إن تفسيرنا لتلك القدرة الإبداعية الخارقة لدى الفنان - والشاعر خاصة - على أساس أنها إلهام ، وإن الشعر (( هبة )) تمنح للشاعر من أعلى ، قد يجعل الذين يؤمنون بأن عملية الخلق الفني (( عادية )) يتهمون الشعراء (( الملهمين )) بأنه ما دام الامر كما ذكرنا فإنه لا فضل لهم فيما يكتبون . فهم على غرار الانبياء الذين يتشبهون بهم ، ليسوا سوى (( واسطة )) بين عالم الغيب والعالم الخارجي . وهذا الإتهام مردود ، بالطبع ، أصلا ؛ لان فضل هؤلاء الشعراء كفضل الانبياء ، يتمثل في كونهم (( الصفوة )) الذين بلغوا مرتبة تخول لهم أن يكونوا مصطفين دون غيرهم من البشر . ولكن القضية ، في الحقيقة ، تتجاوز حدود هذه النظرة البسيطة ، في جوهرها . فليس من محض الصدفة أن يكون الفنان المبدع (( ممتازا )) عن غيره من البشر . فهناك أسباب وبواعث لا يمكن تجاهلها . وليس من محض الصدفة كذلك أن يكون الفنان المبدع عبقريا . فهناك مكونات لعبقريته تلك لا تتوفر لدى غيره من الناس . وقد سبق أن قلنا أن هناك تطورات نفسية ( Evolutions Psychiques ) تتفاعل مع كوامن الشاعر ونوازعه اللاشعورية ، فيتولد عن ذلك التفاعل ما ندعوه (( الانفعال )) ( Emotion ) ، الذي يتولد عن ذات الشاعر في تلك اللحظة الاستغراقية اللاشعورية ، أثناء تلك الغفلة اللاإرادية ، التي ذكرناها سابقا . وقد تساءلنا في نهاية الحلقة الاولى عن أسباب تلك التطورات وبواعثها . أو بعبارة أخرى عما يجعلها حادة المفعول حتى تكون قوية الاثر على تلك النوازع والكوامن
حتى يكون ذلك التفاعل ، الناتج عن إحتكاك الإثنين ، والذى حللنا كيفية حدوثه في الحلقة الاولى ، إيجابيا . وسنتقصى في هذا البحث تلك الاسباب والبواعث لدى الشاعر من خلال تجربة الشابي ، ما دام هو محور بحثنا هذا .
لقد كانت الرومانتيكية تدعى في القرن التاسع عشر (( بمرض العصر )) ( Mal du siècle ) . وهذه النظرة غير بعيدة عم كان ينعت به الشعراء من أنهم (( مجانين )) . وذلك يعود إلى الزعم السائد عن علاقة الشاعر بالجن ، والشياطين . وليس ذلك المرض الذي ينعت به الشاعر مرضا عقليا . إنما هو محاولة لتفسير تلك المقدرة الإبداعية الخارقة . غير أن الفاصل - الدقيق - بين (( مرض العصر )) - الرومانتيكية - وبين مرض الشاعر عامة وهو مرض نفسي باطني ، هو أن ذلك ممتد الجذور ، عميقها ، في المكان المقيس ، في الواقع - العالم الخارجي - ، أما الآخر فممتد الجذور عميقها في المكان النفسي ، في أعماق النفس الإنسانية ، في العالم الباطني . وما يعنينا هنا إنما هو هذا المرض النفساني ، إذ سيكون بحثنا للمرض الآخر في موضع آخر من هذه الدراسة ، ولكن بعد أن نلاحظ بأن توفر مرض منهما لدى شاعر ما كفيل بأن يخلق منه فذا . فكيف به إذا توفر لديه مرض ثالث زيادة على الإثنين الآخرين ، وهذا الثالث هو المرض الجسماني - البدني - ، مثل الشابي ؟ ولكن لا يخفى كذلك أن من العباقرة من كان مجنونا حقا ، مصابا بحالة مرضية في قواه العقلية ، ونذكر على سبيل المثال الشاعر الفرنسي - الرومانتيكي - نرفال (Nerval) . حتى سمي جنونه بجنون العبقرية ( Folie Génie ) . وقد نعت من قبله بلايك ( Blake ) بالجنون . ولا ندري ما إذا كان الشابى صادقا أم لا عندما يحدثنا في قصيد (( النبي المجهول )) بأنه رمي بنفس التهمة . غير أننا نعلم ، من خلال رسائله ، أنه كان يبلغ حالة من حالات الانفعال حتى يخاف على نفسه الجنون ، كقوله في الرسالة التاسعة والعشرين (ص 132) : نمت معذب النفس مهموم القلب ثم
استيقظت نحو الساعة الواحدة بعد منتصف الليل فلجت بى الآلام وضربت بي في كل سبيل حتى لقد كاد رأسى ينفجر ، وأحسست أني لابد مشف على الجنون لو دام بى ذلك الحال إلى الصباح )) . وهذه الحالات العاصفة كثيرا ما كانت تعتريه ، غير أن ذلك كله لم ينته به إلى الجنون ولا إلى مرض عقلي . فقد كان صحيح العقل ، سليمه ، حسبما لدينا من القرائن . ولكن من المؤكد كذلك أن حالة الشابي العقلية ، أو بالاحرى حالته النفسانية ، لم تكن طبيعية ، فقد كانت تنتابه سورات من الغضب العنيف يشعر خلالها (( بالنرفزة )) الحادة التي لا تتماشى وما عرف عنه من هدوء ووداعة . وقد حدثنا عن إحدى تلك الحالات في المذكرة الاخيرة (بتاريخ الخميس 6 فيفري 1930 - ص 88/87) ، فقد أثار غضبه حدث بسيط ، بل تافه . فقد أراد ورفقته تسخين السحور - في رمضان - ولكنهم لم يجدوا البابور ، وكلف ابن عمه بالبحث عنه خارج الدار فلم يجده أيضا (( ثم اندفعت عليه ضربا وشتما في ثورة الغضب العنيف .
ثم أفاق أخو الخطيبة ، فأعطيته حقه من الشتم والتقريع . ثم سكت سكوت الغاب إثر العاصفة ... )) . بل إنه يذكر لنا بوضوح في مذكرة أخرى أنه (( عصبي )) . وذلك عندما تحدث في المذكرة المؤرخة بـ 18 جانفي 1930 (ص 61 من المذكرات) عن تعيينه في إحدى الدوائر العدلية مثل زملائه الآخرين - وهم طلبة في السنة الثانية من الحقوق - فقد وزعوا بصفتهم معينين للكتبة ، كمتربصين يقومون بأعمال تطبيقية - يقول : (( ... إنفردت أنا وصديق لي ببيت خاص نعمل فيه وحدنا . فابتهجت كثيرا ، إذ أن أبغض شيء إلي هو أن أبقى إلى جانب الرئيس الذي ربما لا تلائم نفسه نفسي ، ولا توافق أخلاقه طباعي ، ربما كان متكبرا يحب السيطرة والعنف ، وأنا رجل عصبي لا أحتمل الذل ، ولا أستطيع أن أخمد غضبي ، فتتجلى الثورة عن شيء جميل جدا ... الله أدرى بنتائجه !.. ))
وهذه الحالات غير الطبيعية لدى البشر عامة ، هي من دلائل هذا المرض النفسانى . وبمعرفتنا لطبيعة هذا المرض - لدى الفنان خاصة ، ولدى الشاعر بصفة أخص - يمكن لنا أن نعرف كيفية أثره على تلك (( التطورات النفسية )) ، وبالتالى تأثيره على القدرة الإبداعية .
