الاولاد الصغار
وطرق الصبى الصندوق بفرشاته :
كم؟
- 400 فرنك .
- خذها ، وهذه خمسون أخرى
- خمسون ؟ لك أن تبقيها عندك .
- وألححت . فقبلها ارضاء لى . ولكنه كان - فيما يبدو - غير مرتاح لذلك .
وما هى الا أن شعرت فجأة بشىء يحز فى نفسى . فالتحقت بالصبى فى البطحاء باحثا عنه ، وحدته :
- دونك وخمسين فرنك أخرى . أنت مساح جيد للاحذية
واستوضحت معلما فأجابني قائلا
- العرب الصغار ؟ موهوبون ، ناشطون ، أذكياء . ولكن هل يعترفون بالجميل ؟ لست أدرى . انى أعلم أن عددا من معلميهم رموا بالحجارة في آخر السنة ، وأن معلمات أهن قذفا بالبصاق . . . هؤلاء الاولاد صورة تنعكس فيها آراء آبائهم . هم يأتون أحيانا الى المدرسة حاملين شارات جبهة التحرير الوطني ، أو هم يغنون نشيد الفلاقة . . هل يقولون ؟ لا ، انهم بكلمة لا ينبسون . ولقد أذكر أنهم لزموا - مرة - صمتا كان باعثا على الحبرة . ولكني لم احترز . ومن الغد ألقيت قنبلة يدوية بالقرية . ولم يحادثني الاولاد الصغار فى صراحة سوى مرة واحدة ، هم أولاد يسكنون مشات قريبة كانت هدفا لحملة دامية . قالوا بأنهم ساموهم سوء العذاب ، وأن الحملة أسفرت عن مأتم فى كل عائلة .
- والمعلمون العرب ، زملاؤك هل يقولون ؟
- قليلا ما نتصل بالمسلمين . اننا نعيش فى حسن تفاهم عامة فيما يخص شؤوننا المهنية . ولكن ما نكاد نذكر المشكلة حتى يكون السد . لا نظفر منهم بشئ المثقفون . المثقفون ! ؟ هم موجودون ! ما في ذلك شك ولكننا لا نجدهم الا لماما فى المجالس البلدية التى أعيد انتخابها منذ زمن غير بعيد . وانه لا يتسنى أن نعمل عملا ايجابيا بدون هذه النخبة . . وكنت دائما أسمع الصبيان يقولون : " عند ما نظفر بالحكم . . عند ما نملك ناصية الامور بالبلاد . . . "
والآن ها أنا أصغى لهذه المعلمة الساحرة ، ومشهد المدينة الجميل يمتد أمامى على مدى البصر :
- لقد قتل شرطى فى القرية التى أسكنها . فقتل فى الليلة الموالية مائة عربى ، وتركت جثثهم ملقاة فى البطحاء ، ولما كان الغد أعلن الحداد العام . . . وقال لى الصبيان والصبيات :
- هل هذا من العدل ؟ واحد يفدى بمائة عربي ، هل هذا قسطاس مستقيم ؟
ثم يقبل بعضهم على بعض يتهامسون ، ولكنهم يقلعون عن الحديث حالما أقبل .
وهم مع ذلك لا يخلون من لطف . فلقد قالولى مرة :
- سيدتى ، لا تبرحين منزلك اذا كان الغد . . .
ومن الغد القيت قنبلة يدوية فى القرية . . . انهم جميعا عناصر لجيش الفلاقة فى المستقبل . ولقد وجدتنى بينهم يوم التئاخي في شهر ماى سنة 1958 . وما هى الا ان قالت لى المديرة فجأة :
- اسمعى انهم يغنون نشيد الفلاقة
والآن هو ذا الطبيب ، ويبدو لى أنه مصاب بشئ من الجنون ومن يدرى ، لعل فى رأيه بعض الصواب
- كل سنة يولد 800 ألف طفل عربى ، فانظر ما سيكون الامر بعد عشر سنوات ، بعد عشرين سنة . هذا ما يسمى ارتفاع نسبة المواليد بصورة عجيبة . فماذا يضر جبهة التحرير ان هي خسرت عشرين الف قتيل أو مائة ألف قتيل فى السنة ؟ ففي كل يوم يولد من سيحلوا محل القتلى . هناك مثلا تصور أن الجبهة تأمر قائلة : على كل الاطفال الذين تتراوح سنهم بين السابعة والخامسة عشرة أن يتجمعوا فى البطحاء هل تعلم كم سنشاهد هنا ، في هذه القرية الصغيرة ؟ 35000 شخص . وما ذا عسى أن يفعل الشرطة ، وجنود المظلات ضد 35000 طفل
لقد خسرنا الصفقة : هذا أمر لا أخفيه عليك . فالاعداد فصيحة غير
معجمة . وعند ما تنتصر جبهة التحرير الوطني ، فستقيم تماثيل في كل قرية . سوف لا تقيم تمثالا لفلاق مجاهد . لا ، بل تمثالا لعربية بادن البطن
فهى المنتصر الحقيقى !
