( 4 ) كانت الفصول الثلاثة الاولى من هذه الدراسة محاولة للبحث عن حقائق ثابتة نبنى عليها ما سنقرره فى هذا الفصل . ومن خلال القضايا العديدة التى حاولنا البحث لها عن أجوبة مقنعة ، تبين لنا أن الحقيقة الهامة التى وجدت فى حياة الشابى وفى اثره الادبى هى ان الشابى كان مريضا . وذلك المرض هو الذى جعل منه شاعرا رومنتيكيا . وهو الذى جعل منه شاعرا عبقريا ، اذ لمسنا انه كان غير عادى سواء فى حياته أم فى عمله الأدبى ، ورأينا أن ذلك المرض كان ينقسم الى نوعين : مرض يتحقق لدى كل فنان - غير عادى وهو ما سميناه بالعصابية ، ومرض عادى تمثل فى مرض القلب خاصة . وراينا أيضا ان مرضه ذلك قد توفرت معه عوامل أخرى فتظافرت كلها على أن تولد فيه ما سميناه بالقلق الوجودى . وهو الذى أثر فى الشابى التاثير الاكبر فجعل منه الشاعر الرومنتيكى ذا الاتجاه الخاص الذى تبينا بعض ملامحه وسنتعرض لبقيتها فى هذا الفصل . وهو الذى جعله يقف مواقف فى الحياة والادب سنتعرض لها فى هذا الفصل كذلك ، وذلك الاثر الكبير ، العميق ، سواء كان فى حياته ام فى شعره ، هو أثر على شاعريته بصفة عامة . فما هو ذلك الاثر ؟
ما أن يمتد شعور الانسان الى وعى ما يحيط به من الظواهر وما يتشكل حوله من صور الحياة ، حتى يبدأ الضيق الحاد يشمله لما يجد فيه نفسه من واقع ضمن الاطار الذى يترعرع فيه ، حتى ينهى الفترة المقدرة له من الحياة . وذلك الاطار يحده سياجان لا يستطيع الانسان تجاوزهما مهما حاول . وهما المكان والزمان ، وشعور الانسان ضمن المكان والزمان شعور فادح بالاحتباس حتى أنه يصل لفداحة ذلك الشعور . الى الايمان بان ما هو عليه انما هو قدر مقدور له ، وانه انما خلق ليكون العبد الطيع للمكان والزمان وما يتوالد ضمنهما من التحولات والتقلبات فى كل لحظة زمانية وفى كل نقطة مكانية .
ولكن انتباهه الى الزمان أشد من انتباهه الى المكان . وذلك لان شعوره بالزمان ( Conscience du Temps ) أحد وأعمق من شعوره بالمكان . فهو دائما (( هنا )) أو (( هناك )) ضمن (( حيز )) ما . اما الذى يقلقه ويرعبه حقا فهى هذه (( الحركة )) الدائمة التى لا يستطيع ايقافها ، بل انه يتحرك معها حتى نهايته . وقد يستطيع الانسان الانتصار على تلك الحركة ، وهو انتصار نسبى ، إذا امكن ان يتحقق له انعدام الشعور بحركته هو التابعة للحركة الام . ولا يتأتى له ذلك الا اذا كان مجنونا أو شبيها به ، ممن يعيشون فى ذهول دائم ، غافلين فى عالم (( الحلم )) ، عما هو حواليهم ، بل حتى عن أنفسهم ، ولكن الانسان المالك لشعوره لا يمكن له الا ان يشعر بتلك الحركة التى تقتات منه ، عاقلا لما ينتظره من نهاية . ولكم يفزعه ويقبض على قلبه ان يشعر بانه قائم بتمثيل دور فى (( رواية غريبة )) ، لا يعرف للتمثيل فيها غاية ، اذ هو لا يعرف غاية لوجوده ، وكل ما يعرفه هو أنه يمشى . . فى ظل وادى الموت . . مثل الشابى
نحن نمشى ، وحولنا هاته الاكوان تمشى ، لكن لاية غاية ؟
نحن نشدو مع العصافير للشمس ، وهذا الربيع ينفخ نايه
نحن نتلو رواية الكون للموت ، ولكن ماذا ختام الرواية ؟ (46)
لقد وجد ، هكذا ، دون استشارته ، ودون رغبة منه ، هنا وليس هنالك ، الآن وليس بعد أو قبل ، لماذا وجد ؟ لا يعرف . من اوجده ؟ لا يعرف . لماذا هنا وليس هنالك ؟ لا يعرف . لماذا الآن وليس بعد ؟ لا يعرف . وهكذا فهو مقدور عليه ان يقذف فى هذا العالم ليقوم بتمثيل دور فى (( رواية الكون )) مع هؤلاء المحيطين به ، وهم مثله قد وجدوا ، جاهلين كيف ولماذا ولكن يعرفون فقط انه مقدور عليهم أن يوجدوا .
