- 3 -
من مكونات العبقرية لدى المبدع ، اثنان ، لهما أهميتهما القصوى لدى كل فنان عبقرى . وأول هذين المكونين ، الذكاء ، اى الذكاء المفرط المتفوق . ومن الصعب جدا ان نحدد هذا الذكاء ، أى أن نحيط بطبيعته . وذلك لاختلاف أحكام الناس على مستويات الذكاء لدى الافراد . . وما نستطيع ان نتبينه بيسر هو أن العبقرى انسان ذكى ، متميز الذكاء ، يفوق الآخرين بدرجة ذكائه . واذا اردنا التحقق مما اذا كان الشابى ذكيا أم لا ، فانه يصعب علينا كذلك اتخاذ حكم قاطع ، لعديد من الاسباب . وأهم هذه الاسباب هو ما اشرنا اليه من اختلاف الناس فى الحكم على ماهية الذكاء ذاته ، واختلافهم فى شرح طبيعته . والسبب الثانى هو انعدام القرائن لدينا المثبتة ما اذا كان الشابى يتميز بذكاء بين أقرانه أم لا ، مثل أقرانه فى الدراسة ، او اصدقائه في حياته العامة ، اذا المظاهر السلوكية لدى الافراد تبرز ما اذا كان الشخص ذكيا أم لا . ولا أعتقد ان بعض الظواهر مما استطعنا التعرف عليه من سيرته وانتاجه ، كافية لاثبات ذكائه : مثل حفظه القرآن وهو صغير ، والقائه محاضرة (( الخيال الشعرى عند العرب )) وما تضمنته من أفكار تفوق عمر الشابى عندما القاها , وقدرته على ذلك التفكير الذى يفوق مستواه الذهنى . غير أنه لا يمكننا التسليم برأى فى هذا الشان ما لم تتوفر لدينا القرائن الدالة على ذكائه - المفرط لكن ظاهرة الذكاء هذه ليست هامة جدا بمقدار أهمية الظاهرة الثانية ، التى سنذكرها وعدم اهمية ظاهرة الذكاء كمكون من مكونات العقرية عائد الى ان الذكاء قيمة نسبية ومتنقلة ، تتفاوت درجاتها فى الفرد نفسه بين الطفولة والبلوغ ومرحلة النضج )) . ( 28 ) فما هى هذه الظاهرة الثانية ؟
كنا قد لمسنا من خلال بحثنا للعلاقة بين (( التطورات النفسية )) لدى الشاعر ونوازعه اللاشعورية ( فى الحلقة الثانية من هذه الدراسة ) ، ما يلقى الضوء الكشاف على هذا السؤال . فقد رأينا ان تلك العلاقة يحدث عنها (( الانفعال )) . . نتيجة التفاعل بين عنصريها وهما تلك (( التطورات النفسية )) وكوامن الشاعر
وهذا (( الانفعال )) هو الذى يهمنا . لقد ظهر ذلك الانفعال فى شعر الشابى وظهر كذلك فى حياته . وقد كان بالطبع من آثار (( عصابيته )) . وهو انفعال كان حادا عنيف الحدة فى الغالب ، كما تبينا ذلك سابقا . وذلك الانفعال الحاد يتمثل بدوره فى نشاط نفسى كنا قد تبينا احد وجوهه ، وهو ذلك (( التفاعل )) . والوجه الثانى الذى سنبينه الآن يسبق ذلك التفاعل فى الحدوث بل ان الوجه الاول الذى رأينا ناتج عن الوجه الثانى . وهذا الوجه هو مجموعة من الوظائف النفسية التى ينتج عنها ذلك النشاط النفسى . وهكذا , فان تلك الوظائف النفسية انما هى من عوامل تلك التطورات النفسية كذلك . وبذلك يكون لها هى أيضا دورها الفعال فى النشاط الابداعى : فى عملية الخلق الفنى ، ويكون لها أثرها على مقدرة الفنان الابداعية ، اجمالا . وهذه الوظائف فى الواقع دقيقة لا يظهر أثرها فى قوة ما تحدثه التطورات النفسية من الاثر . فاذا كانت التطورات النفسية تحدث أثرها على الشعور مباشرة ، فان هذه الوظائف تعمل من وراء قناع ، اى ان اثرها لا نتبينه الا فيما يفتح عنها من نشاط نفسى لاحظنا ان الانفعال يتمثل فيه . وبالتالى فان أثر تلك الوظائف لا نتبينه الا من خلال ذلك الانفعال . فما هى تلك الوظائف النفسية التى ينتج عنها النشاط النفسى ؟
