انه لشرف أثيل ان تفتتح جامعة الدول العربية موسمها الثقافي ) * ( باستقبال شخصية من الشخصيات العربية المرموقة ، عرفت منذ حقبة غير قصيرة بمساهمتها الفعالة فى مجالات الفكر والثقافة ، الى جانب اضطلاعها بمسؤوليات حكومية هامة وانتسابها الى القيادة السياسية الوطنية : أعنى الاستاذ محمد مزالى المعروف فى المشرق خاصة بكونه مؤسس مجلة الفكر ومديرها المباشر منذ تأسيسها سنة 1955 قبل ان يرتقى الى المسؤوليات العليا التى يقوم بها حاليا
وفعلا لقد بدأ الاستاذ مزالى نشاطه الثقافى بالمساهمة فى الصحف والمجلات التونسية ، ثم سرعان ما اقدم على مشروع كان يبدو لرفاقه اذذاك بمثابة المغامرة . فأسس مجلة الفكر التى هى اليوم من اقدم المجلات العربية فى المشرق والمغرب ، والوحيدة التى تواصل صدورها بدون انقطاع منذ اول تأسيسها كما انها الوحيدة التى لم تتأخر يوما عن موعد صدورها فى مطلع كل شهر
اختارت مجلة الفكر ، بقيادة الاستاذ محمد مزالى ، ان تحتضن مختلف الفئات الادبية ، فاقدمت على تشجيع تجارب جريئة لم يسبق ان فتح امامها مجال النشر بهذا الوضوح وبهذا التصميم . ولقد التزم صاحبها كتابة مقالها الافتتاحى بنفسه منذ بدء صدورها ، ماعدا حالات استثنائية نادرة
ولقد واكبت مجلة الفكر فترة مجيدة من تاريخ هذا البلد ، منذ فجر انعتاقه ، فكانت سجلا ومرجعا لاغنى عنه لمعرفة حياة تونس ، لا فقط الادبية والثقافية ، بل أيضا الحياة العامة بالمعنى الشامل ، لاهتمام مجلة الفكر باصدار ملفات خاصة عن قضايا تهم العديد من القطاعات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية
وليس من الصحيح ان نقول : إن مجلة " الفكر " كانت ساحة مفتوحة دون ان تكون لها اختيارات واضحة . فالى جانب ميزة الانفتاح ، خاصة فى وجه الشباب والتجارب الرائدة ، كانت " الفكر " مجلة مناضلة من اجل احياء التراث العربى الاسلام فى هذه الربوع ، تعبيرا عن اصالة الشعب التونسى ، العريق فى عروبته ، الاصيل فى وفائه للقيم الاسلامية
ولئن كانت عبارة " التعريب " ليس لها فى تونس نفس المدلول الذى لها فى بلدان أخرى ، فانه يمكن ان نقول : إن مجلة " الفكر " كانت تناضل دوما من أجل اعلاء اللغة العربية فى كل مجالات الحياة التونسية ، وخاصة فى المدرسة والجامعة ، باعتبار العربية قادرة على اداء كل المضامين الفلسفية والعلمية والتكنلوجية الحديثة
ومن ذلك كان الاستاذ مزالى ، عند توليه وزارة التربية القومية ، مرات ثلاثا ، يكرس جهوده لاعطاء اللغة العربية مكانة فى كل المجالات التعليمية التى كانت اذذاك لا تزال مغلقة فى وجهها
ولقد اقترن عهد مزالى وزيرا للتعليم بمعركة التعريب ، خاصة فى مرحلة التعليم العالى ، حيث تجاوبت ثلة رائدة من الاساتذة التونسيين مع التجربة الجديدة وضمنت لها التواصل واطراد النجاح
على ان الاستاذ محمد مزالى ، الى جانب كل هذه الجهود فى المجالات الثقافية والتربوية ، كان يقوم منذ مطلع الستينات بدور متنام في الحقل السياسى بحكم عضويته فى الديوان السياسى الذى هو اعلى قيادة فى الحزب الاشتراكى الدستورى التونسى : هذا الحزب الذى قل شبيهه خارج تونس ، لانه تأسس على الايمان والكفاح ، وصهر اجهزته فى نار المعارك المتعددة التى خاضها الشعب بقيادة هذا الحزب منذ قيامه سنة 1934 بزعامة مؤسسه الذى اجمع الشعب على نسميته بالمجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة
وقد كانت الاحبال التونسية ، منذ الثلاثينات من صنع هذا الحزب ، نفث فيهم العزم وحملة من القناعات ، فى مقدمتها ان تونس عربية اسلامية لابديل لها عن عروبتها واسلامها بحال من الاحوال .
وكان الشاب محمد مزالى من أولئك الذين تخرجوا من مدرسة الحزب ، مدة انتسابه الى المدرسة الصادقية ، ذلك المعهد المجيد الذى كان له - وللجامع الاعظم جامع الزيتونة طيب الذكر - الفضل الاكبر فى الذود عن ذاتية البلاد والحفاظ على اصالة الشعب والمساهمة فى احياء مقومات الشخصية التونسية تجاه حملات الفرنسية التى كانت تشنها الادارة الاستعمارية قصد مسخ تلك الشخصية وطمس ينابيعها الصافية ، وقطع العلاقة بين الشعب التونسى ومحيطه الطبيعي الذى هو سائر الوطن العربى ، مشرقا ومغربا
ولا يزال المناضل الأخ محمد مزالى ، سواء فى نطاق مهامه الحكومية او مسؤولياته الحزبية ، يعمل بكل عزم ، كشأنه فى كل الاعمال التى يقدم عليها
وقد دعاه فخامة الرئيس الى تحمل اعباء الوزارة الاولى منذ قرابة العام فاخذها كذلك بعزم ، وتحملها بكل جد وسار فيها اشواطا بكل ايمان
ولو سئلت عما يميز محمد مزالي ، استاذا واديبا ورجل دولة ، لقلت بدون تردد : العزيمة ، العزيمة الواضحة ، الماضية رغم العقبات والصعاب ، مذللة للعقبات والصعاب ، بفضل ما أوتى من طاقات فكرية واخلاقية عالية