ضحكنا على الماضى البعيد وفى غد ستجعلنا الايام أضحوكة الآتى
وتلك هى الدنيا ، رواية ساحر ، عظيم ، غريب الفن ، مبدع آيات
يمثلها الاحياء فى مسرح الاسى ، ووسط ضباب الهم تمثيل أموات
ليشهد من خلف الضباب فصولها ويضحك منها من يمثل ما يأتى
وكل يؤدى دوره وهو ضاحك على الغير ، مضحوك على دوره العاتى (47)
تلك هى (( مهزلة الوجود )) ، فى هذا الزمان الذى لا تتوقف دواليبه عن الحركة . أما نحن فأسيرو تلك الحركة لا نحيد عن مسيرتها . وذلك ما يولد فينا الشعور بالاحتباس الزمنى . وهذا الاحتباس يظهر فى حياتنا فى مظهرين ، أو يتجزأ الى قسمين (48) : أحدهما يكون لدى الانسان (( صبرا )) ( Patience ) يتيح له تحمل ذلك الشعور بالزمن ، اذ الصبر قوة تتيح لنا ان نتسامى عن المأساة التى يخلقها شعورنا . وثانيهما (( الجزع ))
او عدم الصبر ( Impatience i') الذى ينتج عنه عدم التحمل ، اذ انه هو نفسه يتوفر لدى الانسان بافراط . وهو ضعف فى حياة الانسان ظاهر ، وهذا الضعف هو الحالة المتغلبة على الانسان ، وهو المظهر المميز لحياته . وذلك نتيجة عجزه عن المقاومة أمام افراط الزمن فى اللامبالاة به ، تلك اللامبالاة التى تتمثل له احيانا افراطا فى نصب العداء له ، وايغالا فى محاربته . انه عاجز عن ايقاف (( الدوران )) الزمنى حوله ، وعليه . حتى ان فكرة الزمن والشعور به ، يصلان أحيانا الى ان يحطما الانسان الشاعر تحطيما . ونراه ، لذلك ، يسعى السعى المتواصل باحثا عن مخرج ، عن طريقة للخلاص . وقد رأى بودلير ( Baudelaire ) من قبل ان هناك وسيلتين للنجاة : اللذة ، او العمل . ( 49 ) . اما اللذة فهى الجانب الايجابي للحياة الحسية . ولكننا لا نستطيع الاخذ بشئ منها دون ان تأخذ منا : دون ان نخسر شيئا من طاقتنا اما العمل فهو ، بالطبع ، ما يعاكس ذلك . فهو مجال النشاط . أما تأثيره علينا ، فهو تنمية طاقتنا وتقويتها . ومن المعلوم أن الاولى تنحدر بنا فى بعض الاحيان الى الحيوانية ، الى الشيطان ، وان الثانى يصعد بنا الى (( الخير )) الى الله ، فبأيتهما ناخذ اذن ؟ من المنطقى أن يأخذ الانسان بالفعل ، بالعمل فهو الوسيلة الى القوة والى الايجابية اللتين تتيحان للانسان خلق اثر ينسيه فداحة ذلك الشعور ، ولو الى حين . ولكن . . الا يجمد الفعل من مشاعرنا ويصرف احاسيسنا عن ان تنطلق كيف شاءت ؟ وكيف يقبل ذلك شاعر لا يكون شاعرا بغير متاجج الاحساس ؟ ولذلك فقد كان معظم الشعراء ينساقون وراء اللذة التى توفر لهم الاحساس ، بل تؤججه فيهم . اما الفعل فيكون من قسمة المفكرين الذين يعرضون عن اللذة ، إذ هم يتجاوزون مرحلة الاحساس المفرط ، المتأجح لانها مرحلة المراهقة . . .
