انه لمن حسن الطالع أن تواصل وزارة الشؤون الثقافية (*) عقد المجالس الادبية والفكرية مع نخبة من أدبائنا وكتابنا الذين وضعوا على درب الادب والفكر فى تونس علامات مضيئة تعد مرجعا هاما لكل دارس وباحث ومجال متعة وفائدة لكل قارئ واع .
وانه لشرف عظيم أن يحتضن هذا المجلس الفكرى علما من أعلام الفكر والادب ناضل طويلا من أجل اعلاء الكلمة . وكافح طيلة عقود متوالية لينزل الفكر المنزلة اللائقة به فى مجال الفعل الأتم .
انه الاستاذ محمد مزالى مؤسس مجلة ((الفكر)) ومديرها ورجل الدولة المرموق والرياضى فلسفة وممارسة ، الذى قبل مشكورا أن يلتقى بنخبة من الاساتذة الاجلاء ليتحاور معهم فى قضايا عديدة ما تزال تقض مضاجع عالمنا الثالث بله البشرية جمعاء .
اننا نشكره جزيل الشكر على اقتطاع فسحة من وقته الثمين للحضور بيننا ونشكر هؤلاء الاساتذة الاجلاء الذين اسهموا الاسهام الجليل فى الادب والفكر وقبلوا أن يكونوا معنا فى هذا المجلس الفكرى امتاعا ومؤانسة وافادة وعبرة .
فوجود الاساتذة جاك بيرك ومحمد عامر غديرة بيننا وحضور الاساتذة عبد العزيز قاسم وأحمد خالد وأبى يعرب المرزوقى فى هذا المجلس ليتباحثوا مع الاستاذ محمد مزالى فى مسائل فكرية وفلسفية وأدبية يبين لنا مدى ما وصلته الحياة الثقافية فى بلادنا من حيوية وثراء وغزارة .
ولئن اقترن هذا المجلس بالاحتفال بعد أيام قليلة بالذكرى الثلاثين لصدور مجلة الفكر فليس ذلك الا حرصا على توضيح المنهج الذى ارتضته ((الفكر)) فى معالجتها لقضايا الانسان فى تونس وهو يبنى كيانه ويواجه مصيره بكل عزيمة وصبر ويسعى الى تبوؤ مكانه اللائق بين سائر البشر فى حوار مثمر وتراشح متواصل .
لقد حرصنا على أن نبدأ هذه الذكرى العزيزة على كل المثقفين بمجلس فكرى يكون فيه الاستاذ محمد مزالى واسطة العقد لاننا نعتقد أنه يعد الآن بدون منازع رائد مدرسة فكرية شاملة المنزع تأخذ حياة الناس فى جوانبها الحضارية والثقافية المتعددة وتحاول أن تجيب عن همومها ومشاكلها فى مجال النظر المفضى الى الفعل عندما يشرف به الانسان الى أعلى مراتب القيم وأسماها .
وليس من السهل حتى على من آنس فى نفسه القدرة على ممارسة القلم أن يرسم ملامح رجل مثل الاستاذ محمد مزالى تنوعت عناصر شخصيته وغنيت فكرا وفعلا وكسبت فيما يناهز الخمس والثلاثين سنة أبعادا متعددة تظهر فى بعض الاحيان وكأنها متقابلة من الصعب أن تجتمع فى رجل واحد .
وان غناء هذه الشخصية الفريدة يجعل الكاتب حتى اذا كان من أولئك الذين عرفوه من كتب يشعر بالعجز عن ايفائها حقها من التدقيق والشمول .
ولكن الذى أقدر أن أقوله هو : إننى منذ عرفت الاستاذ محمد مزالى سنة 1950 فى نادى الحزب الحر الدستورى التونسى وأنا تلميذ بالمدرسة الصادقية لفت نظرى ما كان عليه من نحافة مفرطة تدل على حياة عرفت الحرمان وضنك العيش ولكنها أيضا تنطق بالعزيمة وقوة الارادة والايمان بالاصول الشعبية فقد اختار حزب الشعب بدون مواربة وحزب النضال بدون تردد وتفطن ربما أكثر من غيره الى ما يمتاز به التمشى البورقيبى من عصرية ونجاعة وحكمة .
