كثيرا ما يتناقل المؤلفون آراء واهنة ، يخلع عليها القدم والتكرار رسوخا تتأصل به فلا تميد ، والاديب الناشىء من الشداة يطالعها في فجر حياته الأدبيه مترددا بين التصديق والتكذيب لظهور ضعفها المتهافت ، ثم لا يزال يراها تنتقل بعد فى شتى الكتب والصفحات ، فيميل بها الى التسليم حين تصبح بتكرارها المتكاثر حكما مبرما لا يقبل النقض والتفنيد ، واذ ذاك لا تتلمس العلل المريضة لتأييدها وتدعيمها ، ولو نظر اليها نظرة فاحصة لامكن استشفاف زيفها الشائن واختلاقها المريب .
لقد قرأت فى مطلع حياتى الادبية أنباء تجزم بأن رسول الله صل الله عليه وسلم كان لا يقيم وزن الشعر حين بنشده ، فاذا أنشد مثلا قول طرفة :
ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا وياتيك بالأخبار من لم تزود
أنشده هكذا :
ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا وياتيك من لم تزود بالأخبار
واذا أنشد قول العباس بن مرداس :
اتجعل نهبي ونهب العبيد بين عينية والأقرع
أنشده هكذا :
اتجعل نهبى ونهب العبيد بين الأقرع وعينية
وكنت حين أقرأ ذلك أقول فى نفسى : يا سبحان الله ! أيكون أفصح خلق الله لسانا وانصعهم بيانا وأكملهم حديثا غير قادر على القاء بيت من الشعر ؟ ! لأن الله عز وجل يقول : " وما علمناه الشعر وما ينبغي له ! " وهل نفى التعليم ينصب على الالقاء كما ينصب على التأليف ؟ فيكون إنشاد الشعر الصحيح سبيلا الى معرفة نظمه وتكوينه !! وهل كان كل راو للشعر ملم بصحه أوزانه وقوافيه شاعرا ينظم القصائد ويصوغ الأبيات !؟ أسئلة تتردد
على لساني وتتزاحم في خاطرى فأميل الى اتهام الروايات السابقة متعللا بما يقع فيه الكثيرون من تساهل في النقل وسرد للخبر دون تمحيص ، وهأنذا أجد الاعوام تمر ، وما تزال الكتب الحديثة تنقل عن الكتب القديمة هراءها الزائف مما لا يركن اليه عقل ، أو يتقبله صواب ، والأنكى من ذلك أن يتخذ هذا الحصر الشائن دليلا على نبوة رسول معجزته الفصاحة والبيان ، وحجته المنطق واللسان !! هذا الاجتماع الكاثر من القدامى والمحدثين على قبول ذلك ، جعلني أناقش المسألة من جديد ، فعسى أن ينتهى بنا النقاش الى رأى مريح !! وواضح أننا نتكلم عن الانشاد لا الانشاء ، فنحن معترفون أن ما ورد من مثل قوله :
أنا النبي لاكذب انا ابن عبد المطلب
وقوله
هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
فانما جرى ذلك على لسانه عفوا بادئا من غير ارتصاد لنظمه ، أو احتشاد لصوغه ، ونظيره في ذلك ما جاء بالقرآن الكريم من بعض الآيات التى يمكن ان تنسب الى بحر من البحور ، دون أن تساق مساق الشعر بحال ، فهى فى موقعها من الكتاب نثر صريح لا يأتيه الشعر من قريب أو بعيد ، ذلك ما نحرص على تأكيده كي لا يلتبس الامر بين الانشاء والانشاد أو بين التأليف والالقاء في مجال التمحيص .
نحن نعلم أن الرسول قد انصرف عن النظم لئلا يظن ظان أن كتاب الله شعر يتدفق على لسان شاعر ، فشاء الله أن يكون رسوليا هاديا بخطبه ، وداعية الى الله بحديثه ، فهو لا ينظم ولا ينمق قافية ، إذ أن صاحب الدعوة فى حاجة الى توضيح مذهبه ، وارشاد قومه ، ومناقشة خصومه ، ببيان واضح ، لا يجنح به الشعر عن الدقة والتحديد الى المبالغة والاغراق ، ولا يميل به عن الواقع المشاهد الى الخيال الشارد العبيد . فاذا كان فى كلامه تأثير أخاذ فهو تأثير الحق الأبلج والمنطق السديد ، واللفظ البليغ ، لا تأثير القافية الخلاية ، والبحر الصادح ، ولا نعني بذلك أن نثر محمد صلى الله عليه وسلم بعيد عن التأثير الوجدانى والايقاع الموسيقى ، بل نقول ان الشعر ميدان ذلك وموضوعه ، فصاحبه غير مطالب بدقة أمينة أو تحديد أكيد ، تلك مشئة الله في بعد محمد صلى الله عليه وسلم عن نغم القصائد وزين الاوزان ، ولكن ما مشيئته في أن يكون رسوله غير قادر على إنشاد بيت من الشعر قاله شاعر سواه ؟!
