الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

محاولة فى تحليل شاعرية الشابى

Share

تقديم :

لقد كان الشابى - بعد نشر ديوانه خاصة - أوفر حظا ، من أى شاعر معاصر آخر ، من الدراسات النقدية والبحوث . ولكن الملاحظ يرى جليا اعتماد الدارسين واتكال بعضهم على البعض . لذلك كانت جل الدراسات الحد الآن - الا فى النادر - تحوم حول ما يحيط بالشاعر من شكليات الحياة وأعراضها كولادته - التى لم تقل الكلمة الفصل فيها الى الآن - وحبه ، وزواجه ومرضه وآثاره وتأثره . . والعجيب أنه رغم ما بذل من مجهود فى استكشاف هذه الشكليات ، فان الشابى لا يزال لغزا مبهما فى نظر العدد الاوفر من المثقفين . فالكلمة النهائية فيما يتعلق بحياة الشابى من « العرضيات » ما زالت لم تقل بعد . ولذلك أسباب عدة ، منها أن الذين كتبوا عن الشابى كانوا يجهلون شخصيته . ومنها أن هؤلاء الذين كتبوا عنه - وهم يجهلونه - كانوا الى أمد غير بعيد - يحدثوننا عنه بلغة عاطفية للغاية . فهناك النصير المدافع بأسلوب غنائى عن شخصية الشاعر كمنزه ، وعن منزلته كنبى مجهول . . وهناك من كتب عنه بأسلوب يتسم بالعدائية متذرعا فى ذلك بالموضوعية العلمية ، ولكنه استغل هذه الموضوعية لاغراض أهونها الحط من قيمة الشاعر حتى أن الشاعر اتهم بالكفر والالحاد ورمى بالتقليد والاجترار ، ونسبت شهرته الى مساعدة الظروف ! . . . فكانت الدراسة بذلك أقرب الى الذاتية الغنائية منها الى الموضوعية العلمية ، رغم ظاهرها . حتى أنك لو أردت أن تتكون لديك عن الشابى صورة واضحة صادقة ، وقرأت لهؤلاء وأولئك ، فلن تظفر بغير أكوام من متناقض الآراء التى لا تجد نفسك مجالا للأخذ بها دون أن يمسها الباطل من بين يديها ومن خلفها ! فهي قابلة للانكار معرضة للالتواء . وتجد نفسك أمام شابي أسطورة قد لعب فى وضعها الدور الاكبر جهل الدارسين له . وتجد ذاتك على نفس اللهفة التى أقبلت بها أول أمرك ، اذ لا يفى النزر القليل من الحقائق المتواضعة التى أستنتجت عن الشاعر بحاجة نفسك الى المعرفة . وانك بعد ذلك لتعجب لهذه الجهود تبذل دون الاتيان بالفائدة

المرجوة ، دون أن يستطيع أحد من الذين عرفوا الشابى عن كثب وخبروه أيما خبرة أن يكشف خفايا شخصيته للناس المتلهفين لمعرفتها . فهل يصعب على الدارس الحصيف الذي اتصل بالشاب وعرف خفاياه أن يضعه ضمن اطاره الزمانى والمكانى محللا ما تداخل ضمن ذلك الاطار من العوامل والمؤثرات الخارجية والداخلية ؟ ثم أليس من العجيب كذلك أن يظهر للشابى- أخيرا - كتابان لم ينشرا من قبل ، وهما الرسائل والمذكرات ، وأن ينشر الديوان فى طبعة ثانية ، مؤرخ القصائد ، مزيدا على أصله الاول ، دون أن يثير ذلك اية بادرة الى مراجعة ما قيل عن الشاعر ، وتصحيح الاخطاء ، ودون أن يجد ذلك صدى لدى أولى العزائم والكفاءات ليدرسوا الشابى الدراسة التى يستحقها ؟...

