تمهيد :
لم تتضح معالم النقد الادبى فى تونس الا فى النصف الاول من القرن العشرين عندما نشطت حركة الترجمة والطباعة والتأليف ) 1 ( وازدهرت الصحافة واولت اهتمامها بشؤون الثقافة والادب ) 2 ( وتعددت المحاضرات التى تقيمها مختلف النوادى والجمعيات ) 3 ( واشتد الاتصال بالغرب وبمقاييسه
العلمية ومناهجه الفكرية ، وقوى الارتباط بالمشرق وحيرته فى اختيار المثل العليا التى ينبغى ان يقوم عليها الادب العربي الحديث . . . وقد وجدت هذه العوامل فى تونس تربة خصبة للنمو والازدهار ما لبثت ان تمخضت عنها مناقشات أدبية اتخذت صورا عديدة للآراء والنظريات التى أبداها الادباء حول القضايا التى كانت تشغل بالهم فى ذلك العصر وهي : قضية القديم والحديث ) ٤ وقضية النقد وقواعده الفنية ) 5 ( وقضية تطوير اللغة 6 وقضية تجديد الشعر ) 7 ) . وقد برزت تلك القضايا الادبية ضمن ثلاث مساجلات هامة وهى :
1 ( مساجلة حول ) الأدب القومى ( . 2 ( مساجلة حول ) استفتاء العالم الأدبي ( . 3 ( مساجلة حول ) لصوصية الشعر ( .
أولا - مساجلة الأدب القومى :
نشرت جريدة " السياسة الاسبوعية " المصرية بتاريخ 28 يونية 1930 دعوة لستة من الادباء الشبان ينادون فيها كتاب بلدهم الى تمصير الادب حتى يصبح مصريا خالصا من كل شائبة وذلك بخلق ادب محلى يتميز بالطابع المصرى وبانشاء لغة ادبية جديدة مصرية الحس والشعور . . . .
وانقسم الادباء التونسيون على انفسهم فى اتخاذ موقف من هذه الدعوة فقام بعضهم مرحبا مؤيدا مثل محمد البشروش ومحمد الحليوى . . . وقام البعض الآخر مستنكرا مثل زين العابدين السنوسى ومصطفى خريف . .
موقف محمد البشروش :
نشر البشروش : بجريدة " النهضة " سنة 1930 تحت امضاء ( محمد عبد الخالق ( مقالا بعنوان " دعوة الى تكوين أدب قومى " ) 9 ( رحب فى مستهله بهذه ) الدعوة المباركة لنخبة من الكتاب الفضلاء من أبناء مصر البررة ( ثم شرع فى توضيح مفهوم الادب القومى كما بينه بعض المصريين ، فيقول " يدعو الاخوان المصريون الى ان يكون كل شعب من الشعوب العربية أدبا
قوميا حتى يكون لكل بلاد عربية أدب تتلمس فيه روحها ونفسيتها وتظهر به للعالم أمة مستقلة لها مميزاتها " ) 10 (
ويلاحظ بعد ذلك ان العرب يملكون أدب يصور الروح العربية عامة ولا يميز شعبا عن شعب آخر ولهذا فحرى اليوم بالتونسيين ان يقتفوا أثر المصريين
" . . نحن هنا فى تونس وجب علينا تبليغ هاته الدعوة الى مسامع اخواننا التونسيين عساهم يتنبهون فيقتفون أثر مصر الناهضة ويتبعون خطاها " ) 11 (
ثم يتساءل ما اذا كان لتونس أدباء قادرون على القيام بتلك الدعوة فيجيب بالتأكيد قائلا :
" نستطيع ان نقول فى غير تردد : ان التونسي اذا سار فى المسعى الذي ندعو اليه سيضرب بسهم وأى سهم وسيأخذ المكانة اللائقة به . ونظرة واحدة على ما أنتجته قائح شبابنا لا تترك لاحد منفذا يعارضنا به . فان لنا اليوم فى أمثال الشابى والحليوى وغيرهما من الشباب الحي - اذا ساروا فى طريقهم هازئين بالعراقيل التى تقف دون غاياتهم لآمالا ستمهد لتونس لان تأخذ مكانة عالية بين الآداب " ) 12 ( .