وقال لى راهب قبل أن أرحل :
- طرحت يوما معلمة على تلامذتها الموضوع التالى فى درس الانشاء :
- ماذا تفعلون لو كانت الانظار لا تقدر أن تراكم ؟
لقد وجدت فى أغلبية الدروس الجواب التالى :
" لو كانت الأنظار لا تقدر أن ترانى لقتلت الفرنسيين ، لان والدى ، وأخى ، وعمى ماتوا بيد الجنود الفرنسيين . . .
ولقد قيل لى فى الجزائر ، فى الجزائر هذه التى تعيش على الاوهام : - ما هذا الهذيان ؟ لقد كان الصبيان العرب عندما أمر فى سيارتى - منذ سنة خلت - يسددون الى عصيهم . أما الآن فهم لا يفعلون شيئا من ذلك .
ليست هذه هى أول مرة ألاحظ فيها عددا من الذين يحادثوننى يجتهدون فى اخفاء حقيقة مزعجة .
النصر يشق طريقه
وضرب ساكن مدينة الجزائر المائدة بجمع كفه وقال :
- جبهة التحرير الوطنى ؟ لقد اندثرت . فطريقة الجنر ال شال challe الحربية بمقاطعة وهران أسفرت على نتائج عجيبة . .
- هب جبهة التحرير تعمد الى استعمال الطائرات ؟
- ومن أين تنطلق هذه الطائرات ؟ من الصين!؟
- من المطارات التونسية فى أكبر الظن.
- أصارحك بأنى لست من أنصار لاقيارد lagaillard ولكن لا قيارد على صواب . . . يجب رمى المطارات التونسية بالقنابل .
وبدأت بزيارة غرب الجزائر ، لنستثن وهران الساحرة ، هذه الوضاءة نهارا ، المنورة دوما فى الليل ، والتى هى الوحيدة من بين مدن الجزائر التى أفلتت من قانون منع التجول ليلا . زد على ذلك . . . اننا صعدنا الى المنظرة التى تشرف على المدينة .
منذ سنة خلت ، منذ ستة شهور خلت كنا لا نجرؤ على الوصول الى
ذلك المكان . لم هذا اذن ؟ ولكن أنظر الى هذه القرية العربية والى غابة الصنوبر هذه التى نجتازها . ثم علمنا أن سيارة قد اتجهت اليها ، ثم ثانية ، ثم ثالثة . . . . هكذا ترجع الثقة الى النفوس .
ثم أطلعونى بعد ذلك الحين الذى هو بصدد البناء ، وعلى شارع جبهة البحر .
أمر يأخذ بمجامع النفس . عمارات شاهقة تبرز فى كل مكان .
- فقلت : والآن بودى لو أطلع على ما حقق لفائدة المسلمين .
- طبعى تماما ما طلبت !
وأطلعونى على منازل عصرية لائقة .
- والحى القديم ؟
- مجموعات البيوت العتيقة ؟ تأبى الا رؤيتها ؟ هيا بنا !
لم أجد متسعا من الوقت للاطلاع ، لان السيارة كانت تسير فى سرعة الاعصار .
- لم هذه السرعة ؟ فلا أرى شيئا .
- لقد وقعت اغتيالات فى هذا الحى يا عزيزى .
وبهذه السرعة كذلك مررنا بتلمسان . تلك المدينة الساحرة الشهيرة بأسوارها وبرج المنصورة الذى تتحتم زيارته . وكان السائق يزيد فى سرعة السيارة حالما تغيب عن ناظريه خوذة الجندى . وكانت الطرقات - فى جميع المناطق - مراقبة محروسة . ولا يمكن الذهاب - حتى بالنهار - الى عدد من الجهات كمسكرة بدون حراسة .
