الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

محاولة نحو فهم اتجاهات الحركة المسرحية في المغرب

Share

تصطدم الكتابة عن الحركة المسرحية فى المغرب ، سواء من حيث التاريخ أو التقييم بعراقيل شتى ، ويبدو أنه من الضرورى أن نرصد بعض أوجه هذه العراقيل قبل الانطلاق فى تسجيل ملاحظاتنا عن الحركة المسرحية كمدخل لفهمها.

1- لقد ظلت الشكوى قائمة - منذ أن فتحت العيون عن شيء اسمه المسرح في المغرب - من الافتقار الى الوثائق والنصوص المسرحيه التى تساعد المهتمين والباحثين عن جذور الحركة المسرحية على القيام بمهامهم ، ويظهر جليا هذا الفقر في النصوص بصفة خاصة حين نعلم أنه منذ أكثر من نصف قرن ، وهي المسافة الزمنية لظهور التجارب المسرحية فى المغرب . لم تنشر الا مسرحيات قليلة لا تتعدى الاربع مسرحيات . مع كتابين أو - ثلاثه عن الحركة المسرحية فى المغرب.

2 - الافتقار الى منهج نقدى فى التعامل مع التجارب المسرحيه ، وواضح أن هذه المسألة لا تنطبق على الحركة المسرحية فى المغرب وحده او فى اقطار المغرب العربي ، ولكنها تمتد لتشمل مجموع الحركة المسرحيه فى العالم العربي ، باعتبار عدم رسوخ هذا النوع الادبى والفنى فى تاريخنا الادبى وان كانت هذه المسألة بالذات لا يمكن الجزم فيها بصورة مطلقة.

3- لم يتبلور الوعى بالمسرح ، فى شكل انجازات وتظاهرات ثقافية الا فى السنوات القليلة الاخيرة ، ويمكن أن نقول ان غياب هدا الوعى الادبى والفني قد اضاع الفرصة أمام المحاولات الباكرة لتجد مناخا ثقافيا فى التعامل مع صيغها الابداعية المسرحية ، على أن التحام المثقفين برجال المسرح فى السنوات الاخيرة ، وخاصة مع بداية السبعينات قد ساعد على تدارك الامر وأصبحنا أمام انتشار واتساع رقعة الوعى المسرحى ، وظهور نوع من المتابعة

الجادة التى كان ممكنا أن تسفر عن رصيد من المطبوعات والدراسات لولا ظروف النشر القاسية .

بعد هذه المقدمة الضرورية ننتقل الى تسليط الاضواء على الاتجاهات التى تتجاذب الحركة المسرحية فى المغرب فى محاولة لاستخلاص ملامح تطور وآفاق التجربة المسرحية ، واذا كان بهذا الاسلوب نوع من القفز عن التطور التدريجي للتجربة المسرحية ، أعني أنه لا يتناول الجانب التاريخي لظهورها فلاننى اعتبر الوضع الحالى للمسرح المغربي خلاصة لذلك التطور الذى أرى أن الكتابة عنه تدخل فى نطاق التاريخ ، ويزيدني اقتناعا بذلك المسار الذى تتجه نحوه التجارب المسرحية فى المغرب . وهو مسار نحو استكمال التكوين  والهوية ، ويمكن أن نلاحظ فى هذه المسألة أن الحركة المسرحية فى المغرب تسير وفق خط بيانى تصاعدى نحو اعطائها الوجه المتكامل ، أى أنها ستتكامل فى ظل التصارع القائم بين الاتجاهات ، بل وفي ظل العشوائية التى تنحدر نحوها أحيانا باعتبار أنها عندما تصل الى الباب المسدود حين تنحدر . فانها ستراجع نفسها للخروج من وضعية الازمة الى منفتح الرؤى والتجارب . واذا كان البعض يلح على لحظة المراجعة الآن . فانني أتفاءل بأن تلك اللحظة يجب أن تنبعث من ذات الحركة وليس من منطقة تنظير سابقة. ماذا اذن عن الحركة المسرحية فى المغرب ، انطلاقا من غليان أو برودة التصارع بين الاتجاهات ؟ وقبل ذلك ما هى الرؤى التى تتحكم في خلق هذا التصارع وقيام تلك الاتجاهات ؟

نستطيع أن نضبط ملامح تكوين الاتجاهات المسرحية واستمرارها فى الحضور أو تقلصها من خلال تمثل رؤيتين . احداهما تقليدية ترى فى العمل المسرحى مجرد نشاط بهلوانى ترفيهى ، وأخرى متجددة تضع امكاناتها المسرحية فى خط الكلمة المسؤولة الهادفة.

