الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

محاورة دينية اجتماعية

Share

...ولى على هذا الرأى شبيبة مهذبون ،قد تعاقدت معهم على التمسك بالالحاد واحتقار المستمسكين بدين رب العباد ، قد اخذنا نصيبا وافرا من اللذات واستبحنا ما تدعو اليه النفوس من أصناف الشهوات فانى لى بمقاطعة هؤلاء السادة الغرر؟ وكيف لى بمباينتهم وقد اتصلت بهم غاية الاتصال؟! فالآن يتنازعنى داعيان : داعى الحق بعد ما بان سبيله واتضح دليله ، وداعى النفس والاتصال بهؤلاء الأصحاب المنافى للحق غاية المنافاة ، فكيف الطريق الذى يريحنى ويشفينى وما الذى عن هذا الأمر يسلينى؟

فقال له صاحبه الناصح : ألم تعلم أن من اوجب الواجبات واكبر فضائل الرجل اللبيب أن يتبع الحق الذى تبين له ويدع ما هو من الباطل وخصوصا عند المنازعات النفسية والأغراض الدنيوية ؛ وأن الموفق إذا وقع فى المهالك طلب الوسيلة إلى تحصيل الأسباب المنجية ، أما علمت أن من نعمة الله على العبد أن يقيض له الناصحين الذين يرشدونه إلى الخير ويأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر .

ويسعون فى سعادته وفلاحه؟ ثم من تمام هذه النعمة أن يوفق لطاعتهم ولا يتشبه بمن قال الله فيهم : (( ولكن لا تحبون الناصحين )) . ثم اعلم انه ربما كان الانسان إذا ذاق مذهب المنحرفين وشاهد ما فيه من الغى والضلال ثم تراجع إلى الحق الذى هو حبيب القلوب كان اعظم لوقعه واكبر لنفعه ! فارجع إلى الحق صادقا وثق بوعد الله (( إن الله لا يخلف الميعاد )) .

فقال المنصوح : لا يخفى عليك يا أخى ان الباطل اذا دخل فى القلوب وتمكن منها لا يخرج بسهولة فاريد أن توضح لى توضيحا تاما بطلان ما عليه هؤلاء الملحدون فانهم يقيمون الشبه المتنوعة فى ترويج قولهم ليغتر به من لا بصيرة له،

فقال له الناصح : إعلم أن الحق والباطل متقابلان وأن الخير والشر متنافيان ، وبمعرفة واحد من الضدين يظهر حسن الآخر أو قبحه فانبؤك على وجه الاجمال والتنبيه اللطيف إذا أردت أن تقابل بين الأشياء المتباينات فانظر إلى أساسها الذى أسست عليه ، والى قواعدها التى انبنت عليها ، وانظر إلى آثارها ونتائجها وثمراتها المتفرعة عنها ، وانظر إلى ادلتها وبراهينها التى بها ثبتت ، وانظر إلى ما تحتوى وتشتمل عليه من الصلاح والمنافع ومن المفاسد والمضار فعند ذلك إذا نظرت لهذه الأمور بفهم صحيح وعقل رجيح ، ظهر لك الأمر عيانا ، فاذا عرفت هذه الأصول فهذا الدين الحق الذى دعت اليه الرسل عموما وخاتمهم وامامهم محمد صلى الله عليه وسلم خصوصا قد بنى وأسس على التوحيد والتأله لله وحده لا شريك.له حبا وخوفا ورجاء واخلاصا وانقيادا واذعانا لربوبته واستسلاما لعبوديته ، قددل على هذا الاصل الذى هو اكبر جميع اصول الأدلة العقلية والفطرية ، ودلت عليه جميع الكتب السماوية وقرره جميع الانبياء والمرسلين واتباعهم من أهل العلوم الراسخة والألباب الرزينة والاخلاق العالية والآداب السامية كل اولئك اتفقوا على ان الله منفرد بالوحدانية منعوت بكل صفة كمال موصوف بغاية الجلال والعظمة والكبرياء والجمال ، وأنه رب كل شئ ومليكه ، وأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الامور ، وأنه منزه عن كل صفة نقص وعن مماثلة المخلوقين ، وأنه لا يستحق