ومن المحاولات الناجحة التي بذلت قصد تفسيره ، في علم النفس الحديث ، نجد محاولتي (( زاخس )) و (( ترلنج )) (17) . فقد إنتهى بهما البحث - في قضية مرض الفنان - إلى أنه توجد لدى الفنانين عامة صفات مرضية . وهي صفات تمكننا من القول مطمئنين بأنها مكونات هذا المرض النفساني الذي يعانيه الفنان ، وخاصة الشاعر ، وبصفة أخص - كما سنرى - لدى الشابي . وأهم هذه الصفات المرضية ، إثنتان ، وهما : (( العصابية )) ( Neuro ) (Ticism ، و (( النرجسية )) ( Narcissism ) . والصفة الاولى هي التي تهمنا الآن ، لانها المكون الاساسي لمرض الشابي ، أولا ، ولاننا سنحتاج إلى الاخرى في غير هذا الموضع من هذه الدراسة . فمن هو الشخص العصابي ؟ هو ذلك الشخص الذي (( يخضع في صورة غير واعية لنظام يقلع فيه عن بعض المتعة أو القوة ، أو هو ينزل
بنفسه الالم كيما يضمن نوعا آخر من القوة أو نوعا آخر من المتعة )) (18) . وهذه الحالة الشاذة التي نجدها لدى أى شخص عصابي كان ، تشعرنا بإنفصال العصابي عن الواقع . فالعصابية إذن ، هي شكل من أشكال الحلم ، يتمتع فيه المريض بما يعانيه من الالم الذى يستنزله ، أو يتقوى بما يعانيه من ضعف ، ينزل به . فهي مرض نفساني ، باطني . ولعل ذلك يعود إلى ما ذكره (( ترلنج )) من (( أن العقل فى المراحل الحضارية الراقية نسبيا ، يبدو أنه أخذ ، في بساطة ، بالإعتقاد في أن الالم والتضحية يرتبطان بالقوة )) (18) . تلك هي حال العصابي . فهل هناك من علاقة سببية بين هذه العصابية وبين إنتاج الشاعر ؟ من بديهى القول أن توجد علاقة سببية بين عصابية الشاعر وبين ما يبدعه
إذا كان مصابا بهذا المرض حقا . وهذه العلاقة تتمثل خاصة فيما يسمى بـ (( المعاناة )) . فكل من الفنان والمريض العصابي (( يعانى )) عند التجربة . (( فعندما تنتهب نفس الشاعر الآلام يجد عوضا عنها تلك اللذة التى يستمتع بها وهو فى نشوة الوحى . وفى هذه النشوة يكمن مرض الشاعر ودواؤه . ولا بد أن يعنى هذا أنه بسبب تلك الآلام كان الوحي ، ومع الوحى كانت النشوة . أي أن المعاناة كانت السبيل إلى الوحى ، أى إلى الإبداع ، وكان الإبداع وسيلة لإخضاع تلك الآلام والتلذذ بها . فلولا الآلام ما كان الوحى ، ولو لا الوحي ما كانت اللذة )) (19) . وزيادة على هذه العلاقة الظاهرة ، فإنه توجد أسباب أخرى تجعل من هذه العلاقة أكثر إمكانا ، وذلك إذا علمنا بأن هناك من المرضى من العصابيين من الناس من هم ذوو مقدرة على رؤية أجزاء معينة من الواقع ، بل ويرونها في قوة أكثر مما يستطيع غيرهم . وذلك عائد إلى قدرتهم على الفهم ، التي تفوق قدرة الناس العاديين . بل إن كثيرا من (( مرضى العصاب أو العقل يكونون في أحوال بعينها أقرب صلة
بوقائع اللا شعور من الناس السويين )) (20) . فكل هاته الدلائل تشير إلى وجود تلك العلاقة السببية بين العصابية وبين إبداع الفنان . ومن الطريف أن نعرف بعد ذلك ، في بحث الدكتور عز الدين إسماعيل إنه لا وجود في الحقيقة لأي علاقة سببية بين هذه القدرات وبين عصاب الفنان ! بعد هذا الدفاع الطويل ! (( فمع التسليم بأن الشاعر عصابى على نحو فريد ، إلا أن قدرته على استخدام عصابيته ليس بالتأكيد عملا عصابيا ، وهو لا يوحى إلا بالصحة . فالفنان يشكل أخيلة ، ويجعل لها شكلا وأصلا إجتماعيا . )) (20) . وهذا ما يؤكده (( شارلز لامب )) في دفاعه عن سلامة العقل في العبقرية (( الصادقة )) إذ يعتبر (( إن الشاعر يحلم وهو
يقظان . فلا يتسلط عليه الموضوع وإنما يسيطر هو عليه . )) وهذا يعني بالطبع (( أن الشاعر يتحكم في خياله ، في حين أن المميز الصحيح للعصابي هو أن خياله يتسلط عليه )) (21) .