ونتبين مما سبق أن البشروش متحمس الى خلق شخصية تونسية متميزة عن غيرها من شخصيات الاوطان العربية الاخرى ودعوته هذه هى فى الحقيقة ذات غاية مزدوجة الهدف ، منها اشعار سلطات الحماية اولا ان تونس لها كيانها الخاص واشعار عرب المشرق ثانيا ان تونس لها ذاتية مستقلة . ولذلك فهو يريد ان يحرك سواكن التونسيين الى تجلية القومية فى الادب التونسي الحديث .
الا ان " المشرف على صحيفة ) النهضة ( الذي يوقع باسم " الصاحب " قد اتبع كلمة البشروش بهامش من عنده رفض فيه هذه الدعوة وانكرها وارتاب
فى غايتها وتوقع منها أخطارا على العرب والعربية وشراكا منصوبة من طرف المستعمرين " ) 13 ( .
ووقف السيد محمد الحليوى مؤيدا لدعوة البشروش واصفا اياها بانها فكرة شريفة ترمي الى غرض شريف نافيا ان يكون فيها كيد للغة او قضاء على القرآن او انفصام العروبة او خطر على الادب العربى ( 14 ( ويشمل الخلاف ( تمصير اللغة ) فيشتد النقاش فى هذا الموضوع بين ( الصاحب : والحليوى ) 15 ( ثم يتوسع نطاق المساجلة بشأن الادب القومى ويشارك المرحوم زين العابدين السنوسى فى الحوار بفصل نشره بمجلة ) العالم الادبى ( تحت عنوان ) الادب القومى ( ) 16 ( يلاحظ فيه انه لا يقبل هذه ) الشعوبية ( التى نريد انشاء لغة ادبية جديدة مصرية الحس والشعور . ويرى انه " اذا كان ما طالعنا من خلال هاته الدعوة صحيحا وانهم أرادوا بها تمصير الادب فى جميع أجزائه ) حتى لهجته ( فاننا لا نراها الا نزعة من نزعات الشيطان الخبيثة " ) 17 ( .
وهكذا يتحول الخلاف حول قومية الادب الى خلاف حول قومية اللغة والاسلوب . ولم يمنع هذا البشروش من ان يبقى وفيا لفكرة الادب القومى فينادى بوجوب الكتابة باسلوب تونسى متميز عن غيره من الاساليب العربية لان ابرز مادة تمكن الغير من معرفة خصائص كل شعب على حدة انما هو الاسلوب .
دعوة الى تكوين أسلوب تونسي :
نادى البشروش فى مقال نشره سنة 1930)18 ( بان لكل أمة أساليبها
المميزة لها فى الكتابة والتفكير فقال : " الاسلوب خاصة من خواص التفكير فلكل أمة اساليبها الخاصة بها فى الكتابة والنظم لان لها طرقا فى تناولها للمسائل وعرضها على محك الفكر . . . فليس لأمة اساليب تشبه أساليب أمة اخرى لانه ليست نفوس الامم واحدة فى تفكيرها وشعورها " ) 19 (
ويعرج بعد ذلك على قضية الابتكار والتقليد فى اللغة فيتساءل : " لماذا المحافظة على الاساليب العربية ؟ " ويجيب باننا قد ورثنا اللغة العربية وأصبحت لغتنا ، لنا الحق ان نجعلها كما تشاء نفوسنا وواحب علينا مداواة مواطن الضعف فيها " وللوارث حق التصرف فيما ورث فهي كأرض ورثناها فمن خطل الرأى ان لا نتصرف تصرف المالك فى ملكه ونتركها فى حالتها القديمة فلا نستفيد منها ما يقتضيه تطور الحياة ان نستفيده زعما منا انها أرض الذين بادوا وانقرضوا " ) 20 ( .
