هذه بلاد الله المقدسة ، وقد خصها الله بالخير العميم والرحمة الدائمة ، فتاريخها حافل بالشخصيات الاسلامية البارزة التي جاءت اليها تحمل لها رسالات العلوم والاخلاص فى العمل ؛ ومن هذه الشخصيات الجديرة بالذكر شخصية العلامة الشيخ محمد رحمة الله العثمانى رحمه الله . . وستحدث هنا عن بعض نواحي حياته واعماله وخدماته بصورة موجزة .
١ - مولده
ولد ببلدة كيرانه ) بفتح الكاف وسكون الياء وفتح الراء ( من توابع دهلي عاصمة الهند القديمة فى شهر جمادى الاولى عام ١٢٣٣ الهجري ، وكانت كيرانه قبل عهد الهند الاسلامى قاعدة لأحدى الأمارات الهندوكية الكبرى ، وقد استولى عليها المسلمون فى عصر السلطان محمود الغزنوى ) المتوفى فى ٢٣ ربيع الاول سنة ٤٢١ ه الموافق ٢٩ ابريل سنة ١٠٣٠ الميلاديية ( . . واول قائد مسلم دخلها فاتحا هو السيد مسعود الغازي ولا زالت قبور شهداء المجاهدين باقية فى الجانب الشمالى والغربى من بلدة كيرانه .
٢ - نسبه
هو الشيخ رحمة الله بن خليل الله بن نجيب الله الحكيم ابن حبيب الله الحكيم ابن عبد الرحيم الحكيم ابن قطب الدين الحكيم ابن الشيخ فضيل الحكيم ابن
عبد الرحيم بن عبد الكريم الحكيم الملقب بشيخ الزمان الطبيب الخاص للامبراطور جلال الدين محمد اكبر أحد ملوك المغول المسلمين فى الهند . . وتتصل شجرة نسبه بسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه عند الجد الرابع والثلاثين ، ولا يزال نسبه معروفا الى اليوم بالنظر الى أن نسب جميع العثمانيين أى الذين يتصلون بالنسب الى عثمان رضى الله عنه لا يزال مدونا فى الهند نسلا عن نسل فى السجل التاريخى المحفوظ بزاوية الشيخ مخدوم جلال الدين الكبير ببلدة " بانى بت واول من قدم الى الهند من آل سيدنا عثمان هو الشيخ عبد الرحمن الجد الأعلى للشيخ رحمة الله اذ كان قاضيا عسكريا للجيوش الاسلامية التي غزت الهند فى عهد السلطان محمود الغزنوى ، وبعد فتح الهند أقام الشيخ عبد الرحمن العثمانى ببلدة باني بت ، ودفن فيها . ولا يزال قبره معروفا الى الآن تحت قلعة هذه البلدة التاريخية ، ولما كان أحد أجداده وهو الشيخ عبد الكريم الحكيم " طبيبا خاصا " للامبراطور جلال الدين اكبر فقد انعم عليه بمقاطعة كيرانه بتوابعها ، وبلقب " شيخ الزمان " ومازال هذا المرسوم الصادر فى شهر ذي القعدة ٩١٥ ه محفوظا بدار المحفوظات الأثرية بالهند ، وكان الشيخ محمد حسن الحكم ابن شيخ الزمان ايضا طبيبا خاصا للامبراطور نور الدين جهانكير ابن الامبرطور جلال الدين اكبر فقربه اليه وانعم عليه بلقب " نائب السلطان ومقرب الخاقان " وقد زار الامبراطور نور الدين جهانكير بلدة كيرانه بدعوة من وزيره محمد حسن الحكيم وحل ضيفا فى قصره المنيف الباقى الى يومنا هذا ، وقد دون الامبراطور نورالدين جهانكير رحلته الى كيرانه ، وما شاهد فيها - فى يومياته المطبوعة باللغة الفارسية ، وفى هذا المحيط التاريخي ولد الشيخ محمد رحمة الله
٣ - تحصيله واساتذته
بعد أن حفظ القرآن الكريم فى سن الثانية عشرة من عمره شرع فى تحصيل العلوم الدينية واللغة الفارسية ، على يد كبار أفراد أسرته المشهورة بالعلم والفضل ، ثم
