الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

محاولة في نقد الفن التصوي عند بلاسكو (*)

Share

استرعى انتباهى لأول وهلة عندما دخلت المعرض تقارب اللوحات من حيث الشكل العام، أما من حيث المضمون فهى فى الحقيقة مختلفة اختلافا كبيرا. ذلك أننى أحسست من خلال تأملى فيها (اللوحات) أنها تحمل فى أعماقها الفلسفة كما تحمل الشعر، وتحمل آمال الانسان المتطلع، كما تحمل مآسيه.

ولقد نزع الفنان فى أغلب لوحاته أربعة منازع، كان فى أغلبها متاثرا بالمدرسة الواقعية التى كان يتزعمها ((جوستاف كوربيه)) (1819-1877). هذا من حيث اختيار الموضوع، اما من حيث الالوان. فكأنى به قد استجاب ((لبول فوفان)) الداعى الى استعمال الالوان خالصة، وعلى شكل مسطحات.

ويمكن ان ننظر فى مدى عمق الاتجاه الأول الذى هو:

1 - النزعة الطبيعية: وأعنى بالنزعة الطبيعية: الميل الى تصوير مناظر الطبيعة. فقد كان الفنان فى هذه المجموعة متاثرا الى حد بعيد بالطبيعة التونسية.

فلوحته ((سيدى بوسعيد)) تبدو لك جميلة ناعمة، يغلب عليها اللون الأزرق، مع وجود لطخ بيضاء وخضراء تمثل البناءات والاشجار. ويرافقك اللون الأزرق خاصة من اللوحة الاولى الى اللوحة الأخيرة باستثناء ثلاث أو أربع منها.

فحتى عندما يصور ((قرية تونسية)) تلاحظ ان الفنان فى وضع الوانه يضرب على وتر واحد، الا انه فى هذه يدخل اللون الاحمر والابيض بعد مزجهما، ليدهن بهما الحيطان، فيبدو لك منظر اللوحة باهتا، كتلك الحياة

الباهتة التى يعيشها القرويون ... كما أن فى الخطوط الغليظة التى تتخلل هذه اللوحة، ايحاء بنوعية الحياة التى تعيشها جل القرى الريفية، من جفاء فى الطبع، وعدم انسجام فى الاحساس.

أما لوحة ((امرأة على الشاطئ)) فيغطى جلها اللون الأزرق، وبتمعنك فى جسم المرأة المتمدد على الرمال، يسرى فى أعماقك شعور ((بأن الحياة ليست طاحونا نقضى فيه أعمارنا لاهثين لغوبا ونصبا)) بل توحى لك هذه اللوحة على بساطتها، بأن الانسان مهما غرق فى حمأة المجتمع، فانه يحتاج الى فترة يختلى فيها بمفرده، ويراجع فيها نفسه بنفسه.

ويمكن أن نقول: أن الفنان فى هذا القسم من لوحاته قد تأثر تأثرا ظاهرا بالطبيعة التونسية، وخاصة زرقة السماء وصفائها، وزرقة البحر وهدوئه. ويدلنا على هذا اللون الأزرق الذى يضعه الفنان خالصا بدون مزج على أرضية اللوحة، وهذا يذكرنى بجماعة ((الفارس الأزرق)) وهم ثلة من الفنانين الألمان، كانوا يحبذون اللون الأزرق الخالص حتى فى رسم الجياد (1).

2 - النزعة الفلسفية : أقول نزعة فلسفية، لأن كل ما يتصل بتفكير الانسان فى الموت والحياة - هو عندى - من قبيل الفلسفة. فما رأيته فى لوحة صور فيها الفنان شجرة حطمتها صاعقة ليل (arbre foudroye) ليؤكد هذا المنزع التأملى عند الفنان. فالأغصان المتهدلة المائلة للسواد تبدو لك وكأنها رمز لهذه الفترة القصيرة التى نسميها الحياة. فتحس احساسا عميقا بان تلك الأغصان تحدثك بلسان بليغ عن قوى مختلفة تحف بالانسان، وما تفتأ تنصب له الشباك. الا أنه مع ما وفره الفنان من قوة تعبير فى هذه اللوحة، فهذا النوع - فى نظرى - غير محبب، خاصة إذا نظرنا الى ظروف عصرنا، وما تحمله لقلب الانسان الحديث من قلق وخوف من المصير المجهول، الذى تتحكم فى عنانه الذرة.

فنحن فى مثل هذه الفترة من حياة الانسانية، نحتاج الى فن يخفف أعباء القلق، ويحيط النفس بسياج من الاطمئنان، كي يستطيع الفرد

الإنسجام مع تيار الحضارة الحديثة، ويكون أكثر فاعلية فى المجتمع، وأكثر قدرة على انمائه، وأكثر تثبتا فى الحفاظ على توازنه.

يقول أبيكتيتوس (Epictete): الانسان عندما يجد نفسه فى الأوضاع السيئة التى لا مفر له منها، لا يحاول أن يخرج من ذلك الوضع، لأنه ليس بمستطاعه. نحن فى الحياة نهرب من الحياة، فما دمنا لا نستطيع الخروج من الموت وآلام لماذا نشغل نفوسنا به، لماذا لا ننسى الموت، وننسى العذاب. ونفكر فقط فى أننا نحيا ..)) إذا فما دمنا غير قادرين على تغيير أوضاعنا السيئة مثل التفكير فى الموت فمن الأحسن أن نضرب فى فنوننا على وتر الحياة الراقص، خير بكثير من أن نعزف على وترها الحزين.

وينزع الفنان كذلك نزعة عميقة فى لوحته ((نافذة)) بالرغم عن كونك تراها لأول وهلة بسيطة ساذجة وتبدو لك الألوان فيها، وكأنها وضعت لاجل التناسب بينها لا غير. ولو وقفت امام مشكلة تناسب الالوان فحسب، فان اللوحة تبدو لك خالية من المعنى .. لكنك لو تمعنت قليلا لرأيت فيها رمزا لنظرة الانسان الذاتية نحو الحياة .. معنى ذلك أن لكل انسان منا نافذة خاصة، يطل من خلالها على العالم. بحيث تتلون مظاهر الحياة بحسب النظرة الخاصة التى ينظر بها كل منا من خلال نافذة ذاته الى الاشياء. وهذا هو السبب - فى رأيى - الذى دفع الفنان الى ان يضع فى لوحته الأبيض الناصع، والأحمر الساطع، والاسود الغامق.

أما لوحته: ((مظلة)) فانها عميقة ووجهة العمق تظهر لك خاصة عندما تعرف أن هذه اللوحة قد سماها الفنان: ((عمى)). هنا يقف بك الفكر للتحليل: فالأرضية بيضاء تتخللها لطخ حمراء خفيفة، والمظلة سوداء ككل المظلات التى نحملها ايام المطر، ولا شك أن ذهنك سيذهب بك الى أن هذه المظلة التى سماها الفنان باسم لا شك أنه قد أحبه حبا عميقا - يذهب بك الذهن الى أن الاشياء الصغيرة يمكن أن تقوم مقام الاشخاص، معنى ذلك: انك عندما ترى عمامة جدك، فانك تتذكر جدك بالذات، ومن ثم فانك لو ذهبت يوما الى المريخ، فانك عندما تتذكر الأرض، تتذكر بالضرورة الانسان.

واعتماد على ما سبق فانه يمكننا أن نقول: أن البساطة مع العمق فى هذا القسم هو الذي اضفى عليه نزعة فلسفية مغرية، ولهذا السبب كذلك فاننى أتردد فى حشر هذا القسم ضمن النزعة الواقعية.

3 - النزعة الانسانية : يتجلى هذا الاتجاه خاصة فى لوحة ((طفل فى الحرب)) Enfant dans la guerre

فاللون الابيض الذي يغطى جل اللوحة يدل على براءة الطفولة، الا ان هذه البراءة لم تسلم من الآفات البشرية، فوقف لذلك الطفل وقفة اعتدال بنظر الى بعيد، نظرة ذكرتنى بنظرة تماثيل قدماء المصريين المؤمنة بالبعث والخلود، الا ان الفرق واضح بين هذه وتلك، فنظرة هذا الطفل على بعدها تملؤها الحيرة والخوف من المصير، حتى لتحس وكأنه يسأل أولئك الذين يشعلون الحروب من حين لآخر بجنونهم: ((وأنا! ألا تحسبون لى حسابا؟؟ ...........)) كما يبدو هذا المنزع فى معاناة الفنان لما يشعر به انسان اليوم من قلق، خاصة فى المدن الكبيرة المكتظة بالسكان، ويتجلى هذا فى لوحته ((نيويورك)) التى تبدو فيها بناءات طويلة، يغشيها لون رمادى حزين، يترجم عن مدى التبرم الذي يعانيه أمثال سكان هذه المدن.

فاللون الرمادى الخفيف، والغامق احيانا، يبين بوضوح شعور الفنان بهذه المشاكل الناجمة عن التطور الحديث، ويترجم عن انفعالاته النفسية، التى تضفى على اللوحة مسحة كئيبة.

4 - النزعة التأثيرية : يختلط فى هذا القسم من اللوحات، الجانب التأثيرى، الذى يعبر عن العواطف، بما يشبه الرومانتية من ناحية حيوية الألوان. وابرز لوحة تمثل هذا الجانب، تحمل اسم: ((رجل وامرأة))، وأرضية هذه اللوحة حمراء قانية، مما يدل على العاطفة الصارخة، وفوق هذه الارضية حذاء رجل وحذاء امرأة، وهذه اللوحة لها علاقة كبيرة من حيث الرمز بلوحة (oncle Mon) التى رمز بها الفنان الى حضور عمه الدائم فى ذهنه كلما رأى مظلته.

وقل مثل ذلك فى لوحة ((Jeunesse)) التى تمثل فتاة فى مقتبل العمر، تهم بالوقوف لتستوى على قدميها فكأن الفنان اراد أن يشعرنا بأحلام أمثالها من العذارى، وما يهفين اليه من حرية وانطلاق .. وبصفة عامة، فان المعرض على تنوعه، تلمس فيه خيطا واحدا، يربط أوله بآخره، هو هذا التنغيم المتساوق الذى أراد الفنان اشعارنا به عن طريق الالوان خاصة.

كما أنك تلمس فيه آثار مدارس فنية مختلفة، من تأثيرية تقارب الرومانتية، الى نزعة لرسم المناظر الطبيعية، كالتى كان يمثلها بول سيزان. وبالتالى فان الفنان لم ينتهج منهجا واحدا بالرغم من ان السمة الغالبة على لوحاته هى سمة الفن الكلاسيكى. بل انت لواجد فيه تشتتا، يجعل من الصعب أن تحكم بان هذا المعرض ينتسب الى مدرسة من المدارس.

اشترك في نشرتنا البريدية