1 - الرؤيا التقليدية

لم تسلم الحركة المسرحية فى المغرب ، كباقى الاشكال الثقافية ، وخاصة الفنون التشكيلية من ضغط استعمارى ظل يطمح الى جعل كل الاشكال الثقافية خاضعة لتأثيره ، دائرة فى فلكه . لذلك قد لا نفاحأ بذلك الاصرار الذي كانت تحتمي وراءه بعض المؤسسات الثقافية لخلق أشكال مسرحية متأثرة وخاضعة للفهم الاستعمارى المغرض ، وقد لا نفاجأ باستمرار نفس الاشكال الان لاعتبارات سياسية واجتماعية ، عل انه يحب أن نلاحظ أن هذه الاشكال والمضامين المسرحية انما تهدف أولا وأخيرا لتكريس مفاهيم

متخلفة ، تحاول أن تبعد الابداع عن دخول منطقه الصراع الاجتماعى وتجعله محايدا يعيش على هامش الحياة ، ويهدف فى أقصى حالاته الى تزجية الوقت ، ويلاحظ ايضا أن دعاة هذه الرؤيا يتشبثون بعدم تسييس الفن المسرحى

2 - الرؤيا المتجددة :

وهي التى تمخضت عنها تجارب سنوات ما بعد الاستقلال ، حين فتح جيل جديد عيونه على شارع ملغوم بمظاهر الاستغلال والقمع ومواجهة رياح التغيير فوجد نفسه يوظف كل امكاناته وطاقاته الابداعية لخدمة مسار حركه التاريخ المتجددة ، فطرح مفاهيمه المسرحية بنفس الحركة التى رفع بها صوته ، مناضلا فى الواجهات السياسية والثقافية .

ولانه كان ضروريا أن يحدث التصارع بين الرؤيتين فقد افرزت هذه الحالة تجارب مسرحية متذبذية تحاول أن تستفيد من أخطاء التجارب التقليدية ، وفي نفس الوقت حاولت أن تركب موجة التجديد دون ان تسمح انتماءاتها بذلك ، أو على الاصح دون أن تملك قوة أن تكون واضحه وذات موقف علنى . لذلك فقد عرفت الساحة المسرحية فى السنوات الاخيرة خليطا من الاصوات وكثيرا من التجارب التى لم تستطع أن تثبت فى موقع معين صريح ، وفي نفس الوقت شهدت ارهاصات تحول عند بعض الاسماء التى كانت تطمح للاستفادة من التجارب المتحركة.

داخل هذه الرؤى اذن تندرج مجموع الحركة المسرحية فى المغرب ، وسواء تعلق الامر بوعي ناضج أو بمجرد انسياق فانه لا يمكن أن نتعامل نقديا مع الاتجاهات المسرحية فى المغرب خارج هذا الاطار ، فماذا عن هذه الاتجاهات؟

معظم الذين كتبوا عن الحركة المسرحية فى المغرب ، كانوا ينطقون من الكتابة عن الاسماء ، وكان هناك الحاح مستمر على الحديث عن المسرح المغربي من خلال الطيب الصديقي وأحمد الطيب العلج ، واذا كان للاسمين تأثيرهما الواضح عل مسار الحركة الحركة المسرحية فى المغرب ، فان ذلك لا يعني حصر التجربة فى نتاجهما ، ولا يعنى بالضرورة اضافة اسم أو أكثر يكون الانطلاق من خلالهم لرصد التجارب المسرحية ، ذلك أن المسرح فى المغرب هو مجموع التجارب ومجموع المناخ الذي يعطى نتاجا مسرحيا ، بما في ذلك العوامل التى تساعد على خلق الحركة المسرحية وضبط آفاقها ) النقد - الحمهور - التخطيط والسياسة المسرحية - الاسماء المبدعة ومنطلقاتها

الفكرية والفنية ( بمعنى أن تكون النظرة الى الحركة المسرحية متكاملة وتراعي كل الجوانب والحيثيات ، لذلك سأحاول الحديث عن الاتجاهات المسرحية واضعا فى الاعتبار العوامل المرافقة والصانعة لها .

