لعله ليس من الهين أن يتوفر كاتب على دراسة شاعر ليس بين يديه من إنتاجه سوى مقتطفات لاتنقع غلة ، وسوى بعض اللوحات التى لا ترسم الا ظلالاً باهتة ولا تسجل الا قليلا من اللقطات قلما كانت صورة صادقة لذاتية الشاعر الذى عهد للكاتب بدراسة أدبه ، أو تاريخ حياته من خلال شعره .
وكثيرهم النبغاء ، من الادباء والشعراء الذين لم يكتب لهم الخلود ولم يحفل بهم التاريخ بسبب ما احاط بهم من الغموض ، وما نكبوا به من الاهمال : أما لقلة العناية بادبهم ، أو لما لحق هذا الأدب من التلف والضياع .
وقد أصيب بهاتين النكبتين مجتمعتين أو باحداهما كثير من شعرائنا وأدبائنا القيروانيين القدامى والمحدثين : كالنهشلى وأبن الربيب الحلوانى وغيرهم فى القديم وكالزريبي ، والنجار ، والظريف وسواهم من شعراء عصرنا الحديث فهؤلاء ، واولئك قد عفى الدهر على اثارهم ، وانسى الاجيال ذكرهم فاصبحوا وأصبح أدبهم أثراً بعد عين ولنا كبير الامل فى هذه اليد البيضاء التى غمرت كثيراً من تراثنا فانعشته ومواتا من أمجادنا فاحيته ان تمتد الى هذه الدفائن الثمينة فتزيل عنها الاتربة وتكشفها للشمس ، وتخرجها من الظلمة إلى النور فتضيف للسلسلة الذهبية حلقة من حلقاتها المفقودة ، ولقائمة المئاثر ماثرة غالية وما ذلك على الهمة الفتية بعزيز .
وبعد فلعل الحظ قد أدرك نفراً من هؤلاء ، فانتشلهم قبل أن يجر عليهم الاهمال ذيله فاتاح لهم فرصة الظهور وابقاء الذكر ، فى عصر النهضة وزمن البعث الذى بزغ فى الافق فجره ، وهبت نسماته الندية وتهيأ لاسمائهم اللامعة أن تتردد على الشفاه ، وأن تتدارس الاقلام أدبهم ، وان تشنف الاسماع بروائع من شعرهم الرقيق ، وبدائع من الفن الرفيع الخلاق . ومن هؤلاء النبغاء شاعرنا الذى لم يزل أدبه ملء الاسماع والنفوس ، والذي اسند الى شرف الحديث عنه ، وعهد لي بدراسة شعره على ضوء ما توفر لى من هذا الشعر الرصين والادب الغض الممتاز .
هذا الأديب اللامع هو الاستاذ محمد بن صالح بوشربية وليد القيروان فى سنة 1903 والمتخرج من مدرستها الابتدائية سنة 1922 بشهادة في اللغتين ثم التحق بالجامعة الزيتونية واحرز على شهادتها سنة 1928 فاصبح
بها قيماً ثم مدرساً بكليتها فكان عنوان النبوغ ومثال الحزم والنشاط ، وقد الفت الانظار الى ما امتاز به من حرية فى الفكر ، وصلابة فى الرأى وقوة شكيمة ونصاعة برهان ، وكان الى ذلك كله فياض الشعور ، ملتهب الحماس ثائرا على كل وضع لا يتماشى وحركة التطور والتقدم سواء أكان ذلك فى الدين والعلم ، أم فى الادب والاجتماع ، فكانت له فى هذه المجالات مواقف سجلت له وآراء حفظت عليه ، ونظريات تطالعنا فيما بين ايدينا من شعره
وكانت حياته لذاته مليئة بالعمل ، حافلة بالحيوية ، حتى لفظ نفسه الاخير باحدى قاعات مستشفى جندوبة متاثراً بجراحه ، من جراء حادث سيارة انقلبت به فى ثلة من رفاقه الاساتذة فى أحد منعرجات عين دراهم فكانت وفاته يوم 19 جويلية 1952 عن سن لم تتجاوز الخمسين سنة الا قليلاً .
وهكذا كانت السن التى انتقل فيها شاعرنا الى جوار ربه ، هى سن النضج ، واكتمال القوة الذهنية ، التى يصح بها الحكم على الأشياء ، ويبدأ فيها طور الهدوء والتأمل وسكون النوازع ، وبلوغ سن الرشد فى الحكمة واصالة الراى وصحة التصور . لذلك نجد شاعرنا فى الطور الاخير من حياته يصدر فى شعره عن افكار ناضجة واراء صائبة ، ونظريات تحمل كثيرا من بذور التجربة ، وعناصر التمرس باطوار الحياة .
هنا نفتح كوة لنطل منها على شاعرنا الراحل وهو منطو على نفسه ، مستغرق فى تأملاته ، فى عزلة معرية ، يستعرض صور الحياة صورة صورة ، ويستجلى لوحاتها لوحة لوحة ، ينظر إلى ما وراء الاشياء فينفذ الى الاعماق ويكشف عن الدخائل ، ولكنه لا يرى الا صوراً قاتمة ، ولوحات عليها لطخ وفى جوانبها اثار دكناء هى عنده علل النفوس ، ومساوئ الاخلاق ، ومآسى الحياة ، فلنستمع اليه فى قطعة بعنوان : " الحزن ":
قضى زمان التصابي
وشاء أن لا يدوما
وحل عصر الرزايا
فهد ركنا قويما
سينزح الصفو عيني
والحزن يبقى مقيما
وهكذا سوف أقضى الحياة
بؤساً وضيما
فليس لى أن أرجى
وليس لى أن أروما
وانطوائيته هذه ، واستغراقه فى عزلته النفسية جعلتاه يتبرم بالحياة ويستثقل ظلها ، ويستبطئ خطوها وهو فى شرخ شبابه ومقبل عمره ، فتخرج من صدره انة يصوغها فى هذين البيتين :
يقولون ان طالت ثمانون حجة
حياة امرئ ود النزوح الى القبر
فانى وان لم يبلغ العمر ثلثها
وددت بأن يبكى على زهرة العمر
ومن هنا نستطيع أن نلاحظ أن هذه التشاؤمية نشأت مع شاعرنا وعرفها منذ شبابه ، ان لم يكن الفها من قبل وركن اليها فهو يتمنى الموت ويتشوق الى القبر ولم يبلغ من العمر السابعة والعشرين ربيعا كما يشير الى ذلك بيتاه السابقان ، ويستبد به التشاؤم ويسحق التبرم بالحياة قلبه فينظر اليها والى جميع الوان مقوماتها ، وحتى الى ما تواضع عليه الناس من اسباب السعادة فيقول فى هذه القطعة الثائرة ، والابيات العابسة المقطبة والتي عنوانها جنايات متبادلة :
علينا جنت آباؤنا وعليهم
جنينا وكان الذنب للمتسبب
هم علمونا فاستبونا بعلمنا
نقيض أمانينا وعكس المحبب
يبابا وخسرا واندحارا وخيبة
وعثرة جد واندثار المرغب
فهذي مناحى الفوز للواد من أب
فيا شد ما يلقاه ولد من الأب
ونظرته هذه للحياة توحى لنا بمذهبه وفلسفته وتظهرنا على ياسه وقنوطه وتشاؤه فى جميع حالاته ، وفى كافة اطواره .
ولعل هذه الحالة النفسية التى يعانيها شاعرنا وكانت علة عذابه ، تأتت من أسباب مادية وروحية ، وهذه كا أحسبه افتراضا وان قام عليه الدليل ، ناشئه عن تلك : فازمته المادية المتمثلة فى العقم الذى نكب به، وفى اليأس الذى اوحى اليه به اطباؤه ، وفي الحالة المالية التى يتخبط فيها بسبب التكاليف وتواضع الوسائل ، هما مجتمعتان كانتا سببا لازمته الروحية ، التى عاشها مع نفسه ، وظهرت اثارها على ادبه وشعره.
فالخيبة جعلت الحياة فى مذاقه مرة ، وكثابة نفسه اوحت اليه ان كل ما فى الوجود كئيب ، وان كل مظهر من مظاهره ناطق بالتعاسة ، مطوى على الشقاء حتى تلك التى تعد مظهرا للسعادة وطريقا اليها عند الاخرين وقد بلغ به الازراء بالحياة ان ادرج المعرفة فى اسباب الشقاء فقال :
ويلي من التفكير كم شقيت به
نفسي وكم صعدت به زفراتي
كتب الشقاء على الذين تعلموا
فقضوه بالتفكير والحسرات
وعلى الغواة سعادة مكلوءة
بعناية اللذات والرغبات
وببعض ما ضربت من الامثلة احسب ان ادب بوشربية له صلة وثيقة بحياته اذ انه ادب ينبثق من صميم نفسه ويتفجر من ينابيع فؤاده ، ونظرة خاطفة الى هذا الادب المتمثل فيما بين ايدينا من شعره تشير قبل ان نتمعن فى قسمات وجهه ونظرات عينيه ، وجهارة صوته ، الى ما بين جنبيه من عاطفة ، وما يتأجج فى صدره من حماس وما يقوم فى نفسه من ثورة على جمود ورجعية وتحجر وعلى كل تفسخ وميوعة وانحلال وعلى كل ما
يحيط به ويعيش حوله ، وحساسية نفسه كانت السبب فى سرعة تائره وشدة انفعاله .
وانك لتحس فى شعره قوة ، وفي شعوره حساسية ، مشبوبة . لا شك انهما منبعثتان من روحه ومنبثقتان من نفسه ، احاطتاه بهالة من النبل، وغمرتاه بفيض من قوة الشخصية والى جانب هذه الميزات التى تطالعك وانت تقرأ شعره ، تشعر بغمر من العواطف يتدفق حولك من كل جانب بتفجر من روح مليئة بالعواطف تحس بالحب وتحترق فى اتونه ، وتشعر بالكرامة وتنافح عنها ، وتعتز بالمجد وتانف له ان يداس ، وتفخر بالاسلام وتقاوم متفصيه وتؤمن بالوطن وتحرض على مناهضة مغتصبيه ، وتهيم بالحرية وتكافح من اجل الحصول عليها.
ولقد عاش شاعرنا اقسى ايام الاستعمار واحلك لياليه ، ولم يكتب له ان يشهد مواكب الحرية ، ولا ان يبل لهاته من سلسالها المتدفق ، ولقد مس اليأس قلبه ، وعمر القنوط جوانب نفسه ، حينما طال عليه ليل الاستعباد ولم ير فى صفحته كوكبا ، ولم يشهد فى افقه فجرا فقال وقد يئس من الشعب بعد ان تراءى له انه ضعيف العزيمة فاتر الاحساس :
نقابل جور المستبد بحلمنا
ونلقاه بالتهليل مهما تفاقما
فيا تونس ما فى بنيك مغامر
ينازل قوم المستبدين ناقما
حنانيك ما فى القوم من متيقظ
فنامى فليس الشعب شعباً مقاوما
ولكن هذا الشعب لم تطل به النومة ، ولم يستسلم للضجعة فهب كالاعصار يقوض ويخرب ويكتسح وقاوم وكافح ولم يبال بما اعد له ولو هيأ :
القتل والسجن وقف
والاغتراب مثال
لكل ندب أبى
لم يرضه الاحتلال
حتى كانت له الجولة الاخيرة فاصبحت تونس حرة كاملة السيادة ودولة مستقلة .
ويبحث بوشربية عن علة تأخر المسلمين - وهى ناحية من نواحي عمله الاصلاحى - وسبب تخلف شعبه عن ركب الحضارة والتقدم فيجد ان بعض رجال العلم هم سبب البلية واصل النكبة فيحز فى نفسه ما يراه من قعودهم عن الاضطلاع بمسؤولياتهم فى تلك الايام الحالكة التى كان فيها الشعب فى مسيس الحاجة لمن يأخذ بيده وينير له المسالك . فكانت نقمته شديدة وثورته عارمة ، على أولئك القاعدين عن نصرته والشامتين بنكبته فقال :
وما العلماء الا كرات
بأيدى الولاة الطغاة اللئام
يلقفها الجاه والمال أني
يكن مطمع فهناك المقام
يحلون ما حرم الله جهرا
وما حلل الله فهو الحرام
فيا وطن الحر نم مستريحا
ويا دين طه عليك السلام
وتذهب نفسه عل قومه حسرات ، ويكاد بذور اسي فيقول :
متى أرى لبني الاسلام منعتهم
طال انتظارى لما أملت أعواما
متى متى يا بنى الاوطان نهضتكم
حتى أحقق ما قد خلت أحلاما
ويشيع فى نفسه بصيص من الامل فتهزه النخوة وتدغدغه الاريحية فيندفع منشداً فى يوم العروبة وفي ذكرى عيدها الثاني:
يوم العروبة هذا عيدك الثاني
يفتر عن أمل بالشعر أغرانى
وفيها يخاطب العرب ويحذرهم خداع الغرب وغدره :
أين الوعود التى غر الحسين بها ؟
واين كان مصير الملك ذي الشان
وهل جني فيصل من بعده أملا
سوى إغتيال وتسميم بلوزان
ويقول فيها بعد ان يقصى عنه اليأس برهة ،يتخلص من القنوط لفترة :
آمنت أن بلاد الغرب سوف ترى
حزم الرشيد وعزمات ابن مروان
ووحدة الضاد تلتف العروش بها
وصولة الدين فى عز وسلطان
وتطول فترة تفاؤله هذه وتهادنه ثورة روحه حينا فتنتعش نفسه ويعاوده الامل ، ويمس قلبه المحطم رجاء يدفع به الى دار زروق لينتظم فى سلك المحتفلين بالافراج عن المعتقلين السياسين فلا يملك مشاعره حتى يقف فى الحفل رافعاً صوته الجهورى بقوله :
أقم للنصر والفوز احتفالا
فقد قاربت سؤلك أن ينالا
ويمضى فى قصيده ويشير الى المحتلين بقوله :
وان جاء والتمدين كفانا
فهذى تونس تعطى المثالا
خذوا تمدينكم انا تخمنا
وسيرا فى المفاوز وارتحالا
ثم يطغى عليه الحماس فيقول :
فان عشنا فتلك منى ونصر
وإن متنا فللشهداء مالا
وجذوة الوطنية المتأججة فى صدر شاعرنا ، والتي نحس بدفئها المتوهج فى هذه القطعة تكشف لنا عن ناحية من نواحي هذه الشاعرية الكامنة فى نفس اديبنا الذي نحاول ان نميط اللثام عن جانب اخر من جوانب حياته الحافلة .
ويتصل بحماسه الوطني هذا ، قصيده الذى القاه فى مهرجان الشبيبة المدرسية بالقيروان فى عام 1936 الذى اقامته عند اختتام السنة الدراسية بالمدرسة القرآنية وجاء فيها قوله يخاطب رجال المستقبل :
يا أيها النشء الكريم ومن له
مجد من السلف الكريم أثيل
ترجو بلادكم منى قد حققت
بنجاحكم ورسابهن مهيل
ان اكرمتكم فهي لم تكرم سوى
عز يؤمل مجده المجدول
أن أبن أغلب وأبن باديس ومن
عز يؤمل مجده المجدول
لم يرتضوا للقيرواوان سوى علا
حمدوا به فيه منى وسؤول
ما العلم نيل شهادة وإجازة
ومراتب يعلو بها إكليل
لا نكتفى منكم باحراز على
ورق صقيل ما براه صقيل
حتى نرى لكم مفاخر شهدا
تسمو البلاد بفضلها وتطول
احسب ان هذا الصدى الرنان لنبضات قلب شاعرنا تكفى لنتبين ما عليه هذا القلب من مشاعر وما يزخر به من احاسيس .
ثم ، وليس لنا أن نغفل الناحية العاطفية فى شعر بوشربية لنلون هذا العرض الخاطف أولاً ، ولنلم ثانيا المادة سريعة بهذه الصورة التى لم نتبين معالمها وسط ما تركه لنا من صور عليها اثاره من تبرم وظلال من ياس وقنوط .
وأنه وإن لم تصل الى ايدينا صور من وجدانياته فانا على شبه اليقين بان له لوحات رائعة ترسم له وهج انفاسه ، وظلال خفقات قلبه ، واى شاعر لم يمس الحب اوتار قلبه ولم تلذع نار الغرام اضواء جوانحه ، وقلوب الشعراء مراتع الحب ومسارح الغرام ، وهي منازل الوحى ومحاريب الالهام .
فاصغ معى الى هذا الصدى البعيد آتيا من أعمق أعماق بوشربية وكأنه المناجاة فى الخلوة وتشاكى الصبابة بين حبيبين فكشف عن سر ظل دفينا بين احنائه ومطويا تحت احشائه . ولولا انها وصية مفارق ووداع راحل لما رفع الستار عن ذات نفسه ومكنون سره ، لذلك فهو لا يتحرج من ان يقول فى قطعته التى بعنوان : بعد وفاتى :
اذا ما شهدت نجوم الدياجى
تشع وشمس الاصيل تبيد
وأبصرت في الافق بدراً منيراً
يسامره الليل فوق النجود
وباكرت روضك تمشى الهوينا
تشم الزهور وتجني الورود
وأبهرك الغصن يزهو بقد
ترنحه نسمات ترود
ومر النسيم يقبل فاك
ويحمل ذكرى محب عهيد
هنالك فاذكر ضناى ووجدى
وسالف عهدى وحبى المريد
فهذي المشاهد كم ذكرتني
وهاجت هواي الكمين العنيد
عسى أن تخلد حبي بقلبك
حتى نحل بدار الخلود
ولعل شرارة الحب التى طارت الى نفس شاعرنا هى التى اشعلت الجذوة وصهرت روحه فجعلت منها بركانا يقذف بالحمم ، ويبعث اللهب المستعر فكان حانقا على كل وضع متبرما بكل واقع ، متشائما الى ابعد حدود التشاؤم لا يلامس الامل قلبه ، ولا ينسم فؤاده نسيم الرجاء المنعش ، وما بين ايدينا من النزر من شعره يعطينا صورة لواقعه ويبرز لنا حقيقة هذه النفس الثائرة ، والصدر الضيق الحرج الميتوم ،
على انه وهو فى يأسه القاتم وقنوطه الدائم ، لا ينسى مسقط راسه ولا يستطيع ان يكتم حنينه الى الربع العامر وعطفه على التربة الزكية والبلد الحبيب ، ورجاؤه ان يعود اليه يوماً مجده التليد ، وتراجعه ايامه الزاهرات .
أرجو لمسقط رأسى أن ينال علا
مثل الذى كان في عهد ابن باديس
وارتجى من بينه نهضة سلمت
من أن يعضدها قوم الاراجيس
وانا لنجد فى هذا القليل مما خلف لنا من شعره روحا فياضا بالحنان والوفاء لا الى المغاني والديار فحسب بل وأيضاً الى خلصائه واخوانه من الادباء والشعراء فهو يصعق حين يفاجأ بموت صديقه الشاعر سويسى ، ولا يملك دمعه ، ولا يضبط الشاعر نفسه حتى يقول قصيده الذى يتفجر لوعة وحرقة واسى :
أكذا أصاب بفاجع الاخبار
فى غربتى وتخوننى أشعارى
وهو قصيد تكاد تسمع له فى كل بيت نبضة ، وتحس فى كل قافية لوعة وفى كل كلمة أنة من فؤاد جريح . وهكذا ترون معى ان لشاعرنا فى كل ميدان جولة ، وفي كل جو اشعاعة ، وفى كل مقام صوتاً جهيراً . واذا سمحتم لى وقد اطلت عليكم ان اختم هذا العرض الخاطف بكلمة حق قالها شاعرنا ولم يرد بها باطلاً فى عصره على الاقل هي قوله :
متى انتفع الاديب أديب قومي
بما قضاه فى نظم القريض
وهل نال المنى أو رام أمرا
ولم يقذف بقارعة عضوض
وهل أبقى له السخر اقتدارا
ليأتى بالبيان المستفيض
فما لاديب تونس من مقام
وليس عليه فيها من فروض
وهذا على كل حال شعور شاعر عرفناه من شعره ، وتكشفت لنا دخيلة نفسه لما تركه لنا من شعر حزين سمعنا فيه انبن صدره ، واحسسنا بزفرات فؤاده وان كنا لا نشاركه رأيه ، ولا نماشيه فى حكمه على اديب العهد الجديد ، وشاعر العصر المجيد فرتبة الاديب اليوم رتبة مرموقة ، ومكانة الشاعر فى عهدنا الزاهر يشار اليها بالبنان . والسلام عليكم ورحمة الله .

