن الشر .

" أعجب ما فى الناس أنهم أبدا يطلبون عجيبة . فلكم سمعت الاشرار منهم والاتقياء والجهلاء والعلماء يقولون :

وهم يقصدون بالعجيبة أمرا خارجا عما ألفوه من مظاهر الطبيعة كأن يقوم ميت من قبره أو أن تجمد الشمس فى قبة الفلك أو أن يتحول ركام من الجليد الى جبل من الحديد أو قطرة ندى الى لؤلؤة تباع وتشرى فى اسواق الكسب والخسارة ...

فكأن الطبيعة التى نتحسسها في كل لحظة من وجودنا ليست عجيبة كما هي الا اذا انقلبت الى غير ما هى .

وكاني - وانا واقف أمامكم - لست عجيبة الا اذا نبت لي جناحان وحلقت بهما فوق رؤوسكم .

وكانكم - وانتم جالسون تجاهى - لستم عجائب الا اذا تحولتم الى عواميد من المرمر او لبستم قبعة الخفاء فتلاشيتم فجأة في الفضاء ...

لو أن هاتفا هتف بكم فى هذه الساعة ان على قمة صنين عليقة تلتهب ولا تحترق كالتي رآها موسى لتمنيتم لوكان لكم أجنحة تسابق البرق لتبلغوا القمة فى طرفة عين . بل لزحفتم على الارجل اذا تعذرت وسائل النقل وتكبدتم مشاق الجوع والتعب لتبصروا العليقة ولقلتم عند مرآها :

" ان هذه العليقة لعجيبة حقا ! "

وفي مفاوز الجو السحيقة علقة هائلة ما برحت تلتهب منذ فجر الخليفة وحتى اليوم لما تحترق وانتم لولاها لما كان فى عيونكم بصر . وفي عروكم نبض وفي مفاصلكم حركة ، ولما كان لكم ما تأكلون وما تشربون وما تلبسون ، فمنها النور فى نوركم والحرارة فى حرارتكم . والنشاط في نشاطكم . والتمتع بها لا يكلفكم

فلسا من فلوسكم . ولا قطرة من دمائكم . ولا ساعة من التعب ولا عضوة من الجوع لانها تقطع الاجواء الشاسعة لتسكن بلهيبها المساكن التى تسكنون . والمآكل التى تأكلون . والمشارب التى تشربون . والهواء الذى تتنفسون . فما بالكم لا ترون فيها عجيبة اما عليقة موسى فهى عندكم العجيبة العجيبة ؟

إنما الكون كله - ما تبصرون منه وما لا تبصرون - عليقة تلتهب ولا تحترق . لهيبها يذكى الحياة فى جسدها ، وجسدها يذكى الحياة فى لهيبها ... فلا ذاك ينطفئ ولا هذا يترمد ... (١)

هل سمعتم هذه الصفحة الرائعة التى سمحت لنفسي بأن أنقلها لكم ؟ أثارت فى نفوسكم أصداء الشرق الخالد ؟ ألم تحرك فى نفوسكم " سواكن " الاحساس الشرقى ؟ اليست الاحساس الفواح ، العارم بروعة الوجود كاثر من آثار القدرة القديرة التى قالت له " كن فكان " ؟ آلا تستحق أن تنظر بأروع صفحات الاشعرى والغزالى عن رموز القدرة وآيها ؟

الامر كذلك عند كل من يتجاوز الالفاظ ، وقشورها وينتهى إلى لباب الاشياء وجوهر المعانى ومحض الاحساس . ولذلك قلت إنه " ضمير الشرق يستيقظ "

- ت - ميخائيل نعيمة ضمير الشرق يستيقظ

هو روح الشرق يستيقظ !

هو حكمة الشرق تبعث !

وإذا ما تحدثت عن الشرق فلست اعنى شرق الانحطاط . ولاشرق الزور . ولا شرق البهتان . ولا شرق الدجل . ولا شرق الافلاس .

وإنما أعني الشرق الخالد : شرق النبوة . شرق المحبة . شرق التسامح . شرق الصدق . شرق الحرية الروحية ...

وإنما أعنى شرق الكفاح في سبل المحبة والتسامح والصدق والحرية الروحية !

وهذا الشرق ليس هبة توهب ولا هو عطية تعطى وإنما هو فتح يفتح أعني

أنه " واحة " لا يمكن أن ينتهى إليها إلا من تقحم مفاوز الطلب والبحث وصبر على جحيم التكدية الروحية ومرارة التحسس .

هو اكتشاف لا يحظى به إلا من أرهص النفس ارهاصا فحررها من شوائب الاهواء والاطماع وارتفع بها الى " قمم " الظفر الاكبر حيث دولة الانسان ودولة الخير ودولة الحق !

ولئن أمكن لميخائيل نعيمة أن يحرر اروع الصفحات عن " الشرق الخالد " وأن ينقلب داعية يدعو لبعثه حقيقة حية نابضة حتى يسترجع مكانته فى التاريخ البشرى فإنما كان ذلك لانه أتيح له بفضل تيهه فى مختلف الاجواء الثقافية الشرقية والغربية أن يتحسس نفسه وان يغوص عن دفين أشواقه الشرقية : رواسب حية فى احساسه الحى !

وهل أنا في حاجة إلى القول بأن الشرق الخالد لن يبعث البعث الحقيقى إلا إذا ما وفق الشرقيون إلى تصفية حسابهم المعنوى التصفية البصيرة الحاسمة ؟

وهل يدعو ميخائيل نعيمة إلى شيء آخر غير هذا ؟

فبارك الله في جهادك يا ميخائيل ولك من تونس - عبر البحر الابيض المتوسط - أعطر التحية وأزكى السلام !

اشترك في نشرتنا البريدية