والذى يهمنا نحن هنا ، من هاتين الظاهرتين ، هو نصيبهما من الشابى فقد رأينا ان شعوره بالزمن كان فادحا ، وكذلك بالمكان . وما إذا كان شاعرا مراهقا دابه ارضاء حسه ، أم كان رجل عمل يريد تجاوز الاحساس بالزمن بما يحققه من فعل . بعد البحث تبين أن الشابى لم يكن الشاعر المراهق المتهالك على اللذة ابتغاء نسيان الزمن وحركته ، والتخلص من (( سجن )) المكان ، ولم يكن الانسان المفكر المؤمن بالفعل ، الساعى العامل كى يتجاوز حدود الزمان والمكان ، بل تمثل فى حياته مزيج من الاثنين ، والسؤال هو : كيف توفر هذان المنزعان ولماذا ؟
قلنا سابقا ان مميزات الشابى عن بعض الشعراء الرومنتيكيين مثل لامرتين ( Lamartine) وهوقو ( Hugo ) وجوته (Goethe ) وغيرهم ، هو انه كان يعيش الرومنتيكية كحالة حياتية ، زيادة على كونه يتبعها مذهبا أدبيا .
لذلك فقد كان يعيش القلق الوجودى الذى برز اثره واضحا فى شعره ، فى ليلة ونهاره . وكان ذلك الشعور بالزمن ، الذى ذكرناه آنفا ، والذى عاش يبحث له عن مهرب منه ، سواء فى الشعرام فى حياته اليومية ، عاملا كبيرا من عوامل تكثيف ذلك القلق وتقويته . ونلمس اثر هذا الشعور بالزمن عميقا ، شديدا ، حادا ، فى شعره ، وخاصة فى قصائده التى قالها فى فترة نضجه . فقد وحد نفسه فى سنواته الاخيرة من حياته ، يعانى من الشقاء أمره واقساه على نفسه ، تحت وطأة تلك العوامل المتعددة التى رأيناها متوافرة على تكثيف قلقه الوجودى مثل فقدانه لحبه الاول ، وموت والده ، ومرضه . ولذلك فقد تولد لديه مستويان للزمن : زمن ماض كان فيه سعيدا ، سواء قبل أن يولد ، أو عندما كان طفلا ، محاطا برعاية والده ، وسعيدا بحبه ، وهو مستوى لا يخلو من ميتافيزيقية . وزمن حاضر ، يعانى مما يجثم به عليه من شقاء وتعاسة سببها تلك العوامل المتعددة التى مر ذكرها . فكان ، لذلك لحنينه الى ذلك الزمن الماضى ، مكان كبير فى شعره . وهو موضوع (( بكائه على الزمن الضائع )) . وهذا الزمن الضائع يبدو أولا فى ثوب أفلاطونى . اى أن الانسان قبل ان يولد ، كان فى عالم الارواح سعيدا ، لا يعرف عن عالم الشقاء ، هذا العالم المادى - شيئا . ولكنه قذف فى هذا العالم السفلى ، قسرا عنه ، ليشقى لما رزق به من احساس وشعور . وذلك العالم العلوى الذى كان فيه هو (( صميم الحياة )) :
يا صميم الحياة ! انى وحيد مدلج تائه فاين شروقك ؟
. . . كنت فى فجرك الموشح بالاحلام عطرا يرف فوق ورودك .
. . ثم جاء الدجى . . . فأمسيت اوراقا بدادا من ذابلات ورودك .