ولكن هذا الرأي يبدو على غاية من الخطإ ، إذا كان الامر يتعلق بالشابي . فما عرفناه عن الشابي يؤكد التأكيد البات وجود تلك السببية بين عصابه وبين قدرته الإبداعية ، رغما عن أنه لم يكن مصابا بمرض عقلي ، ولم يكن مجنونا . ولتدعيم ما نذهب إليه ، يتحتم علينا الرجوع طبعا إلى آثار الشابي نفسه ، وإلى حياته . فزيادة على ما عرفنا عنه سابقا من أنه لم يكن في حياته فى حالة طبيعية - نفسانيا - فإن عملية الخلق الإبداعي لديه تؤكد لنا أيضا وجود تلك العلاقة بين عصابه وبين قدرته الإبداعية . فقد رأينا عندما تعرضنا لطبيعة عملية الخلق الفني لديه أنه لم يكن يستنزل الشعر استنزالا ، بل كان يهاجمه مهاجمة تمنع عنه الراحة والنوم ، أي أنه لم يكن يشكل أخيلته ويجعل لها شكلا وأصلا إجتماعيا ، ولم يكن يتسلط على خياله ، ولم يكن يتسلط على الموضوع ، إنما كان الخيال وكان الموضوع يتسلطان عليه ويفرضان عليه نفسها ، رغم أنه كان يحلم وهو يقظان . ولمخالفة الرأي الاخير الذي يراد به نفي العلاقة السببية بين عصابية الشاعر وقدرته الإبداعية ، بصورة قطعية ، يمكن لنا العودة إلى ما كان متوفرا لدى الشابي من عصابية حقيقية - هي عنصابية الشخص العادي - ومن عصابية خاصة ، هي عصابية الفنان . فقد كان مصابا بالمرضين . وهذه الحالة التي غفل عن وجودها ، أو حتى إمكانية وجودها ، (( شارلز لامب )) ومثله عز الدين إسماعيل ، لم تكن مقتصرة على الشابي ، فقد توفرت لدى غيره ، مثل نرفال (Nerval) . فإذا كان الشخص العصابي (( هو الذي يخضع في صورة غير عادية لنظام يقلع فيه عن بعض المتعة أو القوة ، أو هو ينزل بنفسه الالم كيما يضمن نوعا آخر
من القوة أو نوعا آخر من المتعة )) ، كما ذكرنا أعلاه ، فإن هذه الحالة تنطبق على الشابي . لقد كان في حياته يعاني هاته الحالة ؛ أو هاته الصفة المرضية . وهي صفة من صفات العصابي التي ذكرنا منها لدى الشابي صفة (( النرفزة الحادة )) ، نتيجة شعوره بالالم الحاد الذي يعانيه ويمزق ذاته . لقد كانت عصابية الشابي حقيقية لانها كانت نتيجة واقع مؤلم كان يعيشه بأعصابه . كان واقعه سبب ألمه ، أي سبب عصابيته . أو بعبارة أخرى كان مرضه الثاني - مرض الرومانتيكيين - (وهو ما كان يدعى (( بالسأم )) (L'ennui) ، وسيتطور ونراه أعنف لدى الشابي إذ أصبح (( قلقا وجوديا )) ( Angoisse ) ، وهو مرض القرن العشرين .) . كان سبب مرضه العصابي . ونقصد المرض الحقيقي ، لامرض الفنان عامة ، لان مرض الفنان طبيعي فيه ، أما مرض الشابي فزيادة على طبعيته ، فقد كان ناتجا عن واقعه الذي يعيشه . والواقع الذي يعيشه كان يؤلمه ويشعره بقلق وجودي ، لانه قد امتاز برهافة الحس ورقة الشعور الحادة . وهما ، كما ذكر هو نفسه سبب شقائه :
(( والشقي الشقي من كان مثلي في حساسيتي ورقة نفسي ))
وليس قصدنا هنا هو البحث في هذا القلق الوجودي وبواعثه ، لاننا سنخصه بالبحث في موضع آخر من هذه الدراسة . ولكن قصدنا أن نقرر مسبقا أن لهذه الظاهرة في حياة الشابي النفسية أثرا على عصابيته . أي أننا قبل أن نبحث في طبيعة العلاقة بين مرض الشاعر ، النفساني والوجودي ، سنبين أثر هذه العلاقة في عمل ( L'oeuvre ) الشاعر الإبداعي ، (( فمرضه الوجودي )) كان يجبره على أن يخضع لذلك النظام الذي يخضع له الشخص العصابي . فكان ، في صورة غير واعية ، ينزل بنفسه الالم كيما يضمن نوعا آخر من القوة أو نوعا آخر من المتعة . واستنزال هذا الالم لم يكن مباشرا . إذ أن هذا الالم ينزل به عادة عندما تنتابه (( النوبة الشعرية )) أو فيما يحيط به من ظروف . وهذه النوبة لم تكن تنزل
به بإرادة منه . فقد كانت تهاجمه وكان يتلقاها مكرها . كانت تلك النوبة هي النظام الذي يخضع له - شأن الشخص العصابي - دون إرادة منه . كانت تنزل به رغما عنه ، وكان بإمكانه الإستغناء عنها ، ولكنه كان في قرارة نفسه ينتظرها ! أي أن ذلك الكره الذي يكون عليه عند نزولها به، ما كان ليمنعه من إنتظارها ! ومن ذلك كانت طبيعة الإستنزال لهذا الالم الذي يريده لنفسه مكرها . والواقع أن تلك هي طبيعة كل شاعر (( ممتحن )) يعرف أن اللذة أو النشوة تكمن وراء آلام الوحي . فالآلام التي تنتهب نفسه أثناء (( النوبة )) يجد عوضا عنها تلك اللذة التي يستمتع بها في نشوة الوحي . فتلك المعاناة هي السبيل إلى الوحي . والوحي وسيلة لإخضاع تلك الآلام الناتجة عن المعاناة والتلذذ بها . فالوحي نتيجة الآلام . واللذة نتيجة الوحي . فذلك هو السبب الذي جعله ينتظر ذلك الالم الذي لا يريده ، ويخضع لتلك الحالة التي يهابها ويخشاها .
