في العاهية من الشعراء الدين كلف بهم المولعون بالادب ، فوردت الشهادات فى شأنه وقيمة شعره كثيرة غزيرة ، مكبرة له في رضي واعجاب حينا ، مستصغرة فى سخط واستهانة أحيانا ؛ أما دارسو الادب فقد ضاقوا بدراسته الى حد الاهتمال ، فجاءت آراؤهم حوله متنافرة متناقضة ، تحتاج الى شئ غير قليل من التثبت فى الرأى ، والاقتصاد في الحكم .
ولئن أجمع نقاد الادب - قديما وحديثا - على أنه زعيم شعراء الزهد فر الادب العربى ، فهم فى تعليل زهده لا يزالون مختلفين ، وفي حسن طويته وشرف غايته !
فمنهم من يعتبره " الاديب الاريب والشاعر اللبيب ، والعارف المشهور والشاعر المأثور ، المعروف فى زهدياته بالنزاهة والرفاهية " ( 1 ) ، ويشهد له بالطبع فى الشعر والاجادة ، والتقدم على سائر معاصريه من الشعراء ؛ ومنهم من يصمه " بحب الدات وطلب الشهرة . . كي يرفع الى درجة من الزعامة
فى الزهد تقابل زعامة بشار وابى نواس فى الناحية المناقضة " ( 2 ) ؛ بل منهم من يقضى بأنه " شاعر غير محبوب الروح فى شعره . . " ( 3 ) .
ليس بدعا من الامر أن تتنافر أحكام نقاد الادب والمفكرين فى شأن أديب أو مفكر نال حظا من الدرس كافيا ؛ ولكن الغريب أن تتنافر الاحكام وتتناقض ، وأنت على مثل اليقين أنها تلقى جزافا واتباعا فى شأن أديب لم ينل حظوة عند الدارسين
ولعل هذا التناقض في ضبط قيمة صاحب الزهديات ناشئ عن الغموض الذى يكتنف أسباب زهده ، والدوافع الحقيقية التى جعلته يقتحم لجة هذا البحر العميق الذي لا طمأنينة نفسية فيه ؛ فحرى بنا أن نفحص عن هذه الدوافع وتلك الاسباب - ما وسعنا الفحص عنها - حتى يكون هذا العمل محاولة تمهد لتحديد مضمون زهد العتاهى ، وضبط قيمة آرائه في الحياة والموت ، وتمزق الانسان بين حلاوة العيش راغبا فيه ، ومرارة الفناء فزعا منه .
قد لا نفجأ القارىء ان نحن ذكرنا أن أبا العتاهية كان رأسا من رؤوس الماجنين الفاتكين فى العهد الاول من العصر العباسي ( 4 ) ، وقد لا نبعد ان قلنا انه كان ماجنا كأبى نواس بل أوسع مجونا ، متهالكا على اللذات كأبي نواس بل اكثر تهالكا ، مصطفيا لنداماه وفتيان أنسه كأبي نواس ، بل أدق اصطفاء فعاش من دهره زمنا - لم يكن قصيرا - على الخلاعة والفتك والتخنت ، سواء فى الكوفة أو بغداد ؛
فان نحن رجعنا الى قصيدته الرائية ( 5 ) ألفيناها صورة ناطقة بليغة عن حياته اللاهية الهازلة العابثة فى قصور الخلفاء ، مع أبناء الخلفاء ، وعن النعيم الذي كان يكتنف أيامه ولياليه ، وعن " بحر السرور الذى كان يعوم فيه . وعن " تلك الصهباء العذراء التى كان يتعاورها مع أولئك الفتية الصقور " وان نحن ذكرنا من بائيته المؤثرة ( 6 ) أبياتا ثلاثة يقول فيها :
طالما احلولى معاشى وطابا طالما سحبت خلفي الثيابا
طالما طاوعت جهلى ولهوى طالما نازعت صحبي الشرابا
طالما كنت أحب التصابي فرماني سهمه فأصابا
اقتنعنا بأنه لخص - بليغ التلخيص - حياته التى كانت الى النزق أقرب أو هى النزق ، وأيامه التى كانت بالعبث ألصق ، أو هى العبث ، فى دون تحفظ ، وفى دون تستر ، وفى صراحة قليلا ما تنتهى الى حد ( 7 ) .
واتصلت حياته تلك المائعة وطاب له العيش وغفل عنه الدهر ، حتى علق عتبة - جارية الخيزران أم الرشيد ولكنها ما بادلته حبا بحب ، ونظرت اليه شزرا كارهة نافرة . . اتصلت حياته تلك المائعة السافرة الى أن بلغ الخمسين ؛ ثم كانت سيرة جديدة .
