هذه (( الذكريات )) التى أرسلها الى (( الفكر )) أثارتها فى نفسى رسالة من الاستاذ محمد مزالى الوزير الاول جوابا على رسالة منى طلبت فيها من حضرته المشاركة فى تحقيق أقوم باعداده حول (( التراث والمعاصرة )) . وكنت أعلم علم اليقين يوم أرسلت بطلبى مدى انشغال الوزير الاول .. لذلك كانت المفاجأة كبيرة جدا عندما وردنى جوابه الكريم مع رسالة خاصة ، ومع شعورى بالاعتزاز عادت الى ذهنى بعض صور الماضى يوم كنت فى مدرسة مجلة (( الفكر )) طيلة ثلاث سنوات (1957 الى 1960) ، فاخترت من تلك الصور بعضها تحية اكبار منى للسيد محمد مزالى الوزير الاول والمفكر والاديب . X مصص محمد حجم
يقول رومان رولدن فى مستهل الكتاب الذى وضعه عن حياة بتهوفن : (( لقد أصبح الجو فى أوربا خانقا .. فلنفتح النوافذ لنتنسم هواء الابطال )) .
العام 1956 يلفظ أنفاسه تحت ضغط الاحداث . الشرق الاوسط يعيش فترة انتقال بالغة الحدة تختلط فيها الاحداث والشعارات اختلاطا عحيبا . لبنان ، (( الأخ الأصغر )) ، يغدو ، كالعادة ، مسرحا تنعكس فوقه مآسى العالم العربى ومهازله . أجواء خانقة ، وآفاق ملبدة تنذر بمختلف الاحتمالات . - هل تذهب الى تونس ؟
سألتنى رئيسة دائرة العلاقات الثقافية فى وزارة التربية . فاجأني السؤال ، فظننته مزاحا . ولكن المزاح كان عين الجد . ولم أكن أعرف عن نونس إلا كونها موطن أبى القاسم الشابى ، وبأنها كانت ، لفترة قريبة تخوض نضالا بطوليا فى وجه الاستعمار الفرنسى حتى تمكنت أخيرا من حيازة استقلالها بقيادة الزعيم الوطنى الحبيب بورقيبة ورفاقه .
ويدون أن أطرح أى سؤال عن ظروف العمل وشروطه قلت : - أذهب !
وأنجزت معاملات السفر بسرعة . وعلى متن الطائرة التقيت بزميلة لبنانية كانت ، هي الاخرى ، ذاهبة أيضا للتدريس فى تونس . وكانت شديدة التأثر المغادرتها لبنان ، فلم تنطق طوال الرحلة إلا بكلمات معدودات .
وفى القاهرة ، وبسبب توقف اضطرارى استمر ثلاثة أيام ، انتهزت الفرصة لزيارة السفارة التونسية علني أتزود ببعض المعلومات عن البلد (( الشقيق )) الذى كنا نجهل عنه كل شئ . فاستقبلنى الملحق الثقافى : محمد العروسى المطوى وقدم لى العدد الاخير من مجلة (( الفكر )) ، وأشار لى الى قصيدة له فى ذلك العدد . وترك لقاء القاهرة فى نفسى أول انطباع (( أدبى )) رفيع من جانب هام من جوانب موطن الشابى . وعلى صفحات (( الفكر )) توالت أمام عيني أسماء جديدة : محمد مزالى ، الطاهر فيفه ، الشاذلى القليبى ، البشير المجدوب ، محمد العروسى المطوى ، محسن بن حميده وآخرون .. وقرأت بشغف .. وعادت الى ذاكرتى الضجة الادبية التى أثيرت فى مؤتمر الادباء العرب فى القاهرة ، قبل أشهر قليلة ، حول كلمة نونس فى المؤتمر المذكور والتى ألقاها محمود المسعدى .. وبدأت الغيوم تنقشع عن ذهنى رغم أن الامطار كانت غزيرة جدا فوق مطار (( العوينة )) لدى وصولنا .
ومن الفندق الكائن فى (( البساج )) توجهنا فى اليوم التالي ، الزميلة اللبنانية وأنا ، الى وزارة التربية . فقادنا أحد الموظفين الى مكتب مدير التعليم الثانوى . فاستقبلنا شاب أنيق صبوح الوجه بابتسامة مضيئة . وبعد أن هنأنا بسلامة الوصول متمنيا لنا اقامة مريحة فى تونس . طلب ملفاتنا ، وكتب على كل ملف بعض الكلمات ثم توجه بالحديث الى الزميلة قائلا :
- ستدرسين فى معهد ترشيح المعلمات . وسوف ترتاحين فى عملك مع مديرة المعهد لأني أعرفها جيدا ، فهى .. زوجتى !
ولأول مرة أرى الزميلة ، بعد تجهم خيم على وجهها طوال الرحلة المرهقة ، لا تبتسم فقط ، وإنما تضحك كطفل .