ومن تلك الحالات ، حالات المعاناة ، التي كانت تنتابه ، إثنتان أوردهما لنا المرحوم زين العابدين السنوسي في كتابه عن الشابي . الاولى رواية عن زوجته - زوجة السنوسي - والثانية رواية عن أخي الشاعر ، الاستاذ الامين الشابي . ذكر السنوسي أن زوجته رأت الشابي مرة أثناء (( المعاناة )) فقالت له : (( كنت أراه من خلال البلكون (الشرفة) وهو لا يحس بمن يدخل أمامه ومن يخرج من الجنينة ، يتأمل ماء الجابية ... ثم تراه يتمتم دون أن يسمع له صوت ... ثم يعود إلى الوجوم ... ولكنه يفكر ويجتهد ... ولم يبتسم إلا مرة واحدة . ثم رجع لتجهمه وتفكيره ... لو أعطونى الملايين ما رضيت أن أكون شاعرا فأتحمل كل ذلك الوجوم وشرود البصر .. )) (22) . أما الحالة الثانية فهي التي ذكرها شقيق الشاعر للمرحوم السنوسي . قال : (( كان يعتلج في ضائقة صدرية من ذات القلب . قد فزعت لها أمه وزوج الشاعر . عندما كان أبو القاسم يخزر
لهم بعينين لا ترجوان معونة من أحد إلا من قلبه لو استعاد اتزانه . نوبة دامت ساعتين يقلب فيهما وجهه ولا ينبس إلا بقطرات من العرق تتلألا على وجهه بالجهد الذى تبذله الحياة لتحقيق وجودها . ونحن نشرئب لنغيثه بشيء يطلبه ... ساعتين من هذا الفزع الجهيد تقريبا ... ثم هجعت النوبة إذ لان وجهه ورأينا عينيه تطمئناننا عن فوزه بالراحة . وبالفعل ، هيؤ وبدأ يسوي ثيابه ورقبة قميصه . ثم تكلم منشرحا صوته إنشراح من حط وزره ونزع الحمل الجهيد . وبادرنا للاستجابة لامره مغتبطين . (( - أعطني ورقا ، والقلم من جيب فرملتي )) . فلقد أخذ يكتب حالا . أذكرها الآن ، فهى هاته القصيدة (إلى الله) (23) . (أنظر تقديم قصيد إلى الله ، في الديوان ، ص 145) . فهذه الحالة ، كما نرى ، مؤلمة ، مرهقة حقا ، تجلب له من الالم الشديد ما يهد أعصابه وجسمه الضعيف . تلك هي حالة المعاناة ... ولكننا نلمس تلك الحالة مجسمة أكثر ، مع كل ما يعتريه أثناءها من الالم والعذاب المضني ، في رسالة من رسائله إلى الحليوي . يقول له : (( ولكنى على كل حال قد ربحت فى تلك الازمة النفسية التي مرت بي قصيدا هو (( نشيد الجبار )) فإني في ليلة من ليالي هاته الازمة النفسية المرهقة ، ولعلها ليلة كتبت لك رسالتى الاخيرة ، نمت معذب النفس مهموم القلب ، ثم إستيقظت نحو الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ، فلجت بي الآلام وضربت بي في كل سبيل ، حتى لقد كاد رأسي ينفجر وأحسست أني لابد مشف على الجنون لو دام بي ذلك الحال إلى الصباح . وتطورت نفسي فى غمرة الالم . فبعد أن كانت معذبة باكية في ظلمة أحزانها تكاد تجن من الاسى ، إنقلبت ثائرة هائجة واثقة من نفسها ساخرة
