الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

محو العار

Share

جلس الشاب الاسمر النحيف الذى يشع من عينيه العسليتين ذلك الذكاء الفطرى الذى لا تخلو منه عينا اى واحد من ابناء الصحراء .

كانت العجوز الفرنسية هى التى دعته الى هذا الاجتماع المضيق ، الذى لم يكن بالغريب عنه حتى يشغل نفسه كثيرا بالتفكير فيه ، والحق انه تعود امثاله منذ صباه ، فما من مرة ارتكب مخالفة فى المدرسة او خارجها الا ودعته لمثل اجتماع اليوم وانبته وعنفته ، وما من مرة وقعت فى مشكل من مشاكلها المتعددة المتنوعة ، الا ووقع استدعاؤه لمثل هذا الاجتماع ، للتامل معه بحثا عن الحل لمشكلها ، وبكل صراحة ليقدم لها الحل ، فقد كانت بدورها تثق الثقة العمياء فى ذكائه .

ولما فرغت العجوز من سقى الازهار والورود ، القت بشئ من الحب الى الدجاج ، ثم رمقت الارانب بنظرة قصيرة لا تخلو من قلق ملحوظ ، اقبلت نحوه وعلى مقعد وثير استوت ، ثم تاملت كعادتها فى عينيه العسليتين ولم تخف اعجابها بجمالهما منذ كان غرا غريرا لا يفقه من امور الحياة شيئا ، فلم يجد الشاب بدا من ان يبادلها شبه ابتسامة فانفرجت شفتاه القرمزيتان لتنكشف اسنانه الناصعة البياض

وبصوت خافث شيئا ما قالت العجوز :

- اصغ الى جيدا بلخير ، انا امك ، مثل امك ، الم تترب فى احضانى ؟ لقد اشرفت على تعليمك ثلاث سنوات كاملة ، ولو لم تكن تفر من المدرسة ، ولو لم يتوف المرحوم زوجى ، لواصلت تعليمك الى النهاية ، ومنذ انقطعت عن الذهاب الى المدرسة ، جعلتك ساعدى الايمن فى القيام بكل الشؤون خاصة فى تسيير النزل ، ورغم اعتنائى بتربيتك تربية حسنة ، فاننى لا انكر عليك ان مجهوداتى تعتبر ذهبت ادراج الرياح ، والحق انه لا يليق بك الا ان تربى فى الجيش الفرنسى ، فالعسكرية وحدها هى الكفيلة بتربية من لم يترب فى مدرسة الحياة . . هوه ، اننى لا اعنى بكلامى هذا ، انه ينبغى ان تحمل حقيبتك وتقصد من ترك المركز للتجنيد ، كلا ، كلا انتظر حتى اموت او اذهب الى

فرنسا نهائيا ؟ حسنا ، غرف النزل العشرون اعتقد انها نظيفة ، مرتبة ، اليس كذلك ؟ لقد طلبتك لتعاوننى على حل مشكل جد عويص . .

اعتدل الشاب فى جلسته ، حين انتهت العجوز من درسها المالوف ، ودخلت الى صلب الموضوع الذى من اجله عقدت به هذا الاجتماع ، ثم طرح عليها السوءال التقليدى :

- اى مشكل تعنين ؟ ؟

- مشكل الارانب ، انها ما تنفك تموت منذ جلبتها الواحد اثر الآخر ، لست ادرى لماذا ؟ فالشروط الضرورية متوفرة ، الاعشاب والخضر احرص دائما على ان تكون جديدة ، والصناديق تنظفها امك كل صباح ؟ ابتسم بلخير ابتسامة عذبة ، ثم فرك يديه ، وسالها :

- اين وضعت الصناديق ؟ ؟ - لماذا ؟ ؟

- فقط اريد ان اعرف ما اذا كانت الارانب تتمتع بالهواء الكافى ، ام لا ؟ قهقهت العجوز كالطفل الصغير مكشرة عن انيابها ، ثم قالت جذلى :

- كم انت ذكى ، فطن ، ايها الشاب اللطيف ، لم يدر بخلدى قط ان افكر فى هذه المسألة ، لقد نبهتنى اليها الآن فقط . . يالك من ذكى . . ان الصناديق فى المخزن الكبير الذى بجانب المطبخ .

- اذن فالهواء ، هو الذى ينقص ارانبك جربى فاخرجى الصناديق الى الحديقة ، فيقين ان الهواء النقى هو الدواء الناجع لارانبك ...

- شكرا ، شكرا ، بلخير ، ساجرب كما قلت ، ان آرائك دائما صائبة ، وحلولك ناجعة .

عاد بلخير الى النزل الذى لا يبعد عن مسكن العجوز الا ببعض امتار ، فالقى نظرة على لوحة المفاتيح ، كان النزل قد غادروا بيوتهم كلهم الا الجنديين ، لا شك انهما استيقظا وهما على اهبة الخروج ، فالساعة الآن التاسعة .. خفق قلب بلخير حين تذكر الجندية ، ورنت فى اذنيه كلمات العجوز العقيم التى سمعها منها للمرة الاولى : العسكرية وحدها هى الكفيلة بتربية من لم يترب فى مدرسة الحياة ...