ثم توجه نحوى قائلا والابتسامة لا تفارق ثغره : - أما أنت فانهم ينتظرونك ، منذ شهرين ، فى المعهد الصادقى بخزندار .
وبعد يوم أو يومين عرفت أن الشاب الذى استقبلنا فى وزارة التربية ببشاشة عربية أصيلة هو محمد مزالي مدير التعليم الثانوى ورئيس تحرير مجلة (( الفكر )) .
وطوال الاسابيع الاولى التى قضيتها فى الفندق ، كانت قدماى تسوقانى كل مساء بعد عودتى من خزندار ، باتجاه شارع بورقيبة وتألمت ، فى الايام الاولى ، من أن اللغة الفرنسية ، فى موطن الشابى ، تكاد أن تكون وحدها السائدة خاصة فى الاماكن التى كنت أتردد اليها . أين هى تونس العربية ؟ . وراودنى أكثر من مرة ، بيت البحترى ، فى السينية الشهيرة ، والقائل :
واشترائى (( العراق )) خطة غبن بعد بيعي (( الشام )) بيعة وكس
حتى فى المعهد الصادقى بخزندار ، وفى قاعة الاساتذة ، جميع المعاملات والاحاديث والتعليمات باللغة الفرنسية ، وبدافع الخوف من ارتكاب الاخطاء عند تحدثى بها ، كنت أعتصم ، فى الغالب بالصمت ، وذات يوم تقدم مني زميل تونسى هو محمد بن صالح وحدثنى بالعربية وبلهجة (( مشرقية )) ، فشعرت ببعض الراحة وأفضيت اليه بما يعتمل فى صدرى خاصة بالنسبة للغة الفرنسية .
فقال بلهجته المحببة ونبرته الندية : - هذه ظاهرة موروثة ولكنها فى طريقها الى الزوال ؟ فتونس كما تعلم حديثة العهد بالاستقلال ، بعد استعمار طال قرابة ثلاثة أرباع القرن ، وسوف تكتشف أن هذه الظاهرة مقتصرة على بعض الاوساط فقط .
وبالفعل سرعان ما اكتشفت الحقيقة .
ففى يوم عطلة مشرق ، غيرت وجهة سيرى ، فبدل الذهاب نحو شارع بورقيبة العريض ، سرت فى اتجاه معاكس ، ووجدت نفسي وسط ساحة شعبية غاصة بالناس . الجميع يرتدون الألبسة التونسية ، والجميع يتحدثون اللهجة التونسية العربية . وطالعتنى مكتبة صغيرة تمتلئ بالكتب والمجلات العربية حتى فاضت محتوياتها على جزء من الرصيف . وامتدت يدى الى مجلة (( الفكر )) بغلافها الأبيض ، وفى مقهى قريب وأمام كأس من الشاى (( المنعنع )) انطلقت (( أحتسي )) المقالات والقصائد بنشوة من يحتسى كأسا (( زحلاويا )) . وتشاء الصدف أن أجد دراسة بعنوان (( الشعر والثورة الجزائرية )) كتبها الهادى حمو ، وتمعن الصدف فى مشيئها فاذا بالكاتب الكريم يورد بين الشواهد قصيدة للفقير اليه تعالى بعنوان (( أغنية الى الجزائر )) مع تقريظ منه دغدغ غرورى الادبى الى أقصى حد . وهذه القصيدة كانت مجلة (( الثقافة الوطنية )) اللبنانية قد نشرتها قبل مغادرتى لبنان . فحملت المجلة وفى نيتي الاتصال بأسرع وقت ممكن بادارتها . وبما أن الاخ البشير المجدوب أحد أعضاء أسرة تحرير (( الفكر )) كان زميلا فى المعهد الصادقى بخزندار ، فقد أنبأني بأن أسرة التحرير تجتمع مساء كل يوم سبت فى مكتب الادارة ( 13 نهج دار الجلد ) .
وانتظرت أول يوم سبت . وفى الساعة السادسة مساء طرقت الباب ودخلت محييا ومعرفا بنفسى ، وبنفس الترحيب وبنفس الابتسامة استقبلنى محمد مزالى رئيس تحرير (( الفكر )) كما استقبلنى ، قبل أسابيع ، محمد مزالى ، مدير التعليم الثانوى ، وكان يحيط به نفر كريم من أدباء تونس ومفكريها ، حيث وضعوا جميعا ، أسس النهضة الادبية فى بلدهم . وأصبحت بكل اعتزاز ، ومنذ تلك الليلة ، عضوا فى أسرة (( الفكر )) وطيلة السنوات الثلاث التى قضيتها فى ربوع الخضراء .
لم أكن أعرف كيف كان محمد مزالى (( الموظف )) يدير شؤون وظيفته فى وزارة التربية القومية ، ولكن الخطوات الواسعة التى حققها التعليم الثانوى بادارته وقبل انتقاله الى الادارة العامة للشباب والرياضة ، تدل على نجاح أكيد : فحملة (( التعريب )) المتزنة والواعية ، وإزالة آثار الاستعمار التربوية والفكرية بعيدا عن التشنج ، وتحديث التعليم التقليدى ، من الدلائل على نجاحه .