أما أنا فلست - طبعا - من الذين عايشوا الشاعر عن كتب وحادثوه وحدثهم واتصلوا به ، وان كنت قد اتصلت به وعايشته وناجيته عن بعد ! لذلك فانى ساترك أمر البت فى المسائل المتعلقة بحياته الى القادرين على ذلك . وسأحاول فى هذا البحث ان أجلو عناصر عبقرية شاعرنا معتمدا فى ذلك على آثاره المنشورة أولا ، وعلى الحقائق - القليلة - التى استطعت الاقرار بصحتها من بين ما كتب عنه ، وعلى ما انتجه علم النفس الحديث من الحقائق التى تمكننا من دراسة عبقرية فنية مثل عبقرية الشابى ، وأشير فى هذا التقديم الى أنى لا ادعى لهذه الدراسة الاحاطة والشمول بما يمكن أن يقال عن الشابي فى هذا الميدان ، وانما انا افتح طريقا جديدا فى دراسة شاعرنا سنرى أنها تبسط من القضايا أكثر مما تحل . فعسى ان تتظافر الجهود على سنرى أعماق هذه العبقرية وعلى حل ما تثيره من القضايا والمسائل.

                                    - 1 - أعتقد ان أى دارس اذا سلط الاضواء الكاشفة على شعر الشابى ، سيلمس فيه عنصرا غريبا ، مبهما ، يحرك خياله واحساسه دون أن يدرك ، لاول وهلة لذلك سببا . فهو يحس بوجود تناسب عجيب بين ما فى شعر الشابى من أنغام " عجيبة " وموسيقى ، وما فيه من الصور والرؤى الشعرية . أى ان هناك تناسقا وتناسبا بين التشكيل المكانى والتشكيل الزمانى فى شعر الشابى . وهذا التناسق وذاك التناسب يجعلان الباحث يلمس تلك « الروح » الغريبة التى يبحث عنها لدى غيره من الشعراء فلا يلمس مثلها الا لدى العباقرة منهم ، فيقف لذلك مشدوها أمام هذه « الظاهرة » العجيبة اذ ليس من اليسير ولا من الهين عليه ادراك معنى تلك الظاهرة فى انتاج شاب لم يتم السادسة والعشرين من العمر ، ولم يقتحم دنيا المعرفة بغير لغة واحدة.

وقد لاحظ الاستاذ توفيق بكار تلك « الغرابة » فى موسيقى الشابى ، فتحدث عن « الموسيقى العجيبة التى لا تدرى من أين ( و ) اى شئ تأتت . وانما تشعر بها تارة لذيذة تهدهد نفسك فى رفق وطورا عنيفة صاخبة توتر أعصابك وتلهبها (I). ومن الدارسين المشارقة من أحس بوجود تلك " الغرابة " فسلم بها دون أن يعرف كنهها . فهذا الدكتور محمد مندور يقول: " ومن الغريب أنى عندما طالعت بعض قصائد الشابى ومقالاته النقدية ، كدت أجزم بأن هذا الشاعر كان يجيد لغة أجنبية تمكنه - لا من الالمام بآداب الغرب فحسب - بل ومن تذوقه لتلك الآداب واحساسه بها وتمثله لها . ثم عدت الى ما كتب عن تاريخ حياته ، فأخذتنى الدهشة عندما علمت أنه لم يكن يعرف لغة أجنبية وأنه تخرج من « الزيتونة » بتونس ، ثم التحق بكلية الحقوق التونسية وتخرج منها سنة 1930 . ولكنه لم يتعلم لغة أجنبية . وعندئذ أدركت اننى أمام احدى العبقريات التى لا يستطيع البشر لها تفسيرا ، لانهاهبة الله " (2) . ويقول الدكتور شوقي ضيف : « وابو القاسم الشابى الشاعر التونسي ( .. ) فلتة من فلتات عصرنا الحديث فى حدة الاحساس وعمقه ودقته » (3) فما هو سر هذه الفلتة العجيبة وما هى ملامح هذه العبقرية ؟

ان أول ما يلفت الانتباه عندما نكون بصدد دراسة « عناصر العبقرية » لدى شاعر ما ، هو بالتأكيد البحث فى حقيقة الشكل التعبيرى لدى هذا الشاعر. وذلك لما فى الشكل التعبيرى أثناء عملية الخلق الفنى من عوامل نفسية ومؤثرات باطنية نلمس أثرها فى عمل الشاعر . ولكن يصعب التعرف على حقيقتها. وبمعرفة تلك المؤثرات وتلك العوامل نستطيع معرفة المدى الذى عليه مقدرة ذلك الشاعر . ثم ننظر فى انعكاسات تلك " المقدرة " فى عمله ، حتى نستجلى خصائص وملامح تلك المقدرة . فاذا ما عثرنا على تلك " الروح الغريبة " تبين لنا أنا بازاء " فلتة " حقا ، والا فنحن مع أحد العاديين من الشعراء .