هى ( 1 ) - مجموعة الوظائف الخاصة بالمعرفة والادراك . ( 2 ) مجموعة الوظائف الانتاجية وتتكون من الاصالة والطلاقة والمرونة . ( 3 ) وظيفة التقويم : وظيفة الحكم على قيمة موضوع ما او شىء ما . وهى وظائف مستقلة الواحدة عن الاخرى . الا أنه من الملاحظ أن هذه الوظائف النفسية قد تكون أصدق على عالم أو فيلسوف منها على فنان ، لان تلك المشكلات والمواقف التى تحتاج الحلول ، ولان وظيفة التقويم والحكم على المواضيع والأشياء ، هى من مهام البحاثة وليست من خصائص المنتج . واذا كانت هذه الوظائف مستقلة الواحدة عن الاخرى ، فان التى تعنينا بحق هنا هى الوظائف الانتاجية . وذلك لاختصاص الفنان بها ، أولا ، ولتوفرها لدى الشابى ، ثانيا . فهذه الوظائف اذن كما سبق أن قلنا ، ينتج عنها النشاط النفسى ، الذى يتمثل فيه ذلك الانفعال ، أى ان ذلك الانفعال ناتج بشكل أو بآخر عن تلك الوظائف النفسية التى لا تكون فى ذات الشاعر وظائف مجردة عن التأثر ، بل لابد لها من أن تتأثر بمؤتمرات أخرى حتى تكون لها فعالية أخرى وجدوى فيما يبدعه الفنان واذا علمنا ان ذلك الانفعال الذى ذكرنا انما يعود مباشرة الى التفاعل الموجود بين نوازع الشاعر اللاشعورية وتطوراته النفسية ، تبين لنا أثر هذين العنصرين النفسيين اللامباشر فى تلك الوظائف النفسية . فعن تفاعلهما ينتج الانفعال الذى هو فى نفس الوقت النشاط النفسى الناتج عن تلك الوظائف النفسية .
وهكذا نرى أن حياة الشاعر وانتاجه خاضعان لذلك الانفعال الحاد . وقد رأينا من قبل ان ذلك الانفعال انما يعود فى تأثره بشكل او بآخر الى عصابية الشاعر ، أو بعباره اخرى الى مرضه فى مستوييه النفسى والوجودى . واذا كانت العبقرية ، كما عرفناها ، ذكاء ونشاطا نفسيا ، أى ذكاء وآنفعالا ، وهو ذكاء متفوق وآنفعال حاد ، ولا شك أيضا فى أنهما يتأثران بما لدى الفنان العبقرى من عصابيه ، يتبين لنا أن تلك (( الظاهرة الغريبة . . فى شاعرية الشابى لم تكن مظهرا من مظاهر الجنون ، انما كانت شكلا من أشكال صحة العقل : دلالة من دلائل العبقرية لديه . واذ كان جانب من هذه العبقرية يدين بوجوده الى مرض الشاعر - على مستوييه - فانه يمكننا ان نتساءل : كيف ظهر هذا المرض فى شعر الشابى ؟ او بعبارة أدق ما هى آثار ذلك المرض - منشط عبقريته الرئيسى - فى شعره ؟ وهو سؤال يفضى بنا الى سؤال آخر أعم : على أى مدى برزت تلك العبقرية فى شعر الشابى ؟