بالقدر والداء والاعداء وكل آلام الحياة . وتحت تأثير هاته الحالة النفسية نظمت (( نشيد الجبار )) . فذابت آلام نفسى وشعرت بالحرية والانطلاق كأنما ألقيت عن منكبى عبئا ثقيلا يهد القوى . )) (24) . إننا نتبين من خلال هذه الفقرات الثلاث التى تتحدث عن حالة المعاناة لديه ، وخاصة من الفقرة الاخيرة ، مدى ما كانت عليه عصابيته من العنف . وهذا العنف هو النتيجة الحتمية لما كان يستشعره من الالم . وهذا العنف هو الذى يؤكد ما كان مجتمعا في الشابي من عصابية الفنان وعصابية المريض العادي . فقد كانت هاته الحالات - حالات المعاناة - لا تمر به بسلام . فهي دائما مصحوبة لديه بضروب من الالم المبرح والعناء المضني ، حتى إنه ليشفي على الجنون ، كما ذكر ، أو يشفي على الموت ، كما توحي بذلك حالته الصحية ، أثناء تلك الحالة . ولكنه - كما يفعل العصابي العادي - يخضع نفسه لهذا النظام القاسي العنيف الذي يرهقه . يخضع نفسه للالآم التي تنتهبها ، وهو في ساعة الوحي . ولكن كيف يكون التلذذ بتلك الآلام ، وكيف تكون النشوة - نشوة الوحي - التي لولا تلك الآلام ما كانت ؟ ليس من العسير تبين ذلك ، خاصة من خلال ما أورده أخوه الامين الشابي عن معاناته أثناء نظم قصيد (( إلى الله )) وما أورده المرحوم زين العابدين السنوسي عن طريقة كتابته للشعر ، وما أورده هو نفسه في آخر تلك الفقرة المقتطفة من رسالته إلى الحليوي . فقد وردت في آخر ما رواه أخوه - الامين - كلمة تبين لنا السبب الذي جعله ينتظر هذه النوبة - نوبة الوحي التي تؤلمه - كقدر محتوم . يقول : (( ثم تكلم منشرحا صوته إنشراح من خط وزره ونزع الحمل الجهيد . )) أما السنوسي فيقول : (( ... ولا تفارقه تلك الحال (النوبة) حتى يستفرغ ما جاش بضميره شعرا محكما ، ثم ينام مطمئنا كأنما نزع عن ظهره عبئا )) . أما هو فقد رأينا له قوله : (( وتطورت نفسي في غمرة الالم ، فبعد أن كانت معذبة باكية في
ظلمة أحزانها تكاد تجن من الاسى ، إنقلبت ثائرة هائجة واثقة من نفسها ساخرة بالقدر والداء والاعداء وكل آلام الحياة . وتحت تأثير هاته الحالة النفسية نظمت (( نشيد الجبار )) ، فذابت آلام نفسي وشعرت بالحرية والإنطلاق كأنما ألقيت عن منكبى عبئا ثقيلا يهد القوى )) . فذلك (( الحمل الجهيد )) الذي ذكره محمد الامين الشابي ، وذلك (( العبء الثقيل الذى يهد القوى )) - الذي ورد ذكره لدى الشاعر ، ولدى صديقه السنوسي - هما نفس الكابوس الثقيل المضني المرهق الذي تحدثه له آلام المعاناة ساعة الوحي ، أثناء النوبة . أو هما مجموعة الآلام المرهقة المبرحة التي تشفي به على الجنون أو الموت ، والتي ذكرها في رسالته لصديقه الحليوي . فذلك العبء الثقيل ، الذي يهد القوى ، يخلف له راحة وطمأنينة ، إذن ، عندما يزول ، أو فوزا بالراحة وانشراح من حط وزره ونزع الجميل الجهيد ، كما ذكر محمد الامين الشابي للسنوسي . فذلك (( الفوز )) وذلك (( الإنشراح )) ، هو ما كان الشاعر يسعى لتحقيقه عقب تلك المعاناة المضنية . ولا يخفي ما في ذلك (( الفوز )) وذلك (( الإنشراح )) من شعور بالسعادة والغبطة - غبطة الوجود - . فهي حال مؤلمة تعقبها راحة وطمأنينة نفسيتان يرجعان أنغام نفسه إلى إتزانها وآفاق روحه إلى صفائها وأمواج إحساسه إلى هدوئها . وهذه (( السعادة )) الروحية التي تتحقق له هي تلك النشوة التي تتحقق للعصابي من آلامه .