ان الذى يمكن أن أجزم به وقد عاشرت الاستاذ محمد مزالي بصورة فعلية منذ سنة 1955 أن صاحب ((الفكر)) لم يتغير فى شعوره فقد بقى شعبيا الى
أبعد الحدود ، يمقت مظاهر البذخ والفخفخة والبهرج ، وطنيا لان الاحداث فى بلده وفى العالم أكدت له صدق ما آمن به ، عاطفيا كلما كانت العاطفة شحنة للفعل فى أسمى مظاهره وعاملا أساسيا للعلاقات التى تربطه بالعائلة أو الاخوان أو الاصدقاء أو الآخر بصورة عامة .
ولئن غلب على طبعه الحماس واتصف بالجرأة وآمن بالفعل والانجاز فانه لم يمل يوما الى تغليب العاطفة والانسياق الى ما يفرضه الحماس والجرأة من انزلاق فى متاهات المبالغة والتطرف بل خضع منهاجه الى تغليب العقل أو بكلمة أدق تجاوز ذلك الى مفهوم آمن به منذ أن بدأ حياته العملية وهو تسليط الفكر على الواقع فهو واقعى الى أبعد الحدود رغم المظاهر يستوحى من الواقع الذى يحلله بكل دقة ومن آراء الآخرين الذين يستمع اليهم بكل انتباه الرأى الملائم والموقف المناسب مستندا الى ذكاء حريص على التعويل على امكاناته ، ضنين بقدراته ، متمسك باستنتاجاته مع تجنب كل ما يوحى بتشبث ما ، بالايديولوجيات أو نزوع ولو طفيف الى الدمغمائية .
ولقد أضفى كل هذا على حياته أسلوبا فيه توازن حكيم وتدقيق محكم رغم أنه يبدو مشحونا الى ابعد الحدود وهى السمة الغالبة عليه فى اسلوب حياته حتى قبل ان يتولى الوزارة الاولى .
واذا كان ليس من السهل المضى فى رسم ملامح أستاذنا الكبير بدقة أكثر فانه لا يمكن الا نشير الى سمة من السمات التى لم تبرحه ربما منذ أن تفتحت عيناه بوعى على هذه الدنيا وهو أنه كما كتب ذلك منذ خطواته الاولى (( آثر العظمة على السعادة )) .
وهكذا فحياة الاستاذ محمد مزالى مشحونة بالنضال السياسى الذى يعتبره فى الواقع منبثقا من فلسفة للحياة : الانسان فيها متكامل الشخصية فهو مناضل على جميع الجبهات وهو كاتب وأديب ورياضى ممارسة ونظرية وهو الى ذلك لطيف المعشر يهفو الى المرح البرئ والعشرة الطيبة .
ولكننى لن أفي بحق الاستاذ محمد مزالى اذا أنا لم أتوقف حيال الملكة الاساسية التى أخلد اليها وجعلها المرجع والمحرك والملاذ : ألا وهى الفكر .
لقد فهم ((صاحب الفكر)) منذ أن كان فى باريس فى رحاب الصربون بالذات أن عهد الايديولوجيات قد ولى وأن ما يعيشه العالم الغربى من تناقضات
سيؤدى به حتى الى تجاوزت الفلسفة وأن عهد الفكر الذى يخرج عن النظر العقلى الصرف (Reflexion) ويستنكف من القبوع فى التأمل (Meditation) ويتخطى الحدس لا بد أن يأتي زمانه .