فلم هذا التحول ؟ وكيف حصل ؟
ليس من الغريب أن يقرر نقاد الادب أن اقلاع ابي العتاهية عن حياة الدعابة والعربدة ، واقباله على حياة النسك والقناعة سببه الخيبة فى حب عتبة ، تلك الحسناء التى فتن بها فى عناء ، وذاق في سبيلها " جهد البلاء " وبكى فى عشقها " انهار ماء " ، وصبر على اعراضها متعللا بأن " الصبر مفتاح الرجاء " ( 8 )
قرر ذلك أبو العلاء المعرى فى سخرية قارسة فقال :
أبدى العتاهى نسكا وتاب عن حب عتبة !
وجاء الادباء بعده ، يؤيدون رأيه ، تأييد المتبع ، نذكر منهم حنا الفاخورى ، صاحب " تاريخ الادب العربى " ، ذلك الكتاب الذي بات مرجع الدراسات الادبية ، عليه يعيش التلميذ والطالب - وغير التلميذ والطالب ! - يناجونه فى السر والعلانية ! ) 9 ( ؛ ونذكر منهم أنيس المقدسى ، صاحب " أمراء
الشعر العربى فى العصر العباسى " ) 10 ( ، ونذكر منهم الاب عبد الجليل ، صاحب مختصر تاريخ الادب العربى ) 1 ( ، ونذكر منهم - فى الاخر - وغيرهم كثير ، عبد اللطيف شرارة ، فى دراسته " أبو العتاهية ) 12 ( .
ما من شك فى أن شاعر المجون والزهد قد كلف بعتبة بقدر ما نفرت منه ، وهام بها بقدر ما كرهته ، " فالقلوب بيد الله " حسب عبارة صاحب طوق الحمامة ؛ والمسعودى فى مروج الذهب يثبت ذلك ، وأبو الفرج فى الاغاني وابن قتيبة فى الشعر والشعراء ، والحصرى فى زهر الآداب ، والتعديد في هذا الباب مديد ؛ فلا الجلد انساه عتبه وردعه عن التغزل بها ، ولا الاهانة ولا التغريب ؛ عشرون سنة قلبه لها ما فتئ يخفق ، وجسمه - من حبها الذى جرى فى العروق - ما فتئ يضمحل ) 13 (
ولكن هل يجوز التسليم - تسليم الجد بأن الفشل فى حب امرأة ، مهما بلغ ذلك الحب من القوة ، يدفع الفاشل الى الزهد دفعا ، أو يغير النفس تغييرا ويزلزل الشخصية زلزالا ، ويبذر العبقرية بذرا ؟
فلو كانت الخيبة فى العشق تدفع الى التزهد ، لترهب القوم جموعا وفرادى ، منذ بدء الخليقة الى يومك هذا . .
لعل اقصى ما يمكن تقريره هنا ، هو القول بأن خيبه العتاهى فى حب عتبة قد لا تخرج تماما جملة العوامل التى حزت فى نفسه ، واسرعت به ؛ - مجرد الاسراع - الى ما كان اليه مدفوعا
اكان مدفوعا الى الزهد باستعداد فطرى ! هكذا يرى بعض النقاد تعليل زهده ، بالرجوع الى ما رواه ابن منظور عن أبى مخلد الطائى قال : " جاءنى أبو العتاهية فقال لى : " ان ابا نواس لا يخالفك ! وقد أحببت أن تسأله ألا يقول فى الزهد شيئا ، فانى قد تركت له المديح والهجاء والخمر والرقيق وما فيه الشعراء ، وللزهد شوقى . . " .
قد لا نشك فى أن أبا العتاهية كان بطبعه ميالا الى القول فى الزهد ، وقد نعتقد أن له استعدادا جبلة إلى النسك ، يدفعنا الى هذا الاعتقاد العلم بالحالة النفسية التى كانت تنتابه فى أحسن ساعات اقباله على اللذة العمياء : كان فيها يضبط نفسه ، ويملك من تهالكه ، ويقتصد فى عربدته ، مسيطرا على الهوى - ما وجد الى ذلك سبيلا متسائلا عن العواقب ، خائفا من الدهر العثور ، حائرا فى المصير
على أنه عسير علينا أن نرتاح الى القول بأن الاستعداد الفطرى كفيل وحده بدفع صاحبه من الهزل الى الجد ؛ وما الاستعداد الفطرى هذا الذى يلذ للقوم التحدث عنه ؟ انه قوة نفسية ، أو رصيد نفسي ، يندفع اذا دفعته الارادة المسيطرة على العواطف المتضاربة والميول المتنافرة ؛ وهكذا فالقول بأن الانسان مسير باستعداده الفطرى ، هو القول - ضرورة - " بشيئية الانسان ) chosification de I' home ) والحكم على اختياره وصيرورته !