- الامن سائد بالمدن . . ولكنه مفقود بالآفاق حيث جبهة التحرير تتجول وتأمر وتجمع الاموال ، وتفرض مقرراتها ، فهى الحكم وهى المنفذ وبيدها السلطان . كل السكان مرغمون على أن يشاركوا فى الاعانة بدون أن نستثنى المعمرين . لاحظ يوم الاحد هذا : فهو هادىء . فالطرقات من بلعباس حتى وهران تعج بالناس . فمنهم من يقصدون الى مشاهدة سباق الثيران ، والآخرون الى مشاهدة مباراة الكأس . لقد عدنا الى الخروج ولكننا لانجرؤ بعد على أن نستقل الطرق الجانبية . وعندما ياتى الليل ، وقبل أن يأتى بوقت طويل ، نسرع فى العودة ، الحذر ، الحذر صار عندنا طبيعة ثانية .
ثم ذهبت الى مقاطعة قسنطينة ، ووصلت الى مطار تلرقاما وكان الجند يحرسه . فسألت أصدقائى :
- هل حقا أن جبهة التحرير الوطنى قد بادت ؟
- ومن أعلمك بهذا ؟
- أعلمونى بذلك فى الجزائر العاصمة .
ليأت أصحابك بالجزائر العاصمة الى هنا ، فالحرب دائرة على بعد ثلاثة كيلو مترات من قسنطينة وفيليبفيل وعنابة . . فالفلاق قوى ، قوى عزيز ، أنظر الى جنودنا الصغار ، انهم لا قبل لهم بهذا . فالفلاق مشاء صبور ، ومجاهد ومغوار ، ورام عجيب . هم أقوياء ، أوكد لك هذا . فلقد عطلت عدة مناطق تعطيلا كاملا ، منطقة كللو callo مثلا ، على شاطئ البحر .
وصمت قليلا ثم رجع الى مواصلة حديثه : - كللو : ان الجيش لم يعد يجرؤ على الذهاب اليها . فالمدينة تمون بطريق البحر ، بطريق البحر لا غير .
- وحركة السير فى الطرقات ؟
- مرضية ما بين قسنطينة وفيليبفيل ، الا أن الطريق موصودة ليلا من الساعة السادسة مساء . لا نذكر الطريق الرابطة بين فيليبفيل ووعنابة على طول 120 كيلومتر ، فهى لا تخلو من الاخطار حتى فى النهار . فمناطق الامن ضيقة جدا . أما خارج هذه المناطق فالحذر الشديد مطلوب ان كان الكف عن الخروج غير ممكن . فلقد وقع اعتداء منذ أيام ، فى طريق كروبس ، على بعد سبعة كيلومترات من قسنطينة . نحن لا نخرج من السابعة والنصف مساء .
سترى قسنطينة . الناس يتجولون فى هدوء ، وسرعان ما يفاجؤون بطلقات المدافع ، تسفر عن أجسام طريحة ملطخة بالدماء . وكان الناس يبدون آراءهم فى مثل هذه الحوادث . أما الآن فانهم يمرون سراعا للاشتغال بأمور أخرى .
هكذا تنقضى حياتنا اليومية . اعتدناها بدون أن نفكر فيما سيفجؤنا به الغد .
سيارتنا تسعى الآن بكامل السرعة صوب البحر ، وفى العلبة الامامية قنبلتان يدويتان قد تصلحان اذا طرأ طارىء .
- أنظر هنا ، على اليمين ، هى ذى الطريق التى يسلكها الفلاقة ليتحقوا بقبلى عن طريق تونس . سطيف : أخطر منطقة . وتوجد غرداية بقرب سطيف ، وهناك اذا ما انتحي الانسان مكانا متواريا قصد الذهاب الى البول ، فحماية جند مدججين يكاد يكون امرا ضراريا .
وسألت فى وداعة : - الى أى الاماكن تذهبون فيليبفيل أيام الآحاد ؟
فذهبوا بى الى شاطئ البحر ، جان دارك شرقا ، مركز جنود المظلات التابعين لبيجار ، سطورا غربا . فى الجملة عشرون كيلومترا .
- وبعد سطورا ؟ - بعد سطورا تبدأ مملكة جبهة التحرير ، فهم يقومون كل صباح بتحية العلم .
- هل تريد أن ترى الحدود ؟ فارقنا السيارة ، وسرنا على الاقدام بعض مئات من الامطار ، وبلغنا الى باب من حديد يسد نفقا
- ولكن كيف تعيشون هنا ؟ - هذه هى الحدود .
