الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

محمد سرور الصبان

Share

قال الراوي : أسمعت هذا الصوت من جدة عن صديقك الاديب المتفنن عيسى خليل صباغ رسول الفكر والادب والعروبة من العالم الجديد:

صوتك الفذ كم اثار حنيني

            وسرى هادرا يهز المشاعر

يجتبيه الاثير هيمان ما شا

              ، ويهديه كالربيع المباكر

فيه سر الاجيال من أمة العر

          ب ، وفيه لمح القرون الزواهر

لقد دوى بهذا الشعر لحسن عبد الله القرشى ، فندق البساتين بجدة فى الثالث والعشرين من مارس سنة ألف وتسعمائة واثنتين وخمسين ، كما دووى بشعر آخر رائع لطاهر زمخشرى فى الحفل التكريمي ذاته:

صوت سمعناه للامجاد راوية

        ولم يزل في مجال الفخر مرنا

انا نفوما ، وطور ناثرا لهبا

        وتارة يقرع الاسماع جذلانا

كانه ومض شمس لا غروب لها

        لذا من الغرب وافانا وحيانا !

قلت : اجل سمعت صداه واعجبت به . لانى احب الشعر المتحرر الرفيع كيفما كانت مناسبته ومهما تنوعت صوره واساليبه ، والشعر الاصيل المتفوق لا يسف ما دام صادقا مخلصا أفنان.

قال وستعجب اكثر حينما تلم بالقوة الدافعة التى أبرزت هذه

المواهب فى شاعرينا البارزين ، وفي غيرهما من شعراء وكتاب انبتتهم ارض النبوة ومهد الادب العربى منذ قرون ثم دفع الى كتابا فاخرا عنوانه : فى البلاد السعودية ( عبد الله عريف يقدم:

رجل وعمل ) فاذا بالكتاب تعريف بأبى النهضة الادبية فى البلاد العربية السعودية وبوطنية محمد سرور الصبان والمعيته ، ومن هو عبد الله عريف هذا ؟ هو أحد نوابغ الكتاب الصحفيين السعوديين - هو رئيس تحرير جريدة " البلاد السعودية " .

واحد اركان نهضتها الصحفية الادبية غلا غرو إذا اجتذبت شخصيته . . وشخصية المترجم له مقدمة صالحة الكتابه من فلم الدكتور طه حسين . ولا غرابة اذا جمع الخيال والواقع والأمال بين عيسى صباغ وحسن عبد

الله القرشى وطاهر زمخشرى وعبد الله عريف ومحمد سرور الصبان ، ثم تبلور الشعور بالاعجاب حول هذا الزعيم الوطني واخلاصه والمعيته التى تالقت في هذه السيرة الممتعة .

يقول طه حسين فى مقدمته : " موضوع الكتاب رجل كريم ، بعيد الصوت ، ينزل من مواطنيه ومن كثير من العرب منزلة المحب المكرم ، كما يقول عنترة ، ولكنه حى يشارك فى الاعمال العامة في وطنه وفي البلاد العربية " الاخرى " ثم يقول : " ها نحن اولا نقرأ لكاتب حجازى معاصر دراسة تحليلية لرجل معاصر من رجال الادب والسياسة والاقتصاد ، فلا نجد فى الكتاب ضعفا ولا قصورا ، ولا نجد فيه عوجا ولا التواء ، ولا نجد فيه انحرافا عن مناهج التحليل والتعليل ولا ازورارا عن الفقه الصحيح لاخلاق الناس " وينوه طه حسين بقيمة الدرس الحر " الذي يدبر فيه العقل أمور العاطفة ، وتسيطر فيه على الاهواء ، ويبلغ به صاحبه الى الانصاف الذى لا يصدر عن حب ولا بغض ولا يثيره رغب ، و لا رهب ، وانما يصدر عن تفكير صحيح وتقدير دقيق .

وموازنة معتدلة بين الاشياء . . واذا استقامت للكاتب هذه الخصال التى تعصمه من الجموح ، واذا استقامت لموضوع الكتاب هذه الخلال التى تحببه الى النفوس فلا غرابة فى ان ينتج لنا من هذا المزاج المعتدل ومن هذه الشركة الخيرة كتاب ممتع نرى فيه كاتبا قد ملك فنه واحكم أمره " وينتهز أديبنا المصرى الكبير المناسبة فينوه بالبيئة الحجازية الجديدة الجادة فى سبيل الرقي الآخذة باسباب المجد

الطامحة الى ان تشارك النهضة وتبلغ منها ما بلغه غيرها من الشعوب ، ثم تمضى مع البلاد العربية فى سبيلها لا تلوى على شىء . حتى ترد للعرب مجدها القديم وتستأنف لهم حياة كريمة ما كان ينبغى لهم ان يقصروا فى ذاتها "

ويقول المؤلف الفاضل : " عندما يجئ اليوم الذى تورخ فيه حياة الحجاز في العهد السعودى فان صفحة خطيرة من صفحاته ستفرد - ولاشك - لحياة محمد سرور الصبان ذلك أن تاريخ حياته الفكرية جاء من تاريخ الصحوة الذهنية التى جاءت فى حياة الحجاز عقب الثورة العربية الكبرى ,

وما وليها من انقلاب سياسي تبعته حيوات اقتصادية وأدبية وادارية وكان لمحمد سرور الصبان من التأثير فى تلك الحيوانات الثلاث - وهى أظهر مظاهر نهضتنا - ما جعل منه قوة بارزة الاثر . فى كل حركة يراد منها تدعيم وانشاء مظهر يبين عن حيوية الامة ، ويدل على مشاركتها الامم فى الميراث الانساني العام ، ولقد عاش

- ولا يزال - فى مركز الاستجابة لكل ماحوله ، ولايزال الناس يغمرهم الاحساس بوجوده والتطلع الى فعاليته كلما حز بهم امر أو دفع بهم الى مشروع جماعي ، أو فكرة فردية فما اكثر ما يقولون ، محمد سرور ! وما اكثر ما يتحدثون عنه ، ويجعلون من حياته ، موضوع احاديثهم وأسمارهم وهذا لا يعني الاقرار المطلق بمكانته كرجل وبشخصيته كبطل ، ذلك ان قاعدة الحب والبغض ، أو النيل والحرمان ، التى تجعل منها الفكر العادى مفياسا لحياة العظماء والزعماء

لا تند عن طريقها في تشخيص مكانة محمد سرور فالناس من أمره على أشد ما يكون الخلاف بين رأيين "

ويمضى مؤلفنا القدير بأسلوبه السائغ المشرق في شرح شخصية هذا الرائد العربي ومقوماتها العظيمة ، فيكسب الادب كتابا جديدا فى فن الترجمة الصادق ، ويلقي نورا أمام العالم العربي على شخصية رائدة نزيهة حرة جديرة بأن تدرس وبأن يقتدى بها في اقطار العروبة .

لقد راجعنا سيرة الصبان ، لا في هذا الكتاب القيم فحسب ، بل في كتب ودراسات أخرى ايضا اعترفت له بأنه زعيم الحركة الادبية منذ نشأتها ومن اصحاب الرعيل الاول الذين اسهموا في بناء صرح الادب الحجازي وبأنه شاعر وجدانى وكاتب اجتماعي من الكتاب المبرزين ، وله مؤلفان قيمان الاول " أدب الحجاز " والثاني " المعرض" ويبحث الاخير فى شئون اللغة العربية كما اعترفت بتبريزه الاقتصادى وبنفوذه الاصلاحى الاجتماعى فما هى هذه المميزات التى بوأت الصبان هذه المكانة فى أمته واكسبته الاحترام شى كل مكان ؟

أولها - انه رجل وطني قولا وعملا كما انه رجل خارق الذكاء ، دائم الاطلاع ، واسع التجربة ، لم يقصر فى وضع جميع مواهبه تحت تصرف بلاده ، أمة وحكومة . .

وثانيها - انه رجل نزيه ، فهو لا يحيا فى بيت من زجاج ، وهو جد بعيد عن أن تصل الادران الى مكانته ومن ثمة كان له رأيه المسموع الذي لا ينال منه أى قيل وقال يمليه التنافس والحسد .

وثالثها - انه مثالي انسانى يترفع عن الانانية ويعتبر حسنات الغير كأنها حسناته ، وانسانيته المتجلية في شعره تلمحها مثلا فى قصيدته " يا ليل " التى يقول فيها :

ياليل ! ان بسم الخلي وسادر لهو ولعبا فبجنبه يبكى الشجى وربما لم يات ذنبا هذا ينعم باله واخوه يصلى النار غصبا

وروحه الايثارية الادبية تلمحها فى شغفه بتشجيع الادباء عامة والشعراء خاصة فى وطنه ، فى حين نرى فى أقطار عربية اخرى ، كما يروى التاريخ الادبي صراعا محزنا حول التنافس على الشهرة ، بل جرأة على التاريخ الادبي نفسه فى غمط الرائدين والعاملين حقوقهم ، واختراع المآثر والمراتب لمن دونهم ولمن هم أولى بالمؤاخذة لانانيتهم وكل هذا بعيد عن خلق الصبان الذى لم يصنع ما صنعه غيره فى أقطار أخرى من فرض ضريبة المدح الزائف على الادباء الشبان وسواهم ثمنا لاية مساعدة أو تلقاء الامتناع عن اساءتهم ، ولذلك كان من حق الصبان ان ينعت " بأبي النهضة الادبية السعودية "

ورابعها - انه رجل عصرى تقدمى وان يكن متزنا متئدا ، فهو يؤمن بأن الارض لن يرثها من عباد الله الا الصالحون ، وهو يؤمن بان المدنية الحديثة هي ملك للعالم باسره وليست ملكا لشعوب معينة ، كما يؤمن بأنها ليست غريبة عن الامة العربية التى حملت مشعل الحضارة عن الاغريق ، وزادته نورا وتألقا فى احلك الظروف فاذا طرقت هذه المدنية باب البلاد السعودية الآن قال الصبان مخلصا

صادقا : هذه بضاعتنا ردت الينا . ولم يعد من هذه المدنية شوائبها ، لان هذه الشوائب علقت بمدنيات كثيرة من قبل ونفضها المصلحون نفضهم الغبار الذى لا يؤثر على الجوهر ذاته .

ان الصبان علم ورائد فى خلقه وسلوكه واثره ، وسيرته عظة وقدوة لابناء العروبة فى كل الاقطار ، وستبقى - كما هي الآن - مضربا للامثال

وشنطن

اشترك في نشرتنا البريدية