كرباكة فى الميزان :
يستهل البشروش نقده لكرباكة ) 58 ( بهجوم عنيف متهكما عليه ساخرا منه متهما اياه بالدعاية لنفسه على انه ينحدر من سلالة المعتمد بن عباد ) 59 والكلف بالامارة الشعرية كلف العاشق المجنون حتى أصبح يلقب عند بعض الادباء ب الشاعر الكبير " و " أمير الشعراء " ) 60 (
ثم يشرع فى الاستشهاد ببعض النماذج الشعرية لكرباكة معلقا عليها بسرعة وبطريقة هى أبعد ما يكون عن الموضوعية والفحص الدقيق لبناء الابيات التى ينتقدها أو لمضمونها العام ، من ذلك مثلا انه يستشهد له بخمسة ابيات من قصيد ) كان الزمان ( ) 61 ) وبدل ان يأخذ فى معالجتها مبنى ومعنى ، متناولا اياها بالشرح والتحليل والتعليق نجده يخاطب القارىء قائلا : " فبربك قل لي أيها القارىء أى اثر للنفس الشاعرة فى هاته الابيات الخمس ؟ فان كل ما قيل تستطيع ان تضمنه جملة قصيرة لا تزيد على اين تلك الحياة التى نعمنا بها وكنا فيها احرارا نسير على حكم الهوى . وماذا يبقى بها بعد هذا ؟ لا شئ - وهل مثل هذا القول قول الشاعر الذى يتحسر فى هذا الموقف على أيام جميلة طواها الدهر ؟ فمن الذى لا يستطيع ان يقول هذا ؟ وأي فضل للشاعرية فيه ؟ هل فتح لنا قلبه وقاسمنا مضغه وتحسره واستثار منا العطف وحرك منا الشفقة ؟ لا ، ولكنه نظم خمسة أبيات ليهذر بالسخيف " ) 62 ( .
ويواصل البشروش نقده لكرباكة على هذه المنوال طالبا من القارىء ان يحتقب حقيبة صبره ويتبعه ) 63 ) ويستشهد ببعض الابيات ثم يلخصها ويعلق عليها بأسلوب خطابي الهدف منه تحطيم الشاعر والاساءة اليه . لهذا كثرت عنده هذه التعليقات المتكلفة الثقيلة التى أصبحت تتكرر بعد كل استشهاد : انك لتطالع هاته الابيات فلا تطالعك بمشهد من مشاهد تلك
الحياة الجذابة " ) 64 ( " يقرأ الانسان هذا فلا يشعر الا والسآمة كبلته وانه لا يطلب غير ترك القصيد ليبحث عن صدى نفسه فى قلب شاعر صادق " ) 65 ( " ما نصيب هذا القصيد من اتساع الخيال ونفاذ البصيرة وعمق السريرة . . لا مزية نعلمها لكرباكة غير مزية الحاكي " ) 67 ( .
وينتهى من نقده الى الخلاصة التالية : " وهكذا فكرباكة يريد ان يكون شاعرا فيأبى الله الا ان يجعله مقفرا من نفس الانسان . . . انه صورة متحركة ناضبة من معين الحياة . فلنحشره اذا فى زمرة الشعراء المزيفين " ) 68 (
بورقيبة فى الميزان :
يبدأ البشروش نقده لبورقيبة ) 69 ( بتعداد الالقاب التى خلعها عليه بعض الادباء فهو " شاعر الشباب " وهو " عندليب الفتوة " وهو " علم الادب وغطريفه . . " ) 70 ) ثم يتهمه بالغرور لانه حسب رأيه لا يقر لاحد بتفوق فاذا سأله صحافي عن اكبر الشعراء لقال بدون تردد : انه محمود بورقيبة ويستدل البشروش على ذلك بالجواب الذى نشرته مجلة " العالم الادبي لبورقيبة بشأن ذلك الاستفتاء حيث قال : " بناء على ما أشعرتنا به حضرتك من ان الانتخاب حر وان للناخب أن ينتخب من شاء حتى ولو وقع انتخابه على نفسه فانى أنتخب هؤلاء الثلاثة : 1 ( محمود بورقيبة . . . أما الاول فبالطبع انى انما انتخبته لكون شعوره هو شعورى وأرى ان شعورى الذى أضفيه
على شعري هو اما دموع روحي أو بسماتها والشعر الحي بصفة عامة لا يخرج عن أحد هذين الشيئين . . . " ) 71 (
ويذكر البشروش هنا بما كان قد قاله فى المقدمة الخاصة " بالأصنام الثلاثة " من أنهم لجؤوا الى الدعاية ويجدها فرصة سانحة للتشهير ببورقيبة فيقول : " كلف الرجل بالشهرة الكلف الذي ما بعده كلف وهو لا يتردد بأى عمل كان وكان مصدره ) هكذا ( فما فعل غير الباطل والتضليل وانه ما ركن إلى هذا لولا شعوره بضعفه ، واحساسه باقفاره من مواهب الشعر واننا لنصخه صخا ونوفى له الكيل ليعلم مغبة تلك الادوار وعاقبة الشعوذة والتضليل " ) 72 (
ثم يأخذ في استعراض نماذج شعرية لبورقيبة ويفعل بها كما فعل بأشعار كرباكة محاولا دائما التهجم والتحطيم منتهيا الى التعليق السطحي البعيد عن الرصانة الفكرية والتقويم الادبي الصحيح . من ذلك قوله معلقا على احدى القطع اننا نطالع في أغاني الريف ونلمح فى أناشيد البادية روحا هي أسمى بكثير من روح شاعر الشباب . . " ) 7 ( .
ويعلق على قطعة أخرى جاء فى احد أبياتها :
واسمعي في الغصن طيرا بات يشدو بالغناء
فيقول : " وحار فهمى وعجزت عن تصور - اسمعي في الغصن طيرا بات يشدو بالغناء - فهل سمع القارئ فى الغصن طيرا ؟ وهل يشدو الطير بغير الغناء . فلعنة الله على القافية التى ضمنت لكلمة - الغناء - وليس هناك من يسمع الطير مسجونا فى الغصن ، ولا من يطرب للحشو ارضاء للقافية غير
شاعر الشباب . فالضعف أحب اليه من القوة وفي سبيل الوزن والطلاء هو يسخف كل جميل وغال ( 74 (
ثم يختم نقده لبورقيبة قائلا : و " الآن تحتم أن نحشره فى زمرة الشعراء المزيفين " ) 75 (
القصار في الميزان :
ويشرع البشروش فى نقد القصار ) 76 ( بلفت انتباه القارىء الى اللقب الذي التصق به دائما وهو " الشاعر والاديب الاجتماعى " ويبين ان القصار يتناول فى شعره المدح والرثاء فهو " اما نادب مع النادبين أو مسبح بالفضل مع المسبحين " ) 77 ( ومع ذلك يصر بعضهم على تسميته " بالشاعر والاديب الاجتماعى " كان هذا النعت مختص بأصحاب الثناء وأصحاب الرثاء فى حين ان " الشاعر هو الذى اذا تكلم فانما يتكلم بما فى قلب كل انسان واذا غنى فانما يشدو بسر أو آلام كل فؤاد . والشاعر الصادق هو شاعر اجتماعى فى كل مكان وفي كل وقت وآن " ) 78 ( ويرى البشروش ان هذا يزيده يقينا بأننا ما زلنا بعيدين عن فهم الشعر واننا كالامس لا يتحرك منا قلب ولا تفقه لنا عقول ) 79 ) .
