الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

محمد مزالي مؤسس مجلة (( الفكر ))

Share

ان فكر محمد مزالى يتوزع الى اهتمامات عديدة ، وجوانب مختلفة من الكتابات فى الادب والتاريخ والفلسفة والتربية والسياسة . وفى تنوع لموضوعات نلمس العامل المشترك الذي يوحد بينها ، ويؤطر شخصية محمد مزالى ، هو ايمانه بالمثل والقيم الروحية ، وجهده المتواصل نحو بناء الانسان ، ومحاربته الايديلوجيات التى تصيب الفكر الانسانى بالعقم والجمود ، ومناداته بحوار الثقافات من أجل الاسهام البناء لكل الثقافات ، أيا كان تباينها اختلافها ، فكل الثقافات تساهم وتشارك فى التحضر والتمدين ، وفى اثراء واغناء الفكر الانسانى .

وبحكم الوظائف التربوية والرياضية التى تقلدها ، كان اهتمامه بالجانب التربوى والرياضى . ولم يقتصر هذا الاهتمام على الكتابة فقط ، وانما تعداه الى ممارسته الرياضة . وتكون احدى هواياته . ورأى فى الجانب التربوى والرياضى ركيزة هامة فى تكوين أجيال المستقبل ، والبناء السليم للشباب .

ومحمد مزالى ، الذى تقلد مناصب حكومية مختلفة كان آخرها اختياره وزيرا أول بتونس عام 1980 ركز فى كتاباته على تاريخ تونس وكفاح شعبها من أجل الحصول على الاستقلال . وقد تأثر مزالى بشخصية الزعيم الحبيب بورقيبه ونضاله وايمانه بالمواطنة الصالحة ، والنزعة الاستقلالية ، وشب على هذا الايمان ، وغذاه بالدعوة الى الديمقراطية وحرية الفكر ، كافضل طريق للنهوض بالوطن . ان مرحلة ما بعد الاستقلال ، فرضت تبعات ثقال لازالة ما علق فى بنية المجتمع التونسى من حكم البايات الفاسد ، ونير الاستعمار الفرنسى الذي جثم على تونس ثلاثة أرباع قرن . وفى كتاباته ، برز ايمانه بروح الشعب وقدراته فى صنع غد افضل ، ووضح ترسمه خطى الزعيم المناضل الرئيس الحبيب بورقيبه ، ومبادئ الحزب الذى أخذ على عاتقه تخليص

البلاد من كل تبعية للاستعمار ، كما دعا فى كتاباته الى وحدة المغرب العربى الكبير .

وابرز عمل لمحمد مزالى . هو اقدامه على اصدار مجلة ( الفكر ) فى أكتوبر ولو لم يقدم على شئ سوى اصدار هذه المجلة . لكفاه ذلك فخارا .

صدرت ( الفكر ) فى فترة حاسمة من تاريخ تونس . التى نالت استقلالها عام 1956 ، وتولى الشعب أموره بنفسه ، بفضل كفاح زعمائه ونضال أبطاله. وقد سبق صدور هذه المجلة الرائدة ، مجلة ( العالم الادبى ) التى استمرت عدة سنوات بعد الحرب العالمية الاولى . كذلك صدرت مجلة ( المباحث ) بعد الحرب العالمية الثانية . وتعتبر مجلة ( الفكر ) امتدادا لهاتين المجلتين اللتين كانتا لهما الفضل فى ترسيخ القيم والمبادئ والوعى بقضايا الوطن وشؤون الادب والفكر . وقد تصدت المجلتان للاستعمار الفرنسى ، وناهضته بشتى الطرق ، مما كان له أعمق الاثر فى ظهور مفكرين واعين للاخطار المحدقة بهم . وكان اصدار ( الفكر ) فى مرحلة استقلال تونس علامة مميزة على الطريق لتأصيل الفكر الحر ، وتعميق المفاهيم وتوعية المواطن فى شتى مجالات الحياة . وصدرت ( الفكر ) وقد وضعت على عاتقها مبدأ حرية الاديب والمفكر ، حرية غير منقوصة ، تجعله قادرا على الابداع ، كذلك قضايا الفكر وشؤونه ، لا بد لها من من مناخ حر لا يحد من حرية الاديب .