سافر الى دهلى عاصمة العلوم . والتحق باحدى المدارس الدينية هناك ، ثم دفعه حب العلم الى مدينة لنكؤ ، حيث تتلمذ على العلامة المفتى سعدالله ، وتلقى الشيخ رحمة الله العلم على افاضل علماء غصره ، ومنهم علامة زمانه الشيخ محمد حياة والمفتى سعد الله والشيخ احمد على ، والشيخ عبد الرحمن ، وتخصص فى اداب اللغة الفارسية على يد امامها فى ذلك الزمان " امام الصهبائى " واتم دراسة الطب على الشيخ فيض محمد الحكيم ، وكان أحذق طبيب فى وقته ، وبعد الفراغ من إتمام دراسة العلوم الدينية والرياضية رجع الى مسقط رأسه ، وأسس مدرسة قام بالتدريس بها مدة وجيزة ، وقد لازمه عدد من تلاميذه مدة طويلة واصبحوا من العلماء العاملين فى الهند ، وكان منهم العلامة الشيخ عبد الوهاب المدرسى مؤسس " مدرسة الباقيات الصالحات " والتى تعتبر اليوم اكبر كلية دينية فى " اقليم مدراس " الواسع ، ولم تمهله الظروف للاستمرار فى التدريس زمنا طويلا ، اذ اجبرته الحالة . القاهرة على المدافعة عن الدين الاسلامى ، وكتابة الردود على مزاعم النصارى وكتبهم التى أخذت فى الانتشار ، وبدأ يؤلف كتابه الشهير القيم : " ازالة الأوهام " باللغة الفارسية ، لانها كانت اللغة الرسمية قبل العهد البريطانى فى الهند .
وحيث ان المضلين قد انتشروا فى الهند فقد ازداد نشاط الشيخ محمد رحمة الله الديني ، لأن الحركة التضليلية كانت آخذة فى القوة ، والحكومة بدورها ترى أعمال البعثات التضليلية عاملا قويا لخفض صوت الاسلام واضعاف قوة المسلمين وكان " القسيس فاندر " زعيم هذه الحركة قد وضع كتابه المشهور : " ميزان الحق " الذي أحدث ضجة كبيرة فى عموم طبقات المسلمين . فما كان من العلامة الشيخ محمد رحمة الله الا ان راسل القسيس فاندر ودامت هذه المكاتبة مدة بينهما ، وقد طبعت فى الهند باسم " المراسلات المذهبية " . وانتهت هذه المكاتبة بينهما الى عقد مجلس المباحثة والمناظرة العلنية
٤ - المناظرة
وفى يوم ١١ رجب سنة ١٢٧٠ الموافق ١٠ ابريل سنة ١٨٥٤ انعقد الاجتماع العام فى بلدة ) اكبر آباد ( المعروفة ) بآكره ( وحضر هذا المجلس عدد كبير من الحكام والعلماء والامراء واعيان المسلمين وعامتهم ، وجرت المناظرة حول الابحاث الآتية :
١ - النسخ والتحريف فى الانجيل ، ٢ - آلوهية المسيح ، ٣ - التثليث ،
٤ - اثبات رسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام خاتم المرسلين ودامت المناظرة ثلاثة ايام ، الا ان القسيس فاندر لم يحضر المجلس فى اليوم الثالث لان النصر كان حليف العلامة الشيخ رحمة الله ؛ فقد دحض جميع حجج القسيس فاندر ، الواهية وقهره بالبراهين الساطعة ، وقد اغتبط المسلمون بانتصار هذا المتكلم عن الاسلام والمدافع عن دين الله ، والمؤيد بكلمة التوحيد ، على ذلك القسيس الذى جاء لتضليل المسلمين واقتيادهم الى طريق الغواية والفساد وبهذا الانتصار العظيم أصبح العلامة الشيخ رحمة الله زعيما دينيا لمسلمى الهند ، وانتشر صيته فى سائر انحاء الهند ، وقد استمر فى جهاده فتفرغ لقمع حركة التضليل واحباطها وقام بهذا العبء الثقيل خير قيام .
