الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

محاورة دينية اجتماعية

Share

هذه صورة محاورة بين رجلين كانا متصاحبين رفيقين مسلمين يدينان بالدين الحق ويشتغلان في طلب العلم جميعا فغاب احدهما عن صاحبه مدة طويلة ثم التقيا فإذا هذا الغائب قد تغيرت احواله وتبدلت أخلاقه ؛ فسأله صاحبه عن ذلك فاذا هو قد تغلبت عليه دعاية الملحدين الذين يدعون لنبذ الدين ورفض ما جاء به المرسلون ، فحاوله صاحبه وقلبه لعله يرجع عن هذا الانقلاب الغريب فاعيته الحيلة فى ذلك وعرف ان ذلك علة عظيمة ومرض يفتقر إلى استئصال الداء ومعالجته بانفع الدواء وعرف أن ذلك متوقف على معرفة الأسباب التى حولته والطرق التى اوصلته إلى هذه الحالة المخيفة والى فحصها وتمحيصها وتخليصها وتوضيحها ومقابلتها بما يضادها ويقمعها على وجه الحكمة والسداد ، فقال لصاحبه مستكشفا له عن الحامل له على ذلك : يا أخي ما هذه الأسباب التى حملتك على ما أرى وما الذي دعاك إلى نبذ ما كنت عليه ؟ فان كان خيرا كنت أنا وانت شريكين ، وان كان غير ذلك فاعرف من عقلك ودينك وأدبك أنني وابك لا نرضي أن تقيم على ما يضرك

فاجابه صاحبه قائلا لا اكتمك أني قد رآيت المسلمين على حالة لا يرضاها ذوو الهمم العلية ، رأيتهم في جهل وذل وخمول وأمورهم مدبرة وأحوالهم سيئة وأخلاقهم منحلة وقد فقدوا روح الدين والدنيا جميعا ورأيت في الجانب الآخر هؤلاء الأجانب قد ترقوا فى هذه الحياة وتفننوا فى الفنون الراقية والمخترعات العجيبة المدهشة والصناعات المتفوقة فرأيتهم قد دانت لهم الأمم وخضعت لهم الرقاب وصاروا يتحكون في الأمم الضعيفة مما شاؤا ويعدونهم كالعبيد والاجراء

أفريت فيهم العز الذي بهرني والتفنن الذي أدهشني فقلت في نفسي : لولا ان هؤلاء القوم هم القوم وانهم على الحق والمسلمون على الباطل لما كانوا على هذا الوصف الذي ذكرت لك فرأيت أن سلوكى سبيلهم واقتدائي بهم خير لي واحسن عاقبة فهذا ، الذي صيرني إلى ما رأيت

فقال له صاحبه حين ابدى ما كان خافيا : إذا كان هذا هو السبب الذي حولك إلى ما ارى فهذا ليس من الأسباب التى يبنى عليها اولو الألباب والعقول عقائدهم واخلاقهم واعمالهم ومستقبل امرهم ، فاسمع يا صديقي تمحيص هذا الأمر الذي غرك وحقيقته : إن تأخر المسلمين فيما ذكرت ليس ناشئا عن دينهم فانه قد علم كل من له ادنى نظر وبصيرة ان دين الأسلام يدعو إلى الصلاح والاصلاح فى امور الدين وفى امور الدنيا ويحث على الاستعداد ، من تعلم العلوم والفنون اليافعة ، ويدعو إلى تقوية القوة المعنوية والمادية لمقاومة الأعداء والسلامة من شرهم واضرارهم ولم يستفدا حد منفعة دنيوية فضلا عن المنافع الدينية الا من هذا الدين وهذه تعاليمه وارشاداته قائمة لدينا تنادى اهلها : هلم إلى الاشتغال بجميع الأسباب النافعة التى تعليكم وترقيكم فى دينكم ودنياكم . افبتفريط المسلمين تحتج على الدين ؟ ! . إن هذا لهو الظلم المبين ! اليس من قصور النظر ومن الهوى والتعصب ، النظر فى احوال المسلمين فى هذه الأوقات التى تدهورت فيها علومهم واعمالهم واخلاقهم وفقدوا فيها جميع مقومات دينهم ، وترك النظر اليهم فى زهرة الاسلام والدين فى الصدر الأول ، حيث كانوا قائمين بالدين ، مستقيمين على الدين ، سالكين

كل طريق يدعو اليه الدين ، فارتقت اخلاقهم واعمالهم حتى بلغت مبلغا ما وصل اليه ولن يصل اليه احد من الأولين والاخرين ودانت لهم الدنيا من مشارقها إلى مغاربها وخضعت لهم اقوى الأمم وذلك بالدين الحق والعدل والحكمة والرحمة ، وبالأوصاف الجميلة التى كانوا عليها ! ? . اليس ضعف المسلمين فى هذه الأوقات يوجب لأهل البصائر والنجدة منهم ان يكون جدهم ونشاطهم وجهادهم الأكبر متضاعفا ويقوموا بكل ما فى وسعهم لينالوا المقامات الشامخة ولينجوا من الهوة العميقة التى وقعوا فيها ؟ اليس هذا من افرض الفرائض

