وما المرء الا هالك وابن هالك وذو نسب في الهالكين عريق
عرفت الصديق الراحل محمد عمر عرب بالمدينة المنورة في عام ١٣٤٦ ه وكان شابا ممتلئا فتوة وإيمانا وطموحا وحيوية ، يطل الذكاء من بريق عينيه اللماحتين من تحت منظرته الشفيفة السميكة التى لم يفارقها طيلة حياته .
وحينما تسامعنا اذ ذاك بقدوم الاستاذ محمد عمر عرب ألفنا من بيننا وفدا من اكابر الطلاب ، وكنت وقتها قد تخرجت من المدرسة ودلفنا اليه فى قاعة منزل المرحوم حمزه رجب واذكر مدى استئناسنا بهذا الزائر الكريم الذي قابلنا بمنتهى البشاشة ورحابة الصدر والود الجذاب ، واستفاضت الأحاديث بيننا وبينه . وخرجنا من عنده ممتلئين اعجابا
بهذا الأديب البارز ، وهذا الرائد المتفتح الوعى والنفس والتفكير . .
ومضت الأيام قدما ، يتصل ليلها بنهارها ، ونهارها بليلها ، حتى كانت سنة ١٣٤٩ ه فجئت الى بلد الله الحرام حاجا ، ودعاني الصديق الفقيد المأسوف على شبابه محمد سعيد عبد المقصود بمنزله ، واجتمع لفيف من الاصدقاء والادباء في الحفل ، واذا بالاستاذ محمد عمر عرب يشرق بين الجالسين بوجهه الباسم ، وعينيه البراقتين باشعاع الذكاء واللماحية من وراء منظرته الشفيفة السميكة التى لم تفارقه طيلة حياته . . فكم كانت فرحة اللقاء بعد طول الغياب ، وكان ترحيب وكانت مذاكرات أدبية شتى ..
وبقدر ما كان الصديق الفقيد محمد سعيد عبد المقصود ذا وطنية عنيفة عارمة لا تطيق وقوف العقبات فى طريقه الا ريثما يكتسحها . . . ( وقد كان هذا حاله في أعماله وأقواله معا) - أقول : بقدر هذا العنف الذي يربض بين جوانح محمد سعيد عبد المقصود ، كانت تربض السكينة والهدوء والاتزان بين جوانح محمد عمر عرب .
وتمضى الأيام قدما يلتحق ليلها بنهارها ، ويلتحف نهارها بليلها ،
واذا أنا فى عام ١٣٦١ ه زميل فى العمل بديوان النيابة العامة فى مكة المكرمة ، للاستاذ محمد عمر عرب ، وفي معية معالي رئيس الديوان الشيخ ابراهيم السليمان ، فلا تسل عن مدى البهجة التى شاعت بين جوانح الصديق الحساس بهذه الزمالة
وقد كنا نعمل سوية طيلة أوقات الدوام الرسمى ، حتى اذا انتهت الأعمال ، وخف سيل الأوراق ، وخلت سطوح المكاتب من اكداس الوارد الجديد والقديم خلونا إلى مذاكراتنا الأدبية ، شعرية ونثرية ،
واستتمتعنا بجوها العبق بذلك من عمل كارب متواصل ، وكان الفقيد ، كثيرا ما ينفح الندوة الخاصة بباقات من شعره العطر ، فى الغزل تارة ، وفي الحكم أخرى ، وفى الوصف ، والمجتمع احيانا . . وقد كان شعره وأدبه متسما بالعمق والطرافة مع الروعة والجدة في الاسلوب والاهداف
وبعض الأحيان كان الحديث يدور حول المجتمع وشؤونه وشجونه . . فكان يبث أشياء من اشجانه بثا رفيقا رقيقا ، لا عنف فيه ولا قسوة ولا ضجيح ، هو الألماع والهمسة العابرة والأنة الخاطفة ، والجملة القصيرة الموجزة الواعية ، لا تجرح عاطفة أحد ، وانما تنبئ عن احساس صاحبنا المكبوت بما يوجه اليه مما لا يريد ان يكون له به علاقة من الشؤون والعقارب والشجون . . ثم لا يلبث ان يعود اليه طبعه الوادع ، وابتسامته الخفيفة اللامعة . .
وقد ملأت طبيعة الخير نفسيته
فلا يود الا ان يفعل الخير ، ولا يتأفف . وان كان يكربه مخاطبة الرجل الجاف الطبع والثقيل الظل ، فقد كان مرهف الاحساس حيال هذا كله ، وقد توجه اليه عقارب حسد الاخوان ، فيسعى لتجنبها ، سعى كل انسان يزمع الاحتفاظ بحقوقه ، ولكنه لا يبقى فى نفسه حقدا على من سعى عليه ، وان كان لا يسعى اليه ، وان كانت تبقى بواقى هذا الالم تحز فى نفسه دواما جز المسد الغليظ فى الصخرة المائلة على فم البئر العميق . .