ولكن ما عرفته جيدا ، أو بالاحرى ما عايشته بكل جوارحى هو أسلوب محمد مزالى ، المفكر والاديب ، ومنهجه فى تنشيط الحركة الادبية والفكرية فى تونس ، وفى بداية مرحلة الاستقلال الوطنى ، عبر مجلة (( الفكر )) بالذات ، وعبر حركة التأليف والنشر فى شكل عام .
وكان الواقع الادبى والفكرى فى أواسط الخمسينيات من هذا القرن محكوما بمنهجين اثنين فى التفكير ، يغلب على أحدهما التأثير الغربى ويغلب على الثاني التأثير المشرقى ، وكان الصراع بينهما خفيا ولكنه حاد ، واذا كان محمود المسعدى قد نجح ، بمقدرته الذاتية الفائقة ، على صهر المنهجين فى منهج عربى تونسى فريد فى مؤلفاته ، فان محمد مزالى تمكن بجهده الدؤوب على تعميق هذا المنهج وتعميمه ، اذا صح التعبير ، على جيل كامل من أدباء تونس . ففى الاجتماعات الاسبوعية التى كانت تعقد فى مكتب (( الفكر )) ، كان محمد مزالى يستمع الى كل ما يرد الى المجلة من مواد أدبية وفكرية ، ولم يكن يدلى برأيه حول مستوى (( المادة )) الا بعد أن يستمع الى آراء الحاضرين جميعا ، وهكذا جعل من (( رئاسة التحرير )) رئاسة جماعية ، لان الرأى الفردى يظل ، على الغالب ، معرضا للوقوع فى الخطأ . وعندما يحتدم الخلاف حول نص ما ، يستعيد قراءته مرة ثانية مصغيا بكل جوارحه الى الشكل والمضمون فى وقت واحد مهما طال الوقت . واذا كان لأحدنا نبرة خطابية لدى قراءة القصائد الواردة الى المجلة ، طلب منه بلطف أن يعيد قراءة القصيدة على نحو لا يؤثر فيه النطق على بعض الحاضرين . وهذا السهر المضنى على مستوى المجلة هو الذى ضمن لها هذه الانطلاقة الرائعة فى تلك الفترة الصعبة من تاريخ تونس ، كما ضمن لها هذا الاستمرار فى التألق خلال ربع قرن ، علما بأن محمد مزالى حرص فى أن تضم أسرة تحرير (( الفكر )) ممثلين عن شتى التيارات الفكرية فى المجتمع التونسى ، هذا مع افساح المجال رحبا أمام الاقلام العربية الاخرى ، وفتح نوافذ على الثقافات الاجنبية المختلفة ، مما جعل من مجلة (( الفكر )) مدرسة أدبية وفكرية كاملة .
ولم تؤثر المسؤوليات الحكومية التى انيطت بمحمد مزالى على سهره الدائم ورعايته للحركة الادبية والفكرية فى بلده ، فبالاضافة الى مجلة (( الفكر )) ، أنشأ اتحاد الكتاب التونسيين سنة 1971 ، برئاسته (( لايجاد الظروف الملائمة لقيام الكاتب التونسى بدوره كما يراه هو . ولهذا فان الاتحاد يضم أغلب الكتاب فى تونس لا الادباء فقط ويحتضن جل الاتجاهات الفكرية والادبية .
هناك أرضية للعمل قوامها خدمة التفاهم البشرى والاحترام المتبادل بين الشعوب والذود عن حرية الفكر ومساندة جميع القضايا العادلة فى العالم وتأييد الكتاب المدافعين عنها أو المضطهدين من أجلها والدعوة الى الاخوة الانسانية واقرار السلم فى العالم ومناهضة الاستعمار والتمييز العنصرى وكل أعمال التعسف والعنف والقهر والاستغلال )) (I) .
هذه (( الارضية )) لعمل الكتاب التونسيين والتى يتحدث عنها محمد مزالى، أليست هى الارضية الخاصة لعمل حكومته أيضا ؟
لا عجب إذن أن يتدرج محمد مزالى صاعدا فى سلم المسؤوليات حتى يغدو الوزير الاول فى بلده ، ولا عجب أيضا أن ينجح محمد مزالى فى مهمته الكبرى الراهنة كما نجح فى سائر المهام التى أنيطت به منذ بداية حياته الفكرية والسياسية ، فالثبات على الموقف ، والصمود أمام الصعاب ، والوضوح فى الرؤية ، والتشبت بالقيم الانسانية ، والصدق فى القول والعمل ، والانفتاح على الناس والافكار ، والثقة بالنفس وبالآخرين .. من الصفات التى تصنع الرجال .