يقول البشير بن سلامه عن مجلة ( الفكر ) وصاحبها : (( ولكن مجلة  ( الفكر ) باختيار من مؤسسها آثرت أن تخوض أخطر المسالك ، وأن تغامر فى أعظم ملحمة اقتحمها الانسان وهى ايجاد توازن بين ما يتوق اليه الفكر من تجريد وبين ما يفرضه الواقع من ملابسات ، بين بناء فكرى يكتفى بذاته ويحاول الانسياق الى القواعد التى سنها وبين الانغماس فى صلب المشاغل اليومية ، بين نشدان الحرية والتوق اليها والعزوف عن زائف الاعراض وبين الارتباط أشد الارتباط بجوهر الحياة وخصب الوجود )) (1) .

مجلة ( الفكر ) معلم بارز من معالم الحركة الثقافية والأدبية فى تونس ، وتعد امتدادا للمجلات الادبية التى صدرت قبلها . وترجع أهميتها الى أنها صدرت فى ظل ظروف استقلال تونس ، وأهمية مرحلة ما بعد الاستقلال .

ومن منبر المجلة ، بدأت حملة التنوير وتبصير الشعب بقضاياه الملحة . منها انهاء أية تبعية لعصور الاحتلال ، والدعوة الى تونسة البلاد ، أى ارجاع الهوية الحقيقية ، وازالة ما علق من رواسب وآثار الاستعمار الثقافى . كما ترجع أهمية المجلة الى أنها مجلة غير حكومية ، صدرت بمجهود فردى ، واستمرت توالى الصدور دون انقطاع ، بمعدل عشرة أعداد كل سنة . وقد آل صاحبها أن يدع باب النشر مفتوحا للناشئة جنبا لى جنب مع الاقلام الراسخة ، كما حرص على حرية الاديب ، ايمانا بأن الاديب مسؤول عن كل كلمة يكتبها . تلك الحرية عملت على تأصيل الفكر ، واستمرار المجلة وانتشارها . وفى هذا يقول : (( لو لم أتسامح فى ( الفكر ) ولم أعانق كل الاتجاهات رغم اختلافى معها أحيانا لما عمرت ( الفكر ) تسعا وعشرين سنة )) (2) .

فى بدء صدور ( الفكر ) ، أراد لها صاحبها أن تكون مجلة صادقة لتونس والمغرب العربى الكبير . شجعه على ذلك مرحلة الكفاح من أجل التحرر من ربقة المستعمر ، لهذا تقوقعت المجلة ابان صدورها داخل حدود دول المغرب ، وحصرت اهتمامها فى قضايا وشؤون هذه المنطقة ، ولم تسع المجلة لاكتساب قراء من المشرق العربى ، لهذا لم تنتشر انتشارا واسعا أو تمتد الى كل الوطن العربى ، فلم يعرفها من أدباء ومفكرى المشرق العربى سوى قلة من المهتمين بمد جسور الحوار الفكرى بين البلدان العربية . لكن مزالى تدارك هذا الوضع ، ونما احساس بالتلاحم والتآزر بين البلدان العربية كافة ، مشرقها ومغربها . ولعل تحرر بلدان المغرب العربى من وطأة ورواسب الاستعمار ، واستعادتها مكانتها اللائقة كدول مستقلة تدير شؤونها بأيدى أبنائها ، كان عاملا مشجعا للتطلع الى دول المشرق ، ونمو الاحساس بالانتماء العربى ، الذى قوى تياره الجارف في عقد الستينات على صعيد الوطن العربى . ولم نعد نقرأ عن اهتمام  ( الفكر ) بالمغرب العربى فحسب ، وانما اتسع نطاق اهتمامها فضمت أسماء كتاب من المشرق العربى ، وتطلعت الى الانتشار على الساحة العربية ، مثل ( رسالة ) الزيات و ( أديب )  ألبير أديب .

ان مجلة ( الفكر ) التى تواصل الصدور منذ عام 1955 حتى الآن دون انقطاع لهى ظاهرة وعى ونضج في المناخ الادبى . وصفها رشيد الذوادى بأنها

(( أحسن بطاقة تعريف للثقافة القومية والعمود الفقرى للادب التونسى الحديث )) (3) .

وتطور المجلة يشبه نمو الكائن الحى ، الذى كلما تقدمت به السن نمت مداركه وتطورت عقليته . فـــ ( الفكر ) مجلة أدبية تتطور تطورا طبيعيا ، حريصة عل الصدور مهما كانت المتاعب والمصاعب ، حرصها على نبل الرسالة التى كلفت صاحبها الكثير من المشاق . فالمجلة (( شقت طريقها واشتد عودها وتركزت فى السنوات الاولى من عمرها وصاحبها لم يكن وزيرا بل أستاذا أخذ من أوقات فراغه القليلة ما مكنه من التحرير والمراسلة والاشراف على الطبع والتوزيع وجمع الاشتراكات بفضل المجهودات التى بذلها )) (4) .

ومن يتابع افتتاحيات مزالى لمجلة ( الفكر ) ، التى جمعها فى كتابه القيم ( من وحى الفكر ) ، يجد اهتماماته توزعت وتنوعت . كتب عن تونس ونضال أبنائها واحتفالاتها بالمناسبات الوطنية وأعياد النصر والجلاء . وكتب عن وحدة المغرب العربى ، وأبرز أهمية التضامن مع الشعب الجزائرى ، وهى المقالات التى نشرها بين عامى 1956 و 1962 . وأثار العديد من القضايا التى تشغله حول الحرية والأدب التونسى وشيؤون الثقافة والادب . كما تطرق الى شؤون التربية والتعليم . والملاحظ فى افتتاحيات مزالى ، أنها اطلالة على سياسة الدولة أحيانا ، وبيان أنشطتها فى المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية . كما حرص فى افتتاحياته على تسجيل اللقاءات والمؤتمرات وأعمال اللجان . من هنا تبرز أهمية كتاباته فى توضيح المفاهيم ، وفى أنها خلاصة مركزة لآراء وأفكار مزالى ، الذى عمل جاهدا من أجل نهضة بلاده ورقيها ، وانفتاحها على العالم بوعى وبصيرة ، وحرصه على الجانب التربوى والتثقيفى ، الى جانب رعايته للادباء بصرف النظر عن اتجاهاتهم ومدارسهم ، طالما هم بعيدون عن الايديلوجيات التى تؤثر بالسلب على نواحى الابداع .

كما تدور أغلب كتابات مزالى (( حول مسائل التعليم وشؤون الثقافة وأحوال الناس وأساليب تفكيرهم ونماذج حياتهم وفيما يتوقون اليه ويحرصون عليه

من عزة وكرامة وحرمة وحرية وكل ما به يشرف الانسان ويبلغ تمام انسانيته ))  (5) .

ويتحدث البشير بن سلامه عن التوازن الذى حققه مزالى فى افتتاحياته لمجلة ( الفكر ) . وأرجع ذلك الى أنه رجل رياضى فرضت عليه الروح الرياضية أن يلتزم بالمساحة المخصصة . وهى صفحة واحدة ، مهما كانت غزارة الفكرة أو تشعب الموضوع . كما تحدث عن هذا التوازن من زاوية أخرى ، حيث قابل بين دوره السياسى وما تفرضه السياسة من التزام بقيود صارمة وبين ايمانه بحرية المفكر والاديب ، ودفاعه عن هذه الحرية (6) . يقول مزالى عن هذه الافتتاحيات : (( انها مقالات واكبت طموحاتنا وتطلعاتنا وعبرت عن آمالنا وأحلامنا وجهادنا فى سبيل النهوض بأمتنا والدفاع عن مقوماتها الحضارية والثقافية )) (7) .

يقول البشير بن سلامه : (( إن محمد مزالى يختطف من الزمن فترة يوجد فيها ذلك التوازن أو تلك الحال الصوفية أو حالا شعرية خاصة ، لا تقل عن القصيدة متانة فى الشكل ، وايقاعا فى الجملة وموسيقى اللفظ مع وضوح الفكرة وتعدد الاغراض (8) .

وهو الى جانب اصداره مجلة ( الفكر ) ، ساهم بمؤلفات قيمة أثرت الفكر الادب بما طرحته من قضايا ومواقف ، منها : ( الديمقراطية ) و ( مواقف )  و ( دراسات ) و ( وجهات نظر ) و ( فى دروب الفكر ) .

اشترك في نشرتنا البريدية