القصة عند محمد المرزوقي لا تتقيد بفنيات معينة أو طريقة مرسومة ؛ بل هى عنده حديث يساق على الطبيعة ، وهذا الحديث يحاول كاتبه أن يجعله في فالب القصة ، أو هو قصة يسعى كاتبها الى ان تكون فى قالب حديث .
والبيئات التى تدور فيها أحداث هذه الاقاصيص مختلفة . فهى تدور فى مجالين :
أ) - المجال الصحراوي الريفى :
وفى هذه البيئة قضى الكاتب صباه ، فمن محيطها وشيوخها وعجائزها روى تلك الاقاصيص أو الاحاديث ، كما أراد الكاتب نفسه أن يسميها ( 1 ) .
ب ) مجال المجتمع المدنى :
وفى هذا المجال يصور الكاتب فى جملة من أقاصيصه العمال فى المعامل ، والافراد فى العائلات ، والعائلات فى الاحياء ، ومظاهر التفسخ الاجتماعى وهو اثناء ذلك يصور فترة من حياته عاشها فى العاصمة تونس ، عندما كبر وأدرك ( 2 ) .
ومثلما اختلف الاطار المكانى فى هذه الاقاصيص اختلفت مضامينها . فهناك مضامين استوحاها الكاتب من حياته مع الناس ، واختلاطه بهم ،
وممارسته اياهم ، وتجربته معهم . مثل قصة ( المجنون ) ( 3 ) التى تعالج عقوق الاقارب ونكرانهم للجميل . ومثل قصة ( الصيف ضيعت اللبن) ( 4 ) التى تعالج موضوع زواج الشيوخ بالفتيات الصغيرات ، وما ينتج عن ذلك من خلافات وطلاق وتيتم للابناء .
وهناك نوع ثان من المضامين استوحاه الكاتب من القضايا الاجتماعية والسياسية العربية العامة . مثال ذلك قصة ) الدرويش ( ( 5 ) التى تدور أحداثها بين السلوم والاراضى البرقاوية ، ابان الحرب بين جيوش الحلفاء وجيوش المحور ، وما كان لهذا الدرويش من دور في الجوسسة لفائدة الحلفاء . والقسم الثالث من المضامين هو عبارة عن آراء خاصة بالكاتب ، كان مؤمنا بنصيب منها ، وتحولت عقيدته عن جزء آخر ، عندما أثبت تواصل تجربته في الحياة أن بعض ما آمن به غير صحيح . فى أقاصيص الاستاذ المرزوقى يتصف الابطال بعدة صفات منها :
) 1 ) - التردد بين الخير والشر :
ففي قصة ( ملائكة الرحمة ) ( 6 ) يستغل صاحب المعمل العامل عبد الستار فلا يستطيع هذا إعالة ابنه وزوجته ؛ ويموت العامل بمرض السل والقهر ، وتمرض زوجته بنفس المرض ، وتلحق به بعد مدة وجيزة ، ويتشرد ابنهما الوحيد مع القطط وأبناء الليل ، وقرر هذا الابن - عندما شب - أن ينتقم من صاحب المعمل الذى اعتبره قاتل أبيه ، وفي اللحظة التى كان داخلا فيها الى قصره شاهرا خنجره وقاصدا مرقد الرجل ، بكى الولد الرضيع الوحيد الذى أنجبه صاحب المعمل بعد انتظار طويل ، فاستيقظ الاب وقفز من سريره لاسكاته ، فسقط الخنجر من يد الشاب ابن عبد الستار ، وبدأت فكرة الانتقام تتلاشى من ذهنه وتذوب ، فقد أحس حينئذ أن فى بكاء الطفل صوتا ملأئكيا يمنعه عن القتل ، ورأى أنه لو قتل هذا الاب لتشرد هذا الطفل مثل تشرده عندما لم يجد من يعوله .
ويعرف صاحب المعمل الحقيقة فينصف عبد الستار فى شخص ابنه .
وفي قصة ( الله أكبر) ( 7 ) يرغب حامد فى الزواج بابنة عمه ، ولكنه كان متصعلكا وغير مستقيم فى سيرته ، ولذلك يطرده عمه شر طردة . وفي ليلة عزم على قتل عمه انتقاما منه لانه أهانه ، فتسلل فى الليل الى بيته متسلحا بخنجر ، وفي اللحظة التى رفع فيها يده ليغرس الخنجر فى صدر عمه ، ارتفع صوت المؤذن من الصومعة القريبة يردد ( الله أكبر) ، فاضطربت يد حامد ، وسقط الخنجر من يده ، وتراجع الى الباب ، وخرج ، فتوضأ وصلى ، واعتذر لعمه عما تقدم منه ، وقدم لعمه الوضوء للصلاة ، فجازاه على توبته بأن زوجه بابنته التى رغب فيها .
فضمائر هؤلاء الابطال كثيرا ما تصحو عندما تتأزم الاحداث فى القصة ، وصحوة الضمير - عندهم - هي التى توقف تيار الشر الذى ينقادون معه ، أو أن هذه الصحوة تجعلهم أحيانا يكفرون عن الشر الذى اقترفوه ، بفعل خير مضاد للفعل الاول .
فسليمان البرنى فى قصة ( الضمير ) ( 8 ) اعترف أمام المحكمة بأنه هو قاتل حامد بن صالح منافسه على حب الفتاة نجمة التى أراد الزواج بها . وبهذا الاعتراف أطلق سراح حسن الذى الصقت به تهمة القتل ، فى الوقت الذي كانت فيه المحكمة تستعد - قبل اعتراف البرني - لاعلان الحكم باعدامه .
وكذلك فعلت بطلة قصة ) ضمير يستيقظ ( (9 ) . فهى راقصة استلبت قلب موظف كبير وأبعداته عن أطفاله بعد أن سلبت ما له ، وأكثرت من ديونه ، وتسببت فى طرده من الوظيفة وادخاله الى السجن . كفرت هذه عما فعلته باخراج الرجل من السجن ، ومداواته من المرض الذي ألم به ، وإعطاء ثروتها لاولاده .
) 2 ) يؤمن هؤلاء الأبطال بالبخت والسعد :
فالعم سليم الذى كان يعيش فى الصحراء مع زوجته حليمة ، اعتقد بأن الصبى الذى التقطه من أحد الاودية - بعد أن نهشته أفعى - هو السبب فى رغد العيش الذي بدأ يتهاطل عليه منذ أن حل هذا الصبى ببيته .
فبعد أن كان العم سليم لا يجد ما يقتات به مع زوجته صار يمتلك أغناما وابلا فى الصحراء ، ومزارع ومتاجر فى القرية ، ولذلك أطلق على هذا الصبي اسم ) عرقوب الخير( ، وتبناه لانه كان لا ينجب الولد ، وزوجه ) بريم ) ، وأورثه أرزاقة ( 10 ) .
( 3 ) - يلازم الحزن والياس والسلوك الغريب بعض هؤلاء الابطال :
ففي قصة ( صاحب المغارة ( 11 ) عمد بطلها سالم - بدافع الحزن واليأس - الى سجن نفسه فى مغارة ستين عاما ، لانه لم يستطع أن يتزوج بالفتاة التى يحبها وتحبه بدعوى انه فقير من ناحية ، ولانه قتل ابراهيم الرحال صاحب المال وغريمه فى حب هذه المرأة من ناحية اخرى .
وأضرب صالح بطل قصة ( بين زوجتين ) ( 12 ) عن الزواج لانه فشل فيه مرتين ، ففي المرة الاولى تزوج بامرأة متخلفة ذهنيا تهوى الأكسية والالبسة والزيارات المتعددة ، منها زيارة المقابر والزوايا ، وفي المرة الثانية تزوج بامرأة تلقت ثقافة لا بأس بها من المدارس الابتدائية والثانوية ، ولكن هذه المرأة كانت ترى فى واجبات الزوجية قيدا لحريتها ، وكانت ترى أن الشرف من التقاليد البالية ، وآل الامر بها الى الطلاق . وأضرب صالح عن الزواج نهائيا .
والواقع أن الكاتب برصده لمثل هذه المواضيع يرسم ما طرأ على المجتمع التونسي ابان الخمسينات من اختلال فى التوازن الاسرى نتيجة التحول فى العقلية والسلوك وانماط العيش عند بعض الفئات ؛ ونتيجة المحافظة التى تمسكت بها بعض الفئات الاخرى .
وهو أيضا يصور التفسخ الاجتماعى الذى نتج عن هذا التحول مثلما هو الحال في قصة ) واخجلى ! ) ( 13 ) . فبطلها شاب كان يمني نفسه بليلة عمرية مع الخادمة ، التى كانت تتمنع رغم الحاحه فى المراودة ؛ وفى الليلة التى قرر أن يقوم فيها بالمغامرة بعد منتصف الليل ، وجد أمه بانتظاره ، فتلقى منها الصفع والتقريع ، فكان ذلك سببا فى التزامه بالاستقامة بعد ذلك .
وقد استعمل الكاتب عدة فنيات قصصية ليصور مثل هذه المواضيع ، استعمل الوصف والحوار والسرد ، وقد تظافرت هذه العناصر على تحليل نفسيات الابطال ، وابراز الفعل ورد الفعل عندهم ، وكشف آلامهم وأحلامهم وانفعالاتهم الداخلية ، وحب بعضهم للثأر ، مثلما هو الحال فى قصة ( ثأر أبي) ( 14 ) ، وتمسك بعضهم الآخر بالشهامة والفتوة العربية مثلما نجد ذلك فى قصة ( متبوعة ) ( 15 ) .
والقصة عند الاستاذ المرزوقى هادفة غايتها كما يقول فى مجموعته القصصية ( فى سبيل الحرية ) ( 16 ) : " تحريك الهمم وبعث النخوة والحماس فى نفوس الشباب الوطني العربى المسلم " ، ولعل هذا ما جعله يتدخل فى شؤون أبطاله أثناء سياق القصة وهو ما يعتبر خللا فى الفن القصصى .
فالكاتب يعمد الى أن ينطق أبطاله أثناء الحوار بما فى أعماقه هو ، لا بما فى أعماقهم ، فيعبرون عن رأيه فى شؤون المجتمع والحياة دون تورية أو حجاب . مثال ذلك ما نجده فى قصة ( تجربة قاسية ) ( 17 ) التى تعالج موضوع الخيانة الزوجية ، ففي هذه القصة آراء خاصة بالكاتب لا يحاول أن يبديها من وراء الابطال بطريقة هادئة وخفية ، بحيث لا تكون هذه الافكار ناتئة وشاذة عن السياق فى النص .
من ذلك انه يرى : ان الذين يسميهم الناس بالمتزمتين هم ناس عقلاء يقفون بالاشياء عند حدودها العقلية ، لان كل شئ فى هذه الحياة له حدود يقف عندها ، وهذه الحدود يعرفها العقل السليم البعيد عن المؤثرات العاطفية وهو يرى كذلك - فى هذه القصة - أن الحياة تصير فوضى اذا تركت سنن الطبيعة دون حدود ، لان فى ذلك الوقت يختل التوازن الاجتماعى الذى هو اساس العمران ، ومهمة الانسان العاقل هى القيام بهذه المأمورية التى يرتكز عليها التوازن الاجتماعى ، ولا يكون ذلك الا بالاعتراف بأحكام العقل ، والحد من حرية النفس فى تصرفها ، وان لكل انسان حريته الفردية ، ولكن هذه
الحرية محدودة بحرية الغير ، واذا لم نقل بهذه الحدود فى الحياة ، فاننا نكون قد كفرنا بنعمة العقل ، وخرجنا عن سلطانه ، وانتسبنا لفصلية الحيوان البكماء ( 18 . (
ومثل هذا التدخل نجده فى قصة ) لا أمل بعد الثالثة ( ( 19 ) .
فبطل هذه القصة فشل للمرة الثالثة فى الزواج ، فتخلى عنه نهائيا برغم ثرائه ، وذلك هروبا من شروط الزواج الكثيرة التى تقلقه من ناحية ، وطلبا للحرية الشخصية من ناحية أخرى ، فينصح الراوي - وهو الكاتب نفسه - هذا البطل - بطريقة مباشرة قائلا :
ليست حرية الرجل فى فراره من الواجبات بصبر وجلد ، وأن الفرق بين الرجل الكامل والرجل الناقص ، يتمثل فى القيام بمسؤوليات الحياة ، ولو سلك الناس طريقك لانحل العقد الاجتماعى ، وانفرطت خرزاته ، وتعطل عمران الكون "( 20 ) .
فهذا الكلام جميل ورائع لو كان مندرجا فى بحث علمى ، أما أن يدرجه كاتب فى قصة ، فان الفن القصصى يتطلب منه أن يدرجه فى نطاق السرد ، ليستطيع بذلك أن يدير أبطاله من وراء ستار ، فلا يحد من حريتهم - فى الحركة - بتدخله فى السياق ، ولا يرفض عليهم مثله بطريقة مكشوفة ، وإنما فن القصة يلزم الكاتب بأن يوجه ابطاله من بعيد ، ليحملوا الى جمهور القراء تصوراته وأحلامه ، وموقفه من الوضع البشرى ، ومثاله للواقع الاجتماعى الممكن الوجود .
فالمرزوقي القصاص يمكن ادراجه بين قصاصي الاربعينات مثل عبد الرزاق كرباكة ، ومصطفى خريف ، ومحمد العريبي ، والأخوين باكير وغيرهم .. هؤلاء الذين يرون أن القصة توجيه وتهذيب وخلق للانسان النموذجى القادر على بناء المجد العربى الطارف على أسس مجدنا التالد .