ويحرص عبد الخالق على تبرير موقفه والخوف من ان يتهم بالتطرف الذى ذهب اليه بعض الكتاب فيقول : " لسنا نقصد بدعوتنا الى عدم التقيد بالقواعد العربية كما يدعو جبران وأمثاله من كبار أدباء المهجر ) 21 ( ، ولسنا ندعو كذلك الى استعمال الالفاظ على علتها سواء كانت تقع في الذوق موقع الجمال أو وقعت موقع الثقل والركاكة . . . فنحن ندعو الى الجمال فى التركيب والالفاظ والى الوضوح والقوة فى العبارة والى الحرص على القواعد العربية ولكننا نريد بما قلناه ان تكون اساليبنا تونسية قبل كل شئ مستمدة من النفس التونسية والتفكير التونسي " ) 22 (
وهو يعتقد ان المحافظة على أساليب العرب وهم نظري لانه لا يمكننا لنا ( هكذا ) محاكاة العرب القدامى فى أساليبهم كما يمكننا محاكاتهم فى لباسهم وطرق عيشهم ومن هنا فهو يصر بحرارة على الدعوة الى خلق ادب تونسي له
أسلوبه الخاص به ويرى أننا نرتكب " جريمة لا تغتفر اذا نحن قتلنا تفكيرنا لمعاناة محاكاة أساليب عربية . . . " ) .
وقام مصطفى خريف فى مقال نشره بمجلة ( العالم الادبي ( تحت عنوان الابتكار والتقليد " ) 24 ( يستنكر فيه الدعوة الى ايجاد ادب قومى ويقول : ٠٠ " أفلا نستطيع ان نجيب ذلك الداعى المتحمس : ) 25 ( و " هل فى الامكان أبدع مما كان . . " ) 26 ( ثم يلفت خريف انتباه عبد الخالق الى ان . دعوته تلك تنادى بالابتكار الذى له دوافع نفسية خاصة لم تجتمع بعد عند الادباء التونسيين . . . وان القومية نفسها غير محترمة حيث ان المثل العليا التى نترسمها ليست لنا ) 27 (
ويفتر الحوار بعد ذلك حول الادب القومى مدة أربعة عشر عاما تقريبا لينشط من جديد مع محمد البشروش عندما يعالج قضية الادب العامي
الأدب العامي :
نشر محمد البشروش مقالا بجريدة ) الزهرة ( بتاريخ 3 جانفى 1944 تحت عنوان ) الأدب العامي ( عالج فيه ثلاث أفكار رئيسية وهى :
أ- العمل على تقريب المسافة بين الادب العامي والادب الفصيح . ب - طريقة كتابة هذا الادب العامي ج - هل يعتبر الادب العامي أدبا قوميا . ؟
وبخصوص الفكرة الاولى يصرح البشروش بأنه ليس من أعداء الادب العامي ولا هو من خصومه بل يعتقد ان وظيفته فى حياتنا كبيرة خصوصا اذا
كان اتجاهه تقريب المسافة فى الاسلوب والعرض والنزعة بين الادب الفصيح وبينه ) 28 ( ويرى أن العمل على تقريب المسافة بين الادبين واجب أكيد يتطلب منا الانصراف عن " الكلمات الدخيلة فى لهجتنا التونسية ونشر الكلمات العربية بصورة تدريجية تضمن لها الذيوع والاستعمال والاقتراب شيئا فشيئا من الاسلوب العربى البسيط " ) 29 (
وبخصوص طريقة كتابة الادب العامي يلاحظ البشروش ان الناس يكتبون العامية بحروف عربية لا تمت الى قواعد الكتابة العربية بصلة من حيث الوصل والفصل وغيرهما وعليه " ليس هناك فيما نعتقد ما يمانع في تطبيق أصول الكتابة الفصيحة فى كتابة العامية " ) 30 ( ويذكر لذلك أمثلة " . . ) طلعتلو ( كان الاولى أن تكتب هكذا : ) طلعت له ( و ) أقى ( فى صيغة الامر كان الاولى ان يحذف حرف العلة من آخرها . . . . " ) 31 ( .
ويعتبر البشروش فى الجزء الاخير من مقاله ان الادب العامي ادب قومى فيقول : " أدب الفصيحة وأدب العامية عنصران للادب القومى لكل منهما مداه ولكل منهما وظيفته المستقلة استقلالا منشؤه الخصائص والحاجيات ولكنهما ينسجمان فى المصدر وفى قرارة أفقيهما " ) 32 ( .