. . . كنت فى فجرك المغلف بالسحر فضاء من النشيد الهادى
وسحابا من الرؤى يتهادى فى ضمير الآزال والآباد ،
. . . وانقضى الفجر ، وانحدرت من الافق ترابا الى صميم الوادى . (50)
لقد نزل من أعلى الى هذا التراب العفن بما تنفثه فيه المادة من أسن ، فوجد نفسه فريدا ، مجتث الصلة بصميم الحياة الذى كان فيه حرا ، كالنور أو الشذى ، لذلك فهو يشبه نفسه بالاعمى - عازف أعمى - :
ادركت فجر الحياة أعمى وكنت لا تعرف الظلام
واطبقت حولك الدياجى وغام من فوقك الغمام
وعشت فى وحشة تقاسى خواطرا كلها ضرام ،
وغربة ما بها رفيق وظلمة مالها ختام (51)
ولو تواصلت حياته فى (( الجنة الضائعة )) التى سيرثيها ، لما شعر بتلك الغربة وتلك الوحشة ، ولوجد معه رفيقا يمنع عنه ذلك الشقاء . فقد كان يبكى طفولته التى كانت لونا من الالوان الجميلة الساحرة فى تلك الجنة ، ويبكى رفيقة صباه التى كانت تبعث الدفء فى تلك الجنة الحالمة :
كم من عهود عذبة فى عدوة الوادى النضير ،
. . . قضيتها ومعى الحبيبة لا رقيب ولا نذير ،
الا الطفولة حولنا تلهو مع الحب الصغير ،
ايام كانت للحياة حلاوة الروض المطير ،
وطهارة الموج الجميل وسحر شاطئه المنير . (52)
فقد تقضى ذلك الزمن بكل ما فيه من عذوبة وابتسام ليحل محله هذا الحاضر المتجهم الذى يشقيه ، خاصة عندما تثور فيه ذكرى ذلك الزمان الضائع وجلى أن ذلك (( الرفيق )) الذى يبكى فقدانه ، هى تلك (( الريحانة )) التى انبتتها الحياة فى طريقه ، ثم اقتطفتها المنية . فقد شغل البكاء عليها حيزا كبيرا من شعره ، وخاصة فى قصيدة (( الجنة الضائعة )) ونحن نراه يرثيها ويرثى (( الزمن الضائع )) الذى تقوم امامه معالم ذكراه قاسية ، جهمة ، منذ سنة 1927 فى (( مأتم الحب )) :
٠٠ فانادى يا فؤادى
مات من تهوى ، وهذا القبر قد ضم الحبيب
فابك يا قلب بما فيك من الحزن المذيب
ابك يا قلب ، وحيد .
ذل قلبي مات حبى
فاذرفى يا مقلة الليل الدرارى عبرات
حول حبى ، فهو قد ودع آفاق الحياة
بعد أن ذاق اللهيب (53)
ويظل يرثيه حتى سنة 1933 فى قصيدة (( الجنة الضائعة )) التى يرسم فيها كل ذلك الماضى السعيد . بكل ما يحليه من جميل الصور والذكريات
واذ تصل به المأساة غايتها ، فانه ، كأى بشر آخر يتميز برهافة الحس ودقة الشعور ، ينصرف الى البحث عن عزاء ، عن خلاص من ذلك الحاضر الاليم
فقد تحركت فيه غريزة ارضاء الرغائب الحياتية التى تدفع الانسان ، الذى يكون فى حال من الجوع يدفع الذات الى البحث عن ارضاء تلك الغريزة ، فى العالم المحيط بها . واذ كان شاعرا توفرت له الاسباب التى جعلت منه رومنتيكيا ، فقد سعى مثل غيره من الرومنتيكيين ، الى البحث عن ذلك العزاء ، يؤمل أن يجد فيه ارضاء لتلك الغريزة ، واعداما لذلك الجوع ، فى عناصر ثلاثة من عناصر الحياة . وهى الوحدة اولا ، والمرأة ، ثانيا . ثم الطبيعة ، ثالثا . وهى العناصر التى نجدها من مقومات كل شاعر رومنتيكى ، تقريبا .
أما العنصر الاول ، فقد جد فى البحث عنه ، منذ نشاته الشعرية الاولى . كان يتمناه ويحلم به . فقد أراد العزلة . اراد ان يكون وحيدا ، يعيش لفنه ولشعره فقط ، يناجى ربة الشعر والاحلام ، لا يهمه من عالم الصغار ولا عالم الكبار شئ . ذلك لانه تبرم من الحياة وتبرم من ابنائها (( أبناء الشاطين )) :
يا ربة الشعر والاحلام غنينى فقد سئمت ظلام الكون من حين
. . . ياربة الشعر غنينى فقد ضجرت نفسى من الناس ابناء الشياطين
تبرمت ببنى الدنيا وأعوزها فى معزف الدهر غريد الارانين .
وراحة الليل ملاى من مدامعه وغادة الحب ثكلى لا تغنينى . (54)
فقد (( سئم )) الحياة بما فيها ومن فيها واصبحت تراوده احلام - هى . (( أحلام شاعر )) بذلك العالم المثالى الذى ينصرف فيه الى نفسه والى ربة الشعر .