وانه لمن الصعوبة والمشقة بمكان أن تقرر حقيقة بشأن هذا الشكل التعبيرى دون أن تتصدى الى حملات الشك القاسى . وذلك لما يعتقده كثير من النقاد والباحثين من خطأ ما يسمى « بالمعجزات الشعرية » ، فالايمان السائد حول الشكل التعبيرى لعمليات الخلق الفنى يقوم على نفى ما يدعيه الكثير من الشعراء من انه يوحى اليهم ، ونفي ما يمت الى " الخرق للعادة " أثناء عملية الخلق الفني بصلة . بل يقرر هؤلاء الباحثون أن عملية الخلق الفني عادية ، و« ليست عملية ميتافيزيقية أو صوفية تتحدد ضمن أطر سرية مسحورة » (4). وينفون أيضا ما يدعيه الرومانتيكيون من تلقائية عملية الخلق الفنى فهذه العملية فى رأى هؤلاء النقاد لقاء مباشر بين ذات الشاعر والواقع ، يكون عملية خلق جديدة لذلك الواقع ، بعدما اختمر عبر ذات الشاعر فى بؤرة يلتقي فيها الوعى باللاوعى والذاتى بالموضوعى والخاص بالعام . (5). وان البحث

ليشق أكثر اذا كنا بازاء شاعر رومانتيكى مثل الشابى ، تدل القرائن من حياته على انه لم يستكمل عدته الفنية بعد ولم يتم نضجه كما ينبغى ويؤمل . ولكنا لحسن الحظ ، نجد ما يجعلنا نثبط هذه النظرية لتجاوزها ، فهى أولا نظرية تعسفيه اعتباطية تقوم على الافتراض اذ هى لم تعتمد التجارب الشعرية أساسا بل لاحظ اصحابها « الماديون » أن مبدأ «  الخرق للعادة » غير ممكن ، فقاموا بعملية النفي هذه . ثم ان علم النفس الحديث أقر حقائق وأثبت النظريات الصائبة حول عملية الخلق الفنى ، ما تجاهله أصحاب هذه النظرية وتغافلوا عنه ( وهذا بغض النظر عن مسألة العمر التى لا تقف حاجزا البتة أمام مقدرة الشاعر الفذة اذا كانت كذلك ، وقد عرف التاريخ الادبى غير الشابى ممن ظهرت عبقريتهم ولما يتجاوزوا العقد الثالث من أعمارهم ، ولنا فى الشاعر الانجليزى - كيتس - ذى المقدرة الشكسبيرية ، خير مثال ) . لذلك ، فاننا سنحاول أن نبحث عن حقيقة عملية الخلق الفنى لدى الشابى ، التى تدل القرائن على اتسامها بالغرابة والعجب ، معتمدين فى ذلك على ما أقره علم النفس الحديث من الحقائق ، متجافين تلك النظرية التى لا تنطبق على الشابى الا فى مرحلته الاولى من حياته الشعرية ، وأثرها واضح فى قصائده الاولى ، أما قصائده الاخيرة فتثبت تجاوزه لها .