اذا أردنا ان نعرف أثر ذلك المرض فى شعر الشابى ، الاثر العام ، قلنا انه جعل منه شاعرا رومنتيكيا ، اذ ليس من السهل ان يكون الشاعر رومنتيكيا . بل كم هم الشعراء الذين يعدون فى عداد الشعراء ، وليسوا من الرومانتيكيين فىى شئ . وما ذلك الا لان رومنتيكيتهم قائمة على أساس واه . فالرومانتيكية الحق ليست مظهرا او اتجاها أدبيا فحسب ، بل هى حالة من حالات الحياة التى يعيشها الناس ، هى حالة تقوم عليها حياة الشاعر ، قبل أن تكون مذهبا أو اتجاها يقوم عليه انتاجه . فلرومنتيكية الشاعر جذور فى حياته الخاصة , والا فهى الاصطناع والزيف والتكلف ، ولقد كانت رومانتيكية الشابى ذات جذور فى حياته الخاصة ، وتلك الجذور هي وليدة ذلك المرض - كما أشرنا - العصابى - النفسى - والوجودى . واذ كنا قد تعرضنا الى اثر العصابية فى حياة الشابى وفى انتاجه فاننا سنتعرض الآن الى أثر هذا المرض الوجودى فى حياته وفى شعره خاصة ، كما وعدنا بذلك . وهذا المرض قد سمى فى القرن التاسع عشر بمرض العصر لدى الشعراء الرومانتيكيين ( le Mal du Siecle ) وكانت الرومانتيكية فى جوهرها هى الاحساس العميق بهذا المرض . هى ذلك الشعور الدقيق العميق فى النفس ، البعيد الاغوار فى الذات ، بأن العالم الذى نعيش فيه عديم الصلاحية لنا بما فيه من مكان يقيدنا وما يرتبط به من زمان يحد من قوانا ويشعرنا بعبوديتنا وتفاهتنا . فنحن فى حالة تعمق من احساسنا بالتعاسة وتكثف من شعورنا بالشقاء الى حد الانتحار احيانا . وعن ذلك الاحساس وذلك الشعور تتولد حالة وجودية تلازم حياتنا فتطبعها بالتذبذب والحيرة القاتلة والشعور بعدم الرضى والاحساس بانعدام الطمأنينة . الا أن حالة الفنان تكون دائما - والشاعر خاصة اكثف سوادا وأشد حدة ، وذلك
لما يمتاز به عن سائر الناس من رهافة الاحساس ورقته ودقة الشعور وحدته . ونحن نذكر دائما البيت الذى قاله الشابى معبرا به عن (( مأساة الفنان )) :
(( والشقى الشقى من كان مثلى فى حساسيتى ورقة نفسى )) ( 29 )
تلك الحالة الوجودية التى نعانيها فى ساعات (( ضيقنا )) ، والتى يعانيها الفنانون بالخصوص ، كامل حياتهم تقريبا ، هى ما نسميه بالقلق الوجودى ( L' Angoisse ) فما هو القلق الوجودى ، وكيف ظهر لدى الشابى ، وما هى بواعثه لديه ؟
يقول العالم النفسانى ، الفرنسي - بول ديال ( Paul Diel ) فى كتابه الذى سنعتمده فى تحليلنا لهذه الحالة - (( الخوف والقلق الوجودى )) ( La Peur et l'Angoisse ) : (( أن تحيا ، يعني أن تحس ، وأن تحس يعنى أن تتذبدب بين حاله من الشعور بالرضى وحالة من الشعور بعدمه ، وهاتان الحالتان المتناقضتان تظهران على الصعيد البشرى فى شكل احساسين واضحى الاختلاف . وهما القلق الوجودى ، والطمانينة )) ( 30 ) فالحياة اذن مقترنة بالاحساس . فمن لا احساس له يعد بطبيعة الحال من الذين فقدوا الحياة . وهذا الاحساس الذى يحقق لنا الحياة ليس حالة قارة ، لا متغيرة بل هى حاله تذبذب يتجاذبان قطباها بين مد وجزر وهذان القبطان هما الشعور بعدم الرضى ، او الشعور بالرضى ، اللذان يظهران لدينا فيما نحققه من طمأنينة أو ما ينتابنا من قلق وجودى . حياتنا اذن قائمة على هذين الاحساسين المتناقضين ، وخاصة حياة الفنانين . فهى حياة أساسها (( الحساسية )) المفرطة عكس حياة المفكرين او العلماء :
(( عش بالشعور وللشعور فانما دنياك كون عواطف وشعور
(( شيدت على العطف العميق وانها لتجف لو شيدت على التفكير ،
(( وتظل جامدة الجمال كئيبة كالهيكل المتهدم المهجور ،
(( وتظل قاسية الملامح جهمة كالموت ، مقفرة بغير سرور )) ( 31 )
تلك هى (( فكرة الفنان )) . ان يحيا بشعوره . ولكن هذا الشعور فى ذات الوقت هو مصدر الشقاء فى حياة الفنان . فالحساسية المفرطة التى تمتاز بها عاطفته تجعله يتفاعل مع الكائنات تفاعلا يحقق له انفعالا يتسم فى الغالب بالكآبة والاسى ، وخاصة حساسية الفنانين الرومنتيكيين ، ومنهم الشابى ، الذى اعلن لنا أن حساسيته هى سبب شقائه . وما دامت حياة الرومنتكى قائمة على الاحساس الذى لا يحقق له الطمانينة الا فى النادر ، فانه ليتبين لنا مدى الهوة الفاصلة بين الفنان الرومنتيكى وبين شعوره بالرضى ، أو احساسه بالطمأنينة ، التى تتمثل فيها سعادته ، ولذلك فقد آقترنت حياته
بحالة القلق الوجودى . ((( وهذا القلق الوجودى ، على الصعيد البشرى ، فى شكله الطبيعى ، يعد ، من ناحية احساسا بالضيق للشعور بعدم الرضى , احساسا يبحث عن مسكن له فى الشعور الكثيف بالرضى : فى الطمأنينة ( . . . ) وهو من ناحية اخرى حالة شعورية بالضياع ، عمى حسى ، يتغلب عليه , تطوريا - بالتبصر الدال )) . ( 32 ) . وما يهمنا الآن من هذا التعريف هما هاتان الحالتان اللتان يظهر فيهما القلق الوجودى . وهما حالة الاحساس بالضيق للشعور بعدم الرضى . وحالة الشعور بالضياع . فهذا الضيق الذى ينتهب نفس الفنان فيشعر بالانقباض الحاد المتولد عما يجد الفنان فيه نفسه من ظروف قاسية وحالات حياتية شقية قد تكون من خلق حساسته أحيانا , ولكنها فى الغالب - كما هو الشأن بالنسبة للشابى - ذات جذور بعيدة فى حياة الفنان ذاتها . وذلك ما يضعه ضمن اطار مأسوى يهيمن عليه هذا القلق الوجودى الجاثم ، ويتطلع الى حالة الطمأنينة ولكن الشعور بعدم الرضى يذبذب احساسه فيفقد ما يمكن ان يتولد له من الغبطة أو السرور فى حياته .
يكون توقه الى كثافة الشعور بالرضى كبيرا . يسمو بخياله وفكره الى الطمانينة فيراها طيفا نازعا وسرابا خادعا ، فتكون فداحة احساسه بالواقع وتكون محاولته الهروب الى عالم من خلق خياله . هو عالم (( الحلم )) . وضمن ذلك الاطار المأسوى تتولد الحالة الثانية ، وهى الضياع ، أو التيه . ويجد نفسه أمام مفترق طرق كلها منذر بالخيبة وفداحة الفشل . فتراه يبحث عن العزاء وقد يجده احيانا - فى عالمه الخيالى - وقد يرتضى الانتحار حلا ، فى بعض الاحيان . وهذه الحالة الثانية هى الحيرة القاتلة ، التى تزيد من فداحة الاحساس بالقلق الوجودى وتكثف من عمقه فى نفس الفنان عامة ، وفى نفس الرومنتيكى خاصة . فهذه الحيرة الجذرية فى حياة الفنان - الفكرية والشعورية - هى بذرة القلق الوجودى . (( هى القاسم المشترك بين جميع الكائنات الحية ، اذ انها تنتج عن تبعية هذه الكائنات ، الحتمية ، الى عالم يحيط بها ، قابل لان يكون عقبة امام اشباع الرغائب الحياتية )) ( 33 ) ولا تقتصر هذه الحيرة لدى الفنان على اقلاقه ماديا ، بل ان المتاعب الفادحة تتحقق له فى حياته الفكرية والشعورية ، وذلك ان (( الوسيط بين الحيرة المعاشة مباشرة والعالم المدرك بعمق ، هو الجسم . والحيرة تتبين من خلال الجسد . ولكنها لا يمكن لها أن تحقق ذلك الا بعد ان تكون قد انطبعت من قبل ، وهذا الانطباع ليس الا الحياة الشعورية )) ( 33 ) وتكون حياة الفنان - الشعورية والفكرية دائما - بذلك ، هى الحيرة نفسها ، الحيرة الجذرية التى تقلب عليه صفو حياته وتكدر عليه غبطة الوجود التى لا يمكن لها ان تتحقق فى ظل تلك الحيرة القاتلة . فيشعر عندئذ بمرارة ، أنه انسان لا علاقة له بالعالم الذى يعيش فيه ويحيط به ، وان وجوده فى مجتمعه غير موفق ، بل أن مكانه
من الحياة جملة كان يجب ان يكون غير ذلك المكان الذى هو حيزه . وتتحد تلك الحالة الشعورية بكوامن النفس الموروثة الحاصلة عن خوف الانسان من كابوس مرعب يتصور له ويتشكل فى صور وأشكال عديدة ، فيكون تارة المصير المجهول وتارة الغد وما يكنه من غيبيات ، طورا شبحا مرعبا لطاغوت القوى الغيبية التى تباغتنا بما لا يحمد وطورا آخر طيفا خابلا للحياة ذاتها . تلك الصور وتلك الاشكال كانت منذ أقدم العصور لاصقة بمخيلة الانسان . وقد أطلق عليها الشعراء والفنانون كثيرا من الاسماء ونعتوها بشتى النعوت ، من دقيقها تسميه الشابى لها ب (( ـــــغول الشقاء )) ( Le Demon ) قلت : ان كوامن النفس - الشعورية واللاشعورية - الموروثة الحاصلة من خوف الانسان من ذلك الشبح المرعب تتحد بتلك الحالة الشعورية الناتجة عن الحيرة الجذرية ، فيكون القلق الوجودى مقترنا بالخوف الذى ينتهب النفس الانسانية مهما تبلغ بها الشجاعة . هو اذن (( حصيلة الاحتباس المتوهم للخوف . انه يبدو خوفا مستحضرا بالخيال ، حالة من الحيرة لا يشعر بها عند مواجهة الخطر الراهن ، ولكن فقط أمام الخطر المتصورة امكانية وقوعه )) ( 34 ) . كذلك يبدو فى حياة الافراد . ولكنه فى حياة الفنان - الرومنتيكى خاصة ، والشاعر بصفة أخص - يتجاوز ذلك الخوف المتخيل - المتوهم - لما ينتج عن حساسية الرومانتيكى من فداحة الشعور بالحيرة الجذرية التى تكون حياته - الشعورية والفكرية - ويقترن عندئذ الخوف المتوهم المحتبس والوهم الحقيقى ، ويرتبط الاثنان بتلك الحيرة . فيكون القلق الوجودى آنئذ فى أشده وتكون قساوته فى ضراوتها . ويكون بحق ذلك (( التضارب بين الخيال والواقع )) فى ذات الفنان ، ذلك التضارب الحاد ، العنيف .
لقد رأينا - الى حد الآن - ماهية القلق الوجودى ويواعثه النفسية العميقة الجذور فى نفس الانسان ، والفنان بصفة خاصة ، وفى حياتهما كذلك . غير ان هناك بواعث لهذا القلق لا تنبع من النفس ، ولكنها تتولد مباشرة من حياة الفنان بما يحيط بها من ظروف وما يعتورها من احداث ، كالمرض ، او فقد عزيز . . . ويهمنا الآن ان نبحث فى حياة الشابى عن هذه البواعث الخاصة التى تزكى القلق الوجودى لديه كفنان ، وكشاعر رومنتيكى خاصة ، بعد ان نظرنا فيما يشترك فيه مع غيره من الفنانين من بواعث متصلة بالنفس .
تتعدد البواعث على نشوء القلق الوجودى لدى الشابى الى درجة توجب الاحتراز ، ولكننا سننظر فى ثلاثة فقط من هذه البواعث ، لانها الاهم أولا , ثم لانها صحيحة لا شك فى صحتها ، اذ نستنتجها من آثاره ذاتها ، زيادة على اقوال من عرفوه . وهذه البواعث الثلاثة هى فشل حبه الاول الذى انتهى بفقد حبيبته . ثم وفاة والده . ثم مرضه
أما عن حبه الاول ، فقد ورد ذكره كثيرا فى الديوان ، وكذلك فى مذكراته وقد كان هذا الحب أول شرارة تقذف بها الحياة فى قلبه الشاعر وهو صغير السن ، ولا نعرف آنئذ عمره ، ولا نعرف ظروف هذا الحب كيف نشأت ولا كيف انتهت ، ولكننا نعرف أنه ظل يبكيه الى آخر حياته ، ونعرف كذلك ان هذه (( الحبيبة )) كانت احدى رفيقات الصبى الاول ولا غرابة فى ان تكون قصة حب بما فى كلمة الحب من المعانى المحتملة اذا عرفنا ان الشابى قال الشعر وهو فى الثانية عشر من عمره ، أى أنه خلق شاعرا وكانت حساسيته قوية منذ صغره . يذكر لنا فى مذكرته الاولى - 1 - جانفى 1930 - ( 35 ) انه جلس وحده فى سكون الليل يستعرض رسوم الحياة الجميلة - رسوم جنته الضائعة - ويفتكر فى أيامه الجميلة الضائعة ، يستثير أرواح الموتى من رموس الدهور ، جلس ينظر الى غيابات الماضى ، ويحدق فى ظلمات الابد الرهيب الغامض ، فماذا رأى ؟ رأى رسوما كثيرة . ولكن من تلك الرسوم والصور الكثيرة التى تتعاقب على نفسه كغيوم الربيع ، يتضح له اثنان منها , لما لهما على حياته من الاثر . واول هذين الرسمين هو صورة تلك (( الريحانة الجميلة )) ثم ها هى تلك الريحانة الجميلة التى انبتها فى سبيلى انامل الحياة . ها هى تنظر الى بعينيها الجميلتين الحالمتين بأحلام الملائكة . ثم تشير الى براحتها الجميلة الساحرة وأناملها الدقيقة الوردية . ثم ها هى تطبع على ثغرى قبلة حلوة ساحرة بشفتيها المعسولتين برحيق الحياة )) ( 36 ) اما فى الديوان فكثيرا ما يعترضنا ذكر هذا الحب ، وهو دائما يذكره فى هالة من الحزن العميق والحسرة الكبيرة والاجلال الذى يتولد عن ذكرى عزيزة لن يعود الماضى الذى وقعت فيه . وأول قصيدة تعترضنا فى الديوان فيها بكاء على ذلك الحب ، هى قصيدة (( مأتم الحب )) ( بتاريخ 3 أوت 1927 ) التى نستطيع الجزم فى شأنها بأنها رثاء حبه الاول . وفى قصيدة (( جدول الحب - أو بين الامس واليوم )) ( بتاريخ 30 اوت 1927 ) يصور لنا حالته بعد تلك الخيبة ، ويذكر لنا تلك الفتاة ، فيقول :
(( جدول قد فجرت ينبوعه فى مهجتى
(( أجفان فاتنة ارتنيها الحياة لشقوتى
(( أجفان فاتنة تراءت لى على فجر الشباب
(( كعروسة من غانيات الشعر فى شفق السحاب
(( ثم اختفت خلف السماء وراء هاتيك الغيوم
(( حيث العذارى الخالدات يمسن ما بين النجوم )) ( 37 )
اما فى قصيدة (( الذكرى )) ( 24 نوفمبر 1927 ) فيذكر ذلك الحب قائلا :
(( كنا كزوجى طائر فى دوحة الحب الامين
(( نتلو أناشيد المنى بين الخمائل والغصون
(( . . ملأ الهوى كأس الحياة لنا وشعشعها الفتون
(( حتى اذا كدنا نرشف كأسها غضب المنون ،
(( فتخطف الكاس الخلوب وحطم الجام الثمين )) ( 38 )
أما فى المقطع الثالث من هذه القصيدة فنحد بيتا يثير الانتبامه، يخاطب به قلبه طالبا منه أن يرحمه مما يعذبه به من الصمت والدمع الهتون ، ثم يذكره
(( مات الحبيب وكل ما قد كنت ترجو ان يكون )) ( 39 )
الا نستشف من هذا البيت أنه كان آملا (( الزواج )) من هذه الفتاة كذلك ؟ على كل ، نعود فنؤكد أن كل هذه الاحتمالات لا تفيدنا كبير الفائدة ما لم يتجاوز بها مرحلة الترجيح الى مرحلة اليقين ، وما أظن ذلك على الذين عرفوا الشابى حق معرفة ، بعزيز ، إذا اجتهدوا . ونكتفى هنا بالتاكيد بأنه أحب وهو صغير . وآثار ذلك الحب جلية فى شعره . وسنعود الى اثر هذا الحب فى شعره فيما بعد . وما نستطيع تأكيده أيضا هو أن ذلك الحب قد جعل القتام يسم نظرته للوجود والتشاؤم الطابع المميز لموقفه من الحياة . وهو باعث من بواعث تكثيف قلقه الوجودى .
اما الباعث الثانى فهو موت والده . وهو المحنة الثانية التى يصاب بها فى ظرف ثلاث سنوات بعد المحنة الاولى ، اذا صح وقوعها سنة 1926 كما تشير الى ذلك بعض الادلة التى لدينا . لقد مات والده فى 8 سبتمبر 1929 بعد عودته الى توزر من زغوان ، التى بقى فيها الى أواخر جويلية من عام 1929 . (40 ) ونلاحظ فنرى ان موت والده كان عليه فادحا فداحة عظيمة جدا . وذلك لما تسببت له فيه من المتاعب المعنوية ، اذ فقد عزيزا غاليا ، ثم لما تسببه له من المتاعب المادية ، اذ ستحد من حريته - حرية الشاعر - فيقوم على أسرته مقام الاب اذ انه واجب عليه ان يرعى شؤونها ويكون عائلها بعد فقد عائلها . وان هدا العامل لما يزيد نظرته الى الحياة قتامة ويزيد تشاؤمه حدة . وهو لذلك كله رثى والده بقصيدة (( يا موت )) ( غرة اكتوبر 1929 ) . وهى قصيدة لما وصفها هو عند تقديمها فى الديوان : (( صرخة من صرخات نفسى المملوءة بالاحزان والذكريات ، وشظية من شظايا هذا القلب المحطم على صخور الحياة . قلتها فى أيام الاسى التى تلت نكبتى بوفاة الوالد ، رحمه الله )) ( 41 ) ويقول للموت :
(( يا موت قد مزقت صدرى وقصمت بالارزاء ظهرى
(( . . . وفجعتنى فيمن أحب ومن اليه ابث سرى
(( وأعده فجرى الجميل اذا ادلهم على دهرى ,
(( وأعده ورد ومزمارى وكاساتى وخمرى ,
(( وأعده غابى ومحرابى واغنيتى وفجرى . . .
(( ورز أتنى فى عمدتى ومشورتى فى كل امر
(( وهدمت صرحا لا ألوذ لغيره وهتكت سرى . )) ( 42 )
واذا عرفنا مدى هذه المكانة التى كانت فى قلبه لابيه ، تبين لنا مدى ما يحدثه فقده فى نفسه من الالم الذى يزيد من حدة نظرته التشاؤمية الى الحياة والوجود معا ، وعرفنا لماذا كان أحد الرسمين اللذين تميزا له من بين الرسوم التى تراءت له من ماضى حياته لما جلس وحده فى سكون الليل محدقا فى ظلمات الابد الغامض : (( ثم ها هو أبى ينظر الى بوجهه الباسم الضحوك ومن عينيه تفيض عواطف الأبوة الراحمة الحنون وها هو يحادثنى بصوته الهادىء الرزين . ثم ها هو يماشينى فى ضواحى (( زغوان )) ، ويصعد فى سبل الجبل المحفوفة بأشجار الصنوبر ذى العطر الاريج . ثم ها هو يشير بيده الى تلك السهول المخضرة المترامية ومن بينها تتناثر كثير من الاكواخ الجميلة والقصور الانيقة التى تشابه حمامات بيضاء واقفة بين المروج )) ( 43 ) .
اما العامل الثالث فكان مرضه . وهو العامل الاهم الذى جعل القلق الوجودى يكون أحد على حياته وأشد اثرا فى شعره . ولمرض الشابى قصة طويلة كثر فيها القول . ولكن الرأى قد استقر أخيرا على أن الشابى كان مصابا بضعف فى القلب . وقد ذكر هو ذلك فى احدى مذكراته - بتاريخ 16 جانفى 1930 - كان يقوم بنزهة صحبة رفقة له . ورأى مشاهد كثيرة متبابنة (( ها هنا صبية يلعبون بين الحقول ، وهناك طائفة من الشباب الزيتونى والمدرسى يتريضون فى الهواء الطلق والسهل الجميل ، ومن لى بأن أكون مثلهم ! ولكن أنى لى ذلك والطبيب يحظر على ذلك . ان بقلبى ضعفا . آه يا قلبى ! انت مبعث الاسى ومستودع أحزانى ، وأنت ظلمة الاسى التى تطغى على حياتى المعنوية والخارجية ) ( 44 ) ويؤكد هذا ما ذكره محمد فريد غازى عن مرض الشابى . قال : (( ان صدقنا أطباؤه - وخاصة الحكيم الماطرى - قلنا ان الشابى كان يألم من (( ضيق الاذينة القلبية )) ( Retrecisement mitral ) أى أن دوران دمه الرئوى لم يكن كافيا ( . . . ) وضيق الاذينة القلبية (( هو ضيق او تعب يصيب مدخل الاذينة ويجعل سيلان الدم فى الشرايين من الاذينة اليسرى Oreillete ) ( gauche نحو البطينة اليسرى ( Ventricule gauche ) سيلانا صعبا أو معترضا ( . . . ) وهذا المرض كثيرا ما يكون (( وراثيا )) ( وهو )كثيرا ما ينشأ عن برد يصيب الاعصاب والمفاصل ، وهو يظهر فى الاغلب عند الاطفال
والشبان ، ما بين العاشرة والثلاثين ، وخاصة عند الاحداث على وشك البلوغ )) ( 45 ) ومن المؤكد أن مرض الشابى لم يقف عند حده الطبيعى ، بل كان يزداد تضخما ويزداد بذلك شدة على حياة الشاعر . ومن تلك العوامل العديدة ما ذكرناه آنفا من صدمته بفشل حبه الاول ، ثم صدمته بموت أبيه ، ثم مزاجه الخاص المتأثر بعصابية الفنان فيه وعصابية المريض العادى ، ثم انه كان ، فى حد ذاته ضعيف البنية ، وقد تزوج رغم ضعفه ورغم المرض الذى كان يعانيه ، مع ما يمكن ان يتركه الزواج من اثر سئ على مرضه . ثم هو فوق ذلك كله لم يلتفت الى نصيحة الاطباء له بألا يرهق نفسه بالتفكير ونظم الشعر خاصة , لما يسببه له الشعر من المتاعب احداها الحالة او الحالات التى يعانيها اثناء (( النوبة )) , كما راينا ذلك . ومن الطبيعى جدا أن يتطور المرض نفسه اذا لاقى عدم العناية به .
تلك هى العوامل الثلاثة التى اتحدث على انماء القلق الوجودى فى حياة الشاعر . القلق الذى يولد شعورا دائما بالالم العميق فى اغوار النفس وابعاد الذات ، يلازم الشاعر فى كل احساس وفى كل رؤية ، وان تعلل فيما بين ذلك بطيف شعور بالغبطة نتيجة ما تتعلق به نفسه من أوهام تتراءى لها احيانا خيط النجاة نتيجة حساسيتها المرهفة . واذا اتحد ذلك القلق الوجودى بما يرسب فى اعماق اللاشعور من موروث الخوف من (( غول الشقاء )) تولدت فى حياة الانسان تلك الحالة الدائمة من الشعور بعدم الرضى . وبذلك تتولد فى حياة الانسان حالة أخرى أشد ضنى وأحد مفعولا فى الحياة البشرية , وهى حالة (( السام )) او (( الضجر )) ( Ennui 'l ) التى ادت بكثير من الفنانين الى الانتحار . ولقد كان اثر ذلك القلق الوجودى على شاعرية الشابى بالغ الاهمية . فكيف تجلى ذلك الاثر ؟ ذلك هو موضوع الحلقة الرابعة من هذه الدراسة ، فى العدد القادم .

