الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

محبات ثلاث *

Share

عرض : البشير خريف

القصة جولة في أجمات النفس البشرية ومغاورها . وليس لطريقة السير فى هذه الجولة أية أهمية . المفروض انه يكون على الأقدام ، هادئا عاديا .

لقد خطر ببالى ، وأنا أقرأ هذه القصة ، نفر من كتاب العصر ، أنصار "التجديد " مهما كلفهم التجديد ، والذين يظنون انهم بلغوا الإبداع بأن يسيروا على قدم واحدة أو على اليدين او بأن يثبوا وثبات هوجاء الى الأمام او الى الوراء حتى ليكاد ينقطع الحجى

وما ذلك من الأدب فى شىء ، إن هو إلا تقليد وفقر فى المواهب.

ولئن نرى ، بحسرة ، هذه الأنواع اللقيطة تتوالد وتتكاثر بصورة مهولة فذلك أن الحكم ليس للقراء ، المستهلكين الطبيعيين لهذا الأدب - ولو كان لسد تياره - بل لسدنة النشر . وليس لهؤلاء فيه ولا فى تأويله شىء.

لفت نظري ، فى هذه القصة ، دقة التقسيم واكتمال وحداته اكتمالا نظيفا . فهي تنقسم الى ثلاثة كتب . كل كتاب ينقسم بدوره الى فصول عدة.

الكتاب الأول يحكى محبة الزوجة ، فالمرأة " لوسي " تحب زوجها ، تحبه أثقل انواع المحبة ، وهي محبة الامتلاك . يقول منطقها : أعطيتك قلبي فأعطنى قلبك . معادلة ، لعمري ، منطقية . ولكن أين القلب من المنطق ؟ فما اشتقته العربية من مادة قلب ومنها : انقلب وتقلب وانقلاب . . . مجرد صدفة كما يقولون - والعربية خبيرة بالنفوس - فلأنه قلب ، بضم القاف وتشديد اللام

فكانت تضايق زوجها بملاحقاتها وشكوكها . فأرت عينيها ما لم تريا وأسمعت اذنيها ما لم تسمعا ، واتهمته بتهم وهمية حتى كانت سببا - دون ما وعى منها - فى هلاكه . . ولكن بعد ان حقق ظنونها . فكأنها ، بظنونها الآثمة قد دلته عما لم يخطر بباله .

وقد قالت له المرأة التى كانت محل شكوكها : " لقد بؤنا بالتهم والأراجيف أفلا نقطف الثمرة ؟ " وقطفاها . . .

الكتاب الثاني . مات الزوج ، ولم يخطر لها على بال أن تكالبها هو السبب . وترك لها ولدا . فكأن عنوان هذا الجزء من القصة : " محبة الأم ".

وجدت فى ابنها مصرفا لعواطفها . لكن تدحرجت فى السلم الاجتماعى وتبدل رغدها ضنكا . وكان من المتيسر لها الحصول على مساعدة ذات بال من اسرتها المتبسطة فى الرزق ، لكن حالتها النفسية وما يضفى مركب النقص على الطبع من تكلس جعلاها ترى فيها مهانة .

ووقفت عند مفترق من السبل حيري . أسبيل الحطة تسلك أم سبيل التعالى ؟

وكم يحدث مثل هذا الموقف فى العلاقات البشرية ، وكثيرا ما يفضى الى المأساة ، الى القطيعة بين الأقارب والأحباب اذ يضلون عن السلوك الأمثل الذى يتوسط الطرفين وهو الثقة بالنفس والمرح.

اختارت ، طبعا ، التعالي . وتردت ، بشمم وإباء ، فى الوحشة والضعف والاحتياج .

استمرت تكلأ ولدها بحبها المستبد وتعرضت ، فى سبيل الترفيه عليه وتعليمه تعليما عاليا، الى الجوع والعراء . وهي لا تكل عن رعايته آناء الليل واطراف النهار . حاضرا وغائبا ، لا تعيش الا له وبه حتى أتم دراسته طبيبا. فلم تعبأ بتحوله من الطفولة الى استواء العمر واستمرت تسيره وتفرض عليه رقابتها .

ويا ويلها لما تفطنت انه وقع فى شرك الهوى . ثارت ثائرتها وهجرته ولبثت تنتظر عودته اليها صاغرا . لكن أين الولادة من الوسادة ! جعل من حبيبته زوجة وانصرف .

فتفقعت منها زفرة المغلوب : " الآن ستقبل كل شىء .

