الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

محمد مزالى فى حديث الى جريدة (( الرأى العام الكويتية )) :, كيف تفكر تونس بعد الغارة الإسرائيلية, لن نتخلى عن الثمرة الفلسطينية رغم الداء، حتى تحقيق النصر

Share

أجرى هذا الحديث صديقنا الاجل الصحافى سعيد فرحات ونشرته جريدة (( الرأى العام الكويتية )) أخيرا وقد جاء فى مقاله ما يلى :

((فى جو من الظروف المتأزمة والاحداث الهائجة المتسارعة التى تجرى على الساحة العربية وعلى الجانبين المشرقى والمغربى والمزاج الدولى المحموم الذى يدفع دفة الاحداث فى منعطفات مسرحية تراجيدية غامضة ومثيرة وفى هذا الجو الذى كانت فيه تونس تعالج جراح العدوان الاسرائيلى الغادر على مقر منظمة التحرير الفلسطينية فى أراضيها ، وعلى اجوائها وترابها وحققت نصرا فى مجلس الامن الدولى بادانة هذا العدوان . كانت تونس الحكمة والعقل والاعتدال والصلابة تحتفل - من خلال وزارة الشؤون الثقافية - احتفالات أخرى فى الفكر والادب وتدعو المفكرين والادباء والشعراء من أقصار الوطن العربى لمشاركتها فى عيد (( الفكر )) بمناسبة مرور ثلاثين سنة على ميلادها وهى المجلة التى أسسها الاديب والمفكر والسياسى محمد مزالى عام 1955 مع بشائر فجر الاستقلال ويترأس تحريرها الاديب والمفكر البشير بن سلامه وزير الثقافة حاليا .

فى هذه الاجواء السياسية والفكرية أجرت (( الرأى العام )) حديثا شاملا مع الوزير الاول مؤسس (( الفكر )) الرجل الذى أسس مدرسة للثقافة وقاد مسيرة 121                                473

للكفاح فى بناء الشخصية التونسية الحديثة التى تنتمى الى المدرسة البورقيبية . والذين عرفوا محمد مزالى فى مسيرته الصلبة فى مجالات الفكر والتربية والتعريب والحداثة المفتوحة على الثقافات ، وايمانه بالشباب والرياضة كأرضية حتمية للسياسية والعمل الوطنى والقومى ، وايمانه الكبير بالثقافة العربية والانسان العربى والتراث العربى الاسلامى والانسانى معا لن يدهشهم هذا الحديث ، فهم يدركون الترابط الجوهرى الذى تتميز به شخصية مزالى فى هذه المبادئ والميادين . أما الذين يعرفون عنه شيئا دون آخر فسيجدون فى هذا الحديث أشياء جديدة عنهم لهذه الشخصية التى تتجلى فيها الاصالة والحضور الحضارى الطموح للشخصية التونسية المعاصرة بكل ابعادها الفكرية والاجتماعية والسياسية .

ومحمد مزالى يصفونه اليوم بأنه الرجل النموذج فى التوحيد بين دور الفكر والادب والثقافة والسياسة فى توجيه العمل الوطنى والقومى . وقد خاض معركة العمل من هذا المبدأ ، ومن نقطة الصفر وبلغ القمة . بدأ رحلة الالف ميل بالخطوة الاولى منذ فجر شبابه . ليس لان رحلة الالف ميل تبدأ بالخطوة الاولى بل لانه خطط للمسافة التى طمح الى سيرها ووضع فيها كل أحلام صباه وشبابه فمشى وناضل مشية المناضل الصلب الذى يستشرف ملامح الطريق وصعابها وشعابها وقرن الفكر بالعمل والمبدأ بالمنهج ومزج فلسفته من الادب والفكر والسياسة ليخرج بموقف ثابت فى التنمية الفكرية والاجتماعية والسياسية . ومن هذه الخلفية التى أعرفها عن محمد مزالى الاديب والمفكر والسياسى ، وجدت الطريق الى هذا الحوار الذى يشكل فى مضمونه وثيقة من مواقفه وأفكاره ورأيه فى رفاق الدرب والكفاح .