ليت لى ان اعيش فى هذه الدنيا بعيدا بوحدتى وانفرادى
ليس لى من مشاغل العيش ما يصرف نفسى عن استماع فؤادى
. . عيشة للجمال والفن ابغيها بعيدا عن اهتى وبلادى ،
. . وبعيدا ، عن المدينة والناس ، بعيدا عن لغو تلك النوادى
فهى من معدن السخافة والافك ومن ذلك الهراء العادى (55)
ولكن هذا المهرب غير ممكن تحقيق الوصول اليه . ذلك أن وراء هذه الاحلام واقعا يصده قد توفرت فيه تلك (( الشواغل )) التى تمنعه عن الانفراد والعزلة . فهو مجبر على معايشة الناس والاستماع الى سخافاتهم والتعرض الى حماقاتهم زيادة على انه مجبر اجتماعيا على ان يكون مع عائلته التى فقدت عائلها ، الذى ترك للشاعر زمام إعالتها ، لذلك فالهروب الى العزلة والتزهد مثل الزهاد ليناجى ربة الشعر ، فى محراب الفن - مستحيل عليه . تلك هى (( قيود الاحلام )) .
واود ان احيا بفكرة شاعر فارى الوجود يضيق عن احلامى
الا اذا قطعت اسبابى مع الدنيا وعشت لوحدتى وظلامى
واعيش عيشة زاهد متنسك ما ان تدنسه الحياة بذام
هجر الجماعة للخيال تورعا عنها وعن بطش الحياة الدامى
. . . لكنني لا استطيع فان لى أما يصد حنانها أوهامى
وصغار اخوان يرون سلامهم فى الكائنات معلقا بسلامى ،
فقدوا الأب الحانى فكنت لضعفهم كهفا يصد عوامل الايام
فانا المكبل فى سلاسل حية ، ضحيت من رأفى بها ، أحلامى ! (56)
فهى خيبة ذريعة ، اذ وجد نفسه مقيدا بهذه (( السلاسل الحية )) . وهى شواغل الحياة التى تفرض عليه ان يعايش الناس ، وان يكون بين (( ابناء الشياطين )) . فما هو الحل الثانى ؟ لقد اراده هذه المرة ان يكون (( ماديا )) تتوفر فيه اللذة ، التى يتوفر فيها (( ارضاء الرغبة )) - او اشباع الغريزة - من ناحية ، ونسيان الزمن الحاضر الجاثم بشقائه ، من ناحية اخرى ، وهذه اللذة طلبها فى المرأة .
وهذه المرحلة من حياته تبدأ بعد خيبته مباشرة فى تحقيق تلك الاحلام اثر وفاة والده . وابتداؤها يكون باتمام زواجه الذى تم بعد وفاة والده . وقد اعلم صديقه الحليوى بوفاة الوالد فى رسالة مؤرخة فى سبتمبر 1929 . وفى رسالة بعث بها الحليوى اليه ، مؤرخة ب 4-11-1931 ، يقول له الحليوى فيها : (( ثم بلغنى من بعض الاصدقاء أنك تزوجت ، وكان على أن أهنئ وأن أبارك )) (57) ولا نريد ان نخوض هنا فى أمر ما إذا كان سعيدا بزواحه أم كان شقيا به . ولكننا نريد أن نقرر فقط أن قصائده التى قالها اواخر سنة 1931 - وقد تم زواجه اواخر تلك السنة - كانت باسمة الآفاق ، عليها من الحزن مسحة خفيفة شفافة تعود الى ما كان فى ذات الشاعر نفسه من حزن ابدى قد انطبع فيه . واطفح هذه القصائد بالبشر والامل هى رائعته : (( صلوات فى هيكل الحب )) التى قالها فى توزر ، حسبما تثبته الرسائل ، بتاريخ 13 اكتوبر 1931 ، وقد يكون قالها عقيب زواجه مباشرة ، حسب ما نشتم ذلك من كلام الحليوى فى رسالته ، الذى نتبين منه ان هذا الزواج تم فى شهر أكتوبر من تلك السنة . ولذلك فانه يكون قد قال القصيدة لا فى سائحة انجليزية ، ولا فى غادة ايطالية ، بل فى زوجته ، فى عروسه . ويثبت لنا ذلك ما نقرؤه مباشرة بعد (( صلوات )) فى الديوان ، اذ نجد قصيدة (( أراك )) التى كتبت فى توزر كذلك فى 24 اكتوبر 1931 . فهل من الممكن ان ينصرف عقب زواجه مباشرة الى البحث عن اللذة خارج بيته وهو الزيتونى ، المحافظ ، الذى يخضع لقوانين البيئة الجنوبية الريفية ، والمتأصلة فيه ؟
حتى لو كان غير خاضع لها فان آثاره من رسائل ومذكرات وكذلك ما عرفناه معه من طبع وخصائص شخصانية ، لم تظهره لنا فى مظهر الماجن العابث . . على كل ، فان ما توحى لنا به قصيدة (( صلوات فى هيكل الحب )) هو أنه وجد سعادته فى زوجته فنسى معها آلامه ، اذ وجد فيها المهرب الذى يحقق فيه رغائبه الغريزية فى الحياة ، ويحقق له توقه الى الخلاص من قسوة الشعور بالزمن وكثافة القلق الوجودى . فهذه المرأة هى الملاك ، العذبة التى لا يجد لها شبيها إلا الطبيعة - التى كان يحلم بالهروب اليها - فى بساطتها وابتسامتها واشراقها وعذوبتها وطهارتها ، وقداستها . فهى عذبة كالطفولة ، كالاحلام كاللحن ، كالصباح الجديد ، كالسماء الضحوك ، كالليلة القمراء ، كالورد - كابتسام الوليد ٠٠٠
كلما ابصرتك عيناى تمشين بخطو موقع كالنشيد
خفق القلب للحياة ورف الزهر فى حقل عمرى المجرود
وانتشت روحى الكئيبة بالحب وغنت كالبلبل الغريد .