1 - الاتجاه التاريخي ، أو المسرحيات التى كتبت فى التاريخ ، وقد ظهر هذا الاتجاه خلال سنوات ما قبل الاستقلال ، أى السنوات الاولى لانطلاق الحركة المسرحية ، واذا كان هذا الاتجاه يهدف الى ابراز انعكاسات الاحداث الماضية على الحاضر ، فان شروط الحياة فى مغرب ما قبل الاستقلال كانت تقتضى هذا النوع من المسرح الذى كان يحرض بطريقة غير مباشرة على الارتباط بالواقع العربى الاسلامى للامة المغربية لمواجهة محاولات المسخ التي كانت تهدف اليها الادارة الاستعمارية وقد استمر هذا الاتجاه حتى السنوات الاولى للاستقلال ، وتبلور فى نتاجات حاولت ان تنسف التباعد الزمني في المسرحية التاريخية لاسقاط الماضي عن الحاضر ، وقد كتب عبد الله شقرون فى هذا الاتجاه كثيرا من مسرحياته ، مثل ) الواقعة - مولاى إسماعيل (

2 - اتجاه اللامعقول ، وقد انحصر هذا الاتجاه الذي ظهر مع بداية الستينات ، على يد الطيب الصديقى فى مرحلة الاقتباس لاسباب موضوعية. لعل ابرزها هو توقف التجارب المندفعة التى كانت تحلم بامكانية قيام مسرح مغربي يأخذ كل شيء عن الغرب ، وفي ذات الوقت توقف اتجاه اللامعقول فى الغرب نفسه بعد انحسار مد الفلسفات العبثية والوجودية ، ثم اكتشاف التباين الواضح بين الواقعين الغربى والمغربي . على أن هذا الاكتشاف لم يمنع بعض المسرحيين المغاربة من الاستمرار فى تقديم تجارب على نفس الطريقة ، حيث قدمت المعمورة مسرحية الخرتيت في سنة 72 . وهي مقتسية عن الدلفين ليوجين يونسكو ، كما قدم محمد تيمد ، أحد الهواة ، معظم تجاربه الاولى فى نفس الاطار.

3 - الاتجاه الاجتماعى ، وهو الذى يتخذ من النقد الاجتماعي أسلوبا للكتابة المسرحية ، ويلاحظ أن هذا الاتجاه هو المهمين فى الساحة المسرحية الرسمية ، حيث تخصه الدولة بالتشجيع وتفتح أمامه سبل الانتشار ، بدءا من المسارح وتنظيم الجولات وتقديمه على الشاشة الصغيرة . ويقف وراء هذا الاتجاه كل من الطيب العلج وعبد القادر البدوى ، وكتاب فرقة الاذاعة والتلفزيون المسرحية . واذا كان هذا الاتجاه قد وجد ترحيبا من الجمهور حين -

انطلق على يد المرحومين بوشعيب البيضاوى والبشير العلج ، فانه اليوم يبدو منبوذا أمام اتساع الوعى وتضخم المعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تعيشها لطبقة المستغلة ) بالفتح (

على ان العيب الاساسي لهذا الاتجاه ، الذى يتحول أحيانا إلى مسرح رسمى شبيه يخطب الاذاعة وبيان وزارات الدولة ، انه يغرق فى مثاليات تحاول ايجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية بمعزل عن شروط التغيير فى بنيات المجتمع ككل.

ويجدر بأن نلاحظ أنه بعد انكماش هذا الاتجاه خلال السنوات الاخيرة انصرفت الجهود لاحيائه وأسست فرق تابعة لادارة مسرح محمد الخامس لنفس الغاية.