- تسأل كيف ؟!
قبل اليوم لم نكن نقدر حتى على الذهاب لميدان اللعب بكرة اليد . ثم أخذنا تعود شيئا فشيئا للذهاب الى هذا اللعب . الا انه يجب أن لا نفكر قط فى الذهاب الى عناية بواسطة الطريق العادية ، أما الذهاب الى الجزائر فأمر مفروغ فى استحالته تماما سبب أبواب الحديد ومضاريق نحن نتنفس برئة واحدة : هى قسنطينه أو البحر أو المطار . . . التبعية تعود علينا فى الحقيقة . فنحن نتشجع عندما يكثر عدد السيارات فى الطريق ولكن عندما تقفر طريق من السيارات ، فالجبهة هى التى تستولى عليها .
ولاحظت نفس الحالة فى عنابة . وحالما وصلت اليها سألت - وقد استولى على نوع من مزاح حزين لا مناص منه فى الظروف التى تشتد فيها الحيرة -
فقلت : - أين هو الفولاذ السائل ؟ أريد أن أرى الفولاذ السائل .
فأشاروا الى مكان قصى كان المهندسون يعملون فيه ، ثم ذهبوا بى الى مطعم على شاطئ البحر . ورأيت البحر من خلال سياج . وكانت كل النوافذ محاطة بمثل هذا السياج اتقاء من القنابل اليدوية . ولكن فترات العشاء كانت مرحة حدا . فهم يرون البحر ويغفلون عن السياج . آه يا عنابة الحزينة .
وفى آخر يوم قال لى صاحبى الذى رفقنى الى المطار : - تلك هى حياتنا . ترى أن نطاق نشاطنا محدود . لا تتعدى كاب دى قارد
على بعد 10 كيلو مترات أو الايروبور على بعد سبعة . فتحى هنا اختطف ، فى رابعة النهار ، أحد الاعيان . فحتى هنا ، عندما تأتى الطائرات ليلا تقوم سيارتان رشاشتان - وأنوارهما مطفاة يخفر - المارة حتى المدينة . ولك أن تسألنى لم أتيت مع ذلك لمرافقتك ؟ ان الخروج الى المطار هو فرحة عندنا ، اذ يخيل الينا أننا نسعى الى حيث الحرية .
وأماط الرجل قناعه فجأة . وها هو الطبيب من جديد ، ، رسول الشقاء : - لقد أسأنا معالجة المشكلة . والآن كل شىء على ما يرام . الامن ؟ لقد رأيت
ما معناه هنا . ماذا أقول لك : ان صبيتنا ليسوا فى مستوى مهمتهم . الفلاقة ذئاب . وعند ما يطلقون نيران أسلحتهم ، فانهم يفعلون ذلك بكل الحزازات التى تنشأ فى الجهاد . من يقابلهم : الصبى ( الفرنسى ) الذى ودعه أبوه فى محطة القطار قائلا : " عزيزى بنى ، لا تكن بليدا ، الجزائر مالنا ، والجزائر أرجع
الينا " . والبنى العزيز لا يفكر - حالما يصل الى هنا - الا فى الرجوع . ترى الفرق . ما العمل ؟ لا شى . . لقد خسرنا كل شئ . . كان علينا أن نقول لهم فى سنة 1945 : تريدون الاستقلال ، دونكم وهذا الاستقلال ، ولكننا مستعدون - ان شئتم - أن نعينكم مدة من الزمن . ماذا فعلنا عوض هذا ؟ قتلنا منهم 35000 شخص فى سطيف وغالما ، الثامن من ماى 1945 ، ما أحزنه يوما .
وأقول هذا لانى مسيحى تقدمى .
ما أسود ميثولوجيا التاريخ . لا ينسى أحد شيئا فى هذه الارض المتوحشة . فاليهود لم يندمل جرحهم بعد من جراء حملة قسطينة 5 أوت 1934 ، والمسلمون لم ينسوا حملة الابادة التى شنت ضدهم فى 8 ماى 1935 ، والمسيحييون لا يمكن أن ينسوا حركة التمرد بتاريخ 20 أوت 1955 .
- لقد مشيت فى يوم واحد وراء جنازة ضمت 64 نعشا . لم أكن أعتقد أن هذا أمرا محتمل الوقوع .
