ان من الشعر ، وهو ألوان شتى جل أن تحصى ، ما يروعك وينفذ فيك لأول وهلة فيملك عليك نفسك وأنت لم تصدق بعد موقعه منك ، ولا تدرى ماذا حدث لك وأى أمر حل بك ، فكأنه العيون النجلاء تاخذ بلبك قبل أن تتبين الملامح التامة لهذا الوجه الذى طلع عليك . فما ان يجرى " المطلع " على لسانك ويطرق سمعك حتى يبهرك ويهزك توا ويستخفك طربا ، ويرسم لك منذ اللمسة الأولى لوتر الشعور طابع النغم ويبلغك قمة روعته وغاية منتهاها
وليس بعد ذلك الا أن يتأكد هذا الطابع ويتضح ، ويتسع هذا اللون عينه من الروعة ويزداد ، دون ان يغاير أصله أو يبين عنصره.
انه الشعر النهم الذى يأبى الا أن يفوز بأعجابك دفعة واحدة ويحصل طربك نقدا دون امهال أو مماطلة أو تريث . كقول الشاعر فى هذا التمهيد الجميل ( 1 )
عيد ! بآية حال عدت يا عيد ؟ بما مضى ام لآمر فيك تجديد؟
أما الأحبة فالبيداء دونهم فليت دونك بيدا دونها بيد!
يا ساقيي اخمر في كؤوسكما ؟ ام فى كؤوسكما هم وتسهيد؟
اصخرة انا ؟ مالي لا تحركني هذى المدام ولاهذى الآغاريد؟
إذا أردت كميت اللون صافية وجدتها وحبيب النفس مفقود
وكقول الآخر ( 2 ) :
ايها الساقيان صبا شرابى واسقيانى من ريق بيضاء رود
ان دائى الظما وان دوائى شربة من رضاب ثغر برود
ولها مضحك كغر الأقاحى وحد ث كالوشى وشى البرود ....
ومن الشعر ما يحسن بك ، أولا وقبل أى تشرط ، ان تعطيه قياد نفسك وتمكنه منها دون تأب او نفور وتقبل عليه حسن الظن مسمحا مطواعا
فكانه يهيب بك : أن ثق بي سلفا وتنازل لى عن ارادتك واختيارك وحدودك ساعة ، عل أن تخبرني بعد وترى مسافة ما بين الظن والحقيقه ، وعليك ان يختفي شخصك ويسكت لسان عقلك وليس الا أن ترهف سمعك ويشرئب قلبك ولا تحلل ولا تفصل ولا تدقق ولا تجزئ ولا تناقش ولا تعترض، وانما هو الاستيعاب المحض والتلقى والقبول كذا ينبغي أن تكون قراءتك لهذا النشيد : ( 3 )
غير مجد فى ملتى واعتقادى نوح باك ولا ترنم شاد
وشبيه صوت النعى اذا قي س بصوت البشير فى كل ناد
ابكت تلكم الحمامة ام غنت على فرع غصنها المياد ؟
صاح ! هذى قبورنا تملآ الرحب فأين القبور من عهد عاد؟
خفف الوطء ما اظن اديم الآ رض الا من هذه الأجساد
وقبيح بنا وان قدم العهد هوان الاباء والاجداد
سر ان اسطعت في الهواء رويدا لا اختيالا على رفات العباد
رب لحد قد صار لحدا مرارا ضاحك من تزاحم الاضداد
تعب كلها الحياة فما أعج ب الا من راغب فى ازياد
ان حزنا في ساعة الموت اضعا ف سرور فى ساعة الميلاد
ومثله قول الشاعر (4) فى هذه المرثية النادرة:
علو فى الحياة وفى الممات لحق تلك احدى المغجزات
كان الناس حولك حين قاموا وفود نداك ايام الصلات
كانك قائم فيهم خطيبا وكلهم قيام للصلاة
مددت بديك نحوهم احتفاء كمدهما اليهم بالهبات
ومن هذا الصنف شعر أبي نواس فقد تجحده وتنكره فى عامة وقتك ولكنك مضطرا أن تعنو له أخيرا وتقر بفضله .
ثم هناك شعر يستهويك بلا شئ ، بلا أداة أو واسطة ، سحر محض.
فهو اللفظ كاللمح يلمس النفس تيارا خفيا فتنداح فى ارجائها دوائر رنين وتموجات شعور وأخيلة سراب .
وعبثا تبحث عن أغوار وأعماق تغوص فيها وتتيه ، وعبثا تبحث فيه عن أصل أو مبرر أو وجه لهذا الطرب والتأثير ، فلن تجد غير النغم يطوف بك ويلتف حولك هالة راقصة .
شعر كالماء النمير تسيغه وتحمده جوارحك ولكنك لا تتبين طعمه ولا تدرك كنه عذوبته .
هو اليك ان نظرت اليه جملة فاذا أردت التفصيل والتمييز تهافت واختفى.
مثل هذا الشعر تستطيع أن تسمعه " بأذن واحدة " ، أن تصغي اليه غافلا شارد اللب فلا بد أن يلاحقك بنبرة خاصة ويمس نفسك بنكهة مبهمة غريبة لانك لا تستطيع أن تقطع فى أمرها . أهى فى اللفظ أم في المعنى ام . فيهما معا ممتزجين متآلفين حتى لاجفاء بينهما ولا انفصام .
انه بيان الموسيقى وايحاء الموسيقى ، بليغة فى ابهامها نيرة على خفائها وغموضها . وان به كقوة العدوى فهو كصوت قينة ابن الرومي لا يحجبه عن القلب شئ :
يلج السمع مستمرا الى القلـــ ــب بلا اذن لا ولا استئذان(5)
فلنصغ الى هذه النبرة الخاصة في مرثبة لبشار : ( 6 )
يا بن موسى ماذا يقول الامام
فى فتاة بالقلب منها اوام ؟
بت من حبها أوقر بالكاس
ويهفو على فؤادى الهيام
لم يكن بينها وبينى الا
كتب العاشقين والأحلام
يابن موسى اسقنى ودع عنك سلمى
ان سلمى حمى وفى احتشام
رب كأس كالسلسبيل تعللت
بها والعيون عني نيام
يابن موسى فقد الحبيب على العين
قذاة وفي ألفؤاد سقام
كيف يصفو لى النعيم وحيدا
والأخلاء في المقابر هام
وثمة شعر كأنه لوحة الرسام يقتضيك أن تتأخر عنه قليلا كى تدرك النسبة المطلوبة أو تقف منه بزاوية الخاصة تظفرك بتآلف الظلال والأضواء وتهديك الى معنى الملامح والقسمات ومغزى الألوان والخطوط ، أو هو كالحلم استفقت منه فتعييك رياضة الكشف عن دقائقه ورموزه فتجهد لتعيشه ثانيا وتغمس نفسك فيه عساه ينفتح ويضئ . قال الشاعر : ( 7 )
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما : لقمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء . . كالأقمار فى نهر
يرجه المجذاف وهنا ساعة السحر
كانما تنبض فى غوريهما النجوم
ومنذ ان كنا صغارا ، كانت السماء
تغيم فى الشتا
ويهطل المطر
وكل عام - حين يعشب الثرى - نجوع !
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع
مطر
مطر
مطر
فى كل قطرة من المطر
حمراء أو صفراء من اجنة الزهر
وكل دمعة من الجياع والعراة
وكل قطرة تراق من دم العبيد
فهى ابتسام فى انتظار مبسم جديد
او حلمة توردت على فم الوليد
فى عالم الغد الفتى ، واهب الحياة !
مطر
مطر
مطر
سيعشب العراق بالمطر ...
ويدخل فى هذا " اللون بعض من الشعر الصوفى كشعر ابن الفارض والسهروردى وعلى الأخص لاميته الرائعة (8 )
بعض الشعر يسلك معك طريق " الاقناع" يؤثر " الحجة " وان تكن حجة القلب والحس ويطيب له أن يحاورك ويطارحك الرأى وينقلك خطوة خطوة الى حيث يريد . انه يرفض أن يغتصب اعجابك اغتصابا ويربأ بك أن يعاملك بغير الرصانة والتؤده فكأنه ، اذ ينشدك ، يستشيرك ويتحسس رغباتك واحدة واحدة فيبادر باستجابتها قبل أن تقوم فى نفسك وتطفو على صفحة ضميرك. وينتهى بك الامر ، وقد استدرجك الشاعر بهذه اللباقة المتناهية ، الى الشعور بأنك أنت صاحب هذا الشعرقد شاركت فى خلقه بل قد صنعته بمحض فكرك ونفثت فيه من روحك . هذا فن ابن الرومى خاصة فى قصيدتيه الجيدتين " القينة وحيد " " ورثاء ولده الأوسط " . قال يرثى ولده :
بكاؤكما يشفى وان كان لا يجدى فجودا فقد أودى نظيركما عندى
ألا قاتل الله المنايا ورميها من القوم حبات القلوب على عمد
وانى وان متعت بابنى بعده لذاكره ما حنت النيب فى نجد
وأولادنا مثل الجوارح أيها فقدناه كان الفاجع البين الفقد
لكل مكان لا يسد اختلاله مكان اخته من جزوع ولا جلد
هل العين بعد السمع تكفى مكانه ام السمع بعد العين يهدى كما تهدى
هذه الاصناف كلها وغيرها مما لا يمكن حصره تصدر جميعها عن أصلين متميزين هما العقل والحس ، وعلى قدر حظ كل صنف من هذين العنصرين المختلفين المتآلفين يكون طابع الشعر وصبغته ، وبذلك يتفرع الى ما لانهاية له من الضروب والالوان .
( 8 ) وهذا مطلع اللامية :
لمعت نارهم وقد عسعس الليل ومل الحادى وحار الدليل
وخير مثال عندى للشعر الذى حقق توازنا رائعا بين " الحس " والعقل فتحدث اليهما وشفى غليلهما على السواء هو شعر ابن الرومى.
ان أول من اهتدى الى تركيب الشعر بل الأدب عامة وبيان ماهيته ورأى تقسيمه باعتبار عنصريه الأساسيين هو أبو حيان التوحيدى فى كتاب " الامتاع والمؤانسة "
قال : قال شيخنا أبو سليمان : الكلام ينبعث فى أول مبادئه اما من عفو البديهة ، واما من كد الروية ، واما أن يكون مركبا منهما ، وفيه قواهما ، بالأكثر والأقل ، ففضيلة عفو البديهة أنه يكون أصفى ، وفضيلة كد الروية انه يكون أشفى ، وفضيلة المركب منهما انه يكون أوفى ، وعيب عفو البديهة ان تكون صورة العقل فيه أقل ، وعيب كد الروية أن تكون صورة الحس ( 9 ) فيه أقل ، وعيب المركب منهما بقدر قسطة منهما : الاغلب والاضعف ، على انه ان خلص هذا المركب من شوائب التكلف ، وشوائن التعسف كان بليغا مقبولا ، رائعا حلوا ، تحتضنه الصدور ، وتختلسه الآذان ، وتنتهبه المجالس، ويتنافس فيه المنافس بعد المنافس ، والتفاضل الواقع بين البلغاء فى النظم والنثر ، انما هو فى هذا المركب الذى يسمى تاليفا ورصفا ".