وراح يتساءل : العسكرية ؟ اى نعم العسكرية ؟ لا جدوى من التفكير فى التربية ، فالعجوز دائما تهذى بانها بذلت ما فى وسعها لتربيتى ، لكن العسكرية ؟ ما هى العسكرية ؟ وما هى حياة العسكرى ؟ يقين انها لست مجرد لباس جميل يستهوى الافئدة فحسب ، انها شىء اخر ، فما هو هذا الشئ يا ترى ؟ ؟

آه لم لا اتحدث مع هذين الجنديين فى الموضوع ؟ حسنا ليكن ذلك . .

انتهى الشاب الى هذا القرار ، ثم صعد الى الطريق العلوى ، وفى الغرفة المجاورة لغرفتى الجنديين استلقى على السرير ، ثم اصلق العنان لافكار لا عهد له بها ، تنسكب فى راسه انسكاب الماء فى جدول من جداول واحات ( الجلفة ) الغناء . استعاد شريط حياته منذ كان صغيرا الى تلك اللحظة التى قالت له فيها العجوز هذا الكلام الذى يستوجب اعادة النظر فى كل الاسس التى تقوم عليها حياته ، ولكن هل هدرك اسس تقوم عليها حياته ؟ . . مات ابى وانا فى المهد ، فلم تجد امى وسيلة لضمان قوتنا غير العمل عند العائلة الفرنسية هذه ، مقابل اكلة فى الصباح واخرى فى المساء ، هكذا كان الاتفاق اول يوم - كما قالت امى - ولولا عدم انجاب هذه العائلة لاى ابن ، لما طلبت المرأة من امى ان تمنحنى ايها لتربيتى معجبة بجمالى ، ولما تحسنت ظروف امى المعاشية بعض الشئ فغدا منذ ذلك الحين ، اى منذ سبع عشرة سنة هذا هو اساس حياتنا الوحيد . ! عجبا !

ماذا لو ينهار هذا الاساس الواهى ؟ لو تطردنا العجوز الفرنسية انا وامى المسكينة ؟ الى اين سنذهب بل ماذا سناكل ؟ الى غير ذلك من الافتراضات العديدة والمحتملة كلها ؟ يا لهذا الاساس الواهى القائمة عليه حياتنا . ! . نرى هل يتقاضى العساكر مرتبا ؟ ؟

وحين اضاف الشاب بعد ان تململ على السرير بصوت مرتفع : - لا شك انهما استيقظا .

انتهى الى سمعه صرير باب احدى الغرفتين ، فوثب لحينه واسرع الى الغرفة وحيا بادب واحترام العسكرى الذى كان ارتدى بزته بعد ، ثم ساله عما اذا كان نام نوما مريحا فى النزل ، وبالرغم من جفاف لهجة محدثه واقتضاب كلماته ، لم ييأس بعد من اخذ ما يحتاجه من معلومات عن الجندية ، فقد استجمع انفاسه ثم القى السؤال الذى ظل ينمق عباراته جيدا :

- الا تستطيع ان تعطينى بعض المعلومات عن العسكرية .. فاننى افكر فى الانخراط بها ، ولكن مع الاسف اجهل كل شىء عنها ؟

- قهقه الجندى مصلصلا ، ثم ربت على كتف الشاب الذى ابى الا ان يجاريه فابتسم ، دون ان يفقه شيئا ، وخشى ان يخيب الجندى ظنه ، فلا يخرج عن القهقهة كلما القى عليه سؤالا ، الا ان امله لم يخب فقد بادره :

اتدرى ما الذى اضحكنى ؟ لقد القيت سؤالك هذا بعينه فى فترة من حياتى ، وكان الجواب قهقهة مثل قهقهتى بعينها ، يا للعجب . اى سحر تنطوى عليه العسكرية بالنسبة لنا ، قل لى ، ما الذى دفعك الى التفكير فى هذا الموضوع ؟

- لم اجد اى اساس تقوم عليه حياتنا ، يعنى حياتى ، وكذلك لم يتراء لى اى حل لها . .

- آه ، كفى ، كفى ، لم يتراء لك اى حل غير ان .. تلتحق بالجندية ، انه مشكلنا جميعا . . اسمع يا بنى ، العسكرية هى مقامرة ، مقامرة بالحياة . . هى الحرب ، فى كلمتين هذا هو جواب سؤالك ، لقد قضيت سنوات فى العسكرية ، وما تزال امامى سنتان هما املى كله ، فاما ان انجو فيهما ، واما ان اخسر حياتى دفعة واحدة ، . . على كل استمع مليا الى ما ساقوله لك ، او بالاحرى الى هذه الحكمة المتداولة : يا ذاهبا للهند الصينية ، هناك الحرب فاما ان تعود باسنان ذهب او بساقى حطب . . هذا فقط ، ما يسعنى ان اقوله لك عن الحرب وعن الحياة العسكرية ، والرأى رايك على كل حال .

