هذا رجل من اهل العلم مغمور لم اجد من ترجم له - فيما وصل اليه علمي - عاش في القرن الثالث عشر هجرى ، لم اهتد الى معرفة ميلاده ووفاته ، وغالب معلوماتي عنه استخلصتها من رسائله ومؤلفاته التى هى مسودات لم تبيض يكثر فيها التشطيب والاخراج الى حد ان قراءتها تحتاج الى صبر وعناء يتعبان الناظر ، ويكدان الخاطر .
وهذه خلاصة ترجمته : هو محمود بن محمد ابن الحاج محمد بن محمد السيالة ، احد عدول تونس واعمالها ، ومن علماء صفاقس وحكمائها الشاذلى القدرى ، هكذا عرف بنفسه فى بعض رسائله .
ولا نعلم من شيوخه الذين تلقى عنهم سوى محمود مقديش ابن المؤرخ محمود بن سعيد مقديش حينما كان مدرسا بصفاقس قبل ان ينتقل الى الحاضرة ويحترف التجارة ، ويتصل برجال الدولة حينذاك ( ١ ) ؛ وقد اخذ عنه الرياضيات والمنطق وعلم الكلام .
هذا غاية ما استطعت ان اجده عن نشاته العلمية الاولى ، ويستروح من رسالة له يخاطب لها القاضي المالكى بالحاضرة تشكى فى اثناءها من بعض خصومه انه تلقي العلم عن شيوخ جامع الزيتونة بتونس قال فيها :
ثم بلغني انه يبحث عن اصلى وعلمى ، ويفحص عن فرعى وفهمى ، فاخبروه باصلى ، وعرفوه بنسلى ، وقولوا له : قد انتشا ( 2 ) اصله ندر الجوهر وحلى بالياقوت والكوثر ، ومعارفه فى العلوم لا تخفى ، ونظامه ونثره لايجفى
قد روى روايات العطر والزبد ، وله اجازات فى العلوم من الاكابر بالسند . " واكابر العلماء موجودون بتونس اذ ذاك .
وبعد استكمال معلوماته انتصب عدلا موثقا بصفاقس ، لكن دسائس القاضى واحد زملائه العدول اضطرته للانتقال الى الحاضرة مباشرا نفس الخطة ، قال فى خطبة رسالته " المنافع الحاضرة ، فى النوازل الحادرة " " ... وقد هتكنى بالتهمة قاض جهول ، وافترسنى بالحيلة عدل ذهول ، اذ هو عن تعديل العدالة مكبول وعن معرفة الحقائق مفصول ، فارت تحلت منهما الى مدينة تونس الخضراء لنحتي بمن يفرج كربتى والقصا ( 3 ) ، فصرت فيها كاننى طير بلا وكر ، وعابر بلا مقر ...... "
ثم رجع في شيخوخته الى صفاقس فى سنة 1263 ه كما يستفاد من رسالة خاطب بها قاضي الحنفية بالحاضرة الشيخ مصطفى بيرم ، واخرى خاطب بها صديقه الوفى الشيخ محمد ذياب الصفاقسى من عدول العاصمة ، وبعد هذا التاريخ تغم علينا انباؤه وتخفى احواله . وفى كثير من رسائله يتشكى من حساده وخصومه واضداده ، ويتسخط الزمان واهله ، ويتالم من مضض الفقر وقلة ذات اليد .
مؤلفاته :
في الطب أ ) له شرح وتهذيب لتذكرة داود الانطاكى سماه " الجوهر النورانى ، في الدواء الجسمانى والروحانى " فى 3 اجزاء كما ذكره فى المقدمة رتبه حسب ترتيب التذكرة ، واستدرك مافات داود ، وما وقع له من الاوهام واضاف اسماء مفردات ومعاجين وادوية من مستوردات المدنية الحديثة غير معروفة فى عصر الانطاكى كالتاى وشكلاطة الخ ... " ... وقررت فيه بعض ادونة ومفردات حادثة ، وقد كنت شديد الحرص على المسائل الانيقة ، والمفردات
والمركبات الحادثة والعتيقة ، حتى صارت عندى فى مسودات عزيزة ، وكراريس كثيرة فطرزتها فى هذا الشرح السعيد ... " وهو فى الغالب عند ذكره للمفرد يبين اسمه بالتركية والبربرية وباللهجة التونسية والمغربية ، ويعين مكان وجوده بتونس ، وينقل - عندما يستدرك على الاصل - عن الزهراوى وابن جلجل وابن سيد الناس ومجربات ابن الحشا ( وهذا الاخير اعتمده فى الاسماء بالبربرية ولهجة المغرب الاقصى ) والصقلي - وفى تشخيص الامراض ودوائها ينقل احيانا ما استقر الرأى عليه عند اطباء الحاضرة وصفاقس .
نسق هذا التالف وجمعه عند استقراره يمسقط راسه فى شيخوخته على ما يفهم من رسالة كاتب بها صديقه محمد ذياب سنة 1263 ه والموجود من هذا التاليف عدة اوراق متفرقة ،
ب ) رسالة الفها برسم قاضى المالكية بالحاضرة الشيخ محمد البحرى بن عبد الستار ( 4 ) سماها " المنافع الحاضرة ، فى النوازل الحادرة " تلبية لرغبة صديقه احد المتصلين بالقاضى الشيخ محمد الخضار ( 5 ) ، جاء فى خطبتها " ... الى ان جمعني الله بجمع من احسن الاخوان ، ممن علا قدرهم والشان ، وناظرت فيهم شيخا لبيبا ، وناقلا مصيبا ، ممن طاب خيمه ، وصفا نديمه ، ذو فكرة وفطانة ، ونباهة وديانة ، الا وهو العالم العلامة ، الفقيه الفهامة ، الزكى المحقق ، اللبيب المدقق ، العدل الاعدل ، المتفنن الافضل ، المتوكل على فضل ربه الستار ، ابو عبد الله الشيخ سيدى محمد الخضار ...... فوجدته محققا لنوازل الطب ، ومدركا لاحوال النبض والعصب ، ولازلت ابحث معه بالتدقيق ، كبحث المحب مع الصديق ، الى ان اخبرنى حفظه الله بان الشيخ الهمام ، العالم المقدام ، ابا
عبد الله الشيخ سيدى محمد البحرى بن عبد الستار قاضى قضاة المالكية ، بالديار الافريقية . بان هذا الشيخ الهمام المتفنن بالاحكام ، قد وقعت له نوازل باردة من هذه الارياح الفاسدة ، وهو يتالم من اسقامها ، ويتوجع من حدوث آلامها ففهمت من اشاراته القويمة ، على معرفة ادوية سليمة ، بما يقوم بهذا الشيخ وحظه ، وبما يوافق لذهاب مرضه ، اذ لم يف احد بدواء جليل ، ولا من يشفى بمعرفته الغليل ، ولا من يحقق هذا المرض ودليله ، ولا من يقوم بادوية تنفع عليه ...... "
وقسمها الى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة " فالمقدمة تحتوى على تقسيم هذا المرض واحواله ، وعلى بيان انتشائه و اسبابه . والفصل الاول يحتوى على معالجة من ابتلى بالنزول ، وبالادوية التى يذهب معها كل مرض ويزول ...... والفصل الثاني فى علاج امراضها الحارة ...... والفصل الثالث فى علاج امراضها الباردة ......
والخاتمة تحتوى على مسهلات عجيبة ، ومركبات قديمة وجديدة " والرسالة بها نقص من آخرها ، والموجود منها نحو 10 أوراق من القطع الربعى - ج ) فى الفلك - له رسالة صغيرة فى احكام القبلة فى نحو 8 ورقات الفها فى اواخر صفر 1240 ه
د ) شرح لتاليف شيخه محمود مقديش ، كتبه سنة 1249 ه عرف تاليف شيخه بقوله : " فلما طالعت هذا الكتاب ، ورايت فيه العجب ، العجاب ، جعلت الاعتناء به سهم فهمى ، والعكوف عليه حزم عرفي ؟ ( كذا ) ووجدته حاصرا لا كثر علوم الاولين ، وضابطا لفوائد تحقيق المتاخرين ، قد احتوى على جملة كافية واسرار وافية ، ما لم تحوه الكتب الكبار ، مع صغر الجرم وحسن الاختصار ، اذ هو جامع لزيد الجوامع من المؤلفات ...... " والباقي من الكتاب ورقة فقط -
الرسائل ر ) رسالة فى الدعاء وآدابه فى ست اوراق من القطع الكبير لم يتمها .
س ) رسالة سماها " المنارة الذهبية ، فى الآداب العقلية " كاتب بها حمدة الشباب من اعيان رجال الدولة المقربين ( 6 ) . والكاتب يتشكى في هذه الرسالة من بعض خصومه وحساده ، ويطلب من المخاطب حمايته من كيدهم ودسائسهم .
الرسالة بها 4 اوراق من القطع الكبير ، وهى غير كاملة - ص ) رسالة خاطب بها قاضى الحنفية بالحاضرة الشيخ مصطفى بيرم فى طلب معارضة جنان موقوف بغيره - ط ) رسالة خاطب بها قاض المالكية بالحاضرة ( على ما يظهر اذ أول الرسالة مفقود لما عزم على احضار الشهود لاختيار من يصلح منهم لمباشرة الخطة ، ومن لا يصلح تشكى فيها من بعض خصومه ، واوضح كثيرا من احوال الشهود واخلاقهم فى ذلك العصر الباقى منها 8 اوراق من القطع الربعى - ك ) وله رسائل اخوانية كاتب بها صديقه الشيخ محمد ذياب .