وكان محمد عمر عرب فنانا في خطه ، كانت رقعته رقعة استاذ ماهر حاذق ، كانت كالدرر المنظومة . . ولا يستعجل فى خطه مطلقا كما لا يستعجل فى آرائه مطلقا . . لا بد له من دراسة ما يقول وما يكتب ، وكيف يقول وكيف يكتب قبل كل شئ . .
وقد افاده طول المران فى العمل بالديوان روح اللماحية والفهم الصائب السديد بدون ارهاق . . وكان سليم الصدر الى غاية ، فاذا أحب امرء وفهم انه أهل للود والاصطفاء وارتسمت في ذهنه خلال الفضل والأدب والنبل فيه ، على ما يرى هو ، وفى له إلى حد ذوبان شخصيته فيه ، والى حد تقديم كل المساعدات اليه على طول الخط . وهو يعتبر نفسه انما أدى واجبا عليه . . ليس غير . .
واعتقد أن لوالده الشيخ جميل عرب فى نفسه تأثيرا عميقا فطالما حدثني عن اثر تربيته له . وقد كان والده أحد العلماء الوادعين بمكة المكرمة . .
وقد حدثني من عرفوه فى مستهل شبابه انه كان جذوة نشاط اجتماعي وأدبي . . وقد لمست شيئا من هذا ، فى مبدأ عهد معرفتى به ثم بدأت ظلال الانطوائية تحيط به وتطبق دائرتها عليه شيئا فشيئا ، حتى أصبح أليفها وحدها ، لا يألف سواها مطلقا ، فليس له اصحاب يرتادهم على ما أعرف اللهم الا ثلة واحدة اعرف انه كان يرتادها في بعض الليالي وتلك هي ثلة الشيخ اسماعيل الذبيح ، فانه كان يرتاد منزله بعد المغرب ، ويقع منزله على فم مسيل المسفلة من ناحية أجياد الصغير ،
قريبا من منزل الفقيد . . وكان يستأنس هناك بعض الاستئناس بالرفقاء في بعض ما يأخذون من لعب برئ . . ثم . . ثم يعود الى منزله . . فيخلو إلى كركرته وتخلو اليه فى ذلك الديوان من منزله المتواضع الصغير بأجياد الصغير . . حتى إذا انجلى الصباح وملأت ذكاء الأفق ذهب الى مقر عمله فاذا عاد منه عاد الى هذا الديوان يقبع فيه وحيدا فريدا مع كركرته يتناجيان الى أن يقدر قدوم صديق أو مراجع له فيتحدثا بهدوء . ولعل هناك سرا من الأسرار الخاصة التى دعته الى هذا الانكماش والانطواء حتى آخر حياته . .
والاستاذ محمد عمر عرب رجل خير . وخيره ليس خاصا بأصدقائه وحدهم . . على أن لهم نصيب الاسد من مساعداته المستطاعة شأن كل رجل مثالى نبيل . . اذكر انه كانت " للمنهل " معاملة بوزارة الصحة ، تلكأت فيها بضعة أشهر بمناسبية
الترتيبات المالية الجديدة ، فرأيت ان احدثه هاتفيا عنها فوعد خيرا ، وما هى الا بضعة أيام واذا بصورة من الامر المطلوب يأتي بها الساعى . . ساعي وزارة الصحة الى منه على مكتبي .. فأشكره هاتفيا ، ولكنه بدا كأن لم يعمل شيئا يستحق الشكر أو الثناء أو التقدير .
وتمضى الأيام قدما يتصل بعضها ببعض ، في دوامة متسلسلة الحلقات ، فاذا بي وأنا قادم من جدة الى مكة فى أصيل يوم من ايام الموسم الماضى ١٣٧٤ حين اشتداد الحرور وقد بلغت منطقة حدا ، واذا بالصديق الوديع ابى جميل واقف على حافة الطريق مستسلما فقد ساخت عجلات سيارته منذ مدة في بحر البطحاء هناك اذ عدل بها السائق عن الطريق المعبد . . فأقابله واعمل مع اخرين في اخراجها من البطحاء ، وأقول لسائق سيارتى بأن يوصل الاستاذ الى حيث يريد ثم يعود الى ، فيركب ويصل الى الحديقة التى كان مدعوا بها ويعود الى السائق ، وتخرج السيارة وتذهب اليه بسلام . .