فالاستعداد الفطرى ليس سوى عنصر ، من بين عناصر أخرى ، أعان أبا العتاهية على السير نحو حياة الزهد ؛ وما كان ليحركه الى ما حركه اليه ، لو لم توجهه ارادة مصدرها عقل سيطر على نفس ممزقة بين الدنس والطهارة وكبح جماحها كبحا لم يكن من السهل يلوغه على أغلب الظن ، لانه قصة نفسانية ، محورها صراع ذاتي أليم ، تعبر عن المتناقضات التى هى مصدر مأساة الانسان . . .
وليس لمن قرأ ذلك النص الخطير البليغ ، الذى أثبته أبو الفرج فى الاغانى عن آخر عهد العتاهى بنعيم الدنيا ، أن يتحدث عن " الاستعداد الفطرى " بمثل ذلك اليسر الذى اطمأن اليه بعض ناقدى الادب ومؤلفى تاريخه
ونحن نثبته وثيقة أساسية ، حتى نستنتج منه استنتاجات كفيلة بأن تضئ لنا جوانب المشكل
حدث مخارق قال : جاءنى أبو العتاهية فقال : قد عزمت على أن أتزود منك يوما تهبه لى ، فمتى تنشط ؛ قلت : متى شئت فقال : أخاف أن تقطع بى . فقلت : والمله لا فعلت وان طلبني الخليفة فقال : يكون ذلك فى غد . فقلت : أفعل
فلما كان من غد ، باكرني رسوله فجئته ، فأدخلني بيتا له نظيفا فيه فرش نظيف ، ثم دعا بمائدة عليها خبز سميذ وخل وبقل وملح وجدى مشوى فأكلنا منه ؛ ثم دعا بسمك مشوى فأصبنا منه حتى اكتفينا ؛ ثم دعا بحلواء فأصبنا منها ، وغسلنا أيدينا ، وجاؤونا بفاكهة وريحان والوان من الانبذة ، فقال اختر ما يصلح لك منها .
فاخترت وشربت ، وصب قدحا ثم قال : غننى فى قولى
أحمد قال لى ولم يدر ما بى !
أتحب الغداة عتبة حقا ؟
فغنيته ، فشرب قدحا ، وهو يبكى أحر بكاء ؛ ثم قال : غننى فى قولى
ليس ، لمن ليست له حيلة
موجودة ، خير من الصبر
فغنيته وهو يبكى وينشج . ثم شرب قدحا آخر ثم قال غننى ، فديتك ، فى قولى
خليلتى ! ما لى لا تزال مودتى
تكون ، مع الاقدار - حتما من الحتم ؟
فغنيته اياه . وما زال يقترح على كل صوت غنى به فى شعره ، فأغنيه ويشرب ويبكى حتى صار العتمة ، فقال : أحب ان تصبر حتى ترى ما اصنع
فجلست ، فأمر ابنه وغلامه فكسرا كل ما بين أيدينا من النبيذ وآلته والملاهي ؛ ثم أمر باخراج كل ما فى بيته من النبيذ وآلته ، فأخرج جميعه ، فما زال يكسره ويصب النبيذ وهو يبكى حتى لم يبق من ذلك شىء ، ثم نزع ثيابه واغتسل ثم لبس ثيابا بيضا من صوف ، ثم عانقنى وبكى ، ثم قال السلام عليك يا حبيبي وفرحى من الناس كلهم سلام الفراق الذى لا لقاء بعده
وجعل ببكى وقال : هذا آخر عهدى بك فى حال تعاشر أهل الدنيا . . " .
فان أنت نظرت فى هذا الخبر ، وحللت معنى دعوة أبى العتاهية مخارقا ، ودوافع اقباله على تناول ما لذ من الاطعمة تناول المحروم ، وشربه النبيذ شراب الصادي ، واستماعه الى مختاراته يغنيها مخارق استماع من له حنين
الى من تذكره وما تقصه ، وبكاءه غاصا بعبراته ، أيقنت انك بازاء نفس ممزقة بين توق الى حياة الدعة والتصابى وعزم على سيرة الكفاف والقناعة والطهارة .