والزم اللازمات وهذا الحال ؟ فالجهاد في حال قوة المسلمين وكثرة المشاركين فيه له فضل عظيم يفوق سائر العبادات ، فكيف إذا كانوا على هذه الحالة التى وصفت ؟ فان الجهاد لا يمكن التعبير عن فضائله وثمراته ، ففي هذه الحال يكون الجهاد على قسمين : أحدهما : السعى في تقويم المسلمين وايقاظ هممهم وبعث عزائمهم وتعليمهم العلوم النافعة ، وتهذيبهم بالآخلاق الراقية ، وهذا اشق الأمرين وهو انفعهما وأفضلهما والثاني : السعى فى مقاومة الأعداء واعداد جميع العدد القولية والفعلية والسياسية الداخلية والخارجية لمناوئتهم والسلامة من شرهم ! أفحين صار الأمر على هذا الوصف الذي ذكرت وصار الموقف حرجا تتخلى عن إخوانك المسلمين وتتخلف مع الجبناء والمخالفين ؟ فكيف مسع ذلك تنضم إلى حزب المحاربين . الله الله يا أخي لا تكن اقل ممن قيل فيهم ( تعالوا قاتلوا في سبيل الله او ادفعوا قاتلوا لأجل دينكم او ادفعوا لأجل قومكم ووطنكم ) لا تكن مثل هؤلاء المنافقين فأعيذك يا اخي من هذه الحال التى لا يرضاها أهل الديانات ولا اهل النجدات والمروءات . فهل ترضى ان تشارك قومك في حال عزهم وقوة عددهم وعنصرهم وتفارقهم فى حال ذلهم ومصائبهم وخذلهم فى وقت اشتدت فيه الضرورة إلى نصرة الاولياء ورد عدوان الأعداء ؟ فهل رأيت قوما خيرا من قومك أو شاهدت دينا افضل من دينك ؟

فقال المنصوح : الأمر هو ما ذكرت لك ونفسي تتوق إلى أولئك لاقوام الذين أتقنوا الفنون والصناعات ، وترقوا في هذه الحياة

فقال له صاحبه وهو يحاوره . رفضت دينا قيما كامل القواعد ثابت الأركان مشرق البرهان يدعو إلى كل خير ويحث على السعادة والفلاح ويقول لأهله هلم إلى كل صلاح واصلاح والى كل خير ونجاح ، واسلكوا كل طريق يوصلكم إلى السعادة الدنيوية والاخروية ، دين مبنى على الحضارة الراقية الصحيحة التى بنيت على العدل والتوحيد وأست على الرحمة والحكمة والعلم والشفقة واداء الحقوق الواجبة والمستحبة ، وسلمت من الظلم والجشع والاخلاق السافلة ؛ وشملت بظلها الظليل وإحسانها الطويل وخيرها الشامل ؛ وبهائها الكامل ، ما بين المشارق والمغارب

واقر بذلك الموافق والمنصف المخالف ، أتركها راغبا في حضارات ومدنيات مبنية على الكفر والالحاد مؤسسة على الطمع والجشع والقسوة وظلم العباد فاقدة لروح الايمان ورحمته عادمة لنور العلم وحكمته ؟ حضارة ظاهرها مزخرف مزوق ، وباطنها خراب ، وتظنها تعمر الموجود ؛ وهي فى الحقيقة مآلها الهلاك ، والتدمير ، ألم تر آثارها فى هذه الأوقات ؛ وما احتوت عليه من الآفات والويلات ، وما جلبته للخلائق من الهلاك والفناء والتدمير ؟ فهل سمح الخلق منذ اوجدهم الله لهذه المجازر البشرية التى انتهى اليها شوط هذه الحضارة نظيرا او مثيلا ، فهل أغنت عنهم مدنيتهم وحضارتهم من عذاب الله من شئ لما جاء امر ربك وما زادتهم غير تتبيب فلا يخدعنك ما ترى من المناظر المزخرفة والأقرال المموهة ؛ والدعاوى الطويلة العريضة ؛ وانظر إلى بواطن الأمور وحقائقها ، ولا تغرنك ظواهرها وتأمل النتائج الوخيمة ، والثمرات الذميمة فهل اسعدتهم هذه الحضارة فى دنياهم التى لا حياة لهم يرجون غيرها ! اما تراهم يتنقلون من شر الى شرور ؟ ! ولا يسكنون في وقت الاوهم يتحفزون إلى شرور فظيعة ومجازر عظيمة ؟ فلقوة والمدنية والحضارة والمادة بأنواعها إذا خلت من الدين الحق فهذه طبيعتها وهذه ثمراتها وويلاتها ليس لها اصول وقواعد نافعة ، ولا لها غايات صالحة ، ثم هب انهم متعوا في حياتهم واستدرجوا فيها بالعز والرياسة ومظاهر القوة والحياة فهل إذا انحزت اليهم وواليتهم يشركونك فى حياتهم ويجعلونك كأبناء قومهم ؟ كلا والله إنهم إذا رضوا عنك جعلوك من ارذل خدامهم ! وآية ذلك انك في ليك ونهارك تكدح في خدمتهم وتتكلم وتجدل وتخاصم على حسابهم ولم ترهم رفعوك حتى ساووا معك ادنى قومهم وبني جنسهم فالله الله يا أخي في دينك وفي مروءتك واخلاقك وادبك ! ! والله والله فى بقية رمقك ! فالانضمام إلى هؤلاء والله ، هو الهلاك

فقال له المنصوح : لقد صدقت فيما قلت ولكن لى على هذا المذهب اصحاب مثقفون . يتبع عنيزة - القصيم

اشترك في نشرتنا البريدية