ثم تمضى الأيام قدما . . يلحق نهارها بأذيال ليلها ، وليلها باطراف نهارها . . ويأتى عيد الفطر السعيد العام ١٢٧٤ فأذهب اليه فى منزله لأهنئه بالعيد السعيد ، وأجده متكئا فى دكة ديوانه المفضل وحيدا مع كركرته ، ذاهبا معها فى أحلام وتخيلات شتى ، ونجلس معا ويمضى بنا الحديث الى شتى الآفاق تارة فى الأدب والكتب ، وأخرى فى المجتمع العام . وطورا في المجتمع الخاص . .
وأحس أن بنفسه آلاما دفينة ، فأسليه عنها ، وأعمل على تدميل جروحه وقروحه فيهدأ ، وقد كان هادئا بطبيعته . ثم نجول جولات أخرى فى جميل الذكريات الادبية والأدب مبعث سلوى الفقيد ، فاذا رأيت الجو وقد اشرق أمامه . ودعته منصرفا . . وما رأيته بعد ذلك حتى سمعت بنعيه صبيحة ليلة وفاته ، وكنت ، وقتها بجدة . . فكم كان الحزن عميقا والألم قاسيا وعنيفا ، والأسى بالغا وضخما . . لأن المصاب والهول بفقد هذا الرائد القائد وهذا الصديق الخالص ، وهذه الشخصية اللامعة . . مصاب جسيم وهول عظيم . .
كان محمد عمر عرب من مواليد عام ١٢١٨ ه فله من العمر اذن سبعة وخمسون عاما هجريا . . وقد ولد بمكة وبها توفى ، وقد بارحها الى المدينة والى الطائف ، وسافر مرتين الى الخارج . . مقتصرا سفره على لبنان ومصر . . وله من الابناء الذكور ابن واحد هو ( جميل) ، ولا يزال يافعا . وكان قد طلب العلم في مدرسة الفلاح ودرس بها ، ثم اشتغل فى عالم الوظائف من عهد الحكومة الهاشمية واعرفه في ديوان النيابة العامة عد اركانه ، ثم رئيسا لديوان وزاره
الصحة . .
وكان كاتبا ممتازا رقيق الاسلوب ، وكان شاعرا ممتازا عاطفيا رقيق الاسلوب . وقد علمت من كلمة كتبها تلميذه وصديقه الاستاذ محمد سعيد العامودى فى رثائه له بمجلة الحج الغراء انه كان من أوائل من عنوا باشعال قبس الأدب الحديث فى نفوس الناشئة بمكة تعليما وتدريسا وتوجيها . .
والفقيد ربعة القامة ، يميل الى القصر ، وليس ممتلئ الجسم ، ولا نحيفة ، وكان أسمر اللون ، ادعج العينين ، خفيف اللحية ، يستعمل المنظرة دائما للقراءة وللنظر البعيد والقريب معا ، ولعل سبب ذلك ضعف فى بصره لازمه منذ أول عهد الشباب . .
وكان مرحا مع أصدقائه ، كثير التندر بالشعر المحفوظ ، والأمثال المحفوظة لديه ، وكانت حافظته وذاكرته قويتين ، ولذلك كان يحفظ الكثير من شعره ، وكان يميل الى الغزل والتطريز والتخميس . . هي بقايا العهد القديم . .
وقد حدثني أن له ديوانا سلمه من قديم للاستاذ عبد الوهاب آشى ، ولعل الاستاذ الآشي يعيد البحث عن هذا الديوان حتى يطبع مع ترجمة حياة الفقيد اعترافا له بجميل السبق والريادة . . ذلك ان بعض أصدقاء الفقيد قد عقدوا العزم على
هذا الصنيع ، فيما إذا تحقق العثور فى ديوانه الخطى المفقود ، أو الكثير من شعره ونثره الموجود . .
وعلى ذلك فترجو ادارة هذه المجلة من كل من يوجد لديه شئ من شعره أو نثره ان يبعث به اليها ، وسيذكر فى الكتاب اسم مقدم الشعر او النثر ، وذلك ليضم هذا الشعر والنثر الى ذلك الشفر المزمع تأليفه
فطبعه ونشره ، مصدرا بترجمة وافية عن سيرة الفقيد ومراحل حياته وتأثيره فى عالم أدبنا الحديث مما سيكون فيه متعة وافادة للجيل الحالى وللأجيال القادمة ، وتسجيل لمرحلة أولى من مراحل انبعاثنا الحديث وتدوين لسيرة رائد من الرواد ، المبرزين . .