وبعد يومين لا يعلم الا الله كيف قضاهما بلخير فقد غمرته ازمة خانقة ، وانصبت على راسه الصغير جميع الافكار ، التى لم يالفها ، وطرح على نفسه الف سؤال او اكثر دون ان يجد لها ولو جوابا واحدا ، يمكن ان يكون خيطا ينشر بزوال الازمة . . بعد يومين ارسلته العجوز الى السوق ، لاحضار الخضر والحشائش للارنب ، فلم يكد يجمعها ويخطو الخطوتين عائدا ، حتى فوجئى بمنظر استرعى انتباهه ، : جماهير غفيرة محتضبة ، حول عربة ، ماذا هناك ؟ ، تقدم ليعرف ماذا هناك . . ومن النظرة الاولى ادرك ماذا هناك . . بل واكثر من ذلك عثر عما كان يود العثور عليه ، فارهف سمعه وراح يلتقط بنهم

وشغف ما يفوه به الرجل الذى اعتلى العربة العسكرية ، وكان بدوره عسكريا بل ، ضابطا ، قال الضابط :

- تطوعوا تربحوا ، تطوعوا تربحوا ، الكيلو غرام بالفى فرنك . . من يزن سبعين كيلو فنصيبه مائة واربعون الف فرنك . . مائة واربعون الف فرنك ايها السادة ، الامر ليس بالعبث ، انه جد ، اقصى ما يكون الجد ، انها فرصة يجب اغتنامها . . اليوم فقط زرناكم وقد لانعود الى جلفة الا بعد سنين . . ومن يدرى فقد لا تعود الفرصة مرة ثانية ، . . الكيلو غرام الواحد بالفى فرنك ، اى نعم ، وانها لفرصة سانحة ثمينة ينبغى ان لا يفوتها احد ، لا تترددوا ، فمن يتقدم ؟ ؟

فكر بلخير ان يتقدم قائلا : - اذ .. ـــــا ..ها قد تقدمت .

بيد ان آخر سبقه ، فتقدم نحو الضابط الذى احاله على ضابطين كانا يجلسان حول منضدة صغيرة ثم واصل كلامه بلهجة اشد حماسا من ذى قبل :

- وليس هذا ايها السادة معناه ان الانسان باع نفسه .. كلا ، كلا .. يجب ان لايفهم من كلامى ان فرنسا ، تشترى الناس بالمال ، الا ، ايها السادة ، انما هى توفر للشباب فرصا للأثراء والتكون فى نفس الوقت مع ابنائها ، والتطوع ابتداء من اربع سنوات فصاعدا ، ويستطيع الانسان تجديده حين ينتهى الامد ، وفوق هذا وذاك فان المتطوع الذى يخدم فرنسا باخلاص امامه فرصة الارتقاء فى الرتب . . وعدد الضباط الذين بداوا حياتهم العسكرية مثل هذا الشاب الشجاع الذى تقدم الآن كبير ، لا يحصى ، اما المرتب فانه لا يحتاج الى اكثر من كلمة .. انه مغر .. وكفى ايها السادة ، تطوعوا تربحوا . . الكيلو الواحد بالفى فرنك .. فمن يتقدم ؟ من يتقدم ايها السادة ؟؟

- انا .. انــ ..ــــا ..

لم يدر بلخير كيف انفلت منه هذه الكلمة التى التقفها الضابط من فمه ليبادره :

- اتقول ؟ هيا تقدم ايها الشجاع ، تعال .

وبخطوات مضطربة ، تقدم بلخير ، مصمما على ان لا يدع اى مجال للتردد ، ودون ان يتساءل ، هل احسن صنعا ام لا ؟ وهل انه اقتنع حقا ، بوجاهة ما اقدم عليه ، ؟ ، انه ذكى ، ويعرف انه ذكى ، وله الثقة المطلقة فيما يتخذه من

قرارات ، ولو كانت ارتجالية . . ومهما يكن فانه يجهل ان القرار الذى اتخذه انما شاركته فى اتخاذه الحياة ، حياته المنعدمة الاسس ، والظروف ، ظروفه المنعدمة الافاق والابعاد ، كما يجهل ان كلمات العجوز العقيم ، قد اصابته فى الصميم ، لانها نبعت من الواقع المر ، وعبرت عنه . .