قلت ان القرائن تدل على اتسام عملية الخلق الفنى لدى الشابى بالغرابة والعحب . وذلك أن الناظر فيما كتب عن الشابى أو فيما كتب الشابى نفسه فى رسائله - زيادة على النظر فى شعره - تعترضه بعض الحقائق حول عملية الخلق الفني لدى الشاعر ، يصعب عليه الاخذ بها ، كما قلت سابقا ، دون أن يعتريه الشك فيها . ومن تلك الحقائق ما نجده فى احدى رسائل لصديقه الشاعر المصرى الدكتور عبد العزيز عتيق - التى نتمنى أن يتم نشرها كذلك - اذ يقول له فيها : «  فأنا انقل المقدر لى ، أحيانا انقله من اللوحة الخيالية السماوية التى أمامى كأنني انقل من كراسة ، وأحيانا أنقل مما يشه الضاب . فديوانى مكتوب في الأزل ، وانا انقله من الغيب فاذا كانت عين خيالي حادة ولاضباب يحجبها ، نقلت ما هو مسطور دون عناء ... »(6) فما هذه اللوحة الخيالية السماوية التى يراها أمامه كانها كراسة ينقل منها ؟ هي بلا شك ما يسميه القرآن " اللوح المحفوظ " . وعندئد ندرك خطورة هذه الفكرة فهل هو يدعى النبوة ؟ من المؤكد أن الشابى يعتبر نفسه « نبيا مجهولا » ، وأنه يذهب فى اجلال الشاعر الى اقصى حد ، فهو - عنده - جبار شبيه بالانبياء ، بل شبيه بالله ، له من خصائص الجبابرة القدرة على السمو بالروح والفكر الى القمم الشاهقة ومن طبع الانبياء القوة على النفاذ بالبصر الى ما لا يراه البشر وعلى الاحساس بما تقصر دونه حواسهم ومن صفات الله الطاقة على الخلق والانشاء . » (7) . وما يعنينا هنا ، من هذا

التشبه بالانبياء . ليست الرسالة التى يشترك فيها الشاعر مع النبي بين الناس ، اذ كلاهما يؤدى رسالة وان اختلفتا : فالنبى يهدى الناس : ينفعهم أما الشاعر فينفث فى قلوبهم سحرا وجمالا : فهو يمتعهم - ليس ذلك ما يعنينا من هذا التشابه ، انما يعنينا أمر ما يلتقى لديه الاثنان من « التحدث بلغة السماء » ما دام الشاعر كذلك ينقل ما قدر له نقله من « اللوحة السماوية » ، فهو يشترك مع النبي اذن فى التحدث الى الناس بلغة السماء وبالتالى فهما يلتقيان فى هذه الظاهرة التى عرف بها الانبياء وهى ظاهرة « الوحى » . وهذا الوحى الذى تفسره لنا مقدرة الشاعر الخارقة على الابداع ، دون غيره من بقية الناس ، انما هو نتيجة لما ندعوه بالالهام الشعرى . فالشاعر النبي ملهم يوحى اليه ، فى قلبه شعلة سماوية هي هبة الاله له . وبديهى ان لا يحمل هذا الكلام معنى ذا قيمة ما لم يعلل . وتلك الشعلة . الهبة الالهية ، تؤكد وجودها تلك الظاهرة - الوحى - التى وصف الشابى كيفية حدوثها لديه . ولكن الاكتفاء بالقول بحدوثها لا يبرر يقينية وجودها ولا يبرهن عنها ما لم تشهد لنا قرائن من حياة الشاعر ذاته بما يؤكد ذلك القول . وبالرجوع الى حياة الشابي نجد ظاهرة فيها تبرز لنا - نظريا - ذلك القول . فقد كان يعانى اثناء عملية الخلق الفنى « حالة »تتسم بالغرابة حقا . فقد كانت تعتريه حالة شعورية تباغته أحيانا مباغتة أوتهاجمه مهاجمة تمنع عنه الراحة والنوم . وقد وصفها صديقه المرحوم زين العابدين السنوسى فقال : « إذا رجعنا إلى ادبائنا المعاصرين عرفنا أن المرحوم أبا القاسم الشابي لم يكن يستنزل الشعر ولكنه كان يفيض عليه مهاجمة تمنعه الراحة والنوم ، فيصوغ القصيدة بيتا بيتا ويتتهجى كل واحدة بمفردها فى ليلة وظلامه الدامس ، ولا تفارقه تلك الحال حتى يستفرغ ما جاش بضميره شعرا محكما » (8) . واننا لنجد ذكرها كذلك فى كتابات الشابى نفسه ، فقد كان يسميها " النوبة " لانها تنتابه . وقد ذكرها فى رسائله الى صديقه الحليوى فقال الشعر فقد لبث نحوا من عشرين يوما لا يخفق فى نفسى شدوه أو غناؤه . ثم أخذتني النوبة وانا لها كاره . فلفتني في مثل العاصفة الهوجاء التى لا ترحم وملأت على صفو الحياة السنة الهواتف التى لا تسكت وتهادت حول قلبى الصور والاشباح والخواطر والذكر ولم تفارقنى فى نوم ولايقظة حتى لقد اضطرب على النوم في اليومين اللذين استيقظت فيهما روح الشعر الخفية الغامضة ، وحتى رجوت من الله أن يرحمني وان ينقذنى من هاته الثورة العنيفة العاصفة ، وقد فعل . لقد قلت :«  اخذتنى النوبة  » وهى حقيقة . فانني منذ عام أصحت البث الشهر والشهرين لا يتحرك فى نفسى صوت ولا صدرى ، ثم تأتى النوبة بعنف وشدة ، وتلبث اليوم واليومين والثلاثة تنغص على الحياة ثم تخبو وتغيض » (9).

