الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

محمد بن شرف الفيروانى، مع الادباء وانتاجهم

Share

التعريف برجال العلم والثقافة الادبية فن رقيق ،وضرب دقيق يحتاج  فيه الكاتب علاوة على الضلاعة العلمية ، والتبحر فى الثقافة الفنية ، والمهارة الادبية الى توخي الصدق وتحرى الحقيقة والواقع . وقد يعسر تأدية الحقائق بلسان الادب المنمق والتعبير المزخرف المسجع وطالما جمح الخيال بكبار الادباء الى الغلو والتغالى فكان من العسير أن يتفق للبليغ الموهوب الذى يحلق فى آفاق الخيال فى جموح واهتزاز ، وتأثر وشعور غامر أن يؤلف بين الخيال والواقع حتى قيل أعذب الشعر أكذبه وقيل : فى زخرف القول

فى زخرف القول تزيين لباطله      والحق قد يعتريه سوء تعبير

تقول هذا مجاج النحل تمدحه      وان ذممت تقل فىء الزنابير

مدحا وذما وما جاوزت وصفيهما  حسن البيان يرى الظلماء كالنور

ومن تأمل حديث ابن بسام صاحب الذخيرة فى تعريفه بالوزير ابن زيدون الاندلسى المتوفى سنة 463 ه علم صحة هذا القول وصدق هذا النظر اذ يقول ابن بسام عن أبي الوليد أحمد بن زيدون المخزومى الاندلسي ما

نصه :

كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم وخاتمة شعراء بنى مخزوم أخذ من حر الايام حرا وفاق الانام طرا وصرف السلطان نفعا وضرا ووسع البيان نظما ونثرا الى أدب ليس للبحر تدفقه ولا للبدر تألقه . وشعر ليس للسحر بيانه ولا للنجوم الزهر

ويمضى ابن بسام قدما محلقا فى آفاق خياله فى طلاوة تعبير وجمال صيغة واشراق ديباجة . ولكنه سامحه الله عندما يقول ان أبا الوليد زيدون " فاق الانام طرا " فيندفع مع الخيال الذى يجمح به الى ما لا يخطر لعاقل على بال ، وكيف يفوق الفرد الانام طرا مهما أوتى من عبقرية وضلاعة

أما لفتح بن خاقان الكاتب المعروف بقلائده ومطمحه ، فقد حكم قلمه فى الرجال بالهجو مرة والمديح أخرى جريا وراء غاية سخيفة يبتغيها وسفاسف ينحط اليها وكل من أرضته صلته أجاد فى تحليه . وكل من تغافل عنه

هجاه وثلبه فوقع فى الخلط والخبط فتارة يقول عن أبي بكر بن باجة المعروف بابن الصائغ وكان من كبار مفكرى الاندلس ويلغائها ورؤساء دواوينها أبو بكر بن الصائغ هو بدر فهم ساطع وبرهان علم لكل حجة قاطع تفوحت بعطره الاعصار وتطيبت بذكره الامصار وقام به وزن المعارف واعتدل ومال ، وتهدل وعطل بالبرهان التقليد ، ويكثر ويطيل فى وصف روعة انتاجه ثم بكر على هذا الكلام بالنقض فلا يستحى أن يقول : أبو بكر بن الصائغ اشتهر سخفا وجنونا وهجر مفروضا ومسنونا مع منشأ وخيم ولؤم أصل وخيم وصورة شوهها الله وقبحها وطلعة اذا أبصرها الكلب نبحها وقذارة يوذى البلاد نفسها ووضارة يحكى الحداد دنسها

وله نظم أجاد فيه بعض الاجادة وشارف الاحسان أو كاده

ولكننا عندما تأملنا فى سلسلة من تراجم الادباء بقلم محمد بن شرف القيروانى لم نجد أثرا لهذا التقحم الشائن والمبالغة المزرية بل كان تعريفه للاديب وأدبه يتسم بسمة الاطلاع وروعة الاضطلاع وينبئ عن تحر بعيد المدى ويعرب عن ابداع فى التصوير وآلاحاطة فى القتدير والاصابة فى التحرير والتعبير وتقص فى الميدان الفسيح فى ايجاز بارع وملخص شامل ، وشعور غامر . فكأنه مصور فنان يصور بريشة القلم كل منظر وكل مظهر ويدون كل ملمح فى اختصار مفيد ونزاهة وانصاف نادرين في الرجال

وماذا عسى الباحث فى أدب أبى الطيب المتنبى ، والدارس لحياته أن يقول مما قاله محمد بن شرف القيرواني . فلقد لخص حياة المتنبى وشعره في أسطر كانت كاللآلى الشعاعة المضيئة بانوارها المنبثقة عن ضلاعة وتبصر بل ان أسطرا قليلة أرخت أديبا كبيرا ذائع الصيت فى الفديم والحديث . فكانت كلمة ابن شرف كالعنوان الصادق لما تحتها وها نحن نقدم لكم كلمته عن المتنبى التى جمعت ما تفرق وانتهت فى الحكم عليه الى ما انتهى اليه الادباء الكاتبون الذين أضاعوا أنفس الاوقات فى التعصب للمتنبى أو التعصب عليه ولم يقف ابن شرف عند ذلك الحد . بل ادلى برأيه الشخصى فى المتنبى وأدبه فقال

(وأما المتنبى فقد شغلت به الالسن وسهرت فى أشعاره الاعين وكثر الناسخ لشعره والآخذ لذكره والغائص في بحره ، والمفتش فى قعره عن جمانه ودره وقد طال فيه الخلف وكثر عنه الكشف وله شيعة تغلو في مدحه وعليه خوارج تتغايا فى جرحه . والذى أقول ان له حسنات وسيئات وحسناته أكثر عددا وأقوى مدددا وغرائبه طائرة وأمثاله سائرة ، وعلمه فسيح وميزه صحيح يروم فيقدر ويدرى ما يورد ويصدر . اه

ألا تراه لخص حياة المتنبى وأدبه فى بضعة أسطر مع الالمام بسائر النواحى فى بيان المتنب وادبه ، بحيث لو بحثت حياة المتنبى لم تخرج بغير هذه النتيجة . وما أبرع تعريفه لابى فراس الحمدانى وأدبه فقد جمع فى سطرين ما يحيى فيه الكتاب مجلدا ضخما :

فأبو فراس الحمدانى كما يقدمه ابن شرف الذى قال عنه : وأما أبو فراس ابن حمدان ، ففارس هذا الميدان ان شئت ضربا وطعنا ، ولفظا ومعنى ، ملك زمانا وملك أوانا : أشعر الناس فى المملكة وأشعرهم فى ذل الملكة وله الفخريات التى لا تعارض والاسريات التى لا تناهض الخ

هناك ميزة أخرى فى تعريف ابن شرف للادباء والكتاب لا يشاركه فيها الا القليل . كأن لا يعوزه التثبت فى الحكم على الشاعر أو الكاتب . وان بعدت داره وشط زمانه ذلك لانه درس أدبه ، وتنبع آثاره وانتاجه فى دقة وتحر وتعمق مما يبرهن على ثقافة أدبية بعيدة الغور عند أدبائنا الاقدمين بهذه البلاد ، وطلاع غزير يتمكن معه الاديب من الحكم على الغير وعلى آثاره فى اطمئنان يشعر فيه الكاتب براحة الضمير فى أحكامه

وماذا عسى أن يقول الكتاب والباحثون عن أحمد بن عبد ربه الاندلسى المتوفى سنة 328 ه بعد كلمة ابن شرف الذى يقول عنه : وأما ابن عبد ربه القرطبي وان بعدت عنا دياره ، فقد صاقبتنا أشعاره ووقفنا على أشعار صبوته الانيقة ومكفرات توبته الصدوقة ومدائحه المروانية ومطاعنه في العباسية وهو فى كل ذلك فارس ممارس ، وطاعن مداعس . وأطلعنا شعره على علم واسع ومادة فهم مضئ ناصع ومن تلك الجواهر نظم عقده وترك لمن يحمل بعده .

فتحدث عن أحمد بن عبد ربه ، وانتاجه فى كلمة جامعة مدققة واستطاع في أسطر قليلة أن يلم بسائر حياته ويدون رأيه فى انتاجه الادبى وأطواره ، ونواحيه . وهكذا يواصل محمد بن شرف تعريفه لكبار الادباء وأدبهم على هذا المنوال فى تحد واحاطة ، وبلاغة ، فيتناول البعيد بمثل ما يتناول به القريب فينصف .

وهذا تعريفه بالشاعر التونسي ( عل الايادى ) الذائع الصيت في القرن الرابع الهجرى ، أكبر شاهد على اعتدال احكامه ، وميزة تفكيره اذ يقول عنه :

وأما على التونسى : فشعره المورد العذب ، ولفظه اللؤلؤ الرطب ، وهو بحتوى الغرب . يصف الحمام ، فيروق الانام ، ويشبب ، فيعشق ويحبب ، ويمدح ، فيمنح أكثر مما يمنح .

لم يتمالك ابن بسام عن الشهادة لابن شرف بالاعتدال عندما استعرض تعريفه بأبى تمام الذى يقول عنه ابن شرف : وأما الطائى حبيب : فمتكلف الا انه يصيب ، ومتعب لكن له من الراحة نصيب . وشغله المطابقة والتجنيس ، جيد ذلك أو بيس ، جزل المعانى ، مرصوص المبانى ، مدحه ورثاؤه لا غزله وهجاؤه ، طرفا نقيض ، وخطتا سماء وحضيض . وفى شعره علم جم من النسب ، وجملة وافرة من أيام العرب . وطارت له أمثال وحفظت له أقوال ، وديوانه مقرو ، وشعره متلو

قال ابن بسام : أما صفته هذه لابى تمام ، فصفة لم يثن عطفها حمية ولا تعلقت بذيلها عصبية ، حتى لو سمعها حبيب لاتخذها قبلة ، واعتمدها ملة . فما آلم من أدب وان أوجع ، ولا سب من صدق وان أقذع . ا ه

وتعليق ابن بسام على هذا التعريف بمثل هذه الروح يبين المدى الذى اشتهر به ابن شرف فى ذلك الزمن بين أوساط الادباء النقادين من الاندلسيين . ولنختم هذه الكلمة برأى ابن شرف فى البحترى وابن المعتز وابن الرومى وهم من أعلام الشعراء وكبار الادباء فى القديم فيقول :

قال محمد ابن شرف : وأما البحترى : فلفظه ماء ثجاج ، ودر رجراج ، ومعناه سراج وهاج ، على أهدى منهاج . يسبقه شعره ، الى ما يجيش به صدره ، يسر مراد ولين قياد . ان شربته أرواك ، وان قدحته أوراك . طبع لا تكلف يعييه ، ولا العناد يثنيه ، لا يمل كثيره ، ولا يستكف غزيره ، لم يهف أيام الحلم ، ولم يصف زمن الهرم . وأما ابن المعتز فملك النظام ، كما هو ملك الانام ، له التشبيهات المثلية ، والاستعارات الشكلية ، والاشارات السحرية ، والعبارات الجهرية ، والتصاريف الصنوفية ، والطرائق الفنونية ، والافتخارات الملوكية ، والهمات العلوية ، والغزل الرائق ، والعتاب الشائق ووصف الحسن الفائق

وخير الشعر أكرمه رجالا   وشر الشعر ما قال العبيد

وأما ابن الرومى : فشجرة الاختراع ، وثمرة الابتداع . وله فى الهجاء ، ما ليس له فى الاطراء ، فتح فيه أبوابا ، ووصل فيه أسبابا ، وخلع منه أثوابا ، وطوق فيه رقابا ، تبقى أعمارا وأحقابا ، يطول عليها حسابه ويمح بها ثوابه . ولقد كان واسع العطن ، لطيف الفطن ، الا أن الغالب عليه ضعف المريرة وقوة المرة

اشترك في نشرتنا البريدية