حين قررت أن أتوجه اليه لاجرى هذا الحديث (( للرأى العام )) اخبرت الصديق الشاعر عبد العزيز قاسم مدير الاذاعة والتلفزيون فى تونس - وكنت فى بيته - عندما طلبه الاستاذ محمد مزالى لامر ما وقلت له ما دمت فى طريقك الى مكتب الوزير الاول اذا سمح الظرف بلغه تحياتى ورغبتى فى 474                    122

اجراء حديث . وكنت لم أره بعد بانتظار افتتاح احتفالات ندوات مجلة (( الفكر )) . وبعد أقل من نصف ساعة عاد الاستاذ عبد العزيز قاسم وقال لى انه يسلم عليك ويرحب باسئتك والحديث الى (( الرأى العام )) وحين التقيت الوزير الاول فى افتتاح ندوات الفكر مساء الاثنين 85/10/7 قال لى على الفور خلال يومين سيتم الحديث وهكذا كان . والآن مع السؤال الاول .

محمد مزالى فى الفكر والسياسة والأدب

س : سيادة الوزير الاول هل يعنى هذا الاحتفال بمرور ثلاثين سنة على صدور مجة (( الفكر )) وانتم فى قمة المسؤولية السياسية والفكرية بمثابة اعلان تاريخى بحتمية ارتباط الفكر والثقافة بالسياسة لصنع المستقبل ؟

ج : هذا الاحتفال هو أولا وبالذات تكريم للثقافة ورجالاتها وهو كذلك وبالخصوص تأكيد للدور القيادى الرائد الذى يلعبه المثقفون من أجل استحثاث عجلة التاريخ فى دروب التقدم والرقى . ذلك ان الثقافة هى وحدها التى تمنح الانسان شرف انسانيته وتوسع من آفاق تطلعاته وتمكنه بالتالى من التحكم فى مصيره ومن اخضاع نواميس الكون الى مشيئته .

هذا وان ارتباط الفكر والثقافة بالسياسة هو فى نظرنا منذ بدء نضالنا التحريرى من المسلمات والبديهيات ، الا ان التذكير بهذا الارتباط والتأكيد عليه أمر متحتم بالنظر الى ما نشهده فى عدد من بلدان العالم الثالث من انحراف السياسة والسياسيين نحو الغوغائية والديماغوجوجية الرعناء بما يتناقض مع متطلبات الثقافة الحق التى تتنافى مع الظلامية والقهر والجهل .

ان كل معركة تخوضها البشرية ضد التخلف مخسورة حتما اذا لم تدعمها كل الطاقات الثقافية ، والغريب اننا من تواتر ما لاحظنا من قيام أنظمة جاهلة نتحكم فى مقدرات الشعوب وتخنق حرية الفكر ، أصبحنا نتعجب من ان يتولى المثقف المسك بمقاليد الحكم . وكثيرا ما يطرح على بعض الناس هذا السؤال : كيف توقفون بين عملكم السياسى الثقافية ! وجوابى دائما هو ان عملى 123                                               475

الثقافى يكيف ويوجه عملى السياسى وانى لا اتصور حكما سليما لا يقوم على أسس ثقافية ، ذلك ان السياسة لا يمكن أن تكون الا اداة فى يد المثقفين لصنع المستقبل .

المسيرة التونسية والمدرسة البورقيبية وتجربتها فى التاريخ

س : هل كان للتاريخ دوره فى تكوين مسيرتكم ، أم أنكم قصدتم بهذه المسيرة تجربة فى التاريخ ؟

ج : هناك علاقة جدلية بين عمل الانسان وسيرورة التاريخ ، واذا كان الانسان العادى يتحمل صدمات التاريخ سلبا وايجابا فان القائد المسؤول هو الذى يتحكم فى التاريخ ويكيفه بما يتوافق مع متطلبات الشعب ومصلحة الوطن وقد وقفت حياتى على مبادئ لا تتزعزع مهما عصفت بى اعصارات الظروف وفى اعتقادى ان شرف الانسان يكمن فى ما يحاوله من الصمود والتصدى لكل القوى المقعدة عن الطموح والفعل وفى كل ما ينجزه من تغيير يقتضيه التقدم .

ومن الحتميات التى قاومتها وتغلبت عليها ان تولد المجلات الثقافية وان تموت فى المهد وها هى ذى مجلة (( الفكر )) تحتفل بثلاثينيتها مقرة العزم , وقد اشتد اليوم ساعدها ، على المضى قدما فى طريقها الذى لا تعرف له نهاية . وما تجربة (( الفكر )) الا مثال لما ينبغى ان ننتهجه فى كل مسيراتنا الانمائية القائمة على مبدأى المبادرة والمثابرة .