لنسمع ما يقوله الاديب الكبير مصطفى صادق الرافعي في تعليل ذلك نقلا
عن تاريخ آداب العرب ج 2 ، ص 326 : " والذي عندنا انه صلى الله عليه وسلم لم يمنع اقامة وزن الشعر فى إنشاده ، فلو استقام له وزن بيت واحد لغلبت عليه فطرته القوية ، فمر في الانشاد وخرج بذلك لا محالة الى القول والاتساع ، والى أن يكون شاعرا ، ولو كان شاعرا لذهب مذاهب العرب التى تبث عليها طبيعة أرضهم .. ثم لا يكون من جملته الا أن ينصرف عن الدعوة وعما هو أزكى بالنبوة ، وأشبه بفضائل القرآن ..لأنه تعالى يعلم من غيب المصلحة لعباده أنه صلى الله عليه وسلم لو أقام وزن بيت لأمال به عمود الدين ، ثم لتصدع له الاساس الاجتماعى العظيم الذى جاد به القرآن " .
وكلام الاستاذ الرافعي - رحمه الله - هو لباب ما يقوله رفقاؤه ممن يذهبون الى عدم استقامة الانشاد على لسان الرسول ، وقد حرصنا أن ننقل عنه دون غيره ، لأنه أفصح بيانا وأحدث زمنا من سواه . ونحن نعجب كل العجب لقوله ان إلقاء بيت صحيح أدعى الى نظم مثله ، لأننا نرى من كبار أساتذة الادب فى أرقى كلياته ومعاهده ، من ينشدون آلاف الأبيات الصحيحة - فضلا عن حفظها - ثم لا يستطيعون أن ينظموا بيتا واحدا من القريض ، فكيف يكون إنشاء البيت الصحيح مدعاة النظم الصحيح ، وكيف يقول الكاتب البليغ : إن الرسول لو أقام وزن بيت لأمال عمود الدين ، إذ ينصرف الى الشعر تاركا ما عداه ، وهذا عمر بن الخطاب - بله رسول الله - قر أكثر من رواية الشعر ونقده والحكم على قائله ، فما شغله ذلك عن اقامة دولة اسلامية ، ذات أمجاد باهرة وفتوح عظيمة !! ألا تعجب لرسول الله أن تحضر مجلسه وفود العرب من شتى القبائل ، ونازح الأصقاع ، فيحدثها أفصح حديث وأشهاه ، ثم يستشهد ببيت مشهور لطرفة ، فيخرج على لسانه مختل الأجزاء ، مضطرب الالفاظ ، وهل سيصدق هؤلاء - وفيهم أعداؤه - أنه يكسر البيت كي لا يقدر على نظم مثله فيصير شاعرا !! وهم يرون خطباءهم في الجاهلية والاسلام يرمون بالخطب الطوال ، ويستشهدون بأبيات تؤكد معانيها وأغراضها ، فلا يلحقهم هذا الاستشهاد الصحيح بطائفة الشعراء !
على أن كتب السيرة تجمع على ان رسول الله قد أنشد أبياتا صحيحة متوالية من الرجز لعبد الله بن رواحة يوم الخندق !! فماذا يصنع المنكرون في هذا الاجتماع ؟ لنسمع الاستاذ الرافعي يقول فى كتابه السالف ص 243 : " ان الرجز فى أصله ليس بشعر ، وإنما هو وزن السجع ، وهو يتفق للصبيان والضعفاء من العرب ، يتجاوزون به فى أعمالهم وفي لعبهم وفي سوقهم ومثل هؤلاء لا يقال لهم شعراء ، ونحن
نعلم أن جمهور الادباء قد جعلوا الرجز شعرا ، فاذا مال الاستاذ الرافعي الى عده من غير الشعر ، فلنأخذ من قوله حجة عليه ، ولنقل له : إن الرسول قد أنشد رجز ابن رواحة إنشادا صحيحا أكثر من مرة ، فلماذا لم يكن إنشاد الرجز سبيلا إلى نظمه حتى يتخوف من إنشاد الشعر الصحيح ؟ ! ولماذا لم يقل أعداؤه من كفار العرب أنه صار رجازا لأنه أنشد أبياتا صحيحه من الرجز دون كر واعوجاح ؟ لقد روى البخارى ومسلم أبيات ابن رواحه ونقلها ابن كثير في البداية والنهاية ج 4 : 96 فهل نجد بعد ذلك مبررا لنقيض ذلك فى الابيات من الشعر دون أن نعرف لذلك مقنعا يرضى الأفهام ؟ ! لقد وقع هؤلاء المنكرون في مأزق حرج ، حين وجدوا الرسول يقول : " اصدق كلمة قالها لبيد : " ألا كل شئ ما خلا الله باطل " فهبوا ينتحلون المبررات ويزعمون أن ذلك ليس بشعر!! لماذا ؟ لان محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكمل البيت ! واذن فقد تحول الشطر المظلوم من الشعر الى النثر دون إبطاء وإمهال ! مع أن من يسمعه منفصلا عن عجزه يعلم انه كلام تام مفيد من بيت مشهور !! فهو شعر لا محالة ! ونحن نتشهد فى مقالاتنا وخطبنا بأشطار من الأبيات تجري مجرى الأمثال ، بل نتشهد أحيانا ببعض الشطر لاكله ، فلا يمنع ذلك أحدا من أن يقول أنه استشهاد بالشعر !! وهبني قلت فى بعض الحديث عن الفضائل : (وإنما الأمم الاخلاق) أفلا يطير ذهن القارىء إلى شوقي مدركا أنى استأنف بشعره !! إنما يكون الشطر الواحد غير شعر إذا انشأه المتكلم انشاء فى حديثه عن غير قصد ، فجرى على لسانه موزونا كما يأتي الوزن فى بعض آيات القرآن !! هنا نقول بحق :هذا ليس بشعر ! لا أن نقول ذلك عن شطر طائر الصيت تتناقله الألسن عن شاعر مشهور كلبيد ! .