الا ان احد الادباء بامضاء مصطفى يرد عليه بجريدة ) الزهرة ( تحت عنوان ) شعبى وعامي ( ) 33 ) مخالفا اياه فى تسمية ذلك الادب بالعامى فالتسمية حسب رأيه تدل على خور فى التفكير لان أولئك الشعراء أبعد الناس عن هذا
الوصف فان لطاقة حسهم ورهافة أذهانهم تبعدهم عن صف العامة وتلحقهم بجدارة إلى طبقة الخاصة المستنيرة ، أما خروجهم في نتاجهم الادبي عن قواعد العربية الفصيحة فذلك أمر تقتضيه ظروفهم ) 34 (
وبعد ، فهذه المساجلة حول الادب القومى تبرز لنا فى جلاء ووضوح ان البشروش كان من الدعاة المتحمسين لخلق الشخصية التونسية وابراز مقوماتها الذاتية الى الوجود وانه كان يحس حاد الاحساس بانتمائه الى مجموعة بشرية لها ثقافة متميزة بروحها ونفسيتها وفنونها التعبيرية الخاصة بها . وما حملات التونسه والتعريب التى شغلت الرأي العام التونسي هذه المدة الاخيرة ) 35 ( الا امتداد لدعوة محمد البشرش التى بدأت منذ أربعين سنة تقريبا .
ثم ان هذه الازمة التى نراها قائمة اليوم بين الادب العامى والادب الفصيح كانت قد نالت اهتمام البشروش الذى لاحظ ان المسافة بين اللغة المكتوبة واللغة الملفوظة متسعة جدا فلا اللفظ ولا الاشارات ولا القواعد بمتشاكلة ولهذا اوصى بتقريب المسافة وتوفير الانسجام بين اللغة الملفوظة واللغة المكتوبة باعتبار الادب ظاهرة حية لذاتية الامة وقوميتها سواء كان ذلك الادب فصيحا أو عاميا .
ثانيا - مساجلة استفتاء مجلة ) العالم الادبي ( سنة 192 : تمهيد :
نظمت مجلة ) العالم الادبى ( سنة 1932 استفتاء تطلب فيه من قرائها اختيار أشعر الشعراء الثلاثة للشمال الافريقي وقد جاء فيه " من هم الشعراء الثلاثة الذين تفضلهم ويروقونك أكثر من غيرهم من بقية شعراء الشمال الافريقي فى هذا العصر ؟ " ) 36 ( واتصلت المجلة بما يزيد عن 1239 صوتا وزعت على ثلاثين شاعرا كان الفائزون منهم ثلاثة هم بالترتيب :
1 عبد الرزاق كرباكة 173 صوتا . 2 ( محمود بورقيبة 158 صوتا . 3 ) الشيخ الطاهر القصار 151 صوتا ) 37 (
وقد أثار هذا الاستفتاء سخط بعض الادباء واستنكارهم وكانت له ردود فعل عنيفة لعل ابرزها ردود محمد البشروش . وقبل ان نستعرض تلك الردود لنا ان نتبين أولا الاسباب التى دفعت البشروش الى استنكار ذلك الانتخاب ونقد أصحابه
ومن المؤكد ان البشروش كغيره من الادباء الشبان فى ذلك العصر مثل أبي القاسم الشابي ومحمد الحليوى ، قد تأثر بحركة جماعة ) الديوان ( ) 38 وبكتاب ) الغربال ( لميخائيل نعيمة ) 39 ) وبمعارك العقاد والرافعى ( 40 ) وبمؤلفات جبران خليل جبران ) 41 ( مما فتح عقله على مفاهيم جديدة للادب ومناهج حديثة للنقد .
كما ان البشروش ومعاصريه آلمتهم حال " الادب التونسى المريض " ) 42 ( فى ذلك الزمان ، وتضايقوا من بقاء " الجيف النتنة تتكلم وحدها " ) 43 ( وخافوا من أن " تحتل الاصنام الخشبية مكانا من الادب " ( 44 ) فطفقوا يجاهدون فى سبيل تكوين أدب تونسى حي جدير بالخلود لا ينتسب اليه الا الاحياء الدين يعرفون كيف ينفخون فى الشعب روح الحياة ويعرفون كيف يعلمونه محبة الحق والقوة والجمال ) 45 (
ومن هنا رأى أولئك الادباء الشبان أنه لم يحن الوقت الذى يكون لهم فيه ثلاثة شعراء كلهم من الطبقة الاولى ) 46 ( وأن الادب التونسي لم تتضح امامه بعد معالم النهضة الثقافية المرتجاة فكيف تعمد اذن مجلة محترمة مثل ) العالم الادبي ( الى القيام ب " مهزلة " ) 47 ) ذلك الاستفتاء في مثل تلك الظروف
ولهذا استنكر أولئك الخلان الثلاثة ) البشروش والشابى والحليوي ( تلك " المهزلة " فى فصول نقدية طويلة تختلف قيمتها باختلاف مزاج اصحابها وثقافتهم ، وكانت فصول محمد البشروش هى البداية فى هذا الصدد وقد نشرها بجريدة ) الزمان ( سنة 1932 في خمس حلقات متوالية ) 48 (
النقد بجريدة ) الزمان ( :
وقدمت جريدة ) الزمان ( لتلك الفصول النقدية بتمهيد هام تبين فيه أنها تفتح بفصول البشروش صفحة جديدة خاصة بالنقد وهى حائرة بين عاملين عامل الميل الى تزكية الحوار بين الادباء للمساهمة فى تشييد النهضة الادبية الحديثة ، وعامل الخوف من ان ينحرف النقد عن غايته السليمة فينقلب الى عواصف وثورات لعدم نضج الادباء فى هذا الميدان . .
ثم قالت : . . . من يضمن لنا ان لا تنقلب المناقشات الفكرية الى تعصبات وتهجمات شخصية ؟ وان لا يصبح تبادل النظريات الادبية والتعاون على الوصول الى الحقيقة العليا ، تبادلا لشتائم فردية وتعاونا على قتل الروح الادبية فى الشعب وتآمر ) هكذا ( عليها ؟
أفهل نكون بعد ذلك مسؤولين ؟ " نريد ان يدرك كل أديب يراسلنا ان يتحرى جهده فى البعد عما عساه يعتبر تحديا شخصيا لا يورث الا الشحناء . . وها نحن نبدأ اليوم بنشر هذا المقال : - الأصنام الثلاثة - الذى حرره الاستاذ محمد عبد الخالق الذي نشرت له الصحافة التونسية كثيرا من البحوث الادبية القيمة ونحن مستعدون لما يرد علينا من شعرائنا الثلاثة وغيرهم بشرط ان لا يخرج الكلام عن الحدود التى شرحناها وفي ذلك خدمة للادب والادباء " ) 49 (
فهل سيكون الادباء اذن عند حسن ظن جريدة ) الزمان ( أم ستنقلب مساجلاتهم الى تهجمات وشتائم تسئ الى الروح النقدية ولا تخدم قضايا الادب ؟ هذا ما سنراه مع محمد البشروش
1 ( الأصنام الثلاثة ) 50 ( :
يمثل هذا المقال توطئة من البشروش لنقد الشعراء الثلاثة الذين دعاهم بالأصنام . وقد استهل هذه التوطئة باسلوب ساخر يستهزىء فيه على مجلة * العالم الادبي " وما أقدمت عليه من تنظيم مسابقة أسفرت عن فوز ثلاثة شعراء جمعهم الشعب التونسى فى عصر واحد ويوم واحد الامر الذي لم يتحقق عند شعوب اخرى فيقول
" ها بنا يا أخي القارىء . أليس لنا اليوم ثلاثة شعراء ؟ فبفضل مجلة " العالم الادبي " أصبحنا نرى فى اليقظة ما لا نراه حتى فى المنام فان هذا الشعب الصغير الذي يسمونه الشعب التونسى ، جمع من الشعراء فى عصر ويوم واحد ما قل ان جمعته الامم والشعوب العظيمة فى يوم من الايام فهذا دليل وهذا آية بالغة على عبقرية شبابنا وهذا فوز ونصر مبين . ولنرقص ونزمر . . " ) 51 (
ويتعجب البشروش كيف أمكن للتونسيين ان يطووا مراحل النمو الادبى بمثل تلك السرعة التى تمت بها نتيجة ذلك الاستفتاء فيتباهوا بشعرائهم الثلاثة أمام الامم الاخرى ! أليس من السخافة ان نفتخر نحن بكرباكة وبورقيبة والقصار كما ) افتخر الالمان بجيتى وشيلر ، والطليان بدانتى وفرجيل ، والأغريق بسوفوكل وهومير ، والانجليز بشلى وشكسبير والفرنسيون بمسترال وبودلير ، والفرس بالشيرازى والخيام ، والسوريون بابى العلاء وجبران . . . " ) 52 (
ولا شك أن الركون الى مثل هذه المفاخرة محاولة عقيمة فلا يكون التونسيون ظالمين الى حد ان يرفعوا كرباكة وبورقيبة والقصار الى مصاف أولئك الادباء الغربيين والشرقيين على السواء !
