- نضالاته العلمية والثقافية :
ومن شدة غيرته الوطنية أنه كان عنصر مساندة لزملائه الطلبة فى باريس ؛ فشاركهم مشاركة فعالة فى نشاطاتهم وترحالهم ، ووقف بجانبهم فى أيام المحن والشدائد ، وقام باقناع الكثير منهم لكى ينخرطوا في كليات ( الهندسة ) و ( المكنيك ) و ( المعادن ) ولم يكتف فى هذا الشأن بالاتصالات فحسب ، بل تجاوز كل هذا ؛ اذ نشر تحريضا فى ( نشرة جمعية طلبه شمال أفريقيا المسلمين بفرنسا ) عامي 1928 و 1929 وهو ما زال تلميذا بمدرسة ( سنترال ) جاء فيه :
" نريد فى هذه العجالة أن نرشد أهالى شمال افريقيا بايجاز عن مدرسة تعد اليوم من أعظم مدارس المهندسين المدنيين بفرنسا عسى قراءة هذه الاسطر تثير فى أنفس أبناء بلادنا الذين أحرزوا على شهادة ( البكلوريا ) اشتياقا لتوخي درس الصناعات حتى يجد نشاطهم الذى قصروه الى حد اليوم على الحقوق والطب مجالا أفسح وميدانا أوسع
ومدرسة ( سنترال ) هذه مقرها بباريس ، وهي تكون مهندسين فى جميع ضروب الصناعات متفنين وغير خالين من ثقافة عامة
على أنها تحذر الاكثار من التعليم النظرى والاختصاص المشط ، ولذلك فان التعليم العام يمتد على السنتين الاولى والثانية ، والاختصاص يبتدئ فى السنة الثالثة والطلبة الذين يجتازون المناظرة الاخيرة بنجاح يحرزون على ( لقب مهندس ) حسب اختصاصهم فى ( البناء ) أو فى ( المعادن ) ، أو فى ( المكنيك ) ، أو فى ( الكيمياء ) .
أما انخراط الطلبة فى سلك هذه المدرسة : فانه يقع بواسطة منظرة أما عددهم فهو محدود كل عام الى ما يقرب من مائتين وخمسين طالبا وهم يقبلون على مستوى واحد لا فرق بين الفرنساوى والاجنبى
ويشترط فى الطالب أن يكون محرزا على شهادة البكلوريا فى ( فن الحساب ) أو له ما يقابل هذه الشهادة من رسوخ القدم فى ذلك الفن ، وأن يزاول دروس الحساب الخصوصى مدة سنة يتقدم في آخرها إلى الجزء الاول من مناظرة ( سنترال ) ؛ فان قبل به كان له الحق في التقدم الى الجزء الثانى بعد مزاولة دروس الحساب الخصوصى سنة ثانية
أما تحضير هذه المناظرة ؛ فهو يستوجب من طرف الطالب اعتناء متواصلا ، وعزيمة ثابتة ، واستعدادا فطريا لدرس العلوم ، وثقافة عامة متوازنة أجزاؤها .
أما معلوم الدراسة : فهو سنويا ستة آلاف فرنك ، وتوجد مشاريع لاعانة طلبه هذه المدرسة ، وبالاخص يوجد محل يسكنون به بأثمان زهيدة
وأتمني لاخوانى من أبناء البلاد الذين يحسون في أنفسهم بكافى الاستعداد أن يتوخوا هذا السبيل حتى يكونوا كتلة من الشباب الناشط لمصلحة الفنون وترقى الصناعات ببلادنا المحبوبة ( 17 )
ومن نضالات المهندس : محمد على العنابى نشاطاته فى ( جمعية طلبة شمال افريقيا بفرنسا ) ، وانبعاث هذه الجمعية له قصة شائقة .
كان بسبب رغبة أبداها جمع من الطلبة فى نوفمبر 1927 فشكلوا لجنة من بينهم لتحرير القانون الاساسي لجمعية لقبوها بــــــ ( جمعية طلبة شمال افريقيا المسلمين بفرنسا ) ودعوا الطلبة الى اجتماع عقدوه لهذا الغرض كان هذا يوم 15 ديسمبر 1927 وصادق المجتمعون في هذا اليوم على المبادئ الاساسية وانتخبوا مجلسا ليتخابر مع كافة الطلبة من أبناء المغرب العربى وكلف هذا المجلس بتنقيح القانون الاساسي فيما بعد ، وبعد خمسة أشهر من النشاط التأمت جلسة ثانية وحضرها أغلب الطلبة ، وتمت فيها المصادقة على القانون الاساسي المنقح
ومن بين ما أقدمت عليه هذه الجمعية اقامة حفلات ودادية بين الطلبة كان من بينها مأدبة تكريمية لفقيد البلاد التونسية : ( المهندس صالح بن صالح ) وهو مهندس فى المناجم وعضو شرفى فى (جمعية طلبة شمال افريقيا ) .
هذا هو العهد الاول لهذه الجمعية النشيطة ويمتد من نوفمبر 1927 الى جويلية 1928 وهو عهد تنظيم وتهيئة ونشاط محمد على العنابي في هذه المنظمة بدأ فى هذا العهد ؛ فقد اغتنم هو وجمع من رفاقه فرصة عودتهم فى صائفة تلك السنة الى تونس فقاموا بحملة لبث الدعوى الى الجمعية والى مؤازرتها ومما يجدر التذكير به فى هذا الشأن هو ان هناك حملتين قامتا فى تونس لدعم هذا المشروع احداهما بالقلم ، والاخرى باللسان واشتركت فى الاولى أغلبية الصحف التونسية باللغتين العربية والفرنسية وادرجت فى ( الصواب ) و ( النهضة ) و ( تونس الاشتراكية ) و ( تونس الجديدة ) مقالات فى هذا الغرض ومن بينها مقالات : المهندس محمد على العنابي
ومن المعلوم أنه قامت بين كافة أعضاء الجمعية حركة خالصة موحدة المناهج ، ومحددة الاهداف ، وكللت بنتائج عظيمة ونتيجة لهذه الجهود اشترك فى الجمعية من التونسيين مئتان وستون عضوا معاونا ، وقدم هؤلاء مقدارا ماليا لا بأس به
ونحن حضرات الاخوة الكرام لو نتصفح نشريات هذه الجمعية المطبوعة ونتبع قوائم هيئاتها المتعاقبة ، فاننا نجد المرحوم الطاهر الزاوش قد ترأس هذه الجمعية ، كما نجد العديد من التونسيين كانوا فى هيئاتها ومن بين هؤلاء : عثمان صفر ، والشاذلى بن رمضان ، وعلى البلهوان والحبيب ثامر ، ومحمد على العنابى ، والطاهر صفر والمنجى سليم . ( 18 )
كما أننا نجد ملامح من القضايا التى تبنتها هذه الجمعية منذ تأسيسها وإن أذكر فانى أذكر بعضها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر ومن بينها : ( وحدة شمال افريقيا فى عصر عبد المؤمن ) ، و ( الزواج بالاجنبيات وفساده ) ، و ( تعليم المرأة بشمال افريقيا ) ، و ( أوضاع التعليم في الزيتونة والقرويين والمدارس الحكومية ) ، و ( تحسين أوضاع طلبة التعليم العالي بافريقيا الشمالية )
ومن المعلوم أن كل هذه القضايا قدمت فيها الجمعية مقترحات الى السلط وأولت عناية خاصة لقضية ( أوضاع طلبة التعليم بافريقيا الشمالية ) التى بحثتها فى المؤتمر الثالث سنة 1933 وترأس الجلسة التى انعقدت زوال يوم 27 ديسمبر : ( 1933 ) المرحوم : محمد على العنابى وتركب مكتبها أيضا من السيدين : عبد الوهاب باكير وعبد المجيد حجى كمقررين
وتركز التقرير ( 19 ) الذي أعد فى هذا الغرض على النواحي المادية وما يستلزم من اعانات متنوعة ، كما تعرض إلى وضعية التعليم العالي بمعاهد أقطار المغرب العربى والى النقص المتواجد فيها ، وتجدر الاشارة إلى ان من أهم المتدخلين في نقاش هذه الجلسة المرحوم : على البلهوان ، وعلالة الفاسى والحبيب ثامر ، والهادى نويرة ، ومحمد سومر ، والصادق بوصفارة ، وابراهيم عبد الله ، ومحمد الفاسى وأبو منجل
والملاحظ أن ( جمعية طلبة شمال افريقيا المسلمين بفرنسا ) انعقد مؤتمرها لسنة 1931 بتونس بقاعة الخلدونية من 20 إلى 22 أوت من تلك السنة ، وترأس جلسة الافتتاح عبد الرحمان الكعاك رئيس الخلدونية وقتئذ وحضره فرحات عباس من الجزائر ومحمد بن عبد الله من المغرب ، وتولى كتابة أعمال المؤتمر الطبيب الدكتور أحمد بن ميلاد وناقش المشاركون فيه عدة تقارير منها :
أ ) التعليم العالي ( ب ) التعليم العربي ( ج ) التعليم الصناعي ( د ) تعليم المرأة .
وقدم العلامة محمد الفاضل ابن عاشور فى هذا المؤتمر تقريرا هاما عن ( حالة التعليم العربى فى شمال افريقيا ) ونجد من بين اللجنة التى ترأسها ابن عاشور : أبو العلم علواش ومحمد بن عبد الله ، ومحمد على العنابى .
وتقرير هذه اللجنة أيها الاخوة كان هاما جدا من حيث الدقة والمنهجية وهو بمثابة دراسة شاملة عن أوضاع التعليم بهذه الاقطار من الابتدائى . الى الثانوى وحتى التعليم الزيتونى والقرويين
ولم تغفل اللجنة عن تقديم آراء وملحوظات للاصلاح ( 22 )
وفور عودة المهندس محمد على العنابى الى أرض الوطن ( أواخر 1932 ) استأنف نشاطاته من جديد لكن فى هذه المرة كان فى جمعية أخرى هى ( جمعية قدماء الصادقية ) ( 23 ) وبعد ان كان ( النادى الادبي ) لهذه الجمعية قد قصر نشاطه على تونس العاصمة فحسب ولم يتجاوز هذه المدينة إلا مرة واحدة فى سنة 1925 ؛ حيث قام برحلة الى سوسة وأنشأ فرعا له هناك . تغير الحال فى هذه الفترة خصوصا بعد ما تولى محمد على العنابى رئاسة هذه الجمعية عام 1934 ، فقد غير من منهج هذه الجمعية وأحدث ثورة عظيمة بها باحداثه لعديد النوادى كـــ ( نادى البحوث الفلسفية والاجتماعية ) الذي ترأسه بنفسه ، و ( نادى البحوث التشريعية ) ، الذى ترأسه الاستاذ الهاشمى السبعى ، و ( نادى الشؤون الاقتصادية ) ؛ الذى ترأسه المرحوم الطاهر صفر .
كما قام بتشريك العديد من تلاميذ المعاهد العلمية مثل ( جامع الزيتونة ) و ( مدرسة اللغة والآداب العربية ) فى نشاطات هذه الجمعية وفتح لها المجال لكى تقبل على المواد العلمية والتقنية ويصبح بامكانها أن تحل محل الفنيين الفرنسيين .
ووجه محمد على العنابى الشبان الى هذه المنظمة وحثهم على الانخراط والعمل فيها وهي من جهتها سوف لا تبخل بتقديم المعونات والتشجيعات لهم وهكذا رأينا ( قدماء الصادقية ) تدعو الى ( نصف شهر الطالب ) ، في سنة 1946 وتقدم الاعانات والتبرعات بسخاء للتلاميذ بمناسبة ( يوم العلم ) سنة 1947 (22 ) .
ولم تقف نضالات محمد على العنابي عند هذا الحد ، إذ ساهم أيضا فى جمعية ( أحباء الطلبة ) ؛ التى انحصر نشاطها فى جمع التبرعات واعانة التلاميذ الذين يدرسون بالخارج وعاضده فى هذه الجمعية الدكتور محمد التلاتلى رئيس الجمعية .
وإن ننس فلا ننسى مواقفه الشجاعة فى أحداث 9 أفريل 1938 وفي أيام توقف نشاط الجمعيات عقب هذه الحوادث ففي هذا الظرف بالذات بذل
محمد على العنابي جهودا عظيمة فى سبيل إعانة الطلبة ؛ اذ نظم ( نصف شهر الكتاب ) وفتح اكتتابا لفائدة الطلبة بداية من غرة مارس 1946 ، ولما اتسع نطاق عمله فى هذا المشروع في عام 1947 طبع بطاقات باسم ( يوم العلم ) ووزعت في كامل البلاد بمساعدة المنظمات القومية ( 23 ) .
ومحمد على العنابى المثقف والوطنى كم تألم من امتهان الفرنسيين للمثقفين التونسيين ؟ وكم ضجر من محاربة الادارة الفرنسية للتونسيين وهذا ما حدث له بالذات ؛ إذ رغم شهائده الجامعية ؛ ألحق عند عودته الى الوطن بادارة الاشغال العامة كموظف بسيط وهنا سجلت الصحافة الوطنية موقفا من مواقفها المجيدة الخالدة حينما آزرت المهندس ( محمد على العنابى ) وفضحت سياسة المستعمر ، وشهرت بتعنت مدير الاشغال العامة الذي لا يحمل مثل شهادات محمد على العنابى
ومن يريد أن يراجع ما حدث فى هذه القضية فليعد الى أعداد جريدة ( الزمان ) التونسية لسنة 1937 بداية من شهر نوفمبر
وأما الصدى الواسع لهذه القضية فى الرأى العام صدر الامر المؤرخ فى 3 جويلية 1933 والقاضى بتشريك المثقفين التونسيين فى الوظائف السامية لكن طبق رغبة مدير الادارات من الفرنسيين ، وعلى هذا الاتجاه الجديد في سير الادارة قبل الفقيد الحل المنقوص عن كره وعين بموجب هذا مهندسا مساعدا لرئيس مصلحة المناجم وهكذا فتح الباب لاول مرة للتونسيين منذ بداية الاحتلال بالنسبة للوظائف السامية .
- محمد على العنابى العالم الصابر :
وإن محمد على العنابى الذى لم يعترف بشهائده في أيام الحماية ، لم يفقد الثقة بنفسه ، ولا الثقة فى الكفاءات التونسية ؛ لذلك راهن على تدارك النقص الذي تشكوه البلاد فى المجالات العلمية ( 24 ) ، وعلى تأهيل الشباب للبحث الفنى ؛ حتى تكون لتونس مجموعة مثلى من البحاثين والعلماء يسهمون فى توجيه الفكر الى ميادين الخلق والتكنلوجية
وواجه محمد على العنابى متاعب شتى فى هذا المجال لكنه ظل صابرا أمامها ، واستطاع أن يسير فى المنهج الذى اختاره حتى جعل بعض المجلات العلمية الدولية تتسابق الى نشر آرائه وبحوثه مثل الدراسة التى نشرها على اثر انفجار قنبلة ( هروشيما ) وكانت بعنوان ( استعمال الذرة فى الاغراض السلمية ) ، ولكى يعمق محمد على العنابي تجاربه العلمية ويكسبها الصدى الدولى ؛ انخرط بصفة شخصية فى ( الوكالة الدولية للطاقة الذرية ) بـــ ( فيانا ) . وهنا بدأ العالم يتتبع خطى هذا الرائد الافريقي الاول فى البحوث الذرية عن طريق وسائل الاعلام ، ولم تتجاهل فرنسا مواهب هذا العالم فراحت تفتخر به باعتباره خريج مدارسها ، ونسيت انه يحذق عدة لغات وأن ذكاءه واصراره على النجاح هما من أسباب تفوقه في هذه الابحاث هذه الابحاث .
ومن حب هذا العالم لوطنه أنه اندفع اثر حصول بلاده على السيادة سنة 1956 الى تشريكها فى هذه الوكالة ، ثم من أعلى منبر هذه الوكالة ( بفينا ) فى اكتوبر 1957 أعلن أنه قد حان الوقت لاصلاح عمل الوكالة وقدم شروطا موضوعية لانجاح عملها المتأكد وهذه الشروط هي :
أ ) تدويل الوكالة ( ب ) فاعلية نشاطها ( ج ) اقتصاد صائب ( د ) أن تكون أعمالها غير مركزية فتسند خطط الوكالة بالتناوب للدول الاعضاء
كما أشار الى حاجيات تونس قائلا : " إن تونس ينقصها التجهيز الصناعي ولذا يتحتم انشاء مولد للطاقة بها قوته عشر ( ميغاتون ) لتخصب بفضله أراضى الجنوب التونسى " .
واثر انشاء محمد على العنابى ل " مصلحة الابحاث العلمية والطاقة الذرية بتونس " وجه اهتماماته الى انشاء المخابر وجلب المعدات العملية للابحاث الذرية بتونس ، وفي سبتمبر 1958 أعلن في ( مؤتمر الوكالة الذرية ) أن تونس تنوى استيراد ( فرن ذرى ) وسيستخدم هذا الفرن لاستخراج ( البوتاسيوم ) و ( المغنيسيوم ) وغيرهما من المعادن الكثيرة فى منطقة جرجيس .
وعند تأسيس ( كوميسسارية الطاقة الذرية بتونس ) فى عام 1959 قام بعدة رحلات دراسية واطلع على ( مخابر الذرة ) فى عدة بلدان أوربية وأمريكية وعند عودته : أقام مخبرا للطاقة الشمسية بــــــ ( العوينة ) واخترع آلة لتسخين
الماء بواسطة الشمس ، وأجرى تجربة للتحصيل على الذرات الشمسية بواسطة الماء وأمكن له الحصول على كمية من الماء 500 ليترة درجة حرارتها 80
وفي مجال استثمار الطاقة الذرية أعلن محمد على العنابي في عديد المؤتمرات أنه يجب " استعمال الطاقة فى أغراض سلمية ويحرم استعمالها ضد البشرية "
وفى عديد المؤتمرات العلمية قدم بحوثا أعجب بها العلماء مثل البحث القيم الذى ألقاه فى مؤتمر بلغاريا العلمي وكان موضوعه : ( الكهرباء النووية وطرق استخدامها ) .
كما ابرز فى بعض الندوات العلمية الدولية أيضا موقفه الصريح من اجراء التجارب الذرية وهو يرى أنه لا بد أن تخضع لبعض الشروط منها :
أ ) أن تكون تحت الارض
ب ) وأن تجرى بمحضر عدد كبير من العلماء المحايدين
ج ) وأن يعلن عن المعلومات فى أنحاء العالم .
د ) وأن تتمكن البلدان الضعيفة من شراء المعلومات بأسعار زهيدة
كانت هذه هي نظرته فى استغلال الطاقة والبحث العلمي ، وقد بسط رؤيته بوضوح فى أكثر من مرة من ذلك ما أوردته عنه جريدة ( الصباح ) بتاريخ 12 جانفى 1961 في خصوص ( الطاقة الشمسية ) فقد أجاب عن سؤال قائلا : ( . والغاية المستعملة من استغلال الطاقة الشمسية فى تونس هى التمكن من تكرير ماء البحر وتحويله الى ماء عذب صالح للاغراض الفلاحية )
وفى مجال إخضاع البحث العلمى لحل المشاكل الاقتصادية أعلن في جريدة ( الصباح ) بتاريخ 12 مارس 1960 قائلا :
" وإذا أردنا الاسراع بتطوير مداخيلنا وجب علينا أن نخترع وأن نستعمل المواد الفنية التى تطبع الاقتصاد بطابع التقدم عن الماضي " تلك هى بعض الخصائص الفكرية لهذا العالم التونسي الكبير
لقد جاهد محمد على العنابي في مجالات البحث العلمى جهادا دؤوبا : القي عدة محاضرات أدبية بالصربون عامي ( 32 - 1933 ) ومحاضرات حول الاقتصاد السياسي بـــــــ ( معهد العلوم السياسية ) بباريس : ( 1933 ) وتوجد هذه المحاضرات ضمن منشورات ( جامعة باريس ) كما كتب عدة مقالات تاريخية ولغوية وعلمية وفلسفية وهى كلها تترجم عن عبقريته وتفكيره
كما ظل هذا المهندس مواصلا لنشاطاته العلمية فى المخابر وفي الحياة العامة الى أن فارقنا الى دار الخلد يوم 4 افريل 1962 بتونس
وباختفائه فقدت تونس ابنا بارا من أبنائها ومناضلا شريفا ضحى بالنفس والنفيس في أيام الشدة لكى يتواجد وعى بالعلم وبالتكنلوجيا لكنه حينما فارقنا أبقى لنا أعمالا علمية هامة هى كلها استقصاء في كنه المعرفة وفى نشر العلوم التقنية ، وهى أيضا تعبر عن موقف مثقف ملتزم فى معركة إثبات الذات وفي توجيه الفكر الحديث للنهضة العلمية
إن المهندس محمد على العنابي هو واحد من جيل الثلاثينات ؛ الذى عبد الطريق للانبعاث الادبى والفكرى والعلمي . . هو جيل مكافح تطلع للاصلاح ، وثار فى وجه الطغيان وعمل على ترقية الفنون وتولدت على يديه القصة التونسية بمفهومها التقني على يد على الدوعاجي . . وجسدت سوانح صحفه السياسية فى ( العمل ) ، و ( الحرية ) ، و ( لواء الحرية ) مطامح الجماهير ، ومهد لحركة التعريب في مجلات : ( العالم الادبى ) ، و ( الافكار ) و ( المباحث ) .
إن جيل الثلاثينات أضاف الكثير الى تاريخ حضارة هذا الشعب ؛ فهل نوفق الى تدوين هذه المآثر ؟ .
وهل نحقق ما طمح اليه علماء هذا الجيل فننشر بواكير أعمالهم العلمية ؟
إن محمد على العنابى ، ويوسف المحجوب ، والبشير قوشة وأحمد الفانى ومحمد السويسى ، ومحمد الطالب وغيرهم هم رواد جسدوا طموحات جيلهم وعبدوا الطريق لغيرهم فتحية حارة اليهم
ورحم الله محمد على العنابي على قدر ما وهب وأعطى .

