تمهيد :
فى الرابع من شهر ( فيفرى 1981 ( تمر سنة كاملة على وفاة رائد من رواد النهضة الادبية والفكرية فى تونس المعاصرة ، ونعني به المرحوم محمد الحبيب الذي وافاه الاجل يوم 4 فيفري 1980 بعد مرض لم يمهله الا أسبوعا .
وقد رأينا من الواجب ومن البر بهذا الرائد ان نحتفل بذكراه الاولى لاننا نؤمن باهمية الدور التأسيسى الذى أداه محمد الحبيب للادب والفكر التونسي فقد كان رجلا جم النشاط ، دائب الحركة ، كثير التفكير والعمل في سبيل حلق ثقافة تونسية عربية اسلامية أصيلة . وهذا ولا شك لون من الوطنية يخفى اليوم عن أصحاب العقول المحدودة النظر ، بل كان محمد الحسب وطنيا بالمعنى الضيق للوطنية . فهو من المؤسسين الاوائل للحزب الحر الدستورى التونسى الى جانب الشيخ عبد العزيز الثعالبى واحمد الصافي والطاهر الحداد وغيرهم كما سنرى فى حينه
- أصله :
ومحمد الحبيب ، حسب شهادة صديقه الهادي العبيدى فى الاربعينية التى أقيمت للفقيد يوم 14 مارس 1980 بدار الثقافة ابن رشيق ، هو من أصل تركي . قدم أجداده الاولون الى تونس فى القرن الحادي عشر للهجرة ونزلوا بمنطقه بنبلة الساحل التونسي . ثم انتقل والده . أحمد
بن محمد الحبيب التركى الى تونس العاصمة حيث ولد له فقيدنا فى 20 أوت 1920 حسب ما أكده هو نفسه ) 1 (
وكما هو واضح من نسب أبيه فان نسبة التركى كانت هي اللقب العائلي للاسرة . فهو محمد الحبيب التركي ، لكنه آثر فى وقت ما التخلى عن هذه النسبة ، على أننا وجدناه في كتاباته ينتسب الى مهنته فيمضى مقالاته ودراساته هكذا : محمد الحبيب المحامي
- تعلمه وتكوينه الثقافي :
يظهر ان محمد الحبيب لم يختلف الى الكتاتيب شأن اطفال عصره . وهو ما ذكره لنا الهادى العبيدى فى الاربعينية حيث قال : ان محمد الحبيب نفسه لم يستطع أن يثبت لنا أنه تردد حقا فى طفولته على أحد الكتاتيب
أما تعلمه الابتدائى فكان أولا بمدرسة خير الدين الابتدائية ، فمدرسة قرطاج حسب ما أورده محمد مواعدة ) 2 ( ، ثم بالمدرسة القرآنية الكائنة بنهج ابن عروس حيث تتلمذ للشيخ محمد مناشو ) 1884 - 1933 ( الذي كان من رجالات النهضة فى تونس ، ومن المولعين بالمسرح ، فهو مؤلف مسرحية " الانتقام " التى مثلتها جمعية الشهامة سنة 1191 ، وهى ثانى مسرحية بقلم تونسى بعد مسرحية محمد الجعايبى ( 1878 - 1938 ( السلطان بين جدران يلدز " التى مثلتها فرقة ابراهيم حجازى فى نفس السنة .
وتتلمذ فى نفس هذه المدرسة أيضا - كما ورد فى مذكراته - لمعلمين اثنين كان لهما أثر عي توجيهه الى المسرح كما سيأتي ، اذ كانا مغرمين بهذا الفن الجديد عن تونس وقتئذ . هما : محمد بن على بن جعفر معلم العربية ومحمد الخذيرى معلم الفرنسية ) 3 (
وأما دراسته الثانوية فكانت بالزيتونة ، وبالخلدونية التى وجد فيها ما. أكمل ثقافته العلمية ، اذ كان هذا المعهد يقدم دروسا فى العلوم العصرية واللغات الاجنبية لمن يرغب فيها من طلبة الزيتونة الذين حرمهم تزمت مشايخهم من تعصيرها وتحوير برامجها حسب مقتضيات العصر الجديد
ولكن محمد الحبيب لم يكتف بما كان يجده فى حلقات دروس الزيتونة والخلدونية ، فأقبل على المطالعة يروى بها عطشه الى المعرفة والفنون . وقد وجد فى مكتبتى المعهدين السابقين وفي غيرهما ما يسد به حاجته تلك ، كما كان يشترى من المكتبات الكتب والمجلات التونسية والشرقية والاجنبية حتى كون لنفسه مكتبة ضخمة " فاذا لم يستطع يذهب الى صديقه البشير الخنفي فلا يغادره حتى ينتزع منه ما أراد " ) 4 ( .