- فمن يا ترى سيكسر هذا الحاجز من قلز ؟
الشعب الممزق تشهد الجزائر اليوم حركة واسعة النطاق . فالاعمال سائرة سيرا عجيبا ولقد أكد لى هذا الامر حيثما حللت . سألت فى هذا الشأن أحد العدول ،
فأجابنى بعد تحرز أول الامر : - المال كثير . مليار أو ملياران فى اليوم ، هذا أمر يترك أثره الجزائريون يرصدون أموالهم بأم الوطن . وأم الوطن ترصدها بالجزائر . ماء سخن ، ماء بارد : وهكذا تدور الامور ، قصة مجانين .
وعلى كل سواء أكان هذا هو السبب أم كانت التهدئة الجزائرية هى السبب ، فمن المحقق أن الذعر الذى أخذ يستولى على جميع طبقات الشعب قد انتهى ، وأن حركة الهجرة قد وقفت الا أن هذه الثروة العظيمة تكون نامية عظيمة فضيعة نتجت عن آلام الشعب الجزائرى .
لقد زرت قرية صحبة المنفذ العدلى . أردت من وراء ذلك الاطلاع على طريقته فى معاملة السكان . وقبل أن نبلغ القرية بقليل لاحظت مركزا للتجمع يرفرف فوقه العلم الفرنسى ، عملية الحجز الاولى : لا سبيل الى القيام بها . ان الجرارة قد احترقت ، على بعد 8 كيلومترات . قال حارس الغابات : سبب ذلك انه أبى البذل ، هبه بذل لهم ما يطلبون : فانه يصبح تحت حكم القانون الجنائى . واذا لم يبذل ، فان جرارته تحرق . وأضاف هامسا :
- لقد قدموا الليلة البارحة الى مركز التجمع .
- كيف ؟ الى هنا ، على بعد 500 متر من قرية محروسة بالعساكر !؟ - لقد قدموا الليلة البارحة ، للاستعمال وللتمون .
ما ألمه انقساما ! ما أفجعه تمزقا . الناس مضطرون الى أن يجاروا الفرنسيين فى النهار وجبهة التحرير فى المساء !
وقال لى العدل المنفذ :
- انى أعرفهم ، انهم متأدبون ، انهم أمناء . أقول لهم مثلا : انك مدين بكذا . . . فيسددون ديونهم بانتظام . ولقد وجدتنى مرة مضطرا الى أن أذهب الى ف . . . ممتطيا سيارة الحاكم ، وكنت فى حاجة الى سائق ليرجعها . فلم أجد سوى سجين عربى خارج من سجنه فخاطرت . وعند ما وصلنا الى ف . . قلت للسائق : ان السيارة ليست لى ، هى للحاكم ويجب أن ترجعها اليه والا فانى سأتحمل كل المضايقات . ولقد خفت كثيرا . وفى النهاية لم أندم على ذلك ، لان السجين قد أرجع السيارة للحاكم . وكان على - يوما آخر - أن أقوم بعملية حجز فى دوار ، ولكن عند ما وصلت الى المكان ، وجدت أن نهرا فى حالة فيضان قد حال بينى وبين الدوار . فناديت ، فأتى رجل ، ثم أتى المسؤول بعد قليل ، فأعلمته بالامر . فغاب ربع ساعة ثم رجع واجتاز الوادى ، وكان باحدى يديه مذياعه - وهو ما أتيت لحجزه - وبالاخرى طبق وقال : انى أريد أن تشرب الشاى عندنا لانك وصلت الى هنا . هذا والحرب تدور رحاها . فتعجبت بالغ العجب . فلم أحجز المذياع ، واكتفيت بوعد قطعه على نفسه ، ووفى به . فيجب أن نوليهم ثقتنا . والا فاننا نخلق الفلاقة من حيث لا نشعر .
يوجد جرم خفيف فى الجزائر . . هو جرم رفع الاموال للاعانة ، والذى يسمونه فى تفخيم : التئامر على أمن الدولة الخارجى . لا يقدر أحد أن يفلت من
دفع الاعانة سواء فى ذلك الشعب المسلم والمعمر الكبير الذى يريد أن تحفظ منتوجاته الفلاحية .
يوم الجمعة فى تلمسان هو يوم الجبهة فى المحكمة . فالبطحاء تعج بالنساء المقنعات وعبثا تحاول الشرطة ابعادهن . أتين الى هنا ، هذه لاخ لها ، والاخرى لاب ، والاخرى لزوج أو قريب . وحالما يعلم خبر تتناقله الشفاه فى سرعة : لقد رأوا أباك أو أخاك أو زوجك . أما إذا أفرج عن أحدهم فالولة الحادة تحيى هذا النصر .