ولعلك لا تلبث أن تكون على مثل اليقين أن زهده كان عزما منه وحزما ، أرغمت عليه نفسه ارغاما ، وان كانت الى ضده تواقة ؛ ولعلك لا تلبث أن تسلم بأن زهده انما هو نتيجة صراع عنيف بين نفس خاضعة لاوامرها وعقل مخاصم لها ، منتصر عليها ، مخاطب صاحبها يقول :
تصبر عن الدنيا ودع كل تائه مطيع هوى يهوى به فى المهامه
دع الناس والدنيا فبين مكالب عليها بأنياب وبين مشافه
ومن لم يحاسب نفسه فى أموره يقع فى عظيم مشكل متشابه
وما فاز أهل الفضل الا بصبرهم عن الشهوات واحتمال المكاره ) 14 (
ايجوز - بعد هذا - أن يقول قائل ان العتاهى " دفع " الى الزهد باستعداد فطرى ؟ امن اليسير - بعد هذا - أن يظن ظان أن العتاهي " اصطنع ) ١ ( الزهد واتخذه طريقة فنية مندفعا اليه بشوق نفسه ) ! ( إلى هذا النوع فى الشعر " ) 15 (
قد يجوز ذلك لمن فضل الاتباع فى القول ، وخشى أن يرجع الى النصوص ؛ ونحن نشهد ان الرجوع الى النصوص ، والنظر فيها ، واستقراءها ، أبعد عن اللذة وأقرب من النصب . . .
فان انت بقيت على ريب ، وشككت ، فلعل ريبك أن يزول وشكك ان يتصدع ان ذكرت مقطوعته التى فيها يقول ذاكرا حاله .
رجعت لنفسى بفكرى لعلها تفارق بعض الذى قد غرها وأذلها
فقلت لها : يا نفس ما كنت آخذا من الارض لو اصبحت أملك كلها
فهل هى الا شبعة بعد جوعة والا مني قد آن لى ان املها ) 16 (
يسير عليك أن ترى العقل مصدر هذا الزهد ، لا مجرد العاطفة وشوق النفس ، بله الاستعداد الفطرى ؛ ويسير عليك أن توقن - أو أن تكون على مثل اليقين - أن أبا العتاهية عزم على الزهد بعد أن ثبت لنفسه الخصومة محاسبا معاتبا ، كما ثبت برزويه لنفسه الخصومة محاسبا معاتبا حين أقبل
عليها يقول : " يا نفس ألا تعرفين نفعك من ضرك ، ألا تنتهين عن تمني مالا يناله احد الا قل متاعه و كثر عناؤه فيه وخباله عليه واشتدت البلية عند فراقه وعظمت التبعة منه عليه بعده . . " ) 17 ( .
انه من العسير علينا - كل العسر - أن نرتاح الى رأى أنيس المقدسى اذ يعتبر ان ابا العتاهيه " اصطنع الزهد واتخذه طريقة فنية " ، الا اذا كان شاعرنا بالزهد متلهيا ، وبالتفكير فى قضية الوجود الامثل متفكها ، وبفكرة الموت مستهينا . . وهو أمر لا نرى امكان التسليم به .