وهناك عامل آخر اثر فى تكوين محمد الحبيب الى جانب الدرس والمطالعة . وهو مواظبته على حضور النوادى والجمعيات الثقافية التى لها نشاط غزير فى ذلك الوقت ، اذ وجد فيها التونسيون سبيلا يسرت الاتصال بالشعب وأداة صالحة لابراز الذات التونسية العربية الاسلامية أمام مستعمر لا هم له الا طمس هذه الذات بشتى الوسائل والطرق
فمن هذه النوادى نادى جمعية قدماء الزيتونيين الذى أسسه بعد هدنة الحرب العالمية الاولى بنهج المدرسة السليمانية قرب جامع الزيتونة زين العابدين السنوسى ومحمد الحبيب ومحي الدين القليبي وأحمد الدرعى ومحمد صالح النيفر ، والهادى المدنى ، والهادى مزاح ، وعبد الرزاق سلام ، والطيب سلام ، وبلحسن بن شعبان ، ومحمد بن شعبان برئاسة الشيخ مناشو ) 5 ( وممن كان يحضر هذا النادى أيضا الطاهر الحداد ، وأحمد توفيق المدني وعثمان الكعاك وغيرهم ) 6 ( .
وحضر محمد الحبيب كذلك نادى الخلدونية ، ونادى قدماء الصادقية ونادى مصطفى آغه ، ونادى الشاعر محمد الشاذلى خزنه دار ببلدة الكرم ونادى مطبعة العرب التى أنشأها زين العابدين السنوسى بنهج الديوان سنة 1927 وكان هذا النادى " ناديا أدبيا ينعقد فى العاشرة صباحا وينتهى
في السابعة بعد الزوال ، ولا يتخلف عن هذا النادى آغة ، والعبيدى ، وكرب بااكة ، وخزنه دار ، وعبد الرحمن الكعاك ، وابو القاسم الشابى ، وعثمان الكعاك ، وعلى الخصوص الطاهر الحداد الذي كان دائما يقود المناقشات وهناك تؤسس جمعيات وتحل ، وتبنى مشاريع ثم تموت . " ) 7 (
تقلباته :
أما الجانب المهنى من حياة محمد الحبيب فقد اشتغل أولا معلما بالمدرسة القرآنية الاهلية على عهد مديرها محمد مناشو ، وكان من تلامذته فيها الشاعر احمد خير الدين ) 1906 1967 - ( ، والاستاذ الشاعر أحمد المختار الوزير وتوفيق بوغدير الناقد المسرحي المعروف .
والظاهر ان عمله هذا هو الذي وجهه الى الاعتناء بالتآليف المدرسية مثل : الدروس النحوية ، الحلقة الاولى . ودروس فى الفقه والتوحيد للمدارس القرأنية الحلقة الاولى . طبعته له المطبعة الرحمانية في مصر سنة 1346ه/ 1926 م وقطع مختارة من النظم والنثر للاستظهار ، وهو من الكتب المقررة للسنه الابتدائية بالفروع الزيتونية ، طبعته له أيضا نفس المطبعة سنه 1349 ه / 1929 م ، واستمر على طبعه الى سنة 1951 التى ظهرت فيها طبعته العاشرة ،و لمحمد الحلبوى نقد فيه ( 8 ) . ودروس فى الاملاء والرسم . ولب التاريخ المطبوع في سنة 14 ه ، ويبدو ان هذا الكتاب الاخير كان من الكتب المقررة في الزيتونة حسب ما أورد عنه صالح المهدى فى كلمه التأبين حيث قال وأما فى مادة التاريخ فقد كان ثقة فى تحقيقاته متثبتا فى ما ينقله . و كان لتابه ) لب التاريخ ( معتمدا بجامع الزيتونة ، ودليل الطلاب عند دخولهم للامتحان شهادة التحصيل " ) 9 ( ، وأما محمد الفاضل ابن عاشور فقد جعل هذا الكتاب من علامات النهضة فى النثر العلمي بتونس " لحسن صوغة وتنقيح عبارته . وان كان سلوك طريقة السؤال والجواب قد أضعف الروح الادبية فيه " ) 10 ( . وله فى هذا المجال أيضا مقالة ) كيف يدرس التاريخ
نشرت في نشرية مجمع الفوائد في العلم والادب والتاريخ للجيلانى الفلاح سنة 1347 ه .
