(( فتحت الجلسة ! المتهم عزرائيل عبد الله ! )) .
وسرت فى الحاضرين همهمة واشرأبت الاعناق متطلعة الى المتهم وقد نطق بكلمة (( حاضر )) واحتل مكانه فى قفص الاتهام . العيون كلها تلتهمه وقد ارتسمت فى بعضها علامات استفهام وفى بعضها علامات تعجب . غير أن نقاط استرسال ارتسمت فى كل العيون كبيرها وصغيرها ، زرقائها وسودائها . إنها تنتظر ملء الفراغ الذى أعلنته نقاط الاسترسال ، ولما طال الصمت أو خيل للحاضرين أنه طال ، جعلت بعض العيون تلقى نظرات متلهفة الى المكان الرهيب الذى يتصدره رئيس المحكمة محاطا بعضويه . نظر الرئيس الى الحاضرين ثم الى المتهم ثم الى الحاضرين ثم الى المتهم ثم الى أوراق نسقت امامه واستقر نظره عليها برهة ثم رفع يديه الى نظارتيه يصلح وضعهما ، وكان سليما فأفسده . فصارت النظارتان معلقتين فوق أتفه بشكل ينذر بالسقوط . وكأن أحد عضويه قد تنبأ بقرب وقوع الكارثة اذ أنه همس اليه ببعض الكلمات رفع الرئيس إثرها يديه الى النظارتين فأعادهما الى وضعهما الاول ثم ألقى نظرة أخيرة الى أوراقه ورفع عينيه الى المتهم ثم خاطبه بصوت أجش وقد كست وجهه مسحة من الشدة الوقورة :
- قل لى يا عزرائيل . ما هروبك من العدالة ؟ منذ قرون والعدالة تطاردك وأنت هارب مستمر فى جرائمك ولم نعثر عليك الا بأعجوبة فلماذا تهرب ؟
- لم أهرب يا سيادة الرئيس وانما كنت مشغولا . ولم أجد وقت فراغ إلا الآن . تصور يا سيدى أنى أعمل ليلا نهارا وانتقل من طرف الارض الى طرفها الآخر لا أستقر فى مكان . تصور يا سيدى أن عملى يقتضى منى أن أتسلم فى الاربع وعشرين ساعة أكثر من أربع وعشرين ألف ! هذا فوق طاقتى !
- تتسلم أربع وعشرين ألف ماذا ؟
- روحا يا سيدى . إنني أكابد مشاق جمة فى تسلم الارواح . مشاق تختلف باختلاف أنواع البشر ، اليك مثلا . لا أعسر على من تسلم أرواح الاسرائيليين . إن الواحد منهم اذا رآنى قادما اليه يهرع الى كل وسائل الدفاع والهجوم المتوفرة لديه ويصيح فى وجهى : (( أنت فلسطيني ؟ فدائى ؟ لن تقتلنى أيها الوحش المدمر . سترى كيف سألقي بك فى غياهب السجون )) . وعبثا أحاول إقناعه بانى لست فدائيا وإنما انا عزرائيل الوصى على أرواح الناس . ثم أقتلعها منه اقتلاعا ولا أكترث بصياحه . أما الامريكيون يا سيدى فان الفرد منهم اذا أتيته يعترف بأنى عزرائيل ويقول لى : (( يا أيها السيد عزرئيل ! إنى لا أرى مانعا من ان أتركك تنفذ عملك فى حرية فنحن اناس نحترم الحرية ونقدر مزايا العمل غير أنى أطلب منك أن تمهلنى بعض الوقت ريثما أعمل على توسيع قطعة أرض هنا فى بلدى وضمان مصالحى فى الخارج )) وعبثا أحاول اقناعه بانى لا أستطيع امهاله لحظة فأضطر إلى اقتلاعها منه اقتلاعا مثل زميله الاسرائيلى . إلا أن الامر على غير ذلك مع الفلسطينيين . عندما أتقدم لتسلم روح فدائى فلسطينى يسلمها بكل رضا وابتسام ويقول الى : (( خذها فداء العزة والكرامة ، فى سبيل أرض فلسطين . وددت لو كان لى منها عدد كبير حتى أسلمها الواحدة بعد الاخرى ولا أبخل على وطنى بواحدة منها )) .
كأن رئيس المحكمة قد نسى مهمته ، إذ انه أصبح ينصت الى كلام عزرائيل بفضول ظاهر وقد أخذ بما يسمع ، ثم تمالك وقال بحدة :
- لا تحاول أن تستميلنى بتمجيدك للفدائيين ، لئن كنت أنا مسلما فاعلم أن هذه المحكمة دولية وأنك فى مقر الامم المتحدة حيث احترام مبدأ المساواة بين البشر على اختلاف أجناسهم وأديانهم .
وقال عزرائيل وهو ينظر الى الحاضرين نظرات مذهولة :
- العفو يا سيدى . لقد تحولت الى كل انحاء الارض ولم أعثر على المساواة الا فى هذا المكان . شىء جميل حقا !
- لم نطلب رأيك فى هذا الامر . أجب عن صلب الموضوع : أنت حسبما يقتضيه أحد فصول الاعلان عن حقوق الانسان الصادر عن الامم المتحدة ، مجرم . لأنك تحرم الانسان من حقه فى الحياة . فما جوابك عن هذه التهمة ؟
وبدت على عزرائيل دلائل الحيرة والتفت حوله باحثا عن المحامى . لكن نسى أن كل المحامين رفضوا الدفاع عنه . والرئيس يريد منه الكلام . . .
- يا سيادة الرئيس ، إنى اقوم بواجبى ؟
- أى واجب هذا الذى يحرم الانسان من حقه فى الحياة ؟
كيف تسمح لنفسك باتخاذ قرارات جائرة والاعتداء على غيرك ، لا تحترم فى ذلك القوانين الدولية . ألا تعلم أن عهد تغلب القوى على الضعيف قد انتهى ؟ ألا تعلم أننا الآن كلنا فى نظر القانون سواء ؟ لقد ولى عهد الجور والطغيان وحل عهد التفاهم والشورى ؟ أتدرى ما معنى الشورى ؟ ما معنى العدل ؟ ما معنى المساواة ؟ أى حق استعملته أيها القوى المتجبر لاغتصاب أرواح البشر ؟ أجب ! أجبنى أى حق استعملته أيها القوى المتجبر ؟
- إنى أستعمل حق الفيتو يا سيدى !