ان الذى ساعد الاستاذ محمد مزالى على الازورار عن الانساق الى اللايدلوجيات المعروفة هو ارتباطه بشعبه وفهمه لاصوله واستقراؤه لتاريخه فوجد أن كل هذه القوالب الجاهزة لن تقدر على فهم أوضاع بلاده ماضيا وحاضرا ومستقبلا ولن تؤول الا الى المسخ والاستلاب والضياع والتقليد .
وآمن وهو أستاذ فلسفة ، أن الفلسفة الباحثة عبر المعرفة عن الحكمة غير قادرة على التوفيق بين مظهرين متقابلين فى عالمنا العصرى : الحكمة من جهة والعنف من جهة أخرى . اذ الفلسفة المفصولة فصلا تاما عن الفعل البعيدة عن الميل الى العنف لا بد أن يتجاوزها الانسان الذى يريد أن يؤثر فى مجتمعه فكان التمسك بالفكر القادر على الاحاطة بهذين المظهرين فى سبيل سلم أوفى وطمأنينة خلافة أعمق .
ذلك أن الابعاد المحددة للموقع الذى ينطلق منه الفكر كحدث وكقيمة وكغرض انما تنبع أولا من هذا الحرص على الحفاظ على كل ما يتعرض الى الزوال والتلاشى فيصبح الذى كان صفته مجرد وجود حقيقة ماثلة للعيان (ومن هنا جاء التشبث بالاصالة) وثانيا من هذا النزوع الى استنباط نظام ما، قابل للتأثير فى المجتمع بصورة تتناسب مع الواقع (هو أساسا البحث عن النجاعة واحلال الفعل المحل الارفع) وثالثا : من هذه النزعة أو القدرة على التعليم اذ الفكرة لا بد أن تشيع وتكون بنفسها مدرسة (ومن هنا يأتى الوجه الآخر من العمل الفكرى وهو التفتح على العصر والمجتمعات الاخرى) . ثم لا ننسى ان الفكر قادر على الخلق وهو حسب مفهومى ضربان : ضرب تدفعه هذه الطاقة اللاهية التى كنت عبرت عنها منذ عشرين سنة وحدددتها بكل وضوح وتفضى الى الابداع فى شتى مجالات الكتابة والفن عمادها هذه القدرة على صهر الشكل والمحتوى فى بوتقة واحدة ليخرج الاثر الادبى والفنى صورة سوية لما أراده الخلاق وضرب ثان ينطلق من هذه الطاقة اللاهية ليتجاوزها ويتخطاها الى القدرة على التفريق بين الشكل والمحتوى تحليلا وتفكيكا ونظرا عميقا حتى يشتد الفكر فى البحث عن الرهان تلو الرهان أى عن الفعل فى أسمى معانيه كما حدده القرآن الكريم فى هذه الآية : (( وجعلناهم أئمة يهدون
بأمرنا وأوحينا اليهم فعل الخيرات)) وهى المرة الوحيدة التى يرد فيها هذا الجذر أى جذر (( فعل )) بهذه الصيغة .
هذا ، حضرات السادة والسيدات ، ما سنح به الوقت لافى بجزء قليل من حق الاستاذ محمد مزالى علينا وللكشف بهذا التقصير فى التحليل والعجز عن التعبير الاوفى عن مظاهر أخرى لهذا النسق فى التفكير الذى أصبح الآن مسلما به عند الكثير من فلاسفة الغرب ومفكريهم بعد الغرق طيلة عقود فى متاهات السبات الدغمائى العميق .
ولعلى بهذا المدخل قد ساهمت فى اثراء هذا المجلس بما قدرت عليه من استكشاف فكر الاستاذ محمد مزالى منهيا كلمتى بما قاله البحترى فى بيته المشهور :
مازال يسبق حتى قال ناظره له طريق الى العلياء مختصر
من مؤلفات الاستاذ البشير بن سلامه
* قضايا * نظرية التطعيم الايقاعى * عائشه ( رواية ) * الشخصية التونسية * فى الكفاح التحريرى التونسى
