الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

محاضرة الدكتور عبد الكريم جرمانوس

Share

سادتى الكرام :

السلام عليكم ورحمة الله . أما بعد ، فان ضرب المثل التركى : ( بن ديمك شيطان ديمكدر ) معناه بالعربية ، إذا قلت : أنا فقالة الشيطان ، فاننى مضطر برغم ذلك المثل الدارج أن أتحدث عن حياتى وأعمالى واعتذر لهذه الانانية .

كنت فى طفولتى تلميذا بليدا لا احفل لدرس وكان لى شغف بالفن اعشق الموسيقى واللعب ، وفى لحظة لا انساها كرهت نفسى وبلادة ذهنى فتناولت أول كتاب فى أول درس من دروسى وقرأت فيه ، فكان هذا الكتاب تاريخ نبوة محمد عليه الصلاة .

ومن تلك اللحظه أخذ بخاطرى امر هذا الدين وشغل تفكيرى واستولى على نفسى .

ثم تنبهت وتوفرت على درسى حتى انهيته ونلت ما أريد من الشهادات المدرسية , وذهنى لا تفارقه الاخيلة والصور والاحلام عن الشرق وعن حياة المسلمين .

تم بدأت فى تعلم اللغة التركية . ثم سافرت الى استانبول وزرت الجامعة التركية

وتخصصت فى دراسة الادب التركى والفارسى معا .. وبعد أن انتهيت من الدراسات عينت معلما فى كلية الالسنة الشرقية فى بودابست لكنى وجدت دراستى للغة التركية لا تكفينى لمعرفة الشرق الحقيقى ، والاسلام فى بلاد العرب ، حيث انبثق نوره فتعلمت العربية من نفسى بواسطة الكتب والقواميس وقرأت القرآن الكريم والتفسير وجزءا من البيضاوى وكتبا جمة من التاريخ والادب والحديث الشريف ، ثم اردت أن اعرف الدراسات الغربية عن الاسلام والشرق فتعلمت الانكليزية والفرنسية والالمانية والايطالية وطفت فى بلاد الشرق فزرت تركيا اربع مرات ولبثت فى الهند ثلاث سنوات واشتغلت بالتدريس فى الجامعة التى انشأها شاعر الهند العظيم طاغور .. واخترقت الهند من شمالها الى جنوبها وهناك فى الجامع الكبير فى دهلى أعلنت اسلامى أمام الوف من المسلمين وصليت الجمعة مع الزعيم المسلم الدكتور الانصارى والقيت خطبة الجمعة وسميت

نفسى عبد الكريم جرمانوس .

ولكن ذلك كله لم يطفئ شوق روحى الى الشرق الاصيل . فبقيت لى أمنية تقلق كيانى : هى ان أزور مصر والحجاز وبلاد العرب .. وبعد ثلاث سنوات من الجهاد والتحرق استطعت أن أسمع أول صوت عربى فى ميناء الاسكندرية .. وعزمت أن أبقى فى مصر الجميلة حتى موسم الحج ثم أقصد الى الحجاز .

لقد كانت من خير الفرص السعيدة أن تمكنت من اداء فريضة الحج والقيام بزيارة مسجد رسول الله . ولقد كانت فرصة خارقة للعادة حيث اننى من بين القلائل من الاوروبيين الذين كان لهم العزم فى ان يطلق عليهم لقب حاج .

وعقب عودتى الى الوطن نشرت كتابا عن زيارتى لمصر وعن مراسم فريضة الحج ونشر تحت عنوان الله اكبر ، وقد ترجم الكتاب الى الالمانية والايطالية ولغات أخرى .

وأتاحت لى زيارتى أن أدرس الاسلام وتعاليمه من موارده الاصلية وبشغف عظيم وولجت الى محيط الادب العربى الخضم

وهو الكثير الغنى ، ولقد نشرت مقالات عن كفاح المواطنين العرب فى سبيل الاستقلال الوطنى ، وشاركت بصوتى فى بعض الاحيان فى المناسبات العامة حيث آزرت الوطنيين العرب فى اهدافهم وأيدت الكادحين من العرب العاملين .

وبجانب هذه النشاطات الشعبية فاننى ألقيت محاضرات فى آداب اللغة العربية فى جامعة بودابست وفى الجمعية المجرية الشرقية . ونشرت بحثا بالالمانية عن ابن الرومى واشعاره . وجدير بالملاحظة ان ابن الرومى هذا الشاعر العظيم يكاد يكون غير معروف فى الغرب ولا يذكر اسمه فى كتب الادب العربى الاوروبية . ولقد كان على عاتقى ان افتح الباب واسعا أمام الغرب لكى اشرح مضمون أدب ذلك النابغة . ولقد استقبل كتابى الصغير برضاء وقبول عظيمين .