4- أمام انبثاق الدعوة الظاهرة الى تاصيل المسرح العربى ، وأمام اتساع الحوار حول ضرورة الاستفادة من التراث العربى ، كان لا بد أن ينعكس هذا الحوار في شكل انجازات مسرحية ، تحاول أن تخرج بالدعوة الى حيز التطبيق ويظهر ان الطيب الصديقى قد وجد ذاته أخيرا فى هذا الاتجاه فاهتم بأن يقدم نماذج مسرحية ، كانت حصيلة رحلته الطويلة وتوزعه على امتداد سنوات ما بعد الاستقلال بين الاقتباس والمسرح العمالي والمسرحيه التاريخية فكانت المدرسة الصديقية - على حد تعبير الصديق عبد الكريم برشيد - وهى المدرسة التى حاول الطيب الصديقي أن يضمنها هواجسه فى التراث والمعاصر وتكسير الخشبة الغريبة ، الا ان الملاحظة الاساسية فى تجربة الصديقى تكمن فى أنه اختار التراث من زاوية كونه مخرجا وليس متخصصا فى التأليف المسرحي ، وما من شك فى أن هذا الاختيار قد طبع تجاربه ببصمات تقنية اكثر منها أدبية ، على أن ذلك لا ينفي صفة التاصيل عن تجارب الصديقي نظرا للترابط القائم بين الشكل والمضمون ، أو بصيغة أخرى بين الموروثات الشكلية ومضامينها فى الحلقة المغربية وفي الزوايا والمواسيم الدينية . ويبقى أن لانصراف الطيب الصديقى الى هذا الجانب تفسيرات أخرى ليس المجال الآن لذكرها .

5- الاتجاه التجريبي ، وقد ظهر مع البدايات الجادة لمسرح الهواة . واصطلح كثير من المهتمين على أن تنعت تجارب الهواة فى المغرب بكونها تجريبية لتميزها بطابع البحث والتجديد ، ولطرقها لعوالم جديدة لم يكن بالامكان

للمسرح التقليدى أن يدخلها ، وواضح أن هذا الاتجاه قد تبلور فى نطاق قناعات الالتزام عند الهواة . باعتبار تعقد الحياة وتشابك مواضيع الكتابة الى حد كان يملى ابتكار أشكال جديدة ومضامين جديدة ، على انه لا يمكن القول بوحدة التجارب داخل هذا الاتجاه الا من حيث كونها تجارب بحث تعددت صيغها بين مسرح تسجيلى واخر تباعدى وما يربط بين هذه التجارب ايضا انها كانت ضدا على المسرح التقليدى ومواضيعه وطقوسه الجامدة. ويمثل هذه التجارب من الهواة كل من عبد السلام الحبيب ونبيل لحلو وعند الكريم برشيد وأحمد العراقى ومحمد تيمد ومحمد الكفاط ومحمد شهرمان وغيرهم ، مع نوع من التفاوت . . .

6 - المسرح الشعرى : ويلاحظ أن هذا النوع من التجارب لم يعرف طريقة الى التشخيص ، الا فى حالات قليلة ، بالرغم من وجود عدد من المسرحيات الشعرية التى يظهر أنها ما عادت تثير الجمهور بالرغم من الحقيقة التى تقول بانطلاق المسرح شعريا فى بداياته الغابرة عبر العصور . ويكتب فى هذا الاتجاه عبد الكريم الطبال ومحمد بنميمون ، وحسن الطريبق وجميعهم من الشعراء.

بعد هذا الجرد السريع لاهم الاتجاهات المتواجدة فى الساحة المسرحية بتعين تحديد الموقع الذى تنطلق منه هذه الاتجاهات ، واذا كنت قد اشرت فى البداية الى الرؤى التقليدية أو المتجددة التى تتحكم فى ضبط تصارع المواقف المسرحيه ، فانه يجب ألا نغفل المساحة التى تتحرك داخلها هذه المواقف ، وهى اما أن تكون مساحة داخلة تحت نفوذ الدولة أو خارجة عنها، وبين ان تكون بهذه الطريقة أو تلك ، فانها تتخذ موقفا مبدئيا قد يتبح لها ان تتحرك على خشبات المسرح وتقدم عروضها للتلفزيون ، وقد يمنعها من ذلك ويترك لها فرصة الظهور مرة فى العام . كما يحدث مع فرق الهواة.

اشترك في نشرتنا البريدية