ويقول فى الرسالة الثالثة والعشرين المؤرخة ب 24-2-1933 : « أما انا الان ، ان شئت أن تعرف ذلك ، فان نوبة الشعر تمتلك على عواطفى وأفكارى ، وان ربة الشعر تعزف على قيثارتها الذهبية اناشيدها بعنف هائل ترتج له أعصابى المرهفة ، ولست أدرى متى تسكن " النوبة " وتتوارى ربة الإنشاد فى أفقها الغامض البعيد » (10). واذا قارنا بين هاته «  الحالة » وبين حالة الوحي التى وصفها لصديقه الدكتور عتيق ، تبين لنا انه لا شك فى أن تلك الحالة لم تكن سوى هذه النوبة . ولكن هل يكفى هذا لاقرار مثل هذه الحقيقة الخطيرة ؟ هل يكفى أن يقول لنا الشابى انه يوحى اليه وانا يعاني تلك النوبة - الحالة الشعورية الشاذة - اثناء عملية الخلق الفنى ، أو أن يقول لنا أصدقاؤه بأنه كان يعيش تلك الحالة حقا ، حتى نقر بأنه كان يوحى اليه وان الشعر كان يفيض عليه مهاجمة تمنع عنه الراحة والنوم وأن عملية الخلق الفنى كانت تلقائية لديه فينقل من اللوحة السماوية ما قدر له أن ينقل ؟ كلا ! فللقضية جذور أعمق ، لا نطمئن حتى نتبينها ونسير أبعادها. وعندئذ يمكن لنا أن نصدق مطمئنين أو أن نرفض مطمئنين .

لقد وردت فى كلمة الشابى لصديقه الدكتور عتيق جملة على غاية من الاهمية بالنسبة لما سنبحث فيه ، ولعله ذكرها دون ان يفطن الى تلك الاهمية ، والا لكان أعتنى بها وتعرض لها بالتحليل . وهذه الجملة هى قوله : «  فاذا كانت عين خيالى حادة ولاضباب يحجبها ، نقلت ما هو مسطور دون عناء » فعين الخيال الحادة هذه ، التى تيسر له رؤية ما هو مسطور مقدر له نقله ، فيقوله دون عناء ، هى احدى الحواس الباطنية التى تتفاوت قوتها لدى البشر ، من شخص لآخر . فمن المكونات لملكة الشاعر حواسه الباطنية التى تمتاز بالدقة والرهافة والحدة عن حواس الناس العاديين وهى حواس أقدر وأقوى من الحواس الخارجية .