وبعد ، فلا يمكننا القول بأن أبا العتاهية تزهد لأنه خاب فى حب عتبة وكان ميالا الى الزهد ؛ ولكنا نرى أن التدقيق فى الحكم يفرض علينا أن نقول :
" ان ابا العتاهية الخائب فى حبه ، الميال إلى النسك ، الناظر في أمر الناس والدنيا بالعقل ، اختار حياة الزهد بعد الخلاعة ، ورغب في حياة الجد بعد الهزل " فما الذى أعانه على هذا الاختيار الذى تجاوز به انفعالاته الشخصية
سؤال لم نصبر عليه كلما قرأنا شعرا لأبي العتاهبة
رجل عاش فى العهد الأول من العصر العباسى ، أتاحت له البيئة الكوفية أسباب العبث واللهو فعبث فأنعم ، ولها فأغرق ، ونادم ، وعاقر الخمر فأطال الجلوس عليها ؛ وقدم بغداد شابا ، فى الثامنة والعشرين من عمره ، " نظيفا ، ابيض اللون ، أسود الشعر ، له وفرة جعدة ، وهيئة حسنة ، ولباقة وحصافة " ، على حد تعبير الاغاني ، فأتاحت له البيئة البغدادية الاختلاف الى قصور الخلفاء ، ومعاشرة أبناء الخلفاء ، فطابت له الحياة بقدر ما تنكرت له) 18 ( وأحب عتبة بقدر ما رغبت عنه
بائع جرار فى الكوفة - تتناحر فيها الاحزاب الطامحة الى السلطان وتمزقها المعارك حتى شاع القلق بين الناس - يصبح نديم الخلفاء في بغداد ويتصل فيها بالخليفة الهادى الذى اغتصب الخلافة ، وضيق على المفكرين وسلط عليهم تهمة الزندقة ؛ ثم يتصل بالخليفة المهدى ويرى منه سوء ما يضمر لولى العهد أخيه هارون ، والباسه الناس الشبهات جزافا ؛ ثم يتصل بالخليفة الرشيد ويرى ما حاق بسلطته من مخاطر ، ومعارضة الطالبيين
وانصارهم الطامعين فى الحكم ، ومقاومة الخوارج له ؛ وهو الملازم للرشيد يلاحظ هذه المناورات والمشاغبات ، فلا يرتاح اليها ولا يرتاح الى غموض مواقف الخليفة ، لانه - جبلة - لم يكن يرتاح الى ذى سلطة
صاحب فكر ونظر ، يلاحظ قلق المقاييس الاخلاقية فى مجتمعه ، وانهيار القيم الانسانية ، بالمعاناة والتجربة ، ويفكر فى ترف المترفين من الخلفاء والوزراء والوجهاء وعلية القوم ، وفى ضنك الكادحين من عامة الناس والساعين الى الرزق - ان وجدوا الى ذلك بابا - لا يكادون يشبعون حتى أضحت حياتهم كالبائسة أو هى البؤس ؛ وصفها شاعرنا فقال :
من مبلغ عنا الاما م نصائحا متواليه
اني ارى الإسعار أس عار الرعية غاليه
وأرى المكاسب نزرة وأرى الضرورة فاشيه
وأرى غموم الدهر را ئحة تمر وغاديه
وأرى المراضع فيه عن اولادها متجافيه
وأرى اليتامى والأرا مل فى البيوت الخاليه
من بين راج لم يزل يسمو اليك وراجيه
يشكون مجهدة بأص - وات ضعاف عالية
يرجون رفدك كى يروا مما لقوه العافيه
من يرتجى فى الناس غير رك للعيون الباكيه
من مصبيات جوع تمسى وتصبح طاويه
من يرتجى لدفاع كر ب ملمة هى ماهيه
من للبطون الجائعا ت وللجسوم العارية
من لارتياع المسلمي - ن اذا سمعنا الواعيه
يا ابن الخلائف لا فقد ت ولا عدمت العافيه
ان الاصول الطيبا ت لها فروع زاكيه
ألقيت أخبارا الي ك من الرعيه شافيه
ونصيحتى لك محضة ومودتى لك صافيه ) 19 (
هذا كتاب خطير - أو تقرير كما يقال فى اللغة الادارية - رفعه أبو العتاهية الى الخليفة - لعله الرشيد - عن سوء الحالة الاجتماعية والاقتصادية فى بغداد ، وغير بغداد من امبراطورية العباسيين ؛ منه نفهم سخط أبي العتاهية على ساسه البلاد ، وعطفه على مواطنيه ومعاصريه البائسين اليائسين الذين بلغ صوتهم الى صاحب السلطان ؛ ومنه نفهم بالخصوص الثورة التى تتأجج فى نفس الشاعر ولا سبيل الى تجسيمها والبوح بها الا رمزا . . ولو باح بها لناله ما ينال غيره من عادى العقاب يومئذ : القتل المختصر
ولكنه قرر الثورة رغما عن ذلك
على انه قرر أن لا تكون ثورته صاخبة عارمة ، ولكن هادئة متحفظة ؛ وان من الهدوء ما يكون ثورة !
اختار ابو العتاهية لنفسه " الغربة الكبرى " على مضض منها وضيق بها . فكان زهده حصيلة خيبات شخصية وتأثر عميق بمآس اجتماعية ، وكبت لانفعالات نفسية تظافرت وتفاعلت ، فأدت بصاحبها الى الثورة الصامتة ، الى الزهد .
زهد يتصل ثلاثين سنة ، خلالها يكبت أبو العتاهية نفسه كبتا يحترق فيه حسه وعقله . .
اما مضمون ذلك الزهد - وقد حاولنا تعليل أسبابه - وقيمته الفلسفية وموقفنا منه ، فقضية أخرى . .