فهو قدتلذذ بذلك الالم الذي أراده لنفسه، مكرها، وهكذا نرى انه استشعر الألم ، إذ استنزله ، وهو بحلوله عليم ما دام يقبل أن يعاني تلك الحال المؤلمة التي تحدثها المعاناة أثناء النوية ، وقد حصل من ذلك الالم على ذلك (( التخفف من العبء )) الذي غمره راحة وانشراحا . إنه كان ينتظر تلك النوبة كقدر محتوم . ولكنه لا يضيق بها عند حلولها إلا ليبتهج بها بعد زوالها . على أننا نلاحظ من خلال كلامه لصديقه الحليوي ، أن تلك النهاية - السعيدة - التي تعقب فترة المعاناة ، قد تتجاوز
الإحساس بالإنشراح والطمأنينة إلى شعور آخر أشد وأقوى من ذلك الإحساس . وذلك نتبينه مما قاله الشاعر لصديقه الحليوي من أن نفسه (( تطورت )) في غمرة الالم ، فانقلبت ثائرة هائجة واثقة من نفسها ساخرة بالقدر والداء والاعداء ، وكل آلام الحياة ، بعد أن كانت باكية في ظلمة أحزانها تكاد تجن من الاسى . وتحت تأثير ذلك الشعور نظم قصيد (( نشيد الجبار )) ، الذي يمثل ثورة عارمة على واقعه المؤلم الذي سبب له (( القلق الوجودي )) و (( السأم )) من الحياة والمرض . ويقول إنه بعد نظمه لذلك القصيد : (( ذابت آلام نفسى وشعرت بالحرية والإنطلاق )) . إنه شعور بالإنعتاق ، كان نتيجة لذلك التمرد الذي حدث لنفسه بعد أن تطورت في غمرة الالم . ولكن مهما تكن النهاية التي ينتهي إليها ، إحساسا بالسعادة وغبطة الوجود ، أم شعورا بالحرية والإنعتاق ، فإنها دائما لا تتعدى مفهوما واحدا ، وهو (( التخفف من العبء )) الذي تحققه له التجربة الشعرية . وذلك التخفف من العبء ، أو التخلص من وطأة الواقع والظروف عليه ، هو ، في الواقع ، متعته ، وهو الدافع له على الإبداع ، والحافز له على قبول ساعة الوحي بما فيها ألم المعاناة . وهذا المفهوم بدوره يؤكد لنا كون الشعر العزاء الذي يطلبه الشابي . فهو مهربه وقرار الطمأنينة وملجأ النجاة ، هو مخلصه :
(( يا شعر ! أنت جمال أضواء الغروب الساحرة
يا همس أمواج المساء الباسمات الحائرة
(( يا ناي أحلامي الحبيبة ! يا رفيق صبابتي
لولاك مت بلوعتي وبشقوتي وكابتي
(( فيك انطوت نفسي وفيك نفخت كل مشاعري
فاصدح على قمم الحياة بلوعتي يا طائري )) (25)
وهذا الشعور بالإرتياح التام ، الناتج عن القيام بالتجربة الإبداعية ، هو آخر ما يمكن لنا أن نبلغه في سلم هذه الآثار التي تحدثها تلك التطورات النفسية على علاقة الشاعر بعملية الخلق الفني أو على قدراته الإبداعية بصفة عامة . فمن المؤكد أن تكون ذلك المرض لديه - المرض النفساني - من عنصرين ، هما عصاب الفنان وعصاب المريض العادي ، جعل تلك التطورات النفسية تحدث أثرها أو آثارها على ملكاته النفسية والحسية والخيالية ، وهي آثار أقل ما تتركه فيه هو شعوره الحاد وإحساسه العميق بصلته القوية وعلاقته المتينة بالكون الاشمل في أعمق أبعاده وأبعد أعماقه . وذلك الشعور الحاد وذلك الإحساس العميق بتلك العلاقة الدقيقة الحادة هما اللذان يجعلانه يرى الوجود والاشياء المحيطة به في هذا الكون أعمق من اللازم ، ويحس بها أعمق من اللازم ، إذ مكنا جذور إدراكه الباطني وحواسه الباطنية من الإمتداد إلى الاعماق . وكان ذلك