ونظرية الحواس الخارجية العاجزة عن الادراك الصحيح نقيض الحواس الباطنية ذات مكانة هامة فى الفلسفة النظرية . فالحواس الخارجية خادعة ومخدوعة ، دائما . ف « ادراكات الانسان لا تحدها أعضاء الإدراك ، فهو يدرك اكثر مما تستطيع الحواس اكتشافه مهما تكن حادة »كما يقول وليام بلايك (II) . فهناك كثير من الحالات الغريبة التى تحدث للانسان فى حالات اليقظة أو النوم ، كأن يرى رؤى مثلا ، أو يحدس حدوث أمر ، فيقع ، وكل ما يحدث انما مرجعه الى هذه الحواس الباطنية التى تتجاوز مقدرة حواس الانسان الخارجية ، فى الادراك ، مهما تكن هذه الحواس حادة مرهفة . وهذه الادراكات التى تحدث عنها وليم بلايك ، أهمها اثنان : هما الخيال ، الذى ورد فى جملة الشابى ، والرؤيا . وقد كان بلايك يرى فى يقظته رؤى . وما

حدث عنه الشابى صديقه الدكتور عتيق ، لا يعدو ان يكون تلك الرؤيا ، التى كان يقع مثلها لبلايك وغير بلايك من شعراء الرومان نتيكية ، عندما تتيقظ حواسهم الباطنية وتتحرك خيالاتهم ، مستجيبة لنداءات أعمق من أن تدرك. وما النوبة التى كانت تعترى الشابى سوى حالة من تلك الحالات التى تتيقظ فيها الحواس الباطنية ويتحرك الخيال ، كى تتم الرؤيا .

وقد أقر علم النفس بأن العمل الابداعى لدى أى فنان كان ، هو الى حد بعيد «عملية لاشعورية» كما هو الشأن فى « حلم اليقظة ».(12) وهذه الفكرة بدورها ، تعيدنا الى الوراء كى نتساءل عن الدوافع الخفية التى تجعل الفنان يبدع ، أو تدفعه على الابداع ، حتى نتبين هذه الصلة الخفية بين عملة الابداعى - العملية اللاشعورية - وبين تلك « الغفلة اللاارادية » التى تتم أثناءها عملية الابداع . ومهما تكن الدوافع التى تحرك الانسان ، سواء عن وعى منه أو عن غير وعى ، فان الدافع الاقرب الى « المعقولية »هو ما أقره بحث فرويد ( freud) وهذا الدافع يتمثل فى قوة دافعة للانسان على التحرك فى شتى حالاته واعية كانت أم لاواعية ، سرورا كانت أم ألما ، سلامة كانت أم خطأ ....وهذه القوة هى قوة " الجنس "eros وقد فسر فرويد نظريته تلك على ضوء فهمه الخاص لظاهرة الكبت لدى الانسان . (13) فهو يرى أن الانسان يشعر بميل جنسى نحو أمه التى يحبها ويريد احتلال مكان أبيه فى ذلك وهى رغبة لا شعورية قد وقع منعها منذ بداية التاريخ المدون بواسطة أقوى وسائل التحريم الدينية والاجتماعية . وكان نتيجة ذلك انه ( اى الابن ) أصبح ينظر اليها بوصفها غير طبيعية . وتلك الرغبة المكبوبة ، كما لاحظ ذلك فرويد نتحقق بوضوح فى الاحلام . « فوظيفة الكبت اذن هي منع النزعات النفسية من السير فى طريقها الطبيعى . وهذا المنع لا يقضي على النزعات النفسية فهى تظل قوة متحفزة للظهور ، ولكنها تبقى مع كل هذا مختفية فيما يسمى باللاشعور» . وفى الحلم ، يقع طفوها على سطح الشعور ، فتظهر بصوره ايجابية ، فى منطقة الوعى ، ويشعر الحالم أثناء طفوها وظهورها بالارتياح يغمره لما تحقق له من " خلاص " . وحالة الحالم ، فى حلمه ، هي حالة الفنان اثناء عملية الخلق . فالرغبات المكبوتة فى لاشعور الفنان ، فى منطقة لاوعيه وأقواها الرغبة الجنسية ، تتحقق فى العمل الفنى . «  فاذا نحن التمسنا الحلقة التى تربط بين العمل الفني والنوازع الجنسية وجدناها متمثلة في الاحلام . فهناك نوازع جنسية ، ( سواء اكانت أوديبية أم الكتراوية ) مكبوتة لسبب أو لآخر ، وهي مكبوتة فى اللاشعور ، فتظهر عندئذ ، ويفرغ اللاشعور شحنته فى شكل رموز . وفى العمل الفنى يتحقق الشئ نفسه ». وهكذا نرى ان الدوافع الى العمل الفنى هى نفس الدوافع التى تدفع الى الحلم. وبذلك فانه يمكن لنا أن نقول ان عملية الخلق الفنى انما هي كذلك " حلم

الفنان ( الذي سنعرض له بالتحليل على مستوى آخر فى مكان آخر من هذه الدراسة - خاصة إذا وجدنا ما يربط بين « الحلمين » من « الرموز »التى تظهر للحالم فى حلمه والتى يفرغ فيها اللاشعور شحنته لدى الفنان ، فتظهر فى " الصور " التى تربط بينها وبين تلك الرموز علاقات بعيدة وغريبة فى ذات الوقت . واذا لمسنا التطابق العجيب بين الحلم وبين عملية الخلق لدى الفنان ، لتطابق الدوافع أولا ، ثم لتطابق العمليتين ثانيا ، فانه يتبين لنا فى غير ليس طبيعة هذه العملية الابداعية التى تتم في شكل رؤيا ، كما رأيناها لدى الشابى . فكما أن الحالم يرى رؤى ، فانه يقع للفنان ما يقع للحالم اذ أن عملية الخلق الفنى - كما بدت لنا لدى الشابى خاصة - هي حالة «  تكشف لا شعورى » تقع اثناء استغراق لاواع تقوم فيه الحواس الباطنية وخاصة الخيال ، بوظيفتها . فالحلم اذن ، هو الذي يفسر لنا طبيعة ذلك التكشف اللاشعورى . وذلك الاستغراق اللاواعي عندما تنشط حواس الادراك الباطنية وتتحرك " عين الخيال الحادة " لدى الشاعر ، فيرى رؤاه التى هى فى واقع الامر تلك الشحن التى ينفثها اللاشعور فى منطقة ادراكات الشاعر . او الفنان عامة ، فيترجمها في الرموز التى تحويها الصور ذات الدلالات البعيدة العميقة . واننا لنجد في طرق العديد من الفنانين ، التى كانت تتم بها أعمالهم الفنية ، ما يؤيد هذه النظرية : فهذا « هوسمان » يخبرنا عن الطريقة التى كتب بها أشعاره الخاصة ، فيقول : ) أننى أعتقد أن انتاج الشعر عملية فيها من الانتباه أقل مما فيها من الغفلة اللا ارادية " (14) أما « قوته » ، الشاعر الالمانى ، فقال انه كتب أحسن قصصه فى أثناء فترة نوم حالة غريبة يقارنها بحالة النائم في أثناء السير .(14) واننا لنجد أيضا فى مذكرات الشابي نصا - يتحدث فيه عن «  أعمال العقل الباطن فى الحلم » - يفسر به هذه الظاهرة . والطريف كذلك ، أن الكبت سيحدث اثره فى هذا الحلم الذى سيرويه الشابى ، وهو ما يؤيد نظرية الكبت الفرويدية . يقول « قال صاحبى انه حل مسألة هندسية غامضة فى نومه ، مع أنه لم يستطع حلها في يقظته ، رغما عن تفكيره فيها اسبوعا كاملا . فحدثته أنا عن نظمى الشعر فى المنام وقصصت عليه أنى نمت مرة فرأيت منظرا غاية فى الروعة والبهاء وسحر الجمال ، دفعنى الى أن أقول الشعر فيه . رأيت أولا أن فى الافق قطعا من الغيوم منشورة ويحيط بكل قطعة اطار من نور كلون الشفق ، ثم تلاشى هذا المنظر . فاذا بى فى قصر منفرد وبجانبى غادة رعبوب مرخاة الذوائب وعلى السماء حجاب من غمامة كثيفة بيضاء . ثم أنهل المطر من السماء وفاض من الارض ، ولكن بكيفية غريبة لم اشاهدها ولن اشاهدها . ذلك ان السماء لم تكن تمطر مطرا عاديا ، ولكنه مطر يشابه رغوة الموج في بياضه . وكانت الارض تفيض بمثل تلك الامواج التى تخالط ما تنزله السماء فكان من