العبادة والحمد والثناء والشكر إلا هو، فالدين الاسلامى على هذا الاصل أسس وعليه قام واستقام ، وأما ما عليه أهل الالحاد فانه ينافى هذا الاصل غاية المنافاة فانه مبنى على انكار البارىء رأسا، فضلا عن الاعتراف له بالكمال وعن القيام بأوجب الواجبات وافرض الفروض وهو عبوديته وحده لا شريك له ، فأهل هذا المذهب أعظم الخلق مكابرة وانكارا لاظهر الاشياء واوضحها فمن انكر الله فبأى شئ يعترف؟ فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون ؟. وهؤلاء أبعد الناس عن عبودية الله والانابة اليه وعن التخلق بالاخلاق الفاضلة التى تدعو اليها الشرائع ، وتخضع لها العقول الصحيحة ، ومع خلو قلوبهم من توحيد الله والايمان به وتوابع ذلك فهم اجهل الناس وأقلهم بصيرة ومعرفة بشريعة الاسلام وأصول الدين وفروعه ، فتجدهم يكتبون ويتكلمون ويدعون لأنفسهم من العلم والمعرفة والثقافة واليقين ما لا يصل اليه اكابر العلماء ولو طلب من أحدهم ان يتكلم عن أصل من أصول الدين العظيمة الذى لا يسع احدا جهله ، أو على حكم من الأحكام فى العبادات والمعاملات والانكحة لظهر عجزه ولم يصل إلى ما وصل . اليه كثير من صغار طلبة العلم الشرعى ، فكيف يثق العاقل فضلا عن المؤمن باقوالهم عن الدين ، فاقواهم فى مسائل الدين لاقيمة لها أصلا ، ولو سبرت حاصل ما عليه رؤساؤهم لرأيتهم قد اشتغلوا بشئ يسير من علوم العربية وترددوا فى قراءة الصحف التى على مشربهم وتمرنوا على الكلام الذى من جنس اساليب كثير من هذه الصحف الرديئة الساقطة فظنوا بانفسهم وظن بهم اتباعهم الاضطلاع بالمعارف والعلوم فهذا أسمى ما يصلون اليه فى العلم ، أما الاخلاق فلا تسأل عن اخلاق من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا يعتقد الاديان الصحيحة فان الاخلاق نتائج الاعتقادات الصحيحة والفاسدة فغاية ما عند هؤلاء التملق القولى والفعلى والخضوع الكاذب للمخلوقين وهم مع هذا الخضوع السافل تجد عندهم من العجب والكبر واحتقار الخلق والاستنكاف عن مخالطة من يستنقصونهم شيئا كثيرا فهم أوضع خلق الله واعظمهم كبرا وتيها ، ثم انهم يستعينون على هذا الخلق المسمى عندهم بالثقافة ، بالتصنع ، والتجمل

بالملابس ، والفرش ؛ والزخارف ، ويفنون كثيرا من أوقاتهم بذلك وقلوبهم خراب خالية من الهدى والاخلاق الجميلة ، فالجمال الظاهر الباطل ماذا يغنى عن الجمال الحقيقى ، ثم اذا لحظت إلى غاياتهم ومقاصدهم فاذا هى اغراض دنية ومقاصد سفلية ومطامع شخصية واذا سبرت احوالهم رأيتهم إذا اجتمعوا تظنهم أصدقاء مجتمعين فاذا افترقوا فهم الاعداء تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بانهم قوم لا يعقلون، وما وصفت لك من احوالهم وأنت تعرف ذلك قليل من كثير فكيف ترضى أن يكون هؤلاء أحسابك وأصدقاءك ، ترضى لرضاهم وتسخط لسخطهم وتقدمهم على حظوظك الحقيقية وسعادتك الابدية ؟ فانظر إلى صفاتهم نظر التحقيق والانصاف وقارن بينها وبين نعوت البررة الاخيار الذين امتلأت قلوبهم من محبة الله والانابة اليه والايمان واخلاص العمل لأجله وفاضت السنتهم بذكر الله والثناء عليه واشتغلت جوارحهم فى كل وسيلة تقربهم إلى الله وتدنيهم من رضوانه وثوابه ونفع الخلق ، اشجع الناس قلوبا وأصدقهم قولا واطهرهم أخلاقا وأزكاهم عملا وأقربهم إلى كل خير وأبعدهم من كل شر يكفون عن الخلق الأذى ويبذلون لهم النذر ويصبرون منهم على الاذى أفتقدم على هؤلاء الانجاب الغرر من ملئت قلوبهم من الشك والنفاق وفاضت على ظاهرهم فاكتسوا لذلك أرذل الاخلاق يقومون بالنفاق والرياء ويقعدون بالتملق والاعجاب والكبرياء وصفهم القسوة والطمع والجشع ونعتهم الكذب والغش والبهرجة والخنوع قد منعوا إحسانهم لكل مخلوق واتصفوا بكل فسوق قد خضعوا فى بحوثهم العلمية لكل مارق ، وتبعوا فى أخلاقهم كل رذيل وفاسق .                          [ لها بقية ]

اشترك في نشرتنا البريدية