انت تحيين فى فؤادى ما قد مات فى امسى السعيد الفقيد ،
. . انت انشودة الاناشيد غناك اله الغناء رب القصيد . (58)
فهى اذن تحيى فى قلبه ذلك الامس البعيد ، ذلك الزمن الضائع ، زمن السعادة والطهارة ، زمن الانصهار والذوبان فى عالم سحرى . . ذلك ما بتصوره عندما يراها أمامه ، فكانها بطلة (( جنته الضائعة )) فهو يرى القليل من السعادة التى كان يتذوقها - وقد كان محروما منها حرمانا كليا بعد انهدام ذلك الماضى البعيد ، مع ما هو عليه من دقة الاحساس ورقة الشعور اللتين يصيران الذرة فى عالمه الباطنى جملا - يرى ذلك القليل من العطاء ، كثيرا .
أراك فاخلق خلقا جديدا كانى لم ابل حرب الوجود
ولم احتمل فيه عبئا ثقيلا من الذكريات التى لا تبيد
واضغاث ايامى الغابرات وفيها الشقى وفيها السعيد
ويغمر روحى ضياء رفيق تكلله رائعات الورود ،
وتسمعنى هاته الكائنات رقيق الاغانى وحلو النشيد
وترقص حولى امان طراب وافراح عمر خلى سعيد
. . وتملانى نشوة لا تحد كانى اصبحت فوق البشر
أود بروحى عناق الوجود بما فيه من أنفس وشجر (59)
ولكن تلك اللذة التى حققها له الزواج فى أيام جدته ما كانت لتدوم . فقد تقادم به العهد واصبحت العلاقة بينه وبين زوجته عادية ، فأصبح حبه لها عاديا ، أصبح عادة . واذا علمنا أن المحب انما يقصد تحقيق ذاته بواسطة الحب أى أن هذا الحب انانية فى حد ذاته ، عرفنا مدى ما سيشعر به الشابى من خيبه الامل والانكسار ، عندما يشعر بقلبه خاليا من تلك الرغبة الذاتية الانانية
التى تحقق له مطامح (( أنا - ٥ )) الثابتة الباطنية ، وأنا - ٥ الاجتماعية ، فى نفس الوقت . ولذلك ، فما أن تقضت الايام الاولى من زواجه ، حتى رأينا التجهم يعود الى الشاعر ، والحزن يسيطر على اشعاره . فقد عاودته ذكرى أيامه الخالية السعيدة ، الاولى ، وعاوده شعوره بالزمن عنيفا ، حادا ؛ كما نتبين ذلك من قصيدة (( الحانى السكرى )) فانصرف عن ذلك الوهم الذى كان حقيقة لايام معدودات ، واصبح يعيش بين الامل فى وجود تلك اللذة فى المرأة ذاتها ، وبين الحنين الى تلك الايام المثالية الاولى . فنراه ، ما بين اوقات الاسى والحزن المتلاحقة عليه ، يعيش لحظات سعيدة ينسى فيها كل شقاء وكل قلق وجودى ، وهذه اللحظات هى طفرات من الحب العنيف ، التى تتم فى خلوات غرامية جنسية ، نرجح وقوعها مع زوجته ، عن وقوعها مع غيرها . وذلك ما نلمسه فى ثلاث قصائد على الاقل ، وهى : (( الساحرة )) و (( الحانى السكرى )) و (( تحت الغصون )) . اما الاولى فقد كتبت فى 19 جويلية 1932 . ويلح المرحوم زين العابدين السنوسى على ان الشاعر قالها فى زوجته ، ولكنه لا يثبت ذلك ولعل الدليل يوجد فى القصيدة ذاتها ، اذ نجد بيتا يشير الى أن هذه (( الساحرة التى تلومه على وجومه ذاك وانصرافه الى الحزن ، انما هى زوجته التى تريده ان يكون لها وحدها ، وان يقذف بفنه وشعره الى الجحيم . لقد راعها ان تراه صامتا واجما كانه يحمل الكون باسره عبئا على كتفيه ، فاخذت تداعب باناملها فى حنو ، شعره العارى ، كانها تنيم طفلا صغيرا . وأطلت عليه بوجهها الباسم تلومه على انصرافه عنها وتذكره بواجباته كزوج تجاه زوجته ، فتقول له :