وسألت فتى مسلما لطيف الوجه :
- ما هى العقوبة التى تسلط على من يدفع الاعانة ؟
- تتراوح بين الثلاثة أشهر والثلاثة أعوام . لقد كنت ذا حظ وافر ،
اذ لم يحكم على الا بستة شهور مع اسعافى بالتأجيل . ولقد اضطررت الى أن اسلم مرة خمسمائة فرنك تحت الضغط لشخص كان يجمع الاعانات المالية . الحكم أمر قد لانعيره اهتماما . أما التعذيب فهو الطامة الكبرى .
الانبوب . لا تدرى ما ذلك ؟ يريدون أن أعطيهم أسماء . وليس لى أسماء لاعطيها . ولقد محوت ذلك من ذاكرتى الآن . كان المشكل قبل اليوم مشكلا اجتماعيا بحتا . فصار اليوم مشكلا سياسيا مع الاسف . فتطور فرحات عباس مثلا فى هذا الشأن أمر مفجع . فقد كان قانعا بالمساواة سنة 1936 وكان لا يطلب شيئا- فى سنة 1945 - سوى الادماج . وها هو اليوم يطالب بالاستقلال . ونحن هنا ، ماذا يجب أن نفعل ؟ لقد طلب منا فى العام الماضى أن نصيح : " يحيا دى قول ! " وفى هذا العام : " يسقط دى قول !"
وصمت ونحن نسير فى الشارع ثم واصل حديثه قائلا :
قد ينجح دى قول ؛ فالجماهير المسلمة تثق به . ان دولة جزائرية لا تقدر على حد المشكل الاجتماعى . نحن فى حرج : بين غلاة الاستعمار من جهة وجبهة التحرير الوطنى من جهة أخرى . أنت الذى لى ذكرت مثالا أعجبنى : المسلمون موجودون وسط سيجارة تحترق من كلتا طرفيها .
- والآن ، هل لايزالون يطبقون التعذيب .
- لا يزالون يطبقونه . كل الناس يعلمون ذلك وكل الناس يلزمون الصمت . - لا يمكن ، بدون شك ، أن نحقر من المجهودات العظيمة التى
قامت بها بعض البلديات : بناء محلات للسكنى ، ومدارس ، ومستوصفات ، والاعتناء بالتموين . لقد رأيت أحياء جميلة بنيت للسكان الاصليين ، واسعة ،
كثيرة النوافذ . ولكن قيل لى :
- انهم يريدون أن يظفروا بما فاتهم من الزمن . ولكن هل هذا لايزال ممكنا ؟ انى أعرف قرية . . . لقد بنيت فيها مدرسة سنة 1880 ، وكانت هذه المدرسية فى أكبر الظن أولى المدارس الفرنسية . فالاجداد يحسنون التحدث بالفرنسية . لنسرع فنلاحظ أن هذه البقعة مركز الغلاة فى الوطنية . كل هذا ناشئ عن أنانية المعمرين .
كثيرا ما سمعت الناس يذكرون هذا السبب : انانية المعمرين ، كان المعمر المسؤول الوحيد عن فضاعة العالم وعن الحوادث الدامية ، المعمر هو كبش الفداء لكل ذنوبنا .
- هل تعلم ما هو ربح معمر متوسط ؟ المعمر الذى يملك 200 هتكار من الكروم والقمح ؟ ربحه يتراوح ما بين 15 و 20 مليون بعد طرح جميع المصاريف والاداءات . ثم هو يدفع 400 فرنك أجرة الفلاح الذى يعمل طيلة 12 ساعة فى اليوم . ولقد ارتفعت هذه الاجرة شيئا ما منذ 13 ماى . هؤلاء المعمرون لا يرغبون عن أى شىء ، ولا يفارقون اى أرض من اراضيهم ، ويدفعون ثمن اشتراكهم فى جبهة التحرير الوطنى . عند هؤلاء الناس ، المصلحة هى العليا لاكلمة الوطن . ولقد حددت الحكومة قدر ألف فرنك مقابل حماية هكتار مدة سنة . فثار المعمرون لهذا القانون ، واحتجوا ونجحوا فى نهاية الامر على ارغام الدولة بأن تشارك بنسبة % 80 . هؤلاء المعمرون لا يرحلون أبدا . سوف يجدون حلا مع من سيكون النصر حليفه .
