من المصلحين الاجتماعيين والادباء الذين ظهروا فى النصف الاول من القرن العشرين الاستاذ محمد كرد على ذاك الذى ترك لابناء اللغة العربية ثروة هائلة من نتاجه الفكرى تمثلت فى كتبه " اقوالنا وافعالنا " و " الاسلام والحضارة العربية " و " غرائب الغرب " وغيرها
وانى اذ احاول استعراض لمحة وجيزة عن كتابيه الاخيرين ارانى اأأؤدى واجبا نحو شخصية عظيمة كان لها تأثير كبير فى توجيهنا نحو الحياة المثالية
و لعل المطالع لكتاب " الاسلام والحضارة العربية " يشاركنى الى حد ما فى الاعجاب بهذه التحفة الرائعة التى حلى بها الاستاذ كرد على صدر التاريخ الاسلامي والمجد العربي بما قدمه فيها من حجج دامغة تخرس الاعداء وتفيد المنصفين
وانت تستطيع ان تسير معى فى تصفح بعض مقالات هذا الكتاب لنريك الحقائق التى تعرض اليها الكاتب بشىء من النزاهة والصدق احيانا ، وشىء من التحمس والاندفاع احيانا اخرى ، همه الزج بك فى مجاهل تاريخ اجدادك الصناديد حتى تشعر بالنخوة العربية ، والعزة الاسلامية ، وحتى ترفع رأسك معتزا بماضيك المجيد ، محاولا بعثه من جديد . وانى اخشى عليك ، كما ارجو منك ان لا تنقم على المرحوم كرد على اذا تتبعت معى مقالا له بعنوان " مبدأ تمثل العرب للحضارة " ووجدته صريحا فيه الى حد بعيد ؛ فى تبين بعض عيوب اجدادك ونقائصهم ، خاصة قوله : " ولما ملك العرب فارس والروم واستخدموا بناتهم وابناءهم لم يكونوا على رأى ابن خلدون فى شىء من الحضارة فقد زعم انه قدم لهم المرقق فكانوا يحسبونه رقاعا للكتابة وعثروا على الكافور فى خزائن كسرى فاستعملوه فى عجينهم ملحا ، وامثال ذلك . "
الا انى اعتقد بأن غلواءك سيخف اذا وصلت لقوله : " . . . ومع ما حصل لهم من اتساع العيش والتفنن فى احواله فبلغوا الغاية فى ذلك وتطوروا بطور الحضارة والترف فى الاموال واستجادة المطاعم والمشارب والملابس والمبانى والاسلحة والفرش والآنية . "
ويمضى بك الاستاذ فى هذا التطور العجيب الذى حققه العرب فى شتى ميادين الحياة ويورد لك ما قاله احد امرائهم على المنبر وقد رأى الناس تلبسوا
قال : " واحسنناه واجمالاه ! بعد العدم والسدم من الادم ، والبرود العوتكية اصبحتم زهرا واصبح الناس غيرا ، واصبح الناس يعطون وانتم تأخذون واصبح الناس ينتجون وانتم تركبون ، واصبح الناس ينسجون وانت تلبسون . " وينتهى بك الاستاذ الى آخر المقال فيختمه بقوله : " . . حتى جاء الله عز وجل بالاسلام فورثكم به الكتاب ، واحل لكم به دار الحباء ، ووضع لكم به من الرزق ، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس ، وبالاسلام اعطى الله ما رأيتم . فاشكروا نعمه ، فانه ربكم منعم يحب الشاكرين . "
ثم انك اذ تواصل مطالعة الكتاب تخال نفسك فى محاضرة فيها حوار ومجادلات عن فضل الاسلام ، وفيها ردود عنيفة على من ينكرون الحضارة العربية من المستشرقين كل ذلك بأسلوب عربى مبين بذل فيه الكاتب جهودا جبارة سواء من حيث البحث والجمع والنقد ، او من حيث الاداء اللغوى وربط المواضيع والمقارنة .
ولعل مقاله عن تأثير العرب فى الغرب يمثل سلسلة ذهبية فى هذا النوع من الكتابات الدفاعية . والغريب انه نقله عن كاتب مسيحى متعصب ( غوستاف نوبون ) رجع الى جادة الصواب وتكلم بصراحة عن الحضارة العربية معترفا بمالها من تأثير عظيم على بعث الحضارة الغربية الحديثة من حيث العلوم والأدب والاخلاق ، ومقارنا بين تقدم العرب الحضارى باسبانيا فى القرنين التاسع والعاشر ، وتأخر الغربيين فى ذلك العهد . اولئكم الذين كانوا يفاخرون بأنهم أميون لا يكتبون ولا يقرؤون . ثم اهتدوا بهدى الحضارة العربية فسعوا لنقلها والسهر عليها . ثم بنوا عليها نهضتهم الحديثة الجبارة . فالفضل اذن للاساتذة الاولين من غير منازع .
وهكذا فان كتاب " الاسلام والحضارة العربية " تحفة فى موضوعه ، فريد فى نوعه ، وحجة ينبغى لنا ان نعتزبها ونقرع بها الخصوم المكابرين .
اما كتابه غرائب الغرب فيمكن لنا ان نلحقه بنصائح او توجيهات كرد على ؛ ذلك لانك اذا طالعت الكتاب ادركت مباشرة ما يرمى اليه الكاتب ؛ فهو اذ
يسرد لك بعض العادات الغربية او التقاليد او الاخلاق ، او المعاملات او المبادى والمثل تشعر من طرف خفى بدفعه اياك الى الاخذ ببعض الاسباب التى تنماشى مع حياتك ولاتخالف معتقداتك . وتتحقق من هذا اذا تأملت فى قوله عن سويسرة مثلا : " . . . وكان الدين ثم اللسان شعار الوطن الاصغر . . .
ثم امتزج اهل كل دين وكل لسان امتزاجا فى البلاد فلم ينشأ فى سويسرة مشاكل تذكر كما نشأ فى بعض البلاد التى تنازعتها البروتستانية والكاثليكية والارتوذكسية . والاسرائيلية . " اذا تأملت هذا تحققت مما يرمى اليه اذ ان الشرقيين او الشاميين بالاخص عندهم هذه المذاهب كلها . الا انها كانت متناحرة متقاتلة يعادى بعضها بعضا .
ولا يقف الاستاذ عند هذا الحد بل يتعرض للفرق الاسلامية نفسها فيقول : " . . . او مذاهب اهل السنة والشيعة فى الاسلام " ثم هو يتعرض لاخلاق الغربيين وعدم اتكالهم على الغير آخذا فى ذلك بمنهج كتابه " اقوالنا وافعالنا "
الا اننا نلاحظ عن هذا الكتاب مسحة التكلف والاجهاد احيانا ؛ فلغة الاداء لم تكن راقية رقيها فى كتابه " الاسلام والحضارة العربية " ولعله الف هذا الكتاب كمذاكرات سجلها اثناء زياراته المتكررة لاوروبا وفى ازمان متباعدة .
ثم ظهر له جمعها فى كتاب " غرائب الغرب " فجاء فيها شىء من الارتجال المضطرب . وشىء من التفكك اللغوى .