ان المبيت لهوه الناعم الحلو وللكون حربه وهمومه (60)
وليلتها ، (( اغرق الفيلسوف فلسفة الاحزان فى بحرها )) وقضى ليلة أسبل الغرام عليها سحره )) .
أما فى (( الحانى السكرى )) ، التى كتبها فى 15 سبتمبر 1933 ، فنجده متعلقا اشد التعلق بلحظات سعيدة عاشها او يعيشها فى حينها . فهو والمرأة التى يتمتع معها بنشوه (( الغرام )) قد انفلتا من اطار الزمان والمكان وتجاوزا فكرة الموت والخلود !
مالنا والكؤوس نطلب منها نشوة والغرام سحر وسكر !
. . نحن نحيا فى جنة من جنان السحر فى عالم بعيد . . بعيد . .
نحن فى عشنا (؟) المورد نتلو سور الحب للشباب السعيد . (61)
ألا نفهم من هذا البيت الاخير أن هذه المرأة هى زوجته ، فهما فى عش الزوجية ؟ ولكن المهم لدينا هو أن هذه المرأة قد حققت له السعادة ، فانسته الزمن وانسته القلق الوجودى ، وكل الوان المتاعب ، فيهتف :
أيهاالدهر ، أيها الزمن الجارى الى غير وجهة وقرار ،
أيهاالكون ! أيها الفلك الدوار بالفجر ، والدجى والنهار
أيها الموت ! أيها القرار الاعمى ، قفوا حيث أنتم أو فسيروا ،
ودعونا هنا تغنى لنا الاحلام والحب والوجود الكبير
واذا ما ابيتم ، فأحملونا ولهيب الغرام فى شفتينا
وزهور الحياة تعبق بالعطر والسحر ، والصبا فى يدينا (62)
وفى 21 سبتمبر 1933 ، يكتب قصيدة (( تحت الغصون )) ، أى بعد (( الحانى السكرى )) بأيام قليلة . ويكون من الاصح أن المرأة التى قضى معها تلك اللحظات السعيدة ، هى نفس المرأة التى يقضى معها هذه اللحظات ايضا ، (( تحت الغصون )) . والجو العام للقصيدة يوحى بأنه كان آنئذ خارج بلاد الجريد . فهو لم يعد اليها الا فى اواخر نوفمبر 1933 حسبما يرد فى ص 197 من الرسائل وقوله : (( ها هنا فى خمائل الغاب تحت الزان والسنديان والزيتون )) (63) يوحى بان هذه (( الخلوة الغرامية )) كانت فى مكان كثيف الشجر ، فى غابة مشجرة زانا وسنديانا وزيتونا . . وفى مصطاف عين دراهم يتوفر هذا الاطار الطبيعى ، فى الغابة الجبلية .
والذى يهمنا بالخصوص من كل هذا البحث فى علاقته بالمرأة ، هى هذه التطورات التى كانت تطرأ عليه . فمن شعور بالسعادة الى شعور باد لهمام العالم من حوله ، فالى بارقة جديدة من الامل ، الى ادلهمام آخر . وبقى حتى أواخر حياته ينشد اللذة فى المرأة . ولكنه كان يحن دائما الى ذلك العهد الاول فيتذكره راثيا . - يتبع -