الكتاب الثالث فى عشية فارغة وحشاء أدتها رجلاها الى كنيسة فى حي بعيد . جثت أمام صورة المسيح وجعلت تشكو بثها وحزنها . رسم المصور المسيح فاتحا ذراعيه على الصليب فكأنما كان يدعو الملأ ليضمهم الى قلبه وكان رأسه المكلوم منحنيا من الألم . حدقت فيه حتى خيل اليها أن العينين تترقرقان ثم تنهملان بالدمع . والذراعين تشيران إلى أن " إلى فأحفظك ".

وحضرت القداس . وأصغت الى هينمة القس باللاتينية . . ففهمتها كما فهم الجنرال دى فول هتاف السنغال . وأيقنت انها وجدت اخيرا - الملاذ الحق .

الترهب عرض من اعراض النفس العليلة ، اليائسة ، القنوط ، وهو كالتصوف ، ملجأ كل من حبطت اعماله وفشلت مساعيه.

فاتحت أخاها ، الشنوان فى الموضوع فحاول أن يثنيها : " ليس الزهد فى الحياة الدنيا بالأمر اليسير " فترامت لها الحياة الدنيا هذه في الأكواخ التى تعيش فيها ، فى عملها المرهق ، فى حياتها التى تقذف بها من خيبة الى خيبة ولولا هذه التعاسات لما كان لنداء الرهبنة عليها سلطان. صفت بقية ما كان يربطها بدنياها ودخلت الدار الآخرة من باب دير بهولندا.

تحملت بصدر رحب سنن الدير من عيش غليظ وفراش صلد ، ولباس خشن . وأذعنت لفرائضه ، ومنها الاعتراف الاسبوعى ، حيث يجب أن تقر بخطاياها فى ذلك الاسبوع أو تشى بخطايا غيرها . وان لم تجد فهي مذنبة كذلك وذنبها الكبرياء . فحكمت عليها الأسقفة بتقبيل الأرجل تكفيرا عن هذا النوع من الذنوب . وبرمت بهذا النظام ووجدته بعيدا عن روح الديانة المسيحية رأفة ورحمة وتسامحا .

وضاق صدرها بنظرات الأسقفة القاسية الباردة وانعدام الإنسانية فيها اذ تحاسبها حتى على لا شىء ، كأن تسألها : " ومالي لم أرك تضحكين فى الدقائق العشر المخصصة للراحة مع اخواتك ؟ " وما كان لها ان تنبس ببنت شفة .

فضاقت بها الدنيا بما رحبت وتحينت فرصة انفرادها بالأسقفة وانفجرت بما انغلق عليه صدرها طيلة أشهر وغادرت الدير ليلا فى نوبة جنونية .

وكذلك اسفرت محباتها الثلاث : محبتها لزوجها ومحبتها لولدها ومحبتها للكائن الأعلى عن خيبات ثلاث .

وقد صور المؤلف ذلك فى صورة رمزية رائعة ص 282 فلخص حياتها بمراحلها الثلاث . وكرونان كلف بالصور الرمزية .

ومن حسن الصدف انه كان طبيبا قبل ان يستبدل النشتان بالقلم . وكذلك نراه عندما يدخل فى تفاصيل عضوية ، فيركز احلامه الشعرية على ارضية من اليقين العلمي . خذ لك مثلا محاولة خنق ميس هوكين للوسى ص 345 .

فلما يفلح كاتب اقتصر على تتبع شخص واحد ، لكن صاحبنا ، كان ، فى تحليله لشخصية هذه المرأة يعرض مطاوى النفس عرض النطاسى الحاذق ويزيح الغطاء عما تكنه . ويكتشف من الأسباب والمسببات ما يشفى الغليل وهو فى كل ذلك خفيف ينثر روائع من الشعر الرقيق هنا وهناك ، فيشد اهتمامك طيلة سبعمائة صحيفة دون ما كلل ولا ملل ويجعلك تعيش حياة أخرى . حياة بشرية تتدرج بصورة طبيعية الى الجنون.

وما أكثر ما نجد امثالها فى جميع المجتمعات .

ان المجتمعات التى لها قصاصها مجتمعات مطلعة . وهي ، كما قال فرانسوا مورياك : " تنظر فى أنفسها بوضوح " فيكون الرياء مفضوحا والمغالطات مكشوفة والأخطاء النفسية مجتنبة فيسلم المجتمع بعض السلامة.

لقد عجبت لناموس تكرر حتى قرض نفسه كظاهرة طبيعية . وهو أن على قدر عظمة الأمة يكون الكاتب.

فالإقلاع الإقلاع حتى يظهر لدينا كاتب من عيار ارشيبالد يوسف كرونان .

اشترك في نشرتنا البريدية