ويواصل طريقته فى النقد فيذكر أنماطا شعرية للقصار قالها فى المدح مثل قصيدة - يا مصر - ) 80 ) الذي يرى فيه ان الشاعر لم يصب في مدحه حيث إنه لم يستطع ان يبين فضل مصر على غيرها من الامصار لما فى وصفه اياها من اجترار ونعوت مألوفة :
النيل تاجك مصر والأهرام أركان عرشك والربا أعلام
جمعت كل الطيبات ففيك ما تتطلب الألحاظ والأفهام
من كل روض أينعت أزهاره فتبسمت وبكى عليه غمام
وتمايلت أغصانه وتعانقت وتفتقت في دوحها الاكمام
لهذا قال البشروش : " انك تستطيع ان تقول هذا الكلام في وصف جميع رياض فلا تكون مخطئا فانت لا تلمح فى هذا الوصف دقة الفنان " ) 81 ( ويضيف : " فالقصار كاذبا ) هكذا ( فى مدحه قاصر الخيال جامد العواطف فى تشبيهه " ) 82 ( ثم يأخذ قطعة فى الرثاء قالها القصار عقب موت حافظ ابراهيم وفيها يقول :
فجع القريض وروعت أوزانه لما تغيب فى الثرا حسانه
وتعطلت آي البلاغة دفعة لما تعطل فى القريض لسانه ) 83 (
فينشر البشروش هذه الابيات ويعيب على القصار المبالغة فى الرثاء لان موت حافظ ابراهيم لا يؤدى الى موت الشاعرية ولان الشعر لا يموت الا اذا ماتت بواعثه ) 84 ( ولهذا فالقصار لا يرسم الحقائق والمشاهد الجميلة لانه شاعر الزحافات والعلل ( .
ويلاحظ البشروش أن ما استشهد به من الشعر كاف للدلالة على ان
صاحبه يمثل العصر القديم بما فيه من مآخذ وعيوب أصدق تمثيل ويختم قائلا : " واذا سار القصار فى طريق التملق الذى ساروا فيه قديما . . . فذلك دليل على انه رجل لا نصيب له من نفس الشاعر الامين واننا في انتظار ديوان القصار لنحشر القصار فى زمرة شعراء الشعوذة والتزييف " ) 86 ( .
ردود على نقده :
وهكذا نلاحظ ان البشروش كان يعتبر الاستفتاء مهزلة والشعب غبيا جاهلا والشعراء أصناما وأوثانا وشعرهم شعوذة وتزييفا . وكان نقده لكل من كرباكة وبورقيبة والقصار نقدا لاذعا جارحا فى أغلبه ولهذا أثارت فصوله النقدية تلك ، ضجة عاتية من السخط والاستنكار فى الاوساط الادبية واتهم بالتحامل والاغراق فى التنديد ومحاولة التثبيط ، وقامت ضده ردود فعل مختلفة لعل أهمها رد بامضاء : ح . معاتقى فى فصل نشره بمجلة ) العالم الادبى ( تحت عنوان : " المثبطون " ) 87 ( هاجم فيه محمد عبد الخالق بقوله
" وما ظنك بفعل صيحة ذلك المتهوس الذي يدلس نفسه باسم الناصح المرشد الذى يتحمل كل شئ فى سبيل الحق ؟ ونحن لا نسخط عليه بل نريد ان نرجع كلمته فى حلقه ونبين ما فى ذلك من السموم الفاتكة وما يرمي به تونس من سبة وعار وتثبيط ووهن فى وقت نحن أحوج ما نكون فيه للتنشيط والمساعدة . . وهل نسى مآت الشعراء الذين رقص وراءهم وحرق لهم البخور ؟ وهل نسى أساتذته من ابن شعبان الى خزنة دار الى الشابي الذي لا زال يعلن فى مجالسه بأنه خير شعراء الوجدان ! أم انه يريد من الناس ان ينتخبوه هو بقصيدة مفككة نشرها وأخفق فيها ؟ فلما لم ينتخبوه تناسي أساتذته وأصدقاءه من الشعراء ٠٠٠ " ) 89 (
وأما الرد الثاني فهو لمحمد خروف الذي نشر مقالا بجريدة ) الزمان ( تحت عنوان ) حول كرباكة فى الميزان ( يتهم فيه عبد الخالق بالتعسف فى الحكم والجهل بطرق النقد فيقول : " رأيت من بعض الكتاب تعسفا ومحاذاة قاصرة ومكابرة لا ينام عليها أديب . . وغايتى الدفاع عن الادب من أن تتناوله أقلام عابثة تبتغي الشهرة والممارات ) هكذا ( فالواجب التنشيط لا التثبيط . وان هذا الانتخاب يثير بالطبيعة فى بعض النفوس جانب الحسد وحب الذات وامتهان النظير . . . ولعل تأثره - عبد الخالق - بساعات العقاد وغيرها من كتبه هو الذي أغراه على اتخاذ ذلك المنهج . . . " ( 90 ) .