ساله احد الضابطين اللذين وقف امامهما ، تلتهمه اعينهما التهاما : - ما اسمك ؟ وكم عمرك يا بني ؟ - مساعدية بلخير ، مولود فى 23 جانفى 1934 اجابه الشاب دون أى تردد ، وانتظر لحظة ليقدم له الدفتر فيمضى امام اسمه

وتلت تلك اللحظة الرهيبة التى قرر فيها الشاب الحائر مصيره ، كلا ، انه لم يقرر مصيره ، انما ارتمى فى احشاء المجهول ، تنصلا من حياته التى لا تنهض على اى اساس . . تلت تلك اللحظة ايام كالخة ، وليال اشد قتامة من ديجور حياته نفسها ، فكانت امه العجوز المسكينة ، ما تنفك تنوح وتعول مفسحة المجال لصدرها يرسل الآهات الممزقة للقلوب ، اما العجوز الفرنسية العقيم ، فمع شديد اسفها لفراقه ، فانها شغلت بالمشكل الذى ترتب عن انقطاع بلخير عن العمل فى النزل ، ولو ان الشكر الحار الذى اطراها به الجندرمة حين بلغ الى علمهم الخبر خفف بعض الشئ من اسفها ، فراحت تفكر جديا ، فى مشكل من سيخلف الشاب المرتحل ، الذى قال لها بكل صراحة ، حين ارادت ان تعبر له عن اسفها ، وتلومه عن فعلته التى لم يستشرها فيها :

- انت السبب ، لا لانك القيت فى راسى هذه الفكرة ، انما لانك فصلتنى عن التعليم ، لكى تعلمينى كيف انظف وارتب غرف النزل العشرين ، ومع ذلك فانه لا يسعى الا ان اوجه اليك الشكر الجزيل ، على ما منحته ايانا من اعانة ، وعلى الاحسان الذى لقيته لديك ..

دقت العجوز الشمطاء يدا بيد ، محتجة وقد ركبها الغيظ حتى اختنقت العبرات فى حلقها ، ثم قالت :

- اهذا ما تجازينى به ، هذا الخنجر الحاد ، بعد سبع عشرة سنة ، شكرا ، شكرا ، بلخير ، كنت اعتقد انك تعتبرنى مثل امك ، شكرا ، شكرا ، بلخير ، يا بنى بلخير الذى تربى طيلة سبع عشرة سنة فى احضانى . .

ودون ان يابه الشاب لعبرات العجوز التى انحدرت تتخذ تجاعيد وجهها مجرى لها ، ودعها فى برودة ثم انصرف ، الى الكوخ الذى انتقل اليه هو وامه البارحة فقط ، فسلم لها المبلغ المالى الذى باع به نفسه ، باع به الستين كيلو غرام التى يزنها ، لفرنسا تسخرها مثلما يحلو لها ، طيلة اربع سنوات ، بايامها ولياليها فى ظروف واماكن يجهل منها كل شىء ، لا يملك عنها اية فكرة ، وبعد ان اوصى امه بالاقتصاد ما وسعها ان تقتصد حتى لا تطاطئى رأسها لاى كان ، وبان تنال قسطها من الراحة بعد تعب العمر من اجله احتضنها وضمها بقوة الى صدره ، وراح يلثم وجهها الذى بللته الدموع المنهمرة ولم يكد يتخلص من بين ذراعيها ، ويبتعد عنها ليخفى دموعه ، حتى انتهى الى سمعه صوت ينادى بالفرنسية :

_ مساعدية بلخير .

احنى الشاب ظهره واطل الخارج الكوخ ، وإذا الجندرمى يبصره . . الجندرمى الذى بادره وهو يبتسم :

- امستعد ؟ هيا ستسافرون اليوم ايها الابطال

حدق فيه الشاب بعينيه المغرورقتين ، هنيهة ثم اطل الى داخل الكوخ ، وبصوت متهدج هتف :

- الوداع ، وداعا يا امى . .

ودون ان يفكر ، فى انتظار جوابها التفت الى الجندرمى ، وود لو يقول له : - انا الآن ملك لكم ، اننى مستسلم ، خذونى ، افعلوا بى ما تشاؤون .. اعرف انكم ستفعلون بى ما تشاؤون .

الا انه آثر الصمت ، وتبعه مطاطئ الراس ، غارقا فى شبه غيبوية وكانما القى بنفسه من قمة شماء ليهوى الى قرار هوة سحيق ...

قبل ان يمتطى العربة التى ستغادر به ( جلفة ) قريته العزيزة التى لم يشعر بانه يحبها . . يحبها من اعماق قلبه ، حبه لامه التى لم يترب بين احضانها ، ولم يكن ليشعر بانها اعز ما فى حياته ، الا حين صمم ان يفارقها ، وادرك الدوافع التى حدت به الى ذلك ، قال له الجندرمى الذى اصطحبه :

- لقد لاحظت لهم فى ملفك انك فرنسى لحما ودما ، وذكرت انك ربيت فى عائلة فرنسية . . انى اعلق عليك أمالا عريضة . . واعتقد انك ستكون عند حسن ظننا بك .

وفى غمرة افكار مشتتة وعواطف واحساسات غامضة ، مضطربة ، اقلعت به العربة ، مع جمع من الشبان فالتفت الى الوراء والقى نظرة على القرية ، ولما اختفى الكوخ الذى خلف فيه امه تنوح ، على فراقه ، راح يتابع المنظر الجميل النخيل تناطح السماء فى شموخ واباء ، الرمل ، هذا الفراش الذهبى الذى يحيط بالواحات الغناء الزاهية . . آه ما اروع وابدع جمال قريتى ، يا لهذا المنظر الاخاذ . . الم اتمتع بهذا الجمال قبل الآن ياترى ؟ بل لم اتمتع بحب امى قبل الآن يا ترى؟ بل لماذا كتب ان اخرج من مسقط رأسى ، فى مثل هذه السن المبكرة ،؟؟ لماذا لا اكسب من ثروات قريتى الجميلة الا كوخا حقيرا ، ؟؟ اهكذا كتب لى ان امارس وجودى وحياتى ؟ ماذا تعانى امى المسكينة فى هذه اللحظات بالذات ياترى ؟

وقطع عنه أفكاره هذه صوت احد الشبان يخاطبة :

- عسكرى ، هوه ، يا عسكرى ، لقد خرجنا من جلفة فرارا من الهم ، فكيف يليق بنا ان نصطحب ولو مثقال ذرة منه انس الهم ينسك الهم ...

وفعلا بدا ينسى الهم وبدا الهم ينساه بدوره ، فانقضت المسافة الطويلة دون ان يشعر بها ، فقد تجاوب مع الشبان الذين معه الى حد انساه حتى نفسه وامه ، ومنذ وطئت قدماه سور الغزلان والمركز العسكرى انشغل بالحياة الجديدة التى لم يكن يعرف عنها اى شىء سوى تلك البزة التى يرتديها العساكر ، والتى سر بها يوم منحها وارتداها ايما سرور ، حتى انه تمنى وقد طالت الايام لو ان الجدران كلها مرايا حتى يتمتع بالنظر الى نفسه ، والحق انه استطاع ان يتجاوب مع تلك الحياة بسهولة ، بفضل ثقافته التى وان كانت متواضعة فانها مكنته من فهم ما يجرى حوله ، وعلى الاخص ما يتلقاه من الضباط من تدريبات واوامر ، خلافا لبقية زملائه الذين تعرضوا لصعوبات جمة ، قاسية ، رغم ما يمتازون به من ذكاء مفرط ، كما ان بلخير كان عند حسن ظن الجندرمة به فقد صقلت طباعه التى نمتها فيه العجوز الفرنسية العقيم ، وازداد سلوكه تحسنا على مر الايام ، ولم تخف هذه الظاهرة عن الضباط ، ولم يدعوها تتطور تلقائيا ، فراحوا يشجعونها وينمونها شيئا فشيئا ، الى ان فصلوه عن بقية زملائه الجزائريين ، خشية العدوى ، وسر ايضا بلخير بهذه البادرة الطيبة

وبهذا التمييز المشرف ، فاخلص فى القيام بعمله وفى خدمة الضباط ، سواء فى المركز او فى بيوتهم ، وهكذا انسلخت من حياته الجديدة ستة اشهر .. ستة اشهر كاملة ولكنها انقضت دون ان يتفطن الى ان الزمن يسير ، وانه سار مسافة طويلة هى ستة اشهر ، بايامها ولياليها ، لقد انسلخت بسرعة فائقة حتى ان الرسائل التى كتبها لامه طيلة هذه المدة لم تتجاوز الثلاث . . لقد نسى الهم فنسبه الهم بدوره .

الى ان حدثت حركة غير عادية فى المركز ، نقل كثير من زملائه الى حيث لا يدرى وودعه البعض من الضباط الفرنسيين الذين كان يشعر نحوهم بميل وبود وصداقة ، فاجاة ، وكل منهم يسمى له قرية او مدينة من قرى ومدن الجزائر التى سينتقل اليها ، وحاول بلخير ان يدرك سبب هذه التنقلات والتحركات المفاجئة ، الا انه لم يجد الا افواها مغلقة عن سر لم يحن اوان اطلاعه عنه بعد . بيد انه رغم كل ذلك الكتمان ، استطاع ان يطلع على شئ اشبه بالحقيقة ، فقد عثر على جريدة ( لاديباش ) وصدفة وقعت عيناه على عنوان فى ركن مغمور لفت انتباهه ، فراح يقرأ : - القوات النظامية تشتبك مع عصابة من المتمردين فتبيدها - منذ بدا المتمردون فى تمردهم اى منذ فاتح نوفمبر الجارى والقوات النظامية تكبدهم الخسائر تلو الخسائر ، سواء فى الارواح او فى العتاد الذى لا يتجاوز بنادق الصيد ، وقد اشتبكت يوم امس مع عصابة منهم فى ناحية اوراس فابادتها عن آخرها . الخ .

تمتم بلخير حين انتهى من تتبع الاخبار بينه وبين نفسه : - هذا هو السر اذن ؟ لكن لماذا يخفونه عنى ؟؟

بيد ان الجواب جاءه سريعا ، فى مساء ذلك اليوم بالذات . . ناداه القبطان بنفسه الى مكتبه وبعد ان امره بالجلوس على مقعد بجانبه قال له :

- بلخير ؟ - تحت الطلب - ماذا تعرف عن التمرد ٠؟٠

- لا شىء سوى بعض حوادث قراتها هذا الصباح فى لاديباش . . لم اسمع بالتمرد الا اليوم

- شئ حسن ، وما رايك فيه ؟

- فى التمرد ؟ ؟

- ان المتمردين هؤلاء هم عصابات من المجرمين الهاربين من العدالة ، تحصلوا على اسلحة بدائية ، مثل بنادق الصيد والخناجر ، وراحوا يذبحون وينهبون المدنيين المساكين الذين يطالبون السلطات النظامية بالحاح بان تحفظ حياتهم وارزاقهم . . افهمت ؟ هذا هو التمرد ، لكن الغريب المضحك هو ان العصاة يبررون اجرامهم وعصيانهم بشعار : القاء فرنسا وجيش فرنسا فى البحر ؟ بلخير ما رايك ؟

- لقد قلت الجريدة ، ان القوات النظامية ما فتئت تكبدهم الخسائر تلو الخسائر ، اليس هذا صحيحا

- اسمع بلخيرا القد لا حظت منذ اليوم الاول انك من طراز خاص ، انك لست من طينه بقية الجزائريين الذين فصلتك عنهم ، ومازال هذا رايى فيك ، استمع جيدا الى ما ساقوله لك : سارحل عن سور الغزلان عما قريب ، ولكننى لم انسك ، بل لقد فكرت فى امرك كثيرا ، انك ، بلخير أول مسلم ارقيه الى رتبة - سارجان - . ؟ . بل اول مسلم يبلغ هذه الرتبة قبل ان يقضى على الاقل اربع سنوات ، فى الجيش الفرنسى . . اتسمع ؟؟

انفرجت اسارير بلخير ، وارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة ، لا يتذكر قط ان الحياة اسعفته بمثلها وشعر بنسيم راحة ضمير يهب عليه ، للمرة الاولى قويا عليلا اكثر مما كان يتمنى ويحلم بان يهب عليه ذات يوم . . وكان القبطان يلاحظ كل ذلك ، وقد شعر بدوره بجذل وسرور لا يقلان عما شعر به بلخير ..

وقبل ان ينبس الشاب المغتبط باية كلمة شكر اردف القبطان :

- انت ستبقى هنا .. ولكن اقترح عليك اقتراحا ، اعتقد انه سيسرك كثيرا .. اتسمع بلخير ؟ ما رايك فى الهند الصينية ؟ الم تفكر قط فى تقديم مطلب للذهاب اليها ؟ هنالك فرص كثيرة بالنسبة لك ؟ ؟

لم يجبه بلخير ولم يفكر ان يجيبه ، انما راح يعيد كلمات قالها له العسكرى فى نزل العجوز الفرنسية العقيم على انها حكمة متداولة : يا ذاهبا للهند الصينية هنالك الحرب ، فاما ان تعود باسنان ذهب او بساقى حطب

- من يدرى ؟ ؟

القى هذا السؤال على نفسه ، ثم رفع بصره الى القبطان قائلا بصوت خافت : - ساجيبكم صباح الغد .

عاود بلخير الاسى مرة اخرى وأضحى فريسة للقلق والحيرة اللذين ساوراه يوم قرر ان يلتحق بالجيش الفرنسى ، فباع الستين كيلو غرام التى يزنها لمدة اربع سنوات . . واستعد لمغادرة قريته الحبيبة جلفة الجميلة والنأى عن امه المسكينة ، على امل فى العودة ، ولو كان ضئيلا ، فقد هول له من عرفوا الحياة العسكرية الامر ونصحوه بالعدول ، ولكن بعد فوات الفوت ، بعد ان باع نفسه وانتهى الامر ، بعد ان اصبح تحت رقابة الجندرمة ، وتحت تصرفهم ، وطلبهم بعد ان ندم ولكن فى الوقت الذى لا يكون فيه الندم سوى ابر تخز الفؤاد . .

ما اشبه الليلة بالبارحة ها هو مرة اخرى يلقى بنفسه ، فى عالم المجهول . . ما اشبه الليلة بالبارحة

ها هو مرة اخرى يتاهب للرحبل ، من مكان الفه ، والف الحياة فيه . . ها هو مرة اخرى فى انتظار السفر لقد اقلته يوم غادر جلفة عربة شحن ، وخلف وراءه اما تبكى ، ومنظر النخيل البديع ، والرمل الذهبى ، اديم ارضه الحبيبة وسوار الواحات الغناء . . وستقله يوم يغادر الجزائر باخرة حربية . . لكن ماذا سيخلف وراءه لا شىء ، على الاطلاق . . لكن ؟ ؟ الم يخلف ارضا ينتسب اليها ؟ الم يخلف قوما تربطه بهم شتى الروابط ؟ الم يخلف عالما يعتبر واحدا منه ؟ الم يخلف ريحا تهب عليه ، ثم على قريته ، تلفح وجهه ثم تواصل مسيرها لتلفح وجه امه المسكينة ؟ الم يخلف ؟ الم يخلف . ؟ . اى نعم خلف وخلف . . خلف كل شئ عزيز على قلبه ، خلف وطننا لا ريب فى انه وطنه . .

ما اشبه الليلة بالبارحة . .

لم يعرف جمال قريته وتعلقه بها الا حين آن ان يغادرها ، ولم يعرف ارتباطه بوطنه الا حين آن ان يخرج منه .

انه يحب قريته جلفة ، الجميلة ، انه يحب وطنه الكبير . . الجزائر . . شغلت راس بلخير ، هذه الافكار ، واخرى شبيهة لها ، الا انها غامضة ،

لم يفقه منها شيئا ، ولو انه يفسرها بالحزن والهم . . شغلته اياما وليالى ، كانت بحق كالحة مدلهمة ، الى ان كان يوم نودى فيه باسمه : مساعدية بلخير وصعد الى عربة الشحن ، مع ما يقرب من ثلاثين شابا من بنى جلدته ، وشعر هذه المرة صادقا ، ان هؤلاء الشبان تربطه بهم رابطة قوية ، وبالاضافة الى المصير المشترك ، ووحدة الالم والهم ، هذا اللسان الذى ينطق بحروف واحدة هذه السمات المتشابهة ، هذه . . هذه . . انه جزء منهم ، جزء من كل ينفصم . . ودفعه هذا الشعور الى التخفيف من وطاة ما يعانون ، من احزان وآلام ، فكان هو الذى نطق هذه المرة بكلمات ، قيلت له يوم خروجه من جلفة : عسكرى ، هوه يا عسكرى ، لقد خرجنا فرارا من الهم فهل يليق بنا ان نحمل معنا ، ولو ذرة منة ، انس الهم ينسك الهم .

ومن وهران التى قضوا بها ليلتهم ، اقلعت بهم الباخرة الحربية فى الصباح الباكر . . ومن النافذة ، ظل بلخير يتابع النظر الى المبانى والاشجار ، والشاطئ الى ان اختفى كل ما على الارض الحبيبة لم يعد يحيط بالباخرة التى تشق عباب الماء شق الافكار رؤوس الشبان الراحلين سوى الزرقة . . وقبل ان يستلقى بلخير من فرط الاجهاد تساءل :

- هذا الوطن الكبير الثرى ما الذى يجعلنا محرومين منه ؟؟

الا ما اثقل الايام والليالى هنا وما ابطا سير الزمن فى ارض غريبة آه متى تحين يا يوم العودة ؟ العودة الى الوطن ، وان هناك الف هم وهم . . آه . . آه . .

وهكذا بدأت حياة بلخير منذ وطئت قدماه ارض الهند الصينية ، ونقل الى مركز يبعد عن ( سايغون ) بنحو عشرين ميلا . . ولو لم تضع الحرب اوزارها قبل حلوله بخمسة اشهر ، لكان ممكنا ان تكون الحياة على غير ما هى عليه الان من الرتابة والركود ، ولشغلته اهوال الحرب وويلاتها عن نفسه وعن وطنه ولما وجد الهم الى نفسه سبيلا . . ولربما اراحته دفعة واحدة من عناء حياته ، ومن معضلات وجوده . . هذه الحياة ، وهذا الوجود الذين لا يقومان على اى اساس حتى بعد ان باع نفسه ، وتنصل من مسؤولياتها . . ولربما فقد احدى ساقيه ، او كلتيهما معا ، وفى كلتا الحالتين فانه هو الرابح على كل حال . . اى نعم هو الرابح ، فسيطلق سراحه ، مع مرتب مالى يكفل له العيش ما تبقى من عمره . . ولكن . . ها هى الحرب

انتهت ، وها هى الحياة ثقيلة جدا ، جدا . . لا تطاق اى لا تطاق . . اما اسنان الذهب فانه لن يعود بها ، حتى هى ، رمز العار . . ان الذين عادوا باسنان الذهب هم اولائك الذين نهبوا وسرقوا ، زمن الحرب ، والحرب انتهت وعلى فرض انها لم تنته ، هل يستطيع ان ينهب ويسرق هو الآخر ؟ ابدا لا يستطيع ما العمل اذن . ؟ .

كثير هم الذين يركنون الى الفرار فهل يستطيع هو بدوره ان يفر ؟ ولا هذا  ايضا . والف مرة كلا . لن يسمح لنفسه حتى بالتفكير ، مجرد التفكير ، فى هذا الامر ، لقد باع نفسه ، فليتحمل عواقب هذه الصفقة المشؤومة ، بيتحملها بالصبر والجلد ، دون الركون حتى الى الخمر التى يبغضها . . ليتحمل ولعن الله العجوز العقيم التى كانت السبب . .

وصبر ، ثم صبر ، ثم تجلد شهرا . . اثنين . . ثلاثة . . اربعة . . خمسة . . ستة . . سبعة . . ثمانية . . تسعة . . اشهر كاملة . . مائتان وسبعون يوما ومائتان وسبعون ليلة . . تسعة اشهر كاملة من التبرم والقلق والضيق والسام والضجر . . انها تسع سنوات في الواقع . .

ان من عاش ولو جزءا من عمره مغتربا هو الذى يدرك وحده ما عاناه الشاب . . السارجان الطفل بلخير . . ويدرك ايضا مشاعره وعواطفه يوم تلقى النبا السار . . نبا العودة . . العودة . . الى الوطن . . الى حيث القوم قومه ، والأرض ارضه ، والريح التى تهب عليه هى التى تهب على قريته وعلى من يحب . .

آه ، ايها المغتربون . . يا من خلفتم اوطانكم العزيزة . . وقلوب احباء تتحرق شوقا اليكم . . آه ، ايها المغتربون كم هو جميل ، وكم هو سار نبا العودة . .

ذلك ما كان يلهج به لسان بلخير ، منذ تلقى النبا الى اللحظة التى اقلعت فيها الباخرة . . تحمله . . تحمل قطعة من السعادة تتراقص واثبة . . فتكاد تطفر منها لتتبعثر فى عرض اليم ، فتحوله بدوره الى يم تجرى فيه السعادة بدل المياه . . .

وللمرة الاولى يسافر بلخير ، دون ان يفكر فى الالتفات الى الوراء . . . . .

ورويدا ، رويدا بدأت الباخرة تدنو من الارض الحبيبة . . وبدا الشاطى الرائع

يلوح من وراء الافق البعيد يدغدغ الامال العذبة ، ويداعب القلوب المكتئية ، لتدب فيها الحياة ، فيشتد خفقا نها بعد طول سهوم .

- وهران . وهران . هذه وهران . . آه ، كم هى جميلة وهران ، لقد عدنا . . عدنا . .

قال بلخير فى سره ، وقال اخرون باعلى اصواتهم ، بينما هتف البعض الآخر :

- احباءنا . . ها قد كتب لنا ان نتلاقى بعد طول التنائى . . ها نحن قد عدنا بعد سنوات من النوى

ارست السفينة ، حين كانت الساعة تعلن الثامنة والنصف ليلا فظن الجميع ، ان ليلتهم تلك سيقضونها احرارا فى وهران . . فراح كل منها يفكر فى برنامج تقضية اوقاته . هذا يفكر فى الحانات ، وذاك فى دور البغاء والاخر يفكر فى من سيختاره للذهاب معه لانه لا يعرف المدينة . .

اما بلخير فانه فكر هو ايضا فى كل هذه الامورا ، باستثناء الخمر التى يبغضها بغضا شديدا . . كما انه فكر فى ان يكتب رسالة الى امه ، ويوجه لها حواله بقدر مالى تستعين به حتى يعود فى اجازة فيرتب امورها وينظم اولا وقبل كل شىء مسكنها ، فمن يدرى ان الكوخ الحقير الذى خلفها فيه ربما انهار بعد ، او انه على وشك الانهيار . ؟ .

وبينما هم كذلك لا يفكرون الا فى كيفية قضاء الليلة فى وهران ، اذ بالامر يصدر اليهم بان لا يغادروا الباخرة حتى يحدث ما يخالف ذلك . .

بدات آمالهم تنهار كلما طال مكوثهم فى الباخرة . . وكثرت تساؤلاتهم عن الاسباب ، الا ان شابا كان طيلة الوقت مطرقا لا يشارك فى الكلام ، طيبا كان او بذيئا . . انبرى يجيب عن تساؤلاتهم قائلا :

- انسيتم ان بلادنا فى حرب ؟ الم يبلغكم شىء عن الثورة التى يقوم بها شعبنا ؟ انها مثل تلك التى كنا نحارب الصينيين من اجلها ..

- ماذا ؟ ماذا ؟ تقول ؟ ؟ انها الثورة ؟ ؟ عحبا . .

تعالت اصوات الجنود تردد هذا السؤال ، ولما هدات ضجتهم ، وانقطع صخبهم ، التفت بلخير الى الشاب الذى اثارهما والقى عليه هذا السؤال :

- الم يقولوا انه مجرد تمرد ، وعصيان جماعة من الخارجين عن القانون ؟؟؟

- من الذين يقولون هذا الكلام ؟ ؟ الضباط ؟ لقد كانوا يقولون مثل هذا الكلام عن الثورة فى الهند الصينية قبل كارثة ديان بيان فو . . لقد عشت ما يزيد عن ست سنوات فى غمار هذه الحرب او هذا التمرد وهذا العصيان كما يحلو للضباط الفرنسيين ان يقولوا ، حتى ابان الكارثة الماحقة . . ان شعبنا ثائر ، وسيعلم الضباط كيف ينطقون باسم الثورة

فى تلك اللحظة بالذات ، حدث ما يخالف الامر الاول فاستبشر الجنود المتعطشون الى ليلة يقضونها احرارا يتصرفون فيها كما يحلو لهم ، وظنوا ان ساعة الفرج قد دقت حتى ان البعض منهم هتف من اعماق قلبه :

استعدى وهران الجميلة ..

وان هى الا لحظات قلائل حتى كان الجميع مشحونين فى العربات التى انطلقت بهم تحرسها الدبابات المصفحة الى حيث لا يدرون ؟ . ؟ آه ، ما ابشع ان تخيب امل العسكرى فى اويقات راحة . .

بالرغم من ان بