- توطئة :
ان مساهمة المجتمع التونسي في الحضارة العامة والتمدن البشرى لا تخفى على أحد فهي عطاءات مستمرة ، تجسد طموحات الشعب وتحكى عن تطور ذهنية أبنائه .
وان مساهمة النخبة التونسية فى ماضيها السحيق والقريب فى المجالات السياسية ، والعلمية ، والادبية ، والصيدلية ، والتجارية ؛ ما انفكت تبعث فينا الاعتزاز والامل والشموخ
فتونس في أطوار نهضاتها دائما سجلت مواقف التكتل والصمود ، ورفضت صنوف العسف والاضطهاد وتحملت برباطة جأش وشجاعة مثالية ما تحملت في سبيل الحفاظ على الكيان ، ودعم الشخصية ، وإبراز مواهب العاملين في حقول الثقافة والمعرفة .
وما النظم البلدية التى سنها التونسيون وطبقوها فى العهد القرطاجى ، و عرفها العالم عنهم فيما بعد وما بواكير التأليف فى الميدان الفلاحى التى ترجمت في عهد الرومان ووقع نشر محتوياتها فى امبراطوريتهم الشاسعة وما ( بيت الحكمة ) الذي أسس فى العهد الأغلبي فاضاء نوره بلاد المطرب واكسب تونس مكانة ممتازة . . وما التآليف التى برزت في بلاد المغرب واكسب تونس مكانة ممتازة . . وما التآليف التى برزت فى التاريخ ، والاجتماع ، والفلسفة ، والطب ، والنباتات والحيوانات الا دليل
واضح على عمق ثقافة هذا الشعب . . وما الجامعات الاسلامية الثلاث ( 1 ) التى أسسها التونسيون فى كل من : تونس ، وفاس ، والقاهرة الا وجه مشرق يشهد بعروبة تونس واسلامها
وظلت تونس - وعلى امتداد السنين - قلعة الاسلام ، ومعقلا للعروبة ، ومنارة للايمان ، ومنبع علم وحضارة ومعرفة تدفقت روافد هذا المنبع بالعطاء الى كامل بلدان شمال افريقيا بل وحتى بلاد الاندلس وصقلية شمالا ، ومجاهل افريقيا السوداء جنوبا .
وما يزال المؤرخون يشيدون بمعاهد التعليم الكبرى بافريقية كــــــــــ ( جامع عقبة ) ؛ الذى وضع أساسه الفاتحون من العرب في منتصف القرن الاول للهجرة على تقوى من الله وصدق نية ، وقد أقرأ فيه رجال من التابعين منهم ( عكرمة ) المحدث مولى عبد الله بن العباس ، واستمرت العلوم الدينية تروى فى حلقة ولم تكن مذاهب السنة قد تمحصت بعد كما اتفقت كلمة المؤرخين على أن سحنون كان أول من فرق حلق أهل البدع من هذا المعهد العلمي ، وشرد أهل الاهواء منه .
ويتعرض المؤرخون أيضا الى أن ( جامع عقبة ) لما تمحض لتعليم أصول الشريعة لاهل السنة دون سواهم كانت الحلق فيه مكتظة بالطلبة من سائر انحاء افريقية والاندلس والمغرب والسودان على غرار ما ألفناه في ( جامع الزيتونة ) بتونس ، و ( جامع الازهر ) بالقاهرة ، و ( جامع القرويين ) بفاس ( 2 ) .
والجامع الثاني الذي أشادوا به هو ( جامع الزيتونة ) ويرجع تداول التعليم به إلى أوائل القرن الثالث للهجرة ، ودرس فيه خلق كثير ، وتخرج منه أعلام ومؤرخون وباحثون وفقهاء وغيرهم ( 3 ) .
تعرضت الى كل هذا لأثبت أن تونس كانت دائما مدينة للعلم ، وان الباحث والمحقق والدارس والعالم يجد فى مناخها ما يساعده على اغتراف المعارف ، وعلى القراءة بصفة مستمرة وظلت تونس دائما أرضا معطاء وتونس دائما بأسماء من أنجبتهم في مجالات العلوم والمعرفة والثقافة
وإننا كتونسيين - والى حد هذا التاريخ - مازلنا نعتز ونفخر بمعاهدها : كـــــــ ( الصادقية ) و ( الخلدونية ) وبأولئك العلماء والباحثين ؛ الذين برزوا على امتداد العهود الاسلامية أمثال : أسد بن الفرات ، وسحنون بن سعيد ، ، القابسي ، وابن زهر ( 4 ) ، وابن عرفة ، وابن الشباط وأحمد الخولاني ، وعبد القاهر التونسي ، وابن طفيل ( 5 ) ، وابن رشد ( 6 ) ، وعبد الرحمن بن خلدون وغيرهم وغيرهم .
وتونس التى أحبها الشابي ولم يقف في وطنيته عند ارادة الخير لشعبها ، واشعال الثورة في نفوس أبنائها ، ولا اكتفى بتهديد الظالمين بها وإنما اعلن عن استعداده للموت في سبيلها تونس الجميله هذه التى انشد فيها الشابي
انا يا تونس الجميلة فى لج الهوى قد سبحت اى سباحه
شرعتى حبك العميق وإنى قد تذوقت مره وقراحه
لا ابالي وإن أريقت دمائي فدماء العشاق دوما مباحه
قلت تونس هذه في العصر الحديث أنجبت عبقريات كثيرة انحبت الطاهر الحداد ، والحبيب بورقيبة ، وسعيد أبا بكر . . وانجبت على البلهوان ، ( 7 ) والطاهر صفر ، ومحمد الفاضل ابن عاشور والمسعدى ، ومزالي والعروسي المطوى وانجبت المهندس : محمد على العنابى الذى نحتفل بذكراه اليوم
هذا هو مشوار تونس مع المعرفة والفكر والثقافة هو مشوار طويل وزاخر بالعطاءات وحبذا أن تنصرف همم الباحثين لتخليد من أسهم فى هذه العطاءات ومنهم : الفقيد محمد على العنابي ، الذى يعد من خيرة الرواد التونسيين فى المجالات العلمية ، وأحد الذين كان لهم فضل السبق فى ميادين الاكتشاف والبحث العلمي
اذن فمن هو محمد على العنابى ؟ . . وكيف قضى مشواره الطويل مع العمل الهادف ؟ . . وفي الجمعيات الثقافية ؟ . . وما هى نضالاته العلمية .
وقبل الاجابة عن هذه الاسئلة يحسن أن أتعرض ولو قليلا الى جوانب من حياة عائلته التى تنحدر من بلدة رأس الجبل بولاية بنزرت .
- عائلة محمد على العنابى
إن عائلة المهندس محمد على العنابى تنحدر من بلدة اندلسية عريقة هي ( رأس الجبل ) واستوطنت هذه العائلة هذه البلدة منذ ما يقرب من المائة وخمسين عاما ؛ وليس أدل على هذا من الحديث الذي أفرده المؤرخ أحمد ابن أبى الضياف فى كتابه ( الاتحاف ) عن أحد أفراد هذه العائلة وهو العالم
الفقيه الشيخ محمد العنابي قاضى رأس الجبل فى سنة 1846 م عند تعرضه بالكلام عن أحمد باشا الاول .
فقد ذكر هذا المؤرخ أن الفقيه الشيخ محمد العنابي توجه الى مقر السفارة البريطانية ، وذلك عندما أصر صالح شيبوب أمير عسكر غار الملح على أخذ ابنى القاضى المذكور للعمل بسراية ( غار الملح ) عنوة كما أخذ منه مالا وافرا ( 8 )
أما والد هذا المهندس ؛ فهو المرحوم البشير العنابي من مواليد رأس الجبل وبها زاول تعلمه الابتدائى ثم انتقل الى المدرسة الصادقية وبعد أن تحصل على ( الديبلوم ) منها باشر العمل الاداري كمترجم في المراقبات المدنية وذكر مؤلف ( النزهة الخيرية ) أن البشير العنابى تولى هذه الخطة عام 1807 بجندوية ، كما أن آخر مركز عمل فيه فى نطاق هذه الوظيفة هو المراقبة المدنية ببنزرت قبل أن يصبح كاتبا عاما لبلديتها
ولم يقض المرحوم البشير العنابي مدة طويلة بهذه البلدية ؛ اذ أمام فساد الاوضاع اضطر الى أن يستقيل بسبب خلاف بينه وبين الكاهية المفوض لشؤون هذه البلدية والذي اشتهر بنزعته الاستعمارية وباحتقاره للتونسيين مهما كان الوسط الذى ينتمون اليه ( 9 ) .
وإثر زيارة ( ميلران ) رئيس الجمهورية الفرنسية لبلادنا فى أواخر افريل 1922 والتي أعلن فيها أن فرنسا ستبقى فى شمال افريقيا الى الابد ( 10 ) واثر وفاة محمد الناصر باي في جويلية 1922 تولى حكم البلاد ( محمد الحبيب باي ) وصدرت اصلاحات سياسية وادارية فى عهده منها تعويض ( المجلس الشورى ) بــــــ ( المجلس الكبير ) يتم انتخابه انتخابا من درجة ثانية لبحث الميزانية ويرأسه المقيم العام ويتركب من قسمين تونسى وفرنسى ، وعدد الفرنسيين فيه يفوق الاعضاء التونسيين في هذا الظرف بالذات وقع الاقتراح على البشير العنابى لكى يترشح للمجلس
الكبير ، وفعلا شارك في انتخابات هذا المجلس وانتخب كاهية لرئيس القسم التونسى فيه .
إذن فالبشير العنابي كان من مؤيدى هذه الاصلاحات ( 11 ) كبعض المثقفين التونسيين آنذاك ؛ ولذلك شارك فى الانتخابات وتولى نيابة رئاسة القسم التونسى فى ذلك المجلس فى سنة 1925 لكن ماذا فعل لما تولى هذه الخطة ؟ .
إن أول عمل قام به البشير العنابى يومئذ تمثل فى تلك المذكرة التى قدمها للمقيم العام الفرنسي وضمنها رغبة سكان جهة بنزرت وشوقهم الشديد لاجراء اصلاحات جديدة فى الميدانين الاقتصادى والادارى ، ولا بخفى عنكم أن فى هذا الموقف الشجاع وطنية كبرى من البشير العنابى يومئذ فالرجل كما يبدو لكم كان محبا لوطنه ، وهذا الحب دفعه الى أن يتقدم بهذه المذكرة في وقت كان الاستعمار فيه يبطش بالاحرار والشرفاء ومن الطبيعي أن تغضب هذه المذكرة السلط الفرنسية آنذاك ، ولعل مما يؤيد غضب المستعمرين عن هذا الصنيع التعقيب الذى ورد فى صحيفة ( الدبيش تونزيان ) على هذه المذكرة بعددها الصادر فى 22 فيفري 1925 مما اضطر البشير العنابي الى الرد عليها بمقال نشرته له ( النهضة ) تحت عنوان حقيقة .
ومما يجدر التأكيد عليه في هذا المجال هو أن غضب الاستعمار على والد محمد على العنابي لم يكن على المذكرة فقط ؛ اذ أن حملة جريدة ( الدبيش ) عليه استمرت شهورا عديدة بسبب شرائه لمزرعة كانت ملك لاحدى الشركات الفرنسية . ( 12 ) .
فالاستعمار رأي في هذه المنافسة ما يتنافى مع الاختيارات الاستعمارية ومع القوانين الفلاحية التى سنها ، وحتى مع النصوص الملحقة الصادرة عقب امضاء معاهدتى : " باردو " و " المرسى " .
- عصر محمد على العنابي :
ومحمد على العنابى المولود بمدينة بنزرت فى 15 ديسمبر 1906 نشأ فى
رعاية والديه وعاش فيما بين أعوام 1906 و 1962 وهي الفترة التى عرفت فيها تونس ضعف نظام البايات وازدياد النفوذ الاجنبى بمقتضى القوانين الجائرة والأوامر والقرارات التى عرفت باسم ( النصوص الملحقة ) وشاهد محمد على العنابي في أيام فتوته وشبابه عملية تطبيق هذه القوانين ؛ التى نمكن بها الدخلاء من الاستيلاء الكامل على خيرات الشعب والانفراد بأجهزة الحكم ( 13 ) .
كما عاش كل أحداث عصره ، وتتبع أخباره ، وتفاعل مع أبناء بلاده سواء اقامته بفرنسا أو في جمعية ( طلبة شمال افريقيا ) أو ( قدماء الصادقية ) لما تولى رئاستها عام 1934 .
ومن الطبيعي أن يتأثر هذا المثقف بما شاهده وعايشه فى عصره ، وان يسهم ببعض الجهود في الحياة الاجتماعية والثقافية فى هذا العصر كما سنبينه فيما يلى :
محمد على العنابي المثقف :
ومحمد على العنابي الذي شاهد كل ألوان المظالم والتعديات ضد أبناء شعبه تعلم في المدرسة الابتدائية ببنزرت ، ومنها التحق بالمدرسة الصادقية التى أسسها الوزير المصلح خير الدين باشا فى سنة 1876 ، وتخرج من هذه المدرسة بــــــ ( الديبلوم ) ، ثم انخرط فى سلك ( المدرسة العليا للغة والآداب العربية ) ثم التحق بباريس فتابع أولا دراسته فى ( معهد سان لوى ) ؛ حيث درس العلوم الحسابية ، واثرها التحق بمدرسة ( البوليتكنيك ) ، وانخرط فيما بعد في سلك تلامذة ( المدرسة القومية للمناجم ) لمدة سنتين ، وتحصل فيها على كثير من المعارف ، كما انه فى هذه المدرسة قام بتجربة علميا كبرى تتعلق بـــــ ( المرونة والتمطط ) نالت اعجاب أساتذته ، وإثرها التحق بـــــ : ( الضربون ) ، وأحرز منه على ( الاجازة ) فى الآداب ، وتحصل فيما بعا من ( كلية العلوم والحسابيات ) على ( الاجازة ) ثم على ( الديبلوم ) من المدرسة الحرة للعلوم السياسية .
وهكذا يتضح لكم أن محمد على العنابي أحرز على شهائد كبيرة واغترف معارف علمية واسعة ، ولكن كل هذه الشهائد والمعارف وظفها فى نفع الناس فهو واحد من جيل الثلاثينات الذى رفض الانبتات وتعلق بحب تونس
وتونس كانت دائما تعيش فى مهجته وفى توجهاته ، ولذلك رأيناه فى كل مشاركاته في المؤتمرات العلمية الدولية ؛ يقدم دراسات علمية عن وطنه تونس ؛ فهذه دراسة عن ( الصحراء التونسية ) ، وتلك دراسة عن ( المناجم التونسية ) ، وأخرى عن ( الطاقة والذرة بتونس ) ، كما أن بحوثه العلمية ودراساته فى المجلات الدولية لم تخل هي الاخرى من خصوصيات تربته ووططنه .
وهذه البحوث والتجارب العلمية لفتت أنظار كبار أساتذة باريس ؛ فترددت التعاليق منوهة بكفاءة هذا النابغة وبمواهبه ؛ الامر الذي قرر بموجبه ( معهد الصربون ) فى عامى 1932 و 1933 أن يكلفه بالقاء محاضرات فى كليتى : ( العلوم والتاريخ ) فنال بهذا الشرف صدى كبيرا في كل الاوساط .
وأمام نجاح محاضراته العلمية طلبت منه ( جامعة الصربون ) أن يتخلى عن جنسيته التونسية ( ليصبح أستاذ رسميا بهذه الجامعة حسبما يستوجبه قانون الوظيفة العمومية الفرنسية . . ) لكن المثقف والعالم المهندس محمد عل العنابى أبى هذا العرض وقال لعميد الجامعة : تعلمت لانفع بلادي لا لأنتفع شخصيا ولو بأسمي الوظائف فى أعظم دولة من دول العالم " . ( 14 ) وهكذا كما ترون عبر هذا المثقف عن وطنية صادقة ، وعن حب عميق لشعبه ، وهو فى رأيى التزام من مثقف فى الثلاثينات وعن مشاغل جيله وعيا عميقا فرفض أن ينعزل عما حوله وينزوى عن معترك الحياة فى وطنه
إن محمد على العنابى لم يكن ذات يوم من أصحاب المطامع ولا من ذوى الغايات الشخصية ، بل كان من صنف المثقفين الفاعلين فى الساحة الفكرية ، والعاملين على توجيه النخبة للموضوعات العلمية توجيها يضمن بعث عقلية علمية تعزز تقدم تونس وازدهارها وفي هذا المسار عمل بكل ثبات ؛ لانه امن : ( بأن للمثقف رسالة وقد خلق لادائها مهما كان الثمن ) .