ثم يعيب عليه طريقة نقده فيقول : " شاء عبد الخالق انتقاد الشعر فنثره ولم نره بعد نثره يعالج المعانى . . . فكان جاهلا بطرق العلاج وكان ساخر بمجهودات الشعراء " ) 91 (
أما الشابي فانه وصف مقالات محمد عبد الخالق بالعنف والثورة وذلك فى فصل هام حول ( الشعر فى تونس ( نشره بمجلة ) العالم الادبى ( فقال " . . . تلك المقالات العنيفة التى حمل فيها صديقنا النابغ الاستاذ عبد الخالق على " الشعراء الثلاثة " فى ثورة عاتية لا ترحم أحدا ولا تعرف لينا ولا هوادة " ) ( 92 )
كما انه وافق صديقه فى ما يخص موقفه من الاستفتاء الذي اعتبره " دعابة بريئة قد مسختها أنامل الشيطان فانقلبت الى مهزلة مدنسة مثقلة بالعار والفضيحة والاثم . . . " )
ثم يعلل استنكار محمد عبد الخالق لذلك الاستفتاء فيضيف : " ولعل هذا
هو الذى دفع الصديقين - يقصد الحليوى وعبد الحالق - الى اعلان ثورتهما فى قسوة لا تعرف الرحمة وشدة لا تلين ولا تشفق " ) 4 و (
ان الردين السابقين لجأ فيهما صاحباهما الى العنف والتجريح حيث اتهما محمد عبد الخالق بالعبث والحسد والتهوس والتثبيط . . . وظهر أن رد * ح . معاتقى يشير الى نوع من الغيرة التى سيطرت على عبد الحالق عندما شاهد " أساتذته ابن شعبان وخزنة دار وخصوصا الشابي يخيبون في عملية ذلك الاستفتاء ! ( 95 ( مما جعل الشابي يوافق صديقه فى ما ذهب اليه من هجوم على " الأصنام الثلاثة " !
ويهب محمد عبد الخالق ليدافع عن نفسه امام حملات النقد التى وجهت اليه فيقول فى فصل نشره بجريدة ) الزمان ) بعنوان ) الى هؤلاء السادة ( ) 6 9 ( :
. . أخطأ كل ممن رمانا بالتحامل وما شاكل هذا من الكلمات فالتحامل معناه المسخ والتشويه ولا يستطيع احد ان يتهمنى بأنى عمدت الى مسخ او تشويه . . . وان الذين يعنون بالتحامل الشدة والصلابة فهذا هو فى الواقع الامر الذى يعيبونه عني ( هكذا ) وشدة كهذه لا ذنب فيها ولا عيب ، انما الذنب كل الذنب من يجسر على تقديم العرائض والامضاء فيها وتدنيس عمل يجب ان يبقى بعيدا عن ) أنامل الشيطان ( " ) 97 (
تعليق :
نستنتج مما سبق ان الادباء الذين شاركوا فى المساجلة النقدية التى دارت حول الشعراء الثلاثة لم يكن نقدهم نزيها ولا موضوعيا بل نزل الى التجريح والقدح ، وانطبعت مناقشاتهم بطابع الاهواء والتأثر بالنزعات الشخصية وكانوا كما يقول طه حسين : " أطفالا كبارا لا يراعون للنقد حرمة ولا يقدرون للمسؤولية الادبية قدرا " .
ومهما حاول محمد عبد الخالق ) البشروش ( ان يبرر موقفه فنحن لا نرتاح كامل الارتياح الى ما قرره من ان نقده بعيد عن التحامل اذ هو قد هاجم الشعراء الثلاثة فى صرامة جارحة وتجاسر على اصدار أحكام قاسية ومتعسفة ضدهم . ألم يقل فى حق كرباكة انه " من المجانين الذين لا يعرفون ما يقولون ولا يعنون شيئا مما يتلفظون ؟ " ) ( 98 ) أو لم يقل بشأن بورقيبة " اننا لنصخه صخا ونوفى له الكيل ليعلم مغبة تلك الادوار وعاقبة الشعوذة والتضليل " ؟ (99
ثم ان النقد الادبي يكاد يكون معدوما فى جميع كتاباته التى طغى عليها اللغو والتهجين والجفاف اذ كان ينثر القصيد او القطعة التى يستشهد بها ويرفقها بتعريف خاص بالشعر ، ويسأل القارىء عن نصيبها من اتساع الخيال وحرارة العاطفة ويتهم صاحبها بالهذر والسخافة . . دون ان يغوص فى أعماق الابيات الشعرية يتفهم ألفاظها ويعلل معانيها ويقف على بنائها العام بالتعليل والتعليق . . فكان همه منصبا على شخص الشاعر دون شعره يريد الحط من قيمته والتحقير من شأنه هاجما عليه بعنف محطما اياه بقسوة ناسيا ان مهنة الناقد هي غربلة الآثار الادبية لا غربلة أصحابها . . وكان عبد الخالق في كل ذلك متأثرا بكتاب ( الغربال ) لميخائيل نعيمة كما كان متأثرا بالعقاد والمازني عندما حمل الاول على شوقي حملة شعواء تحت عنوان ) شوقي في الميزان ( وحمل الثاني على شكرى حملة مقذعة سماه فيها
) صنم الألاعيب ( ) 100 ( لذلك لم يكن محمد عبد الخالق ) البشروش ( مغربلا حاذقا أو ناقدا متزنا وانما كان مشاكسا متهورا
ولعل ذلك يرجع الى عدة عوامل من بينها : نقمته حول لجوء الشعراء إلى الدعاية وتوزيع العرائض على القراء ، وخيبته فى عدم نجاح صديقه الشابى فى ذلك الاستفتاء ، وتأثره بأصحاب ) الديوان ( . . . يضاف الى هذا صغر سنه حيث انه كتب تلك الفصول النقدية وهو مراهق لم يتجاوز الواحدة والعشرين من عمره ، ومن خصائص المراهقة الحيوية المفرطة والنظرة المثالية للأمور ، لذلك كان يحلم بان يرى الادب التونسى الحديث يخطو خطوات موفقة فى سبيل الانتعاش والنمو ، وحز فى نفسه ان يجرى الشعراء وراء الشهرة الكاذبة والنسج على منوال الاساليب القديمة . . وربما كان البشروش غير راض اليوم على نقده . ومن يدرى ، لعله كان يتراجع فيما كتبه ويسقطه من حسابه باعتباره من " حماقة الشباب " كما فعل المازنى عندما قال : " أما النقد فاننا أسقطناه من جملة ما كتبنا غير أسفين على أسقاطه ، فقد كان مما أغرت به حماقة الشباب " ) 101 (
3 ) مساجلة اللصوصية فى الشعر : تمهيد :
شهدت تونس سنة 1932 معارك أدبية عنيفة بين المجددين بزعامة العقاد والمحافظين بامامة الرافعي عندما كتب الاستاذ محمد الحليوى مقالا بجريدة ( الزمان ( تحت عنوان " سفود من رصاص " ) 102 ( ينقد فيه كتاب " على السفود " المنسوب " لامام من أيمة العربية " وهو الرافعي الذي تناول فى ذلك الكتاب العقاد بالنقد شاعرا وكاتبا واتهمه بالسطو في شعره على
الدواوين القديمة ، فكتب جلول ادريس بالمناسبة مقالا بجريدة ) الزمان ( تحت عنوان : " رد على نقد مزيف " ( 103 ) فند فيه آراء الحليوى وانتصر للرافعى . .
واغتنم البشروش الفرصة ليعالج جانبا آخر من جوانب تلك المعركة فى رسالة بعث بها إلى محمد الحليوى يثير فيها قضية " اللصوصية فى الشعر وعندما استحكم النقاش بين الصديقين تدخل الشابى بطلب من البشروش ليسهم في توضيح حوانب القضية بفصل هام انتهى به النقاش وتولت جريدة ) الزمان ( نشر الرسائل التى تبادلها الخلان الثلاثة حول هذا الموضوع ) 104 (
رأى البشروش
يبدأ البشروش في معالجة قضية اللصوصية فى الشعر بالرجوع الى ما كان عرفه من كتاب " العمدة " وما سمعه من حديث الادباء حول هذا الموضوع عندما يتناولون بالنقد قصيدا او ينشدون منها بيتا حتى اصبح عندهم كل شاعر سارقا . واصبح الشعراء فئة وعصابة تعمد الى اللصوصية ) 105 (
ثم يعرض لنظرية الاخذ أو السرقة عند العقاد فيلاحظ ان المتنبى الذي ملأ الدنيا وشغل الناس تعد سرقاته بالمئات ! فلماذا اذن هذا الطعن فى شعر العقاد ؟ ويحتار البشروش أمام هذا الامر ليستشهد بعد ذلك ببعض أبيات للعقاد يطعن الرافعي في أصلها ، فيذكر أن قول العقاد :
عيني لعينك حين تنظر مقتل لكن عينك سهم حتف مرسل
ومن العجائب ان معنى واحدا هو منك سهم وهو منى مقتل
كان قد مسخ قول ابن الرومي
قبيح بعينى ان تنظرا ولكن لعينيك ان تقتلا ) 106 (
ولا يرتاح البشروش الى هذا الفهم الخاص بالسرقات الشعرية فيرى أنه إذا قال شاعر قديم : ان الحبيبة فى الروضة " أجمل أزهارها " وقال العقاد : " عينك تقتل " يكون قد اقتبس وسرق ) 107 ( أما إذا عممنا فحكمنا بأن كل اشتراك في معنى او لفظ يعد سرقة وبأن كل شائع فى كل أمة وفي كل لسان يعد سرقة ، " فهل تكون اذن الدنيا كلها والانسانية بعديدها تنقل عن العرب إذا تكلموا وتسرق او تولد عنهم اذا غنوا ؟ " ) 108 (
ويرى أن الناس جميعا ينقلون من منبع واحد هو منبع الحياة ، وعليه فلا لصوصية ولا سرقة وانما البشر جميعا يعبون من منهل الحياة الزاخر ، فكل شئ قديم وليس فوق الارض جديد ) 109 (
والشاعر الذى يردد معاني رددها شعراء قبله هو شاعر صادق لانه يطوف كالنحلة على الازهار يقتطف منها الذي يروقه ويدفعه لنا حلوا لذيذا . فكان ناقلا ومقتبسا للمستجاد من المعاني والجميل الصادق من الخيال . فهو شاعر الاختبار الذى عرف كيف ينتقى وعرف كيف يقتبس ) 110 (
وفي الختام ينتصر محمد عبد الخالق الى العقاد مبينا انه اذا بلغ ببعض الادباء " الحقد الى انكار شخصية العقاد في شعره فلن يستطيعوا ان ينكروا فيه شاعر الاختيار . فالعقاد قوى كالجبل وكل معول رام هدمه الا ورأيته مفلولا " ) 111 ( .
رد الحليوى :
لم يوافق الحليوى صديقه في ما ذهب اليه من ان لا بأس من الاقتباس ذلك أن " شعراء العربية الا القليل منهم ، يفضلون النظر فى ديوان عبقرى متقدم على النظر الى الطبيعة الثرية والتأمل في كتاب الكون فان الواحد منهم ليجهد نفسه فى تقليد من تقدمه والاغارة على معاني من سبقه حتى اذا وفق الى تغطيته واخفائه أو كما يقال أجاد سرقته فقد بلغ ما أراد وتلك هى احدى آفات الشعر
العربى . وهكذا قنع أولئك اللصوص ) او شعراء الاختيار كما تسميهم ( ببيت ذى جدران سميكة وفضلوا قراءة الدواوين على قراءة كتاب الدنيا " ) 112 ( .
ويعجب الحليوى كيف ينكر صديقه محمد عبد الخالق اللصوصية فى الادب ويجعلها لصوصية الحياة فى حين ان لصوص الادب يسمعون بشئ يقال له الحياة ! كما انه ينكر عليه قوله بان العقاد شاعر الاختيار لان ذلك معناه ان العقاد ) سارق ظريف ) (
تعليق البشروش على رد الحليوى
يصر محمد عبد الخالق على آرائه الاولى التى ضمنها رسالته الى الحليوى ويرى ان آفة الشعر العربى تتمثل فى أن رجالا منه لم يهتدوا الى حسن الاختيار ولم ينتبهوا الى الجمال فأساؤوا التقليد ولهذا ، : " لا لصوصية في الاخذ والاختيار ولا عاهة ، وانما العاهة كل العاهة ان تضل عن حسن الاختيار . واذا تحتم ان ننبه الى آفة التقليد والاقتباس فانما ننبه من الزائف الكاذب الذي هو آفة الادباء ، ولتعتقدوا بعد كل شئ ان شاعر الاختيار هو شاعر صادق " ) 114 (
رد الشابي :
لم يعالج الشابى قضية السرقات الشعرية فى هذا الرد الا عرضا كما يقول الاستاذ توفيق بكار فقد تجاوزها الى ما هو أهم الى حقيقة الشعر ومفهومه ) 115 ( . وقد خالف صديقه محمد عبد الخالق فى مواطن كثيرة من مقاله ورفض ان يكون " شعراء الاختيار " ينتمون الى طائفة الشعر الحق اذ هم " آلات صماء تتحرك بلا قلب وتنطق بلا شعور " ) 116 ( ويتعجب الشابي كيف يؤمن صديقه بان أولئك الشعراء هم على شئ من الشعر والفن فى حين لا
يشبههم هو في عالم الشعر " الا بتلك الطفيليات التى لا تورق ولا تزدهر ولا تثمر ولا تستطيع ان تستخلص من الكون عصير الحياة وانما كل عملها ان تلتف على بعض الجذوع الحية النامية تقاسمها ما امتصته من قوة الأرض والماء والسماء . . هاته كل على النبات وتلك كل على الشعراء وكلتاهما عبء على الحياة ثقيل " ) 117 ( .
تعليق البشروش على رد الشابى
يعترف البشروش بان رد الشابى قد تضمن فهما للشعر " هو أدق وأعمق فهم يقرأه الانسان " ) 118 ( لكنه لا يرتاح الى موقف الشابى من " شعر الاختيار " ذلك ان صديقه أطرد من حظيرة الشعراء كثيرا من الشعراء الصادقين أمثال مجنون ليلى وغيره من الذين تفيض قصائدهم حياة وان لم يتح لهم من الفن ما يسمو بهم الى قمة الضياء ( 119 ( ويصر البشروش على رأيه فيقول : " فشاعر الاختيار هو دون شعراء الالهام والخلود وأناشيده متواضعة ولكنها غير مقفرة من الحياة . . . . " ) 120 ( .
وهكذا ينتهى الجدال حول قضية السرقات فى الشعر وهى وإن شغلت الخلان الثلاثة سنة 1934 فهى قضية قديمة كانت قد ظهرت منذ القرن الثالث الهجرى حينما برزت على مسرح النقد واقتطعت من جهود الادباء - امثال الآمدى فى ) الموازنة ( والقاضى الجرجانى فى ) الوساطة ( وابن وكيع التنيسي في ( المنصف ( وابن رشيق فى ) العمدة ) - جانبا كبيرا من اوقاتهم صرفوه فى البحث عن السرقات وتقسيمها الى اصناف وانواع . والاختلاف حول مواطن التساهل وموطن التشدد فيها . . . فكان نقاش البشروش والحليوى حول هذه القضية يتسم بالاجترار والجفاف فى حين حاول صديقهما الشاب السمو بالموضوع الى تعريف عميق لحقيقة الشعر والشعراء . .