٥- تآليفه
وكانت تآليفه باللغة العربية والاردوية والفارسية كلها فى الرد على الديانة المسيحية ، وهي : ) ١ ( ازالة الاوهام ) ٢ ( وازالة الشكوك ) ٣ ( واعجاز عيسوى ) ٤ ( واحسن الاحاديث فى ابطال التثليث ) ٥ ( والبروق اللامعة ) ٦ ( والبحث الشريف فى اثبات النسخ والتحريف ) ٧ ( ومعدل اعوجاج الميزان ) ٨ ( وتقليب المطاعن ) ٩ ( ومعيار التحقيق - وكلها قد طبعت فى الهند ، ما عد البروق اللامعة وتقليب المطاعن ، وآخر مؤلف له هو كتاب " اظهار الحق " فقد ألفه بأمر السلطان
عبد العزيز خان ، وقد بدأ فى تأليفه فى ١٦ رجب سنة ١٢٨٠ ه بالقسطنطينية وانتهى منه فى اخر ذى الحجة من ذلك العام ، وقد طبع فى الاستانة اولا وترجم الى عدة لغات أجنبية وطبع ونشر
٦ - هجرته إلى مكة المكرمة
وبعد قيام ثورة الهند الاسلامية المعروفة فى عام ١٨٥٧ الميلادي اضطرته الظروف الى مغادرة الهند بعد أن صادرت الحكومة البريطانية ممتلكاته الواسعة فوصل الى مكة المكرمة لاجئا الى بيت الله الحرام وذلك فى ايام الشريف عبد الله ابن عون بن محمد امير مكة فى عهد السلطان عبد العزيز وقد تحصل على اجازة التدريس في المسجد الحرام ، فكان كثير من طلاب العلم يحضرون حلقات دروسه وابحاثه العيمقة فى الدين ومعلوماته القيمة فى العلوم الرياضية وغيرها .
٧ - رحلة الى الاستانة
وفى سنة ١٢٨٠ ه دعاه السلطان الى الاستانة وحل ضيفا مكرما عليه وبعد انتهائه من تأليف كتابه الذائع الصيت : " إظهار الحق الآنف الذكر رأي بثاقب فكره ان بعض شباب الاتراك قد تأثرت عقليتهم بالعلوم الغربية وضعفت العقيدة الدينية فيهم ببهرجة المدنية الغربية ، فالف رسالة سماها " التنبيهات " وأوضح فيها بالدلائل أهم الموضوعات كالبعث والنشر والنبوة ونزول الوحى وغير ذلك وانتهى من تأليف هذه الرسالة المفيدة فى شهر جمادى الثانية سنة ١٢٨١ ه وطبعت على نفقة الوزير خير الدين باشا التونسي بالقسطنطينية ، وقد بالغ السلطان فى اكرامه ، فأنعم عليه بالوسام المجيدي والخلعة الشاهانية ) جبة التشريفة (
ثم سافر الى الاستانة مرة ثانية فى ٢٠ ربيع الاول سنة ١٣٠١ ه بطلب من السلطان عبد الحميد وأقام فى القصر السلطانى وكان محل عطف واكرام
السلطان ، وقد أنعم عليه بمخصص شهري ضخم ورتبة : " باية ) ركن ( الحرمين الشريفين " وهى من الرتب العالية التى كان ينعم بها سلاطين آل عثمان على كبار الشخصيات من علماء المسلمين المجاهدين فى سبيل الله ، وبعد رجوعه من الاستانة دامت المراسلة بينه وبين السلطان عبد الحميد تارة باللغة العربية وأخرى بالفارسية .
وفى المرة الثالثة توجه الى الاستانة فى شهر رجب سنة ١٣٠٤ ه بطلب من السلطان عبد الحميد أيضا ، وأقام فى " جادر كشك " بقصر يلديز ، ولم تطل غيبته هذه المرة عن مكة إذ رجع اليها فى شهر ذى القعدة من العام المذكور .
٨ - تأسيس المدرسة الصولتية
وبعد رجوعه من سفرته الاولى الى الاستانة بدأ فى التدريس بالمسجد الحرام وكان يشعر بنقص كبير فى التعليم ونظامه من عدة نواح ، ففكر فى تأسيس مدرسة دينية على أساس نظام ثابت للتعليم والتربية ، فاتصل بأكثر الشخصيات البارزة فى ذلك العهد ، وعقد عدة اجتماعات وأخذ فى تحقيق مشروعه وإبرازه الى حيز الوجود ، فأسس مدرسة اولية لتعليم القرآن الكريم وتحفيظه وتدريس بعض مبادئ العلوم ، واستمر العمل الى أن جاءت لاداء فريضة الحج فى عام ١٢٩٠ ه امرأة كبيرة من اثرياء كلكته تدعي " صولت النساء بيكم " وأرادت إنشاء رباط كبير فى مكة ، وكان زوج ابنتها كثير الاتصال بفضيلة الشيخ رحمة الله وممن يحضرون حلقات درسه ، فاستشاره فى الامر فأخبره ان يمكة كثيرا من الأربطة ولا ينقصها الا مدرسة لتعليم ابناء المسلمين ، وعند ما عرض هذا الرأى على صولت النساء بيكم وافقت فى حينه على انشاء المدرسة ، وقدمت الى فضيلة المؤسس كل ما كان بيدها ، وفوضته فى الأمر ، فاشترى قطعة ارض فى " الخندريسة " بمحلة الباب وبني عمارة أول مدرسة فى ام القرى ومن حولها ، وتخليدا لذكرى هذه المحسنة الكبيرة أطلق فضيلة المؤسس اسم " الصولتية " على
هذه البناية نسبة اليها .
وفى ١٢ شعبان عام ١٢٩١ انتقل المدرسون والطلبة من مكانهم المستعار الى مبنى هذه المدرسة الجديدة وظل فضيلة المؤسس يتولى التدريس بها وإدارة شؤونها على أكمل وجه ، وينفق عليها من المخصصات الشهرية له من خزانة الدولة العثمانية والخزانة الخاصة السلطانية حتى غدت أعظم مدرسة فى " بلد الله الحرام " فتخرج منها مئات الطلاب والعلماء الذين كانوا ولا شك دعاة الاسلام وحماة الدين فى كل مكان ، ومن تخرج على يده من ابناء البلاد أصبحوا قاده نهضتها العلمية لأن فضيلة المؤسس كانت غايته القصوى من هذه الخطوات المباركة نشر العلم والدراسات الاسلامية وإبراز طبقة من المتعلمين على أساس النشأة الدينية الصحيحة وتثقيفهم ثقافة مدعمة ثابتة ، وكان فضيلة الشيخ محمد رحمه الله عميق الفكر ، صائب الرأى ، ألمعى القريحة يجود بكل غال ونفيس فى سبيل نشر العلم وإعلام الناس طريق الهدى والصلاح ، وكان يعتقد أن قدسيه العلم يجب ان تكون فى منآى عن السياسة ، والاختلافات الدينية والفوارق الطائفية ، كذلك يجب الاحتراز كل الاحتراز من الخوض فى كل ما اختلف الاقدمون فيه ، وكان من أثر ذلك ان العلماء الذين تخرجوا على يده كانوا يميلون الى عدم التفريق والانشقاق
٩ - تلامذته من مكة
وقد تتلمذ على فضيلة الشيخ رحمة الله خاصة عدد كبير من أبناء البلاد المشهورين منهم الشريف حسين بن علي امير مكة ، والشيخ عبد الرحمن سراج مفتى الحنفية والشيخ احمد عبد الله ميرداد شيخ الأئمة ، والشيخ أمين ميرداد ، والشيخ عبد الرحمن حسن العجيمى من علماء مكة ، والشيخ اسعد دهان قاض مكة سابقا ، والشيخ عبد الرحمن دهان شيخ العلماء ، والشيخ عبد الرحمن الشيبى ، والشيخ محمد حسين الخياط مؤسس المدرسة الخيرية بمكة ، والشيخ حسين المالكى مفتى المالكية بمكة ، والسيد
عبد الله الزواوى مفتى الشافعيه ، والشيخ عبد الله سراج قاضى القضاة ومفتي الاحناف والشيخ محمد درويش عجيمى ، والشيخ صالح كمال ، والشيخ محمد على كمال ، والشيخ أحمد النجار الطائفى ، والشيخ محمد حامد الجداوى ، والشيخ حسب الله ، والشيخ عبد الله ابو الخير وغيرهم من المدرسين بالمسجد الحرام
١٠ - وفاته
وبعد جهاد طويل فى سبيل الدفاع عن الأسلام والدين وكفاح مستمر فى نشر العلم والمعارف الاسلامية وافاه المنون فى ٢٢ رمضان سنة ١٣٠٨ الهجرية فلبى هذا المجاهد الاسلامى الكبير نداء ربه ودفن بالمعلاة بجوار قبر ام المؤمنين خديجة رضي الله عنها ، فرحمة الله على " رحمة الله "