لاختلاطهما منظر عجيب رائع لا استطيع أن اصفه ولا ان انساه »(15). وهكذا نلاحظ أن لا فرق ، فى الواقع ، بين العالمين : عالم الاستغراق اللاواعى - فى اليقظة - أو عالم الحلم ، اذ كلاهما «  حلم » أولا ، ثم الشاعر يرى رؤى ، فى كليهما ، ثانيا . ثم انه يمكن له فى كليهما أن يقوم بعملية الخلق الفنى . وهذا التطابق ذاته ، ينتهى بنا مرة أخرى الى تقرير حقيقة كنا من الاول قد طرحنا مسألتها ، وهى " تلقائية الشكل التعبيرى " أثناء القيام بعملية الخلق فكما أن الاحلام تكون تلقائية ، سواء اكانت أحلام يقظة ، أم كانت احلاما اثناء النوم ، وكما أن النوازع الجنسية تطفو تلقائيا على سطح منطقة الوعى ، بعد أن تكون قد انفصلت عن منطقة اللاشعور ، فان « أحلام » الفنان كذلك - والشاعر ، خاصة - يمكن لها أن تكون تلقائية . سواء اكانت في اليقظة أم فى النوم ، خاصة وان اللاشعور لا يستشيره اذا اراد ان ينفث فى منطقة ادراكاته شحنات من " النوازع " فى شكل صور ورموز . وقد كان الشابى ، كما ذكر ذلك السنوسي ، يفيض عليه الشعر مهاجمة تمنعه الراحة والنوم وقد ذكر الشابى نفسه ، فى احدى رسائله الى الحليوى بأن الشعر " فيض " اذ يقول : " أما أنا فلا افهم من الشعر الا انه فيض الحياة في ايقظ ساعاتها وأحفلها بنوازع الفكر والشعور . وكما أن السحابة العابرة قد تسيل السيول وقد تقطر القطرات ، كذلك الشعر "(16) فعملية " الفيض " هذه التى تتم فى أيقظ ساعات الحياة واحفلها بنوازع الفكر والشعور ، والتى تذكرنا بعملية " الفيض " فى الفلسفة الاشراقية الافلوطينية ، لا يستنزلها الشاعر استنزالا او يتكلفها تكلفا ، انما هى كالسيل اذا فاض عن السحابة » فكلاهما تلقائى ، عفوى ، لا اصطناع ولا تكلف فيه . ولا أعتقد أن الشابى قد ذكر ما قاله هنا دون ان يقصد تجربته الخاصة .

وهكذا نلاحظ أن الشكل التعبيرى لدى الشابى ، تلقائى ، لا أثر لارادة الشاعر فيه ، انما يفرض نفسه فرضا ، اذ يتم تبعا لتطورات الشاعر النفسية التى لا يستدعيها ولا يصطنعها ، والتي تحرك كوامنه ونوازعه الهاجعة فى منطقة اللاشعور ، فيكون «  الحلم  » الذي تنشط اثناءه حواس الشاعر الباطن فتعين على ابراز تلك الكوامن واظهار تلك النوازع الى منطقة الادراك « فيضا » غميرا اذا اشتد نشاط الحواس الباطنية ، حتى تكون الرؤيا صافية واضح او «  بعض القطرات » التى لا تترك اثرا ، إذا ضعف نشاط تلك الحواس فتكون الرؤيا ضبابية مبهمة . واذ عرفنا الآن طبيعة العمل  الشعرى لدى الشابى ، فانه علينا ان نتساءل : ما هى أسباب تلك التطورات النفسية التى تحدث فى محيط الشاعر ، ولماذا تتمخض تلك الكوامن والنوازع عن عمل فنى خالد ، ولا يتسنى ذلك لجميع الناس ؟ ذلك هو موضوع الحلقة القادمة من هذه الدراسة .                                                                        - يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية