- تحليل منطق التحول العاطفي والاجتماعي عند آمنة والمهندس بطلى " دعاء الكروان "
مقدمة : إن المبادئ المستعملة فى تحليل نص هذه الرواية مستوحاة في رؤية فولدمان للادب (1) والعمل الروائى بصورة خاصة الذي يجب البحث عن جدوره - حسب نظره - فى المجتمع البرجوازى المتصنع في أوربا ، وهذه المبادىء - من بين مبادئ عدة - هي :
1) - مبدأ التماثل والوساطة :
وهو يتمثل فى أن لكل أثر ادبى - والرواية خاصة - معطيات غير شخصية (أى غير متصلة مباشرة بشخص الكاتب ) فى مستوى تراكيبة العضوية الداخلية المكونة لعالمه الخيالى ؛ وإنما الكاتب في حقيقة الامر لا يعدو أن يكون بمثابة الواسطة توضح رؤية غير واعية في المجموعة الاجتماعية (اى الطبقة الاجتماعية التى ينتمى اليها) والعمل الادبي في جوهره تجسيم لهذه الرؤية والكاتب هو المنظم لعالمه الخيالي حسبما .
2) - البطل الاشكالى :
وهو محور الشكل روائي . وتوجد بينه وبين العالم الخارجي قطيعة تتمثل فى شكل معارضة من طرفه تقاوم قيم المجتمع البرجوازى المشهورة وتبحث عن اقرار قيم أصيلة تتعلق به والرواية بهذه الصورة تجسم شكلا من اشكال الملحمة حسب لوكاش .
3) - مبدأ رؤية العالم :
الخلق الادبى في حقيقته متأت عن التراكيب الداخلية له والتي تكون متماثلة مع بعض التراكيب الذهنية للمجموعة الاجتماعية (عادة تكون طبقة اجتماعية معينة) ينتمى اليها صاحب الخلق الادبي هذا وهي لا توجد الا فى صورة نزعات فكرية متماسكة الجوانب يعبر عنها برؤية العالم . فكل أثر أدبى فى حقيقته هو تعبير عن رؤية العالم التى تكون بدورها ظاهره للوعى الجماعى لهذه المجموعة الاجتماعية تبلغ درجة قصوى من الوضوح والتبلور فى ذهن الكاتب ينظم بمقتضاها عالمه الخيالى فى عمله الروائى .
وبناء على هذه المبادئ المجملة فنحن سنرى أن التحولات الشعورية المختلفة التى يسمى بها البطلان آمنة والمهندس فى رواية " دعاء الكروان " (2) من رغبة الى حقد إلى حب عنيف إنما هى فى الحقيقة تتولد شيئا فشيئا على لسان البطلة " آمنة "وهي تتحدث الى نفسها من بداية القصة الى نهايتها كما اراد أن يؤكد المؤلف وهي طريقة فى قراءة القصة تتجاوز بعض المعطيات النقدية الكلاسيكية سواء ما كان منها انطباعيا تأثريا كما هو الشأن بالنسبة لرأى محمد مندور فى هذه القصة عندما نعت طه حسين بأنه محلل نفسانى ناجح له دراية عميقة بسبر الاغوار النفسانية (3) أو لانطباع " فرنسيس ريمون " الذي ماشاه فى نفس الرأى (4) .
- وهي قراءة تتجاوز ما اعتبره بعضهم الآخر من أن هذه القصة كتبت على هامش المجتمع الريفى ومشاكله الحقيقية واهتم بمشاكل سطحية وظواهر فردية منعزلة واصطناع المشاكل الغرامية (راجع رأي محمود أمين العالم في كتاب " فى الثقافة المصرية " ط . بيروت 1955 ص 145 ) .
وتأخذ على عاتقها بيان حقيقة عمل طه حسين بالنظر في تراكيبه الداخلية وبناء عالمه الخيالى فى مستويين اثنين رئيسين .
أ - مستوى فردى نفسانى : ويتجسم فى تحليل عواطف آمنة خاصة قبل الالتقاء بالمهندس وهو وسيلة تمكننا من النفاذ الى المستوى الثاني .
ب - المستوى الاجتماعى : وينطلق من فرضية جوهرية تتمثل في اعتبار آمنه والمهندس لطبقتين اجتماعيتين مختلفتين من حيث طبيعة العيش والتفكير والسلوك باختلاف أرضيتهما الاقتصادية المادية البحت .
ويجدر بنا أن نلقى نظرة عاجلة على أهم حوادث القصة قبل الشروع في التحليل . فنتبين أن هيكلها العام يقوم على مغامرة زوجة ريفية ضحية ابنتيها " هنادى " و " آمنة " بعد قتل زوجها فى الريف المصرى للبحث عن العمل لبنتيها فتحرز آمنة على عمل بمنزل مأمور المركز وأختها تشغل خادمة عند المهندس للرى أصيل القاهرة ، وتسقط " هنادى " أخت آمنة في الرذيلة مع المهندس ويعلم خالها فيقتلها ويترك ذلك أثرا عنيفا فى نفس "آمنة " ينتهى بها الى الهذيان ، وعندما لا تجد مفرا من مغادرة البلدة وبيت المأمور لتنتقم من المهندس بعد ما تقوم بعدة محاولات . وتفلح في الحصول على شغل عنده . وهنا يشب صراع قوى دفين فى نفس آمنة وبينها وبين سيدها المهندس ولا تزال تلعب بعواطفه ورغائبه متوددة تارة ممتنعة أخرى حتى يقع فى حبها وينتقل المهندس صحبتها الى القاهرة حيث يتزوجها " .
- وأول ملاحظة عامة تلفت نظر الدارس عند تفحصه لهذا الهيكل العام لهذه القصه تتشكل فى اعتماد المؤلف طريقة سينمائية اصبحت شهيرة فى عرض الحوادث وهى طريقة back Fiash ، أى الرجوع الى الماضي انطلاقا من الحاضر عن طريق التذكر والحوار الداخلى ، فكامل مادة القصة الكلامية مرتكزة اساسا على كلام البطلة وهي تروى ماضها محاورة طائرها الكروان بعدما أصبحت زوجة المهندس .
ذلك أن طه حسين يبدأ قصته بنقل فقرة كاملة من مكانها الحقيقي إن نحن اعتمدنا التسلسل الزمنى الطبيعي للاحداث وهي تبدأ من قوله : " ...ثم يقبل آخر الليل ولم يكن يقدر أنى سألقاه باسمة قائمة " الى قوله فى آخر الفقرة : "... ثم انحدر الى غرفته ومضيت فى أثره " ( 5 ) .
ولا تبدو الحوادث بارزة للقارىء في هذا التسلسل الزمني العادى الا فى أواسط ( الفصل 2) من الرواية عندما تتأمل " سعاد " ( آمنة الخادمه الريفية سابقا ) زوج في المهندس في مظاهر ترفها الحاضر وتستعيد ماضيها الاول البعيد عندما كانت خادمة ( 6 ) .
5) - أما الملاحظة الثانية العامة الخاصة بهذا الهيكل العام للقصه فهى متجسمة في بناء المؤلف قصته على مرحلتين هامتين :
أ - مرحلة أولى تمتد الى منتهى ( الفصل 22 )
وهى تبرز جملة العوامل النفسانية - حسب رؤية طه حسين - الخاصه التى ساهمت إلى حد كبير في خلق التحول الطارىء على شخصية البطله آمنة وانقلابها إلى شابة مثقفة متمدنة بعد ما كانت البدوية الساذجة فى منتهى الفصل المذكور من القصة .
ب - مرحلة ثانية وهي حاسمة فى مواقف القصة وهى تبدأ من الفصل 23 الى نهاية القصة ( الفصل 25 ) تجسم نتيجة هذا التحول وثمراته عندما تعيش صراعا عميقا بينها وبين المهندس وقد أصبحت الشخصيتان ( آمنه والمهندس ) متكافئتين للتواجه .
- فما هى جملة العوامل الفنية التى كانت تعتمل فى نفس آمنة قبل لقائها بالمهندس وكيف تجسمت صور المهندس فى ذهنها - كما أراد ذلك المؤلف - وبعدما ظهرت صورته غامضة فى بداية القصة :
- نجمل هذه العوامل فى صنفين : 1) عوامل ايجابية تظهر المهندس فى صور جميلة جاذبة ومن أهمها :
أ * عامل الثراء والجمال المطلق الذي جعل الفتاة تهيم بالمهندس وتحلم بالخدمة عنده ومعاشرته . تقول آمنة :
" ... وانفقت مع خديجة عاما وعاما .. بعد فيها الامر بيني وبين أختى التى كانت تعمل فى بيت مهندس الرى .. ذلك الشاب الرشيق الأنيق ذو الوجه الوسيم الذى كان يعيش وحيدا فى دار واسعة تحيط بها حديقة جميلة نضرة " ( 7 ) .
ب * عامل اللغز الغامض الذي يميل المرء الى الكشف عنه وحله ويجد لذة فى ذلك . فآمنة تساءل بجهد عن حقيقة هذا المهندس في قولها : " من هذا الشاب ؟ من عسى أن يكون ؟ وكيف يمكن أن يكون ؟ ما عسى أن يكون حظى منه إن لقيته ؟ " ( 8 ) .
ج * عامل الفكرة الدامغة المقلقة لصاحبها والتى تجبره على التخلص منها بكشفها والوقوف على حقيقتها تقول آمنة وهي تحاور نفسها قبل لقائه : " نعم !... هذا المهندس الشاب لقد ارتسم شخصه فى نفسي ارتساما قويا ملحا ليس الى محواه من سبيل " ( 9 ) .
فنلاحظ من كل هذا أن المؤلف قد قام بتحويل الصورة الغامضة للمهندس فى ذهن آمنه فى بداية القصة وفرعها ، الى صور متنوعة جذابة منها الترف والجمال واللغز تأكد لديه سطوتها على نفس الأنثى لجذبها نحو المهندس جذبا ولخلق اللقاء الحتمى بينهما ، أما الصنف الثاني من هذه العوامل فهو جملة .
2) - عوامل سلبية مقيتة وصور كريهة تدفع الى الحقد والانتقام وأهمها . أ * صورة المهندس الآثم الخائن الذي ينمي فيها شعور الكراهية والنفور كما فى قولها : " هو خائن إذن ! وهو يضيف إلى إثم الخيانة إثم الغواية فهو خليق أن يلقى جزاءه ... ولاقيه من يد آمنة هذه " ( 10 ) .
ب * صورة العدو والمجرم الذي يستدعى الكيد والقتل وهو حد اقصى فى هذه الصور السلبية للمهندس فى ذهن آمنة : " ... وكثيرا ما كان يخطر لى أن أظن بها ..( بخديـجة ابنة المأمور التى خطبها المهندس قبل تعرفه الى آمنة ) على أن تبذل لهذا المجرم الاثم الذي لا يعرف حقا ولا يرعى حرمة " (10) .
والمهم بالنسبة لنا أن هذه العوامل الاساسية المتناقضة والصور الذهنية للمهندس المختلفة قد تعايشت فى أعماق آمنة وحركها المؤلف بفضلها الى السعى للقاء المهندس في حالة عاطفية غامضة هى بين الاعجاب والنفور وبين الحب والحقد . ونلاحظ بادىء الامر أن العوامل السلبية والصور الذهنية الكريهة للمهندس ستغلب على وجدانها فى بداية لقائها معه . فآمنة تبرز فى بداية المرحلة الثانية من القصة فى صورة الحاقدة المصارعة ننتظر منها الانتقام من المهندس بقتله وتحقيقها لثأر اختها . ولكن المؤلف - وبعصا سحرية - يغلب عليها العوامل وتحقيقها لثأر أختها . ولكن المؤلف - وبعصا سحرية - فيحول حقدها شيئا فشيئا الى عطف وانتقامها الى تودد وموادعة بل الى هيام ينتهى بالزواج بينهما .
أما من حيث شخصية المهندس فقد سعى المؤلف الى تحويل عواطفه - هو أيضا - من شعور السيد المتجبر العابث الى العاشق الضعيف المتذلل وذلك بتغيير نظرته جذريا الى الخادمة ، عندما كان سيدها الامر أصبح صديقها الوفى الودود يطلب منها الزواج على أساس الاحترام والمساواة الاجتماعية وهو ما يمثل قوله مخاطبا الفتاة فى أواخر القصة : "... تفهمين أنى كنت أريدك على الاثم وانى الآن أريدك على الزواج . . " ( 11 ) .
والمهم أن نستنتج في خاتمة هذا المستوى الاول من التحليل - أى المستوى الفردي النفساني - أن البطلين لم يلبثا على حالتهما النفسية البدائية تجافيها من مركبات وطبائع خلقها فيهما انتماؤها الى طبقتين اجتماعيتين من حيث نظام العيش والقدرة الاقتصادية بل أقبل الكاتب على تغيير هذه المركبات تغييرا واضحا أدى بهما الى اللقاء والزواج فى نهاية المطاف وهو ما يريده طه حسين أن يتم فعلا وبصورة مقصودة والا فان الخاتمه المنطقية لهذه القصة والمنتظرة هي الصراع فالقطيعة بالموت أو بالفراق فحسب . فكيف
يمكن للشارح ان يغير إذن سر هذا التغيير المقصود وتحويله لعواطف بطليه بهذه الصورة ؟
هنا لزم علينا أن لا نقتصر على هذا التفسير النفسانى الفردى ولفهم تركيبه الداخلى الحقيقى وجب أن نفترض أن هذا الزواج في حقيقته ربما كان رمزا لالتحام طبقتين اجتماعيتين أراد المؤلف ان يتحاور أو ينتهى بهما الامر الى التصادق والاتحاد . وهو ما يمثله المستوى الثاني من هذه القراءة التحليلية .
أى : المستوى الاجتماعي لهذا التحول : فالحقيقه ان هذا العمل الروائى يمكن أن يستجيب الى بعض المبادى المذكورة والمتصله بالنقد السيويولوجى الذى تزعمه فولمان في فرنسا ويمكن ان نبحث فيه عن رؤية العالم جسمها طه حسين فى هذا الاثر وهي بدورها تمثل شبه " ايديولوجية " المجموعة الاجتماعية التى انتمى اليها المؤلف أثناء كهولته وهى الطبقة البرجوازية المثقفة فى مصر قبل الحرب العالمية الثانية ( نذكر هنا أن طه حسين قد كان من أعضاء حزب الاحرار الدستوريين الذى يمثل طبقة كبار الملاك والمثقفين في مصر منذ تكوينه سنة 1922 وانه لم ينضم الى حزب الوفد أى حزب الشعب والطبقات الكادحة من المجتمع إلا ابتداء من سنة 1937 أى قبل كتابة هذه القصة بسنة واحدة (12) .
فهذه الطبقة سرعان ما ركنت الى العزلة عن مصالح طبقة الشعب والفلاحين فى القرى والأرياف خاصة عقب معاهدة الهدنة مع الانقليز سنة 1936 واستيلاء الملك فاروق على عرش مصر وبعد مآسي الازمة الاقتصادية العالمية فى سنة 1929 التى سحقت الفئات الشعبية سحقا وتسببت في خلق موجة من الحيرة والتأزم فى القيم مما سيخلق مادة ثرية استغلها القصاص نجيب محفوظ فيما بعد كمادة خام لقصصه الواقعية الاولى المعروفة . فمعطيات هذا التحول العاطفى والعقلي عند البطلين تكمن فى خلفيته الاجتماعية والاقتصادية ومن أهم ملامحها التى وردت ضمنيا فى قصة " دعاء الكروان " والمتعلقة بشخص آمنه ما أشار اليه الكاتب من أنها كانت تسكن جغرافيا ، المنطقة الغربية من الصعيد المصرى وتحولت فى مغامرتها الى شرقي النيل أى الى موطن سكان المدينة حيث استقرت بالقاهرة زوجة للمهندس ، فالغرب له مفهوم دلائلى ثرى فى القصه إذ هو يمثل فى حقيقة الامر موطن فئات الفلاحين من أهل الريف
والبدو الذى كان دوما موضع تمرد وثورة من قبل آمنة . والمؤلف جعلها تنقاد فى رحلتها الى الشرق اى الى المدينة موطن الفئات المتحضرة والغنية ( أى موطن البرجوازية المثقفة ) وقد أكد طه حسين هذا على لسان البطلة عندما تقول : " فالمدينه هي إذن غايتى من كل هذا السعى فيها ألتمس الامن وبين أهلها ألتمس الحياة الوادعة ..) (13) ، فهذه البطلة قد انطلقت إذن إلى المدينة تتعاطى الخدمة عند العائلات بل تنافس خديجة ابنة مخدومها (مأمور المركز) فى تعلم اللغة الفرنسية تلك اللغة التى يفاخر بها أهل المدن سكان الريف من الفلاحين ويعتبرون حفظها أمارة من أمارات التحضر والارتقاء فى السلم الاجتماعى . تقول آمنة في هذا المضمار : " ... أين هذه الكتب الفرنسية التى كنت انفق معها أكثر النهار وشطرا من الليل قارئة أو متحدثة عما قرأت " (14).
- فالفتاة البدوية الساذحة البسيطة من حيث وضعها الاجتماعى والاقتصادي قد غيرها المؤلف تدريجيا وجعلها تقبل بسهوله وسرعه على معاشرة أهل المدن وتتعلم لغة الحضارة والتمدن قسما بها الى مستواهم وجعلها قادرة على اجادة التفكير والسلوك بل ومواجهة المهندس الى حد التغلب عليه فى أول مرحلة من الصراع وفرض قيمها ولكن سوف لن تنجح طويلا فى ذلك . ومن ملامحها أيضا والمتصلة بشخص المهندس أنه قبل كل شىء ابن مدينة القاهرة له من المال بحكم وظيفته فى الحكومة ما يجعله يمتلك حديقه واسعة ويستأجر الخدم ويستغلهم استغلالا فاحشا تجسم فى عبثه المتواصل بشرف خادمات ريفيات متعددات أقمن على خدمته لكسب القوت .
فالمؤلف جعل المهندس من هذه الطبقة البراجوزية المثقفة من أبناء المدينة ، ينحنى للحوار مع آمنة رمز الطبقة الريفية الكادحة دون أى تصلب أو كبرياء بل ويتودد إليها توددا أدى به إلى طرح كثير من قيم طبقته البرجوازية كقيمة المال مثلا وتجاوزها بسهولة أمام التكافؤ الحاصل بينه وبينها على صعيد الفكر والثقافة ، وقد تبلورت هذه المعاني من خلال مخاطبته لآمنة فى خاتمة الصراع : ".... فانك ... تظنين أنى أعبث ( عندما طلب منها الزواج الشرعى) ... وتقدرين ما بينك وبينى من الفرق الاجتماعى ، متى تزوج السيد
الغني المترف من خادمته الشقية البائسة ؟ .. أليس هو ما تقدرين ؟ فأريحى نفسك ... لقد رأيت منذ عرفتك أنك لست خادما كغيرك من الخدم " (15) .
- إن المتفحص للتفكير الباطنى الذى كان يعمل عمله فى طه حسين وهو بصدد خلق بطليه آمنة والمهندس - انطلاقا من هذه الخلفيات - يلاحظ أن الكاتب يصور هذا الصراع الذى أدى الى التفاهم والاتحاد في خاتمة المطاف ، يصوره بكثير من التلفيق الادبى المنسق بين مواقف متناقضة متصلة بالبطلين من حيث أنهما ينتميان الى طبقتين اجتماعيتين متنافرتين بطبعهما كما ذكرنا ذلك سلفا وهو وليد منطق خاص نابع من رؤيته ( أى رؤية الطبقة الاجتماعية التى ينتمى اليها ) التوفيقية بين مختلف الطبقات ويعتمد مبدأ ضرورة اكتساب الثقافة التى تستسلم بها الطبقة الاجتماعية العليا ( هنا الثقافة الفرنسية بالنسبة لطبقة المهندس البرجوازية ) من قبل الطبقة الاجتماعية الدنيا - ويكفى أن نقارع هذا المنطق بالواقع القومى الحي في مصر آنذاك حتى نتأكد أن هذا الالتحام الذى حرص المؤلف على أن يكون نهاية حتمية لقصته "دعاء الكروان " مستبعد التحقيق فى الحياة الواقعية . وهذا ما جعله يختلق مواقف غريبة لا يقبلها العقل والمنطق : من ذلك مثلا جعله آمنة خادمة ريفية من صنف بشرى رفيع جدا ، يتفلسف فى مصيره ويختار أعماله بحكمة وتبصر ، ثم يقدر على الاندماج بسهولة مريبة فى الطبقة العليا بتعلم لغتها الفرنسية أمارة تحضرها ورقيها بالنسبة للطبقات الاخرى . والاعجب من كل ذلك أن تبوء هذه الخادمة الى الفشل فى فرض بعض قيمها البدوية ( كالانتقام للشرف وصون العرض ) وتنصهر بسهولة فى بوتقة طبقة زوجها فتصبح هي بدورها " متبرجزة " مثله تمد يدها الى " زر كهربائى قريب " فيطرق الباب وتدخل عليها خادمة تقوم على راحتها "..... " ساهرة مهما يتقدم الليل لانها لا تستطيع أن تأوى الى مضجعها حتى تأذن لها بالنوم " (16).
ومن ذلك ايضا خلقه شخصية المهندس على صورة السيد الذى يطول صبره وتنفذ حيلته أمام خادمته ويذهب به الضعف والعطف إلى حد البكاء والتذلل لها . تقول آمنة فى هذا الباب مستغربة ذلك : " يا للهول ! ماذا أرى ؟ وماذا
اسمع ؟ وماذا أجد ؟ هذا سيدى مثلا بين يدى يتلطف " ثم يستعطف ثم يستجدى " . ثم هذا هو باكيا فى صمت ... " (17) .
نعلل هذا العمل إذن بأنه من صنع المادة الروائية الخيالية التى تحمل فى طياتها رؤية للعالم من قبل الطبقة الاجتماعية الذي ينتمي اليها المؤلف في بداية الثلاثينات من هذا القرن والتي أبرزنا انها تتجسم فى دعوة ضمنية وجادة للطبقات الضعيفة من أهل الريف الى التحاور مع الطبقة البرجوازية المسيطرة على الحكم بالارتفاع الى مستواها الحضاري العام عن طريق الثقافة والتعليم الاجنبى الذى هو عين السلاح الذى تتدرع به هذه الطبقة فى رأيه ، وبصورة أخرى فان المؤلف رمى من حيث لا يشعر الى تغيير القيم السائدة بين الطبقات بزرعه لنوع من الديموقراطية المثالية وقادرة - حسب ظنه - على سحق الفوارق الطبقية وما ينجر عنها . واذا كانت هناك أهمية لهذا العمل الادبي فنحن نحصرها فى انها تعبير عن رؤية خاصة لحل قضية الصراع الطبقى فى مصر قبيل الحرب العالمية الثانية . على أن المؤلف لم ينجح فى خلق بطل اشكالى بالمعنى " الفولدمانى " للكلمة . فآمنة سرعان ما خمد صراعها القديم وتخلت عن قيمها الاصيلة التى كافحت باسمها العالم الخارجى وقيمه المتدهورة ممثلا فى طبقة المهندس من البرجوازية المثقفة المستغلة . وسرعان ما اندمجت آمنة فيه وأصبحت هى بدورها تمثل قيمه المتدهورة بصيرورتها السيدة " سعاد " زوجة المهندس فى نهاية القصة ، ولعل التعلم والثقافة كوسيلة للارتفاع فى السلم الاجتماعى والطبقى هى خير أداة حققت لها ذلك وجسمت مليا مذهب طه حسين فى هذا الباب عندما فكر فى هذه القضية وطرحها فى كتابه الهام الذي صدر بعد أربع سنوات فقط من كتابه " دعاء الكروان " نعنى " مستقبل الثقافة فى مصر " (18) . وقد عبر عن هذا المذهب بقوله : " التعليم والتعليم وحده .. هو الذي يضمن للمصريين العدل والمساواة فى ما بينهم وبين أنفسهم " (19) .