وكان لتكوينه الفكرى الواسع واهتمامه بالفنون خاصة أثر فى أن ينتدب مدرسا لها بالمعاهد التونسية المختصة . ففي سنة 1951 نجده أستاذا بمدرسة التمثيل العربي التى تأسست باقتراح منه كما سيأتى . وقد درس فيها بتكليف من مديرها حسن الزملي دروسا فى " الفباء المسرح " ) 11 ( التى نشر منها حلقيتين . وفى سنة 1964 درس بالمعهد القومى للموسيقى والتمثيل والرقص محاضرات عن تاريخ الغناء العربي ) 12 ( . كما انه ألقى فى السنة المدرسية 1968-1969 دروسا حول " نشأة الفن الادبى عند العرب " ) 13 ( ، ودرس كذلك بالمدرسة القومية لتجويد القرآن الكريم قواعد العربية من خلال نصوص القرآن الكريم الى آخر حياته ) 14 ( . . الخ
وكان لحياته المهنية لون آخر غير التدريس ، وهو الذي خصص له كل جهوده ، ونعني به القضاء . ففي الثلاثينات كان قد شارك فى مناظرة المنشئين بوزارة العدلية التى كان من أبرز ناجحيها فى تلك الدورة ، فعهد اليه بالاشراف على كتابة القسم الحنفي لمحكمة الديوان الشرعي ، وفيها ظهرت براعته القانونية خاصة فى تخريج الاحكام الشرعية . وقد كان عمدة مشائخ الاسلام والقضاة الى أن اضطرته وزارة العدل الى الاستقالة سنة 1947 بسبب وشاية به الى الباى بمناسبة تقديم جمعية الكوكب التمثيلى لروايته الواثق بالله الحفصى التى تشبه فى أحداثها الاحداث التى أدت الى تولى الباى محمد الامين ) 1943 - 1957 ( عرش تونس واغتصاب الحكم من الملك الشرعى محمد المنصف باي ) 1942 - 1943 ( الذي نفته السلط الاستعمارية بمدينة بو وبها توفى سنة 1948 )15 ( .
وانتقل محمد الحبيب بعد هذه الحادثة ، وبالتحديد فى سنة 1951، الى مهنة المحاماة بدائرة التعقيب التى ظل يباشرها الى حين وفاته
- الجمعيات والنوادى التى ساهم فى تأسيسها
اما نشاطه خارج مهنته فمتنوع وغزير بحكم الظروف التى كانت تعيشها تونس بعد الحرب العالمية الاولى ، فقد كان من مؤسسى الحزب ، اذ حضر الجلسة التأسيسية الاولى بمنزل حمودة المنستيرى بالمرسى بتاريخ 29 ماى 1921 من ضمن واحد وخمسين عضوا يتقدمهم السيدان عبد العزيز الثعالبي وأحمد الصافي ) 16 ( . وتوالى حضوره فى جلسات أخرى مثل جلسة 2 جوان 1921 ) 17 ( ، وجلسة 25 أوت من نفس السنة التى عقدت من أجل بحث امكانية الوفاق جمع جماعة الحزب الاصلاحى لحسن قلاتى المنشقة عن جماعة الحزب الدستورى . ومن خلال المناقشات الواردة فى محضر الجلسة كما سجله أحمد توفيق المدني يبدو لنا محمد الحبيب متصلبا أمام التنازلات المقترحة . فقد جاء في تدخله قوله تنازلنا كثيرا بهذا المسعى من أجل الوفاق . . " ) 18
وكان أيضا من المؤسسين لجمعية قدماء الزيتونيين التى مر ذكرها ، فقد شعر الزيتونيون بالحاجة الى تكوين جمعية تلم شملهم على غرار جمعية قدماء الصادقية . " وكان الشيخ محمد مناشو هو الذي يحرك فيهم ذلك التطلع و ينميه ، ولكن الحكومة امتنعت عن الترخيص لهم فى تكوين جمعية كما كانت امتنعت من قبل ، فاستمروا يعملون فى نطاق ضيق " ) 19 ( . وسموا جمعيتهم " الجامعة الزيتونية " ، وأصدروا لها مجلة أدبية هي مجلد البدر . والظاهر ان دور محمد الحبيب في هذه الجمعية كان كبيرا ، فهو الذى عهد اليه بادارة هذه المحلة كما سيأتي ، كما عهد اليه ايضا بتأسيس مكتب لها ومتحف صغير فى موقعها بالقشاشين " ) 20 ( .
وساهم محمد الحبيب أيضا فى تأسيس المعهد الرشيدى للموسيقى العربية سنة 1934)21 ( ، وذلك لحماية الموسيقى التونسية الاصيلة من الهبوط
والابتذال . وكان نشاطه في المعهد الرشيدى كبيرا ، حتى أنه تحمل فيه مسؤولية رئيس مساعد من سنة 1964 الى سنة 1973 ، اى تقريبا فى نفس الفترة التى كان فيها صالح المهدى رئيسا لها . كما كانت دراساته عن الموسيقى العربية عموما والتونسية خصوصا خير مرجع للدارسين ، ونذكر هنا على الخصوص الاستاذ صالح المهدى الذى اعتمد عليه فى تأليف كتابه : الموسيقى العربية ، تاريخها وأدبها ) 22 (
ومن المشاريع التى شارك فيها محمد الحبيب حسب ما ذكر لنا صالح المهدى مساهمته فى جمع التراث الموسيقى ، واليه يرجع الفضل كذلك فى مراجعة نصوص المالوف ونشره . هذا الفن التونسى الاندلسي الاصيل الذى يعتبر أبرز تراث موسيقى فى تونس اليوم . وكان محمد الحبيب من عشاقه حتى أنه كان لا يتخلف عن مهرجاناته التى تعقد فى تستور عاصمة المالوف التونسى أو فى غيرها من المدن التونسية التى تحمل خصائص أندلسية وتأوى أحفاد الجاليات الاندلسية المهاجرة الى تونس
ومن المؤسسات التى دعا الى تكوينها مدرسة التمثيل العربى ، كما ورد بمجلة المسرح فى ركن كوكب العدد الذى خصصته لحسن الزملى ، فقد جاء فى هذا الركن انه عقد اجتماع " ضم محمد العابد مزالي وكيل ادارة العلوم والمعارف ، ومحمد الحبيب ، وصالح رضا الاحمر ، ومحمد زروق ، وعبد الجليل بن على ، والبشير المتهنى ، وعثمان الكعاك ، وحسن الزملى لبحث مشروع الاستاذ محمد الحبيب على تأسيس مدرسة للتمثيل وايكال ادارتها لكوكبنا ( أى حسن الزمرلى ( وتعد هو والاستاذ عثمان الكعاك بالقاء الدروس بها فلم تجد ادارة المعارف والبلدية بدا من الخضوع لهذا الرأى الذى اتفقت عليه الاغلبية " ) 23 ( . وقد فتحت هذه المدرسة أبوابها فى غرة فيفرى 1951 . وكان محمد الحبيب من مدرسيها كما مر بنا ، وعلى يديه تخرجت أجيال المسرح التونسى المعاصر
وكانت له ايضا مساهمة فى تكوين الجمعية التونسية للمؤلفين والملحنين التى تأسست فى 21 جوان 1968 ، وانبثقت عن مؤتمرها التأسيسى الاول هيئة كان على رأسها صالح المهدى ، ثم خلفه عليها عبد المجيد بن جدو .
) يتبع (