وشعراؤنا حسب البشروش قاصرون عن ادراك مقام غيرهم من الادباء الاجانب ، ولهذا فهو يستغرب كيف يريد التونسيون خداع أنفسهم فى محاولاتهم لتأكيد وجود شعراء عندهم ، وكيف تبلغ السخافة بالشعب الى ان تخدعه الترهات والصور المتحركة ويقدس الاصنام كأنها آلهة !
يشرح صاحب المقال الظروف التي تمت فيها عملية الاستفتاء ويبين التصرفات التى لجأ اليها الشعراء الثلاثة فى قيامهم بالدعاية لدى الاوساط الادبية للحصول على أكبر عدد ممكن من الاصوات ( فيقول : " ان أولئك الأصنام المشعوذين ما تركوا متسعا لغير ألعابهم البهلوانية وأدوارهم المخجلة فقد فازوا في مسابقة - العالم الادبي - ليس لانهم فى الحقيقة شعراء وانما قاموا بالدعاية لانفسهم كدعاية الاحزاب فطافوا بالعرائض وفعلوا كل ما لا
يستطيع ان يفعله الانسان . . " ) 55 ) وهكذا يطعن البشروش فى صدق ذلك الاستفتاء ويشك فى نزاهته ولا يرى البشروش حرجا فى أن يصارح الشعب بالواقع ويصدع له بالحقيقة مهما كانت مرة غير عابئ بالردود التى تنجر عن موقفه هذا فيقول : " فليغضب علينا الغاضبون وليسخط علينا من ألفنا منهم النقمة على قولة الحق واننا لنعلم الطريق الذى نسير فيه ونعلم ما سيجره علينا من المتاعب واننا لنسلكه لاننا لا نريد ان تكون مسخرين لارضاء النفاق وارضاء المداجاة فخير لنا ان ندوس ابتسامات الكثيرين لنقول ما اختمر فى نفوسنا وفكرته عقولنا من ان نقنع بالصمت جبنا وخوفا من نعيق الناعقين ، وما نأمل من هذا الا خدمة الحقيقة والقضاء على الشعوذة والاكاذيب " ) 56 (
وينتهى البشروش الى بسط الطريقة التى سيتوخاها فى " تحطيم الأصنام الثلاثة صنما بعد صنم " فيبين انه لن يستعمل مقاييس ومكاييل فى نقده ولن يتناول الحديث عن الاوزان والتفاعيل واللغة وقواعدها وكل ما سيقوم به من تقدير الشاعر وفهمه هو التساؤل عن نصيب نفسه من هذه الحياة ومدى صدقه فى انتاجه ) 57 (
وهكذا اتضح لنا من خلال هذه ) التوطئة ( الظروف التى تمت فيها عملية الاستفتاء والأسباب التى دعت البشروش الى استنكارها وتحطيم الفائزين فيها . ولنا الآن ان نتبين مدى تطبيقه لها فى نقده للاصنام الثلاثة .
يتبع (