ومن العجيب أن كتب السيرة قد أجمعت على حب الرسول للشعر النبيل وتعظيمه إياه ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : إن من البيان لسحرا ، وان من الشعر لحكمة ! ولعمري لو عكس الرسول السياق فقال : إن من البيان لحكمة ، وان من الشعر لسحرا ، لغلب على هؤلاء المنكرين تعسفهم ، وقالوا إن الشعر سحر ، والسحر حرام ، فلا ينشده الرسول ، ولكن الحمد لله ، فقد جعل محمد صل الله عليه وسلم منه حكمة بالغة تقابل بالاذعان ، ومن ذا ينكر أنه صلى الله عليه وسلم نصب لحسان بن ثابت منبرا بالمدينة يترنم عليه بتمجيد الدعوة الاسلامية وذم أعدائها من المشركين ، ثم قال له : " قل وروح القدس معك ، فان شعرك أشد عليهم من وقع السهام فى غبش الظلام "!! وكان من شعرائه غير حسان :كعب بن مالك ، وعبد الله بن رواحة ، والنابغة
الجعدى ، بل إن كعب بن زهير حين ضاقت عليه الارض بما رحبت لم يجد غير الشعر قلادة رائعة يتقدم بها الى الرسول فعفا عنه ورد عليه امنه ، واهداه عباءه ، كما انشدته قتيلة بنت الحارث أبياتها فى النضر ، فتأثر كثيرا بما سمع ، وقال : لو سمعت هذا الشعر قبل مصرعه لعفوت عنه !! أفلا يستقيم على لسانه بعد ذلك كل شعر يتغلغل فى أعماقه ، وينساب في جوارحه ، فيرده الى الرضا بعد الغضب ! والصفح بعد العقاب !! مع أن من كره شيئا عاداه !!
وقد اتخذ بعض الكتاب من انصراف الرسول عن الشعر دليلا عن ضعته وهوانه . ووقفوا عند قول الله : (والشعراء يتبعهم الغاوون) كما يقف غيرهم عند قوله : " ولا تقربوا الصلاة " فذكروا شيئا ، ثم اندفعوا يشنون حربا طاحنة على هذا الفن الجميل ، ومضى صاحب العمدة يناقشهم القول ، ويفحمهم بالحجة إذ يقول : " لو كان فى امتناع الرسول عن الشعر غض منه لكانت أميته غضا من الكتابة ، وهذا أظهر من أن يخفى على أحد " ورحم الله ابن رشيق فقد أجهد نفسه فى الصفحات الاولى من كتابه جهادا يعرفه أصحاب الفضل لذويه ! كما حاول أن يعقب على ما روى أبو هريرة عن رسول الله أنه قال : " لان يمتلىء جوف أحدكم قياحا ودما خير له من أن يمتلئ شعرا " فقد قال فى تعقيبه : " هذا فيمن غلب عليه الشعر وملك نفسه حتى شغله عن دينه وإقامة فروضه ، ومنعه من ذكر الله وتلاوة القرآن . إه . ولو تأخر زمن الكاتب الى هذا القرن ، لطالع مخطوطا طبع للزركشى تحت عنوان " الاجابة ،لا يراد ما استدركته عائشة على الصحابة " فعرف أن عائشة قالت : لم يحفظ أبو هريرة الحديث ، انما قال رسول الله : " لان يمتلىء جوف أحدكم قيحا ودما خير له من أن يمتلىء شعرا هجيت به " فكان أبا هريرة رضي الله عنه لم يحفظ بقية الحديث .
وبعد ، أفترانا فى حاجة الى الدفاع عن فصاحة الرسول حتى نضطر الى تحبير هذا المقال ، أم أننا نجول فى غير مجال .

