فى هذا العصر الذى طلعت فيه أوربا على المسلمين بعلومها وصناعاتها المحيرة ، وبأسلحتها وجيوشها المخيفة،وبزينتها وزخارفها الفاتنة،وبملاهيها ولذاتها الساحرة .
فى هذا العصر الذى يفتن فيه المسلم كل ما يرى،ويزلزله كل ما يسمع ويقرأ ، والذى لا يثبت فيه لهذه القوى وهذه الزخارف وهذا السحر الا من ثبته قلب كبير ونفس أبية، وعقل بصير، وايمان راسخ ، وتاريخ مجيد .
فى هذا العصر يتطلع المسلمون الى العالم الثبت الذى يفرق بين علوم أوربا وصناعاتها وبين زخارفها وملاهيها ، يحتاجون الى الناقد الحر الذى يميز الجود من الزائف والحق من الباطل فيأخذ ويدع ؛ ويقبل ويرد عن بينة . لايقيس الخير والشر ، والحق والباطل ،والصدق والكذب ، والصلاح والفساد ، بالطائرات والاساطيل،والآلات المتحركة والناطقة،ولا تلتبس عليه الصناعة والاخلاق ولا يرى كل قوي محقا ، وكل مزخرف جميلا وكل مدع صادقا ، يحتاج المسلمون الى الخبير،والمرشد البصير ؛ يقول :يا قومنا لايهولنكم الباطل ، ولا يفتننكم الشيطان لا تقيسوا أخلاق أوربا على علومها،ولا آدابها على صناعتها ، ولا تحسوا قصورا فى العلوم والصناعات قصورا فى الاخلاق والآداب،لا تسحركم هذه الاباطيل ولا تخيفنكم هذه التهاويل .
يحتاج المسلمون الى من يبطل هذا السحر بعصاه ، ويكشف عن قلوب المسلمين الرين،وعن أبصارهم الغشاوة، والى من يجلو لهم مواضع الجلال فى ماضيهم ، ومواطن العظمة فى دينهم؛ ويبين عن الحق والصدق ؛ والخير والجمال فى اخلاقهم وآدابهم ؛ ليسروا على هدى يعرفون ما عندهم وما عند غيرهم، فيعتزوا بما ورثوا ٣١٦
من خير ، ويحقروا ما طلعت به الحضارة الحديثة من شر ؛ وليأخذوا من هذه الحضارة خيرها الكثير معترفين ، ويردوا عليها شرها الكثير غير مفتونين .
وقد سمعت باقبال فى أوربا قبل عشرين عاما ثم قرأت كتبه فى مصر منذ خمسة عشر، فقلت: هذا الرجل الحر الذى نفتقده، هذا العالم الناقد الذى نتطلع اليه، هذا الهادى المرشد الذى يهدي ناشئة المسلمين فى هذه المجاهل ، ويعصمهم فى هذه الفتن ،وينير لهم الطريق فى هذه الظلمات .
رأيت فى شعر الرجل الالهام الآلهى ،والعظمة الروحية،وأحسست فيه النار والنور يضئ ويحرق،ويبشر وينذر،ويجلو للمسلمين حضارتهم وتاريخهم،ويدلهم على الخير والحق والجمال والعظمة فى دينهم،ويسخر من الزخارف التى استهوت الناس والتهاويل التى هالت الاغرار ، والباطل الذى تلون فى ثياب خادغة،وتقلب فى صور مضلة .
وقلت : أعظم بهذا الشاعر نعمة على المسلمين فى هذا العصر؛وأجدر بشعره أن ينفخ فيهم المجد والعظمة،وينفى عنهم ما قعد بهم من خمو دويصهر ماران على قلوبهم من فساد وما غشى على أبصارهم من فتنة ، وقلت : ماأحسب شباب المسلمين فى الهند الا هدوا به الى الحق وصدفوا عن الباطل ، ورجعوا الى تاريخهم ، واستمسكوا بدينهم، وأمنوا من التهافت فيما جاءتهم به الحضارة الحديثة من خدع وضلالات
ثم لقيت شبان الهند فصدقوا ظنى ؛ وحققوا رجائى ؛ واذا شعر اقبال فى قلوبهم وعلى السنتهم ،واذا هو حداء لهم الى المجد ،ونداء الى الحق، وعصمة فى الشدة، وعدة فى الرخاء . ثم ذهبت الى الهند فزدت ايمانا بعظمة اقبال ، وتصديقا بفضله على مسلمى الهند ، وعلمت حبه فى كل قلب ، وذكره على كل لسان وأثره فى كل نفس .
وكانت بوادر الاضطراب حينئذ قد ظهرت،وطلائع الفتن طلعت فلم يكن حزما ان يسافر الغريب فى ارجاء الهند ولكن لم يكن لى بد من اجابة داعى القلب الى زيارة اقبال : أولاده وبيته فسافرت من دهلى الى لاهور فرأيت ابنه جاويد فى داره وزرت اقبال عند الجامع الاكبر، والقيت عنده خطبة أبانت عن قدره ومكانته فى الفلسفة
والادب،واعربت عن حبى ثم وضعت على قبره لوحا من الرخام نقشت عليه هذه الابيات:
عربي يهدى لروضك زهرا ذا فخار بروضه واعتزاز
كلمات تضمنت كل معنى من ديار الاسلام فى ايجاز
بلسان القرآن خطت ففيها نفحات التنزيل والاعجاز
فاقبلنها على ضآلة قدرى فهى فى الحق (( ارمغان الحجاز )) (١)
هذه كلمة موجزة عن اقبال ولعلى أعود الى الكتابة عنه وانشر صفحات من شعره . [ جدة ]