بالتأكيد معللا لقدرته الإبداعية على الصورة التي تعرضنا لها في الجزء الاول من هذه الدراسة . وهذا بالطبع ما يجعلنا نخالف ما ذهب إليه بعض علماء النفس من تقرير أن (( الفنان ككل شخص آخر قد يعاني من حالة مرضية ، وقد يتألم لسبب أو لغيره ، لكنه ليس مجنونا ، حتى عندما يكون الفنان عصابيا ، لا يكون لعصابه أى دخل في قدرته على الإبداع الفني ، لانه حين يبدع ، يكون في حالة من الصحة واليقظة النفسية الواعية ، بكل ما في الواقع من حقيقة )) (26). فقد رأينا أن الشابي كان عصابيا وأن عصابه أثر على قدرته الإبداعية ، وأنه حين يبدع يكون في حالة من إنعدام الصحة واليقظة النفسية الواعية ، إذ هي فترة التواجد مع الحياة . هي حالة لا شعورية . فحبن يبدع يكون تحت تأثير تلك الحالة النفسية ، في غفلة لا إرادية . تلك هي لحظة الإنفعال ، الناتج عن التفاعل بين تلك التطورات النفسية وبين كوامن الشاعر ونوازعه اللاشعورية ، بين موروثه اللاشعوري ومخزونه في أعماق ذاته . وإذ تمكنا الآن من الوصول إلى هذه النتيجة ، فإن سؤالا آخر يضع نفسه حول هذه الظاهرة
النفسية التي قلنا عنها في السابق إنها (( حلم )) ، وهي ظاهرة (( التكشف اللا شعورى )) أو (( اللا إرادي )) الذي تحدث أثناءه عملية الخلق الفني التلقائية : هل أن هذه الظاهرة مظهر من مظاهر الجنون أم هي شكل من أشكال صحة العقل ؟
من المؤكد أن تلك الظاهرة لم تكن مظهرا من مظاهر الجنون ، إلا إذا أخذنا هذه العبارة مجازا . ولكننا سنتبين من خلال ما سنتعرض له أنها شكل من أشكال صحة العقل ، أو بعبارة أخرى هي مظهر من مظاهر العبقرية . وهي دلالة من دلائل العبقرية لدى الشابي . والمدهش حقا هو عدم وجود تلك المقدرة الشابية الإبداعية لدى غير شاعرنا من شعراء العربية ، في تلك الفترة من التاريخ ، إذ أن تلك المقدرة لم تكن طبيعية ، وما عرفنا عن شاعر عاصره أنه كان يتمتع بتلك اللاطبيعية في عمله الإبداعي ، أو في شاعريته بصفة عامة . وإذ كنا قررنا من قبل تلك اللاطبيعية في شاعريته ، فإن الإندهاش لا يزول ، رغم ذلك . فمن المدهش أن تتجلى تلك المقدرة لدى شاب لم يناهز السادسة والعشرين ، محدود الثقافة ، تقليدي التكوين . ويمدنا علم النفس بتفسير هذه الظاهرة ، إذ يعلمنا بأن العبقرية ظاهرة تكشف عن نفسها لدى الافراد في مراحل من العمر مختلفة من أحد لآخر . ومع أنها في الغالب لا تكشف عن نفسها إلا في مرحلة متأخرة - نسبيا - من حياة الافراد ، فإن المعروف عن العباقرة أن كثيرين منهم قد تكشفت عبقرياتهم في سن الطفولة ، مثل (( موزار )) ( Mozart ) ، أو دون العشرين مثل (( رومبو )) ( Rimbaud ) ، ومنهم من قضى نحبه في أوائل العقد الثاني من حياته مثل الشاعر الإنجليزي (( كيتس )) ( Keats ) ، ذي المقدرة الشكسبيرية ، الذي مات في عمر الشابي ، لم يتجاوز السادسة والعشرين - وقد كان حاله في مثل حال الشابي تماما - (27) . فكيف ظهرت هذه العبقرية لدى الشابي ؟ وما هي دلائلها لديه ؟ ذلك هو موضوع الحلقة الثالثة - القادمة - من هذه الدراسة .
- يتبع -