ولقد سمعت صيحة طبيب آخر ، طبيب من الجزائر العاصمة هذه المرة .
- لو كنت مسلما ، لكنت من انصار جبهة التحرير الوطنى ، للعار الذى يتصف به النظام الاستعمارى . فالثورة الجزائرية - ان نظرنا اليها من هذه الناحية - عمل صالح . فهى التى كانت سببا فى وضع حد لحالة غير مقبولة ، لحالة استعمارية لا تحتمل . ولكن الاستقلال الان ، امر مستحيل . الاستقلال يعطى اليوم فى خضم الدماء والحرب ، وينتزع من فرنسا . ليس سوى كارثة : كارثة لفرنسا ، كارثة لمليون ومئتى الف كارثة للشعب المسلم ، كارثة لفرحات عباس نفسه . الاستقلال يعطى يوما
ما فى المستقبل ؟ نعم ! ويحقق حسب مراحل ، عندما تأتى اليه فرنسا طوعا لاكرها . ان قوة دى قول كامنة فى قوله : علينا الا نحدد السياسة الجزائرية ؛ كل شىء ممكن اذن . ان قوة دى قول كامنة كذلك فى مشروع قسنطينة ، ان حققه ، اذ سنرى لاول مرة الصناعات الثقيلة تدخل بلادا مستعمرة : وهذا يعنى الشروع فى مشروع القضاء على الاستعمار . . . أما بالنسبة لك فنحن السهل عليك أن تتظاهر بضمير فاضل وأنت على بعد 2000 كيلو متر من الجزائر . ولكننا هنا فى حالة حرب ، فى حالة حرب ،
هل فهمت ؟
وهذا صوت آخر . اقول هذا الكلام وأنا خجل من ذكره :
- هل تريد أن أقول لك شيئا : التهدئة ، هذه حماقات لاتجدى نفعا الحقيقة الوحيدة هى الارهاب المعاكس . واحد يفدى بعشرة . حل على النمط المجرى ! لقد قبله العالم .
الطريقة الفداء ليس واحدا بعشرة . لقد سمعتم مرارا يقولون " واحد بمائة " وهاك المحادثه التى حضرتها .
لقد ذكرت آنفا القرية التى قتل فيها مائة عربى أخذا يثائر شرطى هل هذا حقيقة ؟
- وحقيقة أيضا أن كل الذين قتلوا أخذا بالثأر هم من جبهة التحرير الوطنى - كيف علمت ذلك ؟
- كل الناس يعلمون ذلك .
- هب كل الناس يعتبرون جميع هؤلاء الافراد من جبهة التحرير ، فهل هذا دليل كاف ؟
- لا توجد طريقة أخرى يمكن الالتجاء اليها .
- كان من العدل أن يقدموا بين يدى المحاكم لا أن يقتلوا .
هل تقبل أنهم قتلة مجرمون ؟
- نعم ، لقد رأيت أمورا فضيعة .
- اذن ما يفعل بالقتلة؟ يقتلون بدون حكم، وكان علينا أن نفعل ذلك منذ البداية.
- لست على رأيك . ان محاكمة القتلة أمر واجب .
لقد سمعت في أمكنة أخرى (لافائدة في ذكر الاسم)، نفس الجواب تقريبا: ولقد أحسست بشيء من التمرد، "عقلية الوطن الام" كما يقولون! ورفع الرجل عينين خضراوين وقال لي هامسا:
- هل تعلم ما معنى " شغل الخشب " ؟ لا ! ؟ يطلب القيام باعمال فى الغابة .
ثم يساق العرب الى صخور جاائمة على شاطئ البحر . وهناك يرمون بالرصاص كما يرمى الهدف . . . أما اذا كانت الجريمة أمرا مروغا منه ، فعند ذلك يحالون على المحاكم . واذا لم تكن الجريمة الا ظنا ، فماذا تريد ان نفعل بهم سوى رميهم . والا فالمحكمة تبرئ ساحتهم ، او باريس تعفو عنهم . وهذا من شانه أن يشجع حركة العصيان . . . انظر الى هذه القاعة وهذا السياج هينا نوقف عربيا - وكثيرا ما يكون طفلا يحمل مفرقعات . فالمحكمة لا تفعل شيئا . لذلك نحن نبقيهم عندنا . رهائن . ؟ ليس بالمعنى الاتم لكلمة رهائن .
فهل توجد وسيلة حربية أخرى ؟ أنا عضو فى الوحدات الترابية (1) .
عندما امر ليلا ببعض المناطق أسمع بكاء وعويلا . ان قلبى يتفطر . ولكن ما العمل ؟ هل توجد طريقة أخرى ؟
هو أب صالح ، او أخ صالح ، أو زوج صالح . والجزائر ؟ الجزائر بعيدة .
- نحن هنا على مسافة بعيدة بعيدة . لسنا مزودين بالاخبار الكافية .
لقد قيل لى لا ترى . بعد الاغتيال الذى وقع فىليبفيل ، الا حقولا قد حصد زرعها بتاتا .
والاولاد الصغار ، الاولاد الصغار الذين يحاربون من اجلنا ، نيابة عنا ماذا يفكرون عند ما يرجعون الينا ويقبلون أن يحادثونا .
- لقد حوص الجبل سنة 1955 . الا اننا لانتمكن من الظفر بهم وهم احياء رغم النابالم napalm ؛ والموتى يدفنون بواسطة المجرف .
ومن الناس من تنور حفيظتهم لهذا . . . ماذا تريد أن نفعل . أما الثوار فلهم الحق ، انهم يدافعون لنيل استقلالهم .
لكن لماذا يستعمل النابالم والمجرف ؟
- لانستعملهما نحن ، ولكنه اللفيف الاجنبى .
والآن ، هو ذا يبوح بسره الاخير . لقد أخذ يتكلم فى بطء قائلا :
- ان كان الالمان برآء ، فنحن أيضا برآء . أما إذا كان الالمان مجرمون
فنحن مجرمون كذلك .
- ماذا تعنى ؟
- نعلم أنه ، بعد كل اعتداء ، تشن حملة عنيفة للاخذ بالثار . ومع ذلك فنحن نلزم جانب الصمت . الارهاب ، والتعذيب ، والارهاب المعاكس كل هذه أمور صارت عناصر مندمجة فى ضمائرنا .
ونظرت اليه تحت النور الحاد . ترقرقت عيناه بالدموع ، وواصل حديثه : - لقد تساءلت مرة - فى احدى مقالاتك كيف ان شعبا عظيما ، كالشعب الالمانى ، هذا الشعب الذى انتج قوت Gthe ، أقام طريقة مضبوطة مكنت من القضاء على ستة ملايين من اليهود بدون أن يرتفع صوت واحد بالاحتجاج
أما أنا فأسألك : كيف وفرنا ، نحن الفرنسيين ، الاسباب لتدخل طريقة كهذه فى حيز التطبيق ؟ لقد ذكرت لى ما قالته لك تلك المرأة الشابة : واحد بمائة هذا حل وسط . انى قادر على ان أعلمك بما اطلعت عليه فى عدد من الملفات الجنائية : يبلغ عدد الذين يقتلون هكذا الخمسة عشر ، وكل هؤلاء القتلى أعدموا حسب القانون : قتلوا وهم يحاولون الفرار . وما من احد يشتبه عليه الامر : لا المحامى ، ولا الحاكم ، ولا وكيل الدولة . ولقد قال لى مرة عضو من المحكمة : هذا الرجل الذى يتبعه القانون لقيامه بجمع الاموال ، ليس هذا مكانه . ما معنى هذا الكلام . هذا مما يمكنك فهمه ، وأعرضت عنه بدون أن انبس بكلمة . وقال آخر بعد حملة دامية قصد الاخذ بالثائر : يجب أن انهب الى هناك لاضع حدا لذلك . ومعنى هذا الكلام : الاخذ بالثار فى دون مبالغة ، فعلينا ان نبقى فى حدود الاعتدال الفرنسى . . . أعرف ، أعرف كل ما يمكن أن يقال ، من أن الجبهة هى التى بدأت بالحرب المبيد ( ولكن يجب أن لاننسى الخمسة والثلاثين قتيلا فى سنة 1945 ) وهب هذا الامر صحيح ؟ فهل لنا الحق ؟ . . ونحن نعلم ، ونحن نمسك عن التشهير بذلك ونحن لانقدر على أن نرفع الاصوات . كلنا اذن فى الجريمة سواء .
والآن ماذا عساى أن أضيف الى هذا ؟ لقد وجدت فى الجزائر كل الآراء بجميع