القائد المسؤول هو الذى يتحكم بالتاريخ بما يتوافق مع المصلحة الوطنية

ج : هل كنتم عندما أسستم مجلة ( الفكر )) مع فجر الاستقلال تستشرفون

المستقبل ، وعلى ملامح ذلك الاستشراف حدث تخطيط وكفاح . أم ان الكفاح وحده وراء هذا النجاح السياسى والفكرى ؟

ج : ان استشراف المستقبل شرط أساسى لصنع المستقبل ولا يمكن لاى كان ان يصيب ما يرمى اليه من اهداف بدون تخطيط وكفاح وعلى هذا الاساس قامت الملحمة التحريرية البورقيبية منذ نشأتها فى بداية الثلاثينات الى اليوم , وتلك آثارنا تدل علينا ، ومهما يكن من أمر فان ارادة الكفاح هى التى تعطى القدرة على خوض المعركة وتدعو الفكر الى التخطيط ورسم الخطط الكفيلة بتحقيق مطامح الارادة . وكان على ان ارسم لحياتى هدفا هو خدمة المجموعة والمساهمة بكل ما أوتيت من وسائل وطاقات ظاهرة وكامنة فى النهوض بالانسان ومجلة (( الفكر )) كانت ولم تزل فى نظرى وسيلة ممتازة من الوسائل التى ارتأيت وضعها تحت تصرف الثقافة العربية التونسية ومنبرا للمواهب والاقلام التى تضطلع بنحت ملامح الذاتية والمصير.

س : رافقكم الاديب والروائى الاستاذ البشير بن سلامه وزير الشؤون الثقافية فى رحلة البناء والعمل فى الادب والفكر والسياسة . ما هو التعبير المناسب الذى يمكن وصفه به فى رحلتكم ؟

ج : انقضت الآن خمس وثلاثون سنة على أول لقاء بينى وبين الاستاذ البشير بن سلامه وكان حينذاك تلميذا بالاقسام النهائية للمدرسة الصادقية التى كنت اشتغل فيها كأستاذ للفلسفة والآداب العربية . كان ذلك آخر يوم جمعة من شهر اكتوبر 1950 فى نادى الجامعة الدستورية لتونس واحوازها بنهج (( قرمطو )) حيث يلتقى بين الحين والآخر بعض الاساتذة والتلامذة الدستوريين مع المناضلين والمسؤولين فى الحزب فيتبادلون الرأى حول الحالة السياسية التى كانت تكتنف البلاد ويتناقشون فى شؤون النضال وملابسات الفعل ويتزود بعضهم من بعض ، على نحو ما كان يقع فى نادى قدماء المدرسة الصادقية وغيره ، مما تربت عليه ، وبه ، أجيال من التونسيين قبل استقلال الوطن .

واستقر الرأى يومئذ على ان (( نتطوع )) لبيع جريدة الحزب (( الرسالة )) التى كانت تصدر كل يوم جمعة بالفرنسية ، وان نتوغل بها فى الاحياء الاوربية التى كان يشعر فيها التونسى بالغربة وحتى بالخطر ، لشدة ما كان تثمر فيها الاجانب بالتونسيين ويضمرون لهم من الكراهية والحقد . وكنت على رأس جمع من التلاميذ يحمل كل واحد منا على ذراعه اليسرى حزمة من اعداد (( الرسالة )) فتجاوزنا باب سويقة وشارع لندرة ثم دخلنا شارع (( روسطان )) الذى يعرف اليوم بشارع الحبيب ثامر ، ووجدت نفسى فى آخر المطاف بعد ان نفدت كل النسخ التى التزمت بيعها ، صحبة عدد قليل من رفاقى الشبان ومن بينهم البشير بن سلامه .

وهكذا عرفنى وعرفته فى (( الميدان )) - كما قد يقال - ورغم ما كان يباعد بيننا من عوامل السن والمهنة ، وما كان للصدف من شأن فى لقائنا الاول ، فقد توفرت عناصر التعاطف والتقدير والمحبة اذ جمعنا نضال واحد تحت لواء حزب جماهيرى تحرير واحد ومبادئ سامية مشتركة .

ثم شاء الحظ ان يتتلمذ على فى قسم الفلسفة وان (( نتزامل )) بعد ذلك فى المدرسة العلوية التى اشتغل بها قيما ، وعن لاداة التعليم الاستعمارية ان تنقلنى اليها نقلة عقاب ، وبقينا على اتصال الى ان احرزت تونس على استقلالها فكان أول من انتسب الى دار المعلمين العليا التى كان لى شرف المساهمة فى تأسيسها بوصفى رئيسا لديوان الاستاذ الامين الشابى وزير المعارف فى ذلك الوقت اذ اردناها لبنة أولى للجامعة التونسية المرتقبة ، وأداة لتعريب التعليم وتونسته ، اطارا ومحتوى ، وظننا اننا حققنا بذلك حلما من أحلام جيلنا ، الا وهو ان نعود لهذا الوطن روحه ، فتتميز شخصيته وتزدهر ثقافته وتشع اشعاعا .

والى جانب ما اتصف به البشير بن سلامه من تواضع ونزاهة ونفور من التظاهر وكفر بالتسابق الى الصفوف الامامية ، وما امتاز به من شمم وعزة نفس ، واستقام له من رهافة حس وذكاء قلب وعقل ، وما اكتسبه من قوة على                    478          126

الوفاء للصداقة فى أشرف معانيها والولاء للقيم فى أنبل مفاهيمها وابقاها ، فان أبرز مقومات شخصيته اصالتها وايمانه بوطنه ومحبته العارمة له وتفانيه فى خدمته والنهوض به . وليست وطنيته ظاهرية أو سطحية ولا هى وليدة المناسبات أو قانعة بالشعارت ، كما هو الامر بالنسبة لكثير من لداته ، انها قول صادق وعمل خالص وكفاح دائب لا يني ، عمقت جذورها ولامست شيئا فشيئا أبعاد الذات الفردية والجماعية فاذا النضال تفهم خصب للثقافة ، واذا محبة الوطن موقف ايجابى من المجتمع والناس ، وتصور واضح للكرامة ، واذا المثقف مهندس يستبطن اوساع منزلته فى الكون ويعى رسالة قومه فى الدنيا فيساهم فى صنع مصيرهم الحضارى .

لذلك امتلأت نفس البشير بن سلامه اعتزازا بشرف العمل الثقافى الحق فانضم الى أسرة مجلة (( الفكر )) منذ تأسيسها وتطوع لرئاسة تحريرها ولا يزال يعطيها من عقله وقلبه ووقته الشئ الكثير ، فيرابط فى ساحتها ويتعب وبصبر وبصابر من أجل نجاحها ، لا تثنيه صعاب ولا يزيغ به اغراء ولا تصرفه عنها أعراض الدنيا وبهرجها ، فهو مشدود اليها لانه مشدود الى المبادىء العليا التى لا تزال مخلصة لها والغابات الثقافية السامية التى ما فتئت تسعى اليها .

والى جانب ذلك وبقطع النظر عن انتاجه فى ميدان الخلق الادبى وخاصة فى فن القصة فانه اعتنى أولا وبالذات بشؤون الثقافة التونسية الجوهرية وتيقظ الى حقيقة الفكر التونسى وواجه جوهر النقص الذى يعوقه عن الانطلاق , وتقحم على علاج معضلاته حتى يساهم فى تحريره بحق فيتحقق التلاؤم الضرورى بين السياسة والسيادة الروحية والفكرية التى من دونها تصبح الاولى هيكلا فاقدا للروح ولا تلبث ان تتلاشى البلاد كالهباء المنثور .

هذا ما قلته فى أخى وصديقى البشير بن سلامه ضمن مقدمتى لكتابه : (( اللغة العربية ومشاكل الكتابة )) عام 1971 ، وبعد 14 سنة ليس لى ما أضيفه الا تأكد وفاء الاخ البشير بن سلامه وأصالته وكفاءته .

س : هل تتراءى لكم صورة لما يمكن أو يجب أن يكون عليه الفكر العربى عامة ، والفكر التونسى خاصة في المستقبل ؟

ج : ان الفكر العربى ، وما الفكر التونسى الا رافد من روافده الكثيرة ، قد قدم للعروبة خصوصا وللبشرية عموما عطاءات سخية كثيرة ساعدت على الخروج بالعالم فى العصر الوسيط على الأخص من الظلمات الى النور ، وكان هذا العطاء ثقافيا بالدرجة الاولى ولقد سجل التاريخ ما لقنه العرب أوربا من دروس فى الطب والرياضيات والكيمياء والفلسفة وكذلك فى الشعر والادب ونستطيع القول بدون ان يجادلنا فى ذلك جاحد : إن النهضة الاوربية العارمة التى شهدها القرن السادس عشر ما كان لها أن تظهر لولا ما اختزنه الفكر الغربى من خمائر علمية وثقافية عربية اسلامية وصلته عن طريق اسبانيا وصقلية المسلمتين . ثم جاءت عصور الانحطاط وتقهقر الفكر العربى ردحا طويلا من الزمن ثم استفاق من جديد فى بداية القرن التاسع عشر وبالرغم مما توفر من انتاج عربى غزير وجيد فى معظمه نلاحظ ان هذا الفكر لم يستعد بعد ما كان له من اشعاع شامل ومن دور قيادى ايام كان مستوعبا لكل عناصر الحضارة ومدفوعا على درب التقدم بحوافز الرسالة العربية الاسلامية فى أوج شبابها . ومهما يكن من امر فانى متفائل بمستقبل الثقافة العربية بشرط أن تتوفر للمفكر والاديب وكافة المبدعين حرية التعبير وإمكانات الافادة والاستفادة وقد دأبنا فى تونس على الاخذ بيد الكاتب واحاطته بالرعاية وتشجيعه ماديا ومعنويا ، وهو ما عملت على تركيزه مجلة بالذات اذ هى منذ انطلاقها منبر حر لكل الاقلام الاصيلة وقد نشرت فيما نشرت حتى الآثار التى لا نشاطرها الاتجاه . ولا بد أن نذكر على سبيل المثال اننا احدثنا بوزارة الشؤون الثقافية (( صندوق التنمية الثقافية )) تصب فيه أموال هامة متأتية من توظيف بعض الضرائب على مواد استهلاكية كمالية ، وقد لعب هذا الصندوق دورا هاما للغاية فى تحريك الحياة الأدبية والفنية عن طريق شراء كميات كبيرة من المنشورات وعن طريق الانفاق على مشاريع انتاج ثقافى متنوع ، بمثل هذا العمل التشجيعى وباعطاء المنتج الحريات الضرورية للابداع 480                 128

وبالالتزام المثقف العربى ما يحمله اياه الظرف التاريخى من مسؤوليات ، يمكن للفكر العربى ان يستعيد مكانته الريادية وان يسهم اسهاما حاسما فى البناء الحضارى الانسانى . بيد أن هذه البديهيات لا تمنعنى عن أن ألاحظ أن الفكر العربى كان قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها أكثر ازدهار فى ظل أنظمة ربما كانت متخلفة ولكنها لا تدين بالاديلوجيات المتحجرة فلا بد لنا والحالة هذه أن نقاوم معوقات الفكر على كل الجبهات جبهة المذاهب المستوردة وجبهة السلفية المتزمتة ، وذلك باعداد خطط تربوية عربية عصرية متناسقة تضمن تفتح المواهب على اختلافها وتقبل التعددية الفكرية التى تتيح الابداع باحتكاك الآراء وتلاقح الافكار . وقد خطونا فى هذا الاتجاه مع الشقيقتين الجزائر والمغرب ونحن سائرون معا على الدرب من أجل توحيد المناهج والاعداد لفكر عربى مغربى جديد .

أعتبر نفسى من مدرسة بورقيبة بفكره وعطائه

س : سيادة الوزير الاول هل كان لفكر فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة الذى يشكل مدرسة متميزة فى السياسة والقيم الوطنية والثقافية اثره فى ربطكم الادب والفكر والسياسة ؟

ج : ان المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة من الزعماء العرب القلائل الذين أولوا البعد الثقافى فى نضالهم السياسى اهمية قصوى ، ولا غرو فهو ذو ثقافة عربية اسلامية راسخة الى جانب استيعابه الواسع للثقافة الانسانية الشاملة ، ولقد ركز كفاحه التحريرى على الدفاع عن اصالة المواطن التونسى وعلى مقاومة الفرنسية والمسخ الثقافى ولكن هذا لم يمنعه من الاخذ من مقومات الثقافة العالمية المعاصرة باعتبار ذلك عنصرا من عناصر الاصالة العربية التى لم تحجم عن استيعاب الفكر اليونانى والثقافة الآسيوية العريقة وهو لم ينفك الى اليوم يدعو الى النهوض بالفكر العربى عن طريق التفاعل أخذا وعطاء ,

تأثيرا وتأثرا وانى لاعتبر نفسى احد مريدى الرئيس الحبيب بورقيبة الاوفياء من مدرسته تخرجت وبفكره الثاقب استنرت وكان من جراء ذلك ما أعمل جاهدا على تأكيده وتحقيقه من اخضاع السياسة الى العقل والابداع فى مختلف مجالات النشاط التنموى .

س : انتصار تونس دوليا فى ادانتها لاسرائيل ووقوف مجلس الامن مع تونس وعدم استخدام الفيتو الاميركى هل ستدعو تونس الى استراتيجية عربية جديدة ؟

ج : ان انتصار تونس فى الحصول من مجلس الامن على ادانة كاملة لا غبار عليها للغارة الاسرائيلية الغادرة وفى اقناع الولايات المتحدة على التراجع ومراجعة موقفها السلبى ، انتصار حاسم للخطة البورقيية المحكمة التى عودتنا على التغلب على كل الصعاب وعلى الخروج المشرف الايجابى من كل الازمات والمآزق . . . وفى اعتقادنا ان السياسة البورقيبية ترسم الطرق الناجعة الممكنة للوصول الى اهدافنا القومية .

وهى تشكل استراتيجية عربية غير جديدة اذ هى جربت فصحت وطالما دعا الرئيس الحبيب بورقيبة الى توخيها بما ينبغى من حزم ومن حرص على الحفاظ على الاصل ومن مرونة فى التعامل فيما يتعلق بالفروع بالاضافة الى ضرورة توحيد الصف العربى باجتناب التطرف والمزايدات التى اثبتت عدم جدواها منذ البداية .

ومن شروط نجاح هذه الاستراتيجية كذلك وبالخصوص ما لم ينفك المجاهد الاكبر ينادى به من ضرورة استيعاب علوم العصر والاخذ باسباب التكنوحيا المتطورة حتى يصل الوطن العربى درجة الاكتفاء الذاتى علميا واقتصاديا 482           130

وعسكريا ذلك هو الاستقلال الحقيقى وتلك هى مقومات الذود عنه واكساب الوطن ما يطمح اليه من عزة ومناعة .

ولقد سبق للرئيس الحبيب بورقيبة ان قال كلمته بخصوص الاستراتيجية العربية وذلك فى قمة نوفمبر 1979 اذ دعا الى القيام بأعمال حينية واعمال طويلة الامد مؤكدا على ان الصراع مع العدو الصهيونى انما هو قبل كل شئ صراع حضارى وتكنلوجى فلا مخرج للامة العربية فى محنتها الا بالاستعداد ماديا ومعنويا لخوض المعركة .

س : ما تأثير العدوان الاسرائيلى الغادر على مقر منظمة التحرير الفلسطينية والشعب التونسى على علاقة تونس بمنظمة التحرير الفلسطينية ؟

ج : ان أشقاءنا الفلسطينيين تعرضوا معنا الى عدوان وحشي ونحن متضامنون معهم فى السراء والضراء فقضيتهم قضيتنا ولن تثنينا الاعتداءات عن مواقفنا الواضحة الدائمة ازاء فلسطين ولقد سبق لتونس ان تعرضت لعدوان الجيش الفرنسى فى عين دراهم وحيددرة وخاصة فى قرية ساقية سيدى يوسف فيفرى 1958 حيث اختلطت دماء التونسيين مع دماء أشقائهم الجزائريين ورغم القنابل ورغم التهديد ومختلف الضغوط لم تتراجع تونس فى وقوفها الى جانب الثورة الجزائرية حتى النصر . كذلك نحن واقفون دائما رغم الداء والإعداء إلى جانب الثورة الفلسطينية حتى النصر القريب (( ان شاء الله )) .

اشترك في نشرتنا البريدية