كما انى قمت منذ سنتين بنشر منتخبات من الشعر الجاهلى الى اليوم وتحتوى دفتا الكتاب على أشعار مئة وخمسين شاعرا . وبجانب الاعمال المتشعبة فاننى قد انهيت بحثا عن الشعر العربى فى المهجر

الامريكى ، والذى سوف يظهر فى مجلد كامل . والذى يسجل فى فخر فى ان المهاجرين العرب الى العالم الجديد هم الجالية الوحيدة من بين زملائهم الذين سرت فيهم الروح الادبية وقاموا بحركة واسعة النطاق وقدموا انتاجا غزيرا فى نواحى الادب المختلفة فى القصص والشعر مقدمين اساليب ومضمونات جديدة قل ان توجد فى غيرها من ضروب الادب المختلفة فى العالم .

ولو ان قلمى يسير بتؤدة وعند فراغى من كتاب ما ، فاننى اخوض غمار موضوع جديد .. فالكتاب الجديد الذى اتكلم عنه سيكون عن نهضة العروبة ، أى حركة انبعاث العروبة منذ حملة نابليون إلى يومنا هذا . ( وقد استقر عزمى ان شاء الله على أن يكون هذا الكتاب حوالى خمسمائة أو الف صفحة ) وانى فرغت من خمسمائة منها ( جاهزة اليوم ) . وقد انتهيت من كتابة اثر عن تاريخ الادب العربى الذى صدر فى العام الماضى .

وعندما ألقي نظرة إلى الوراء إلى حياتى التى تبلغ الآن الثمانين فاننى ما زلت اشعر فى قرارة نفسى باننى ما زلت الطالب الذى بدأ دراسته بعزم وقوة عن حياة الرسول عليه السلام ، فى سن السادسة عشرة واننى مسرور وراض بعد هذا المجهود والعمل والبحث لاننى ما زلت قادرا على خدمة ثقافة المتكلمين بالضاد .

وقد لاقيت فى مكة المكرمة اصدقاء كثيرين من بينهم الاستاذ الكريم محمد حسن الكتبى وتلذذت بضيافته الروحية والعقلية وقرأ علي ، كتاب المدينة الفاضلة للفارابى واستفدت من أخوته ايما استفادة ولم انس ذكراه بعد روجوعى الى بلدى

وذكرته اكراما له فى كتابى : الله اكبر وان من المصادفات السعيدة أن ألاقيه مرة اخرى فى هذه الايام السعيدة وهو يتمتع بصحة كاملة وقلب ينم عن الاخوة الاسلامية .

سادتى الكرام : وبعد تلخيص حياتى الشخصية اسمحوا لى أن أتحدث عن اعتقادى الفلسفى وآرائى المخلصة عن ثقافة الاسلام وأهميته للبشر والانسانية .. انى وجدت بعد تجارب طوال فى أكثر أقطار العالم ان الدين الاسلامى ، أنزله الله سبحانه ، لمصلحة الانسانية ومساعدة الانسان فى معترك الحياة .. فالواقع انه لا رهبانية فى الاسلام وان كل امرئ يمكنه تفهم واجباته وكذلك يفهم تلقائيا الالتزامات الخلقية ، كل شخص تفهم معنى الايمان يمكنه الاتصال بالله سبحانه بدون اى وساطة ، وكذلك ان يشرح لاخوانه ما غمض عليهم من تفهم العقيدة التى اختارها لنفسه . واننا اذ نسأل عما إذا كان هناك ديمقراطية الروح فنقول : نعم ! انها الدين الاسلامى المبين ، فنحن جميعا اخوة فى الايمان ونحن لا نعرف اى تمييز بين جنس وآخر أو أبيض وأسود واسمر ، ونحن لا نخضع لأى فكرة او مسلك يرفع طبقة على طبقة ، بل الناس سواسية كأسنان المشط ، لا فرق بين عربى واعجمى الا بالتقوى . لقد صدق الرسول الكريم فى قوله هذا . وهذه الاعتبارات قد ميزت ثقافة العصور الوسطى وطبعت بها اللغة العربية عندما كانت الشعوب الاوروبية غارقة فى الجهل ومنقادة لاضطهاد الحكام ، واستطيع أن أقول لم يتحرر العالم كله من نير الافكار الضالة .

وميزة الاسلام ان المنطق المدروس من الاصول المختلفة الذى استخدم فى شرح

تعاليم القرآن الكريم وتجارب المعتزلة قد أبرزت وجهة النظر التحررية فى العقيدة وربطتها مع الفكر الفلسفى للانسان ، وكان من اختصاص المثقف ان يفكر ويشك ويسأل حرا عن مشكلاته بلا عذاب وتبنى القيم التطبيقية الجديدة ولا توجد اى سدود امام تفكر الانسان وان فسر كلمة الله تفسيرا حقيقيا لوجد ان كل المخترعات الجديدة العظيمة موجودة فى حكمة الله واضحة كانت او رمزية ، لانه تعالى علم الانسان ما لم يعلم وعلمه اسرار الكهرباء والطيران والآلات الذرية لاجل السلم والصلح .

سادتى : انه فى تاريخ الانسانية توجد الميول التى قضت على نصيب المخلوقات ، وقد كان وحى الله الى محمد نبينا صلى الله عليه وسلم . من مكة المكرمة التى انبثق منها الدين المبين بقيمه الروحية الانسانية من سعادة النفس . لقد أصبح الاسلام دين التقدم وأصبحت مكة المركز الروحى لمئات الملايين من النسمات المسلمين ولا يزال يكثر عددهم بلا انقطاع من الشرق والغرب ، فى اليابان وأمريكا وأوروبا .

مكة البلد الامين الذى يجتمع فيه آلاف من المؤمنين لايفاء فريضة الحج الذى أصبح رمزا لعبادة روحية فى كل لغات العالم ، انه يوحد الناس ، بلا تفريق بين لغة وجنس ولون وحرفة وبلا تفريق بين طبقة وطبقة فليكن غنيا أو فقيرا ، وليكن رأسماليا أو عاملا ، كلهم على حد سواء امام الله سبحانه .

والآن فى وسط هذا الاجتماع النبيل من العلماء والضيوف المحترمين أقوم بصفتى مجريا بل بصفتى مسلما أنا فى رفقة ملايين من اخوانى المسلمين ..

أنا أخ لكل الذين بموجب الدين الاسلامى

يؤمنون بان كل الكون : الارض ، والشمس والقمر والكواكب يسودها قانون الهى ، لا قواعد مادية ونعترف ان رأس الحكمة مخافة الله .

وان للجمهور الذى اجتمع فى هذه الايام لفريضة الحج من كل بقاع الارض من أنجادها وسهولها وجزائرها واجبا رفيعا وهو اثبات ان كل المسلمين سواء أكانوا من أهل السنة أم من الشيعة . هم أسرة عظيمة تسودها الشريعة الاسلامية . ونحن نثبت ان القوى الروحانية والعقلية تتسلط بلا جدل على المادة الجامدة ، على المادة التى تغير دائما شكلها ، لونها عناصرها المركبة . علم المادة الحديث مع معامله العلمية وتجاربه ، المتقصية ، انجز نتيجة خارقة العادة . انه شق الفرد الذى اعتبر غير قابل التجزئة ، انه شقه الى اربعة اجزاء وبعد الى ستة وثلاثين جزءا وبمواصلة التجارب أخيرا وجد العلماء أن المادة بعينها كذاتية ، لا وجود لها ! الفيلسوف اليونانى القديم هراقيلتوس قد قرر ان :

كل شئ يتغير ويسيل ، كل شئ يتبدل فى جوهره ، سوى الخلاق العظيم : الله سبحانه ! ان اضعنا هذه الدراية الحقيقية ، انفصلنا عن الحقيقة الازلية الحاكمة ونسقط ضحية للمبادئ المضللة يكذب احدها الآخر

تاريخ الدين الاسلامى سلسلة فى خدمة الانسانية ، وخلق العلماء المسلمون مذاهب فلسفية مثل : الفارابى ، ابن سينا وابن رشد وابن باجه وابن طفيل وابن خلدون ذلك العبقرى الكبير لا نظير له فى العلوم العربية ، وآخرون بلا عدد اليوم يواصلون اعمال الاسلاف القدماء ، وانه لا توجد مناقضة بين تعاليم الاسلام والفلسفة

المجردة ، كلتاهما تعمل بوسائل مختلفة نحو نفس الغاية يعنى نجاة الانسان من الضلالة ، ان الحرب الاولى والثانية هدمتا ممالك قديمة واضطرتا ملايين من الناس الى ترك أوطانهم بلا طعام وراحة ولم يبق اعتماد الا على الدين انه الحصن الحصين الذى لا يزال يقوم راسخا ضد أمواج الضغينة والانانية والجناية على الحياة والملك .

عندما انتهت حدود الادراك والعقل ، توجد المرساة الكبرى لمحو الفقر . اننى حينما كنت فقيرا وخاليا عن الامداد مع ان رأسى كان مملوءا بالمعرفة ومشيت فى شوارع القاهرة منحوس الحظ ، رأيت غلاما فقيرا أعمى يتلو بالتجويد آيات القرآن : (( يا أيها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا ، عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم )) .. فأسرعت الى المسجد وصليت وملئ قلبى بآمال والله تعالى اعاننى وهدانى الى الصراط المستقيم عبر مهالك حربين

وعبر أمراض . وأنا أقوم أمامكم مع ثمانين سنة على عاتقى قويا بارادة الله واواصل اعمالى فى خدمة العلم والعروبة والاسلام .

نحن ندور عبثا حول كرة الارض خلال ساعتين ونطير الى القمر وبقى الانسان على سطح الارض بائسا فى حياته الروحية والتربوية يتعثر فى فساد الاخلاق ، واعتقد ان العودة الى الاخلاق الخالدة والايمان بالحقائق الربانية هى التى تنقذنا . نحن نعيش فى عصر الآلات من الحديد والفولاذ الصلب ، والآلات هذه ، بلا شك ، تساعد الانسان فى كفاحه مع قوى الطبيعة ، لكننا لا ننسى مهما ننسى ان روح الانسان وعقله هما اللذان يقودان الآلات ، وبالعكس . وحذار ان تسيطر الآلات على روح الانسان فان علينا واجبا ان نوفى أمر الله ، فلتكن مهمتنا متعبة وطريقنا وعرة .. فمن الله التوفيق .

والسلام عليكم ورحمة الله .

اشترك في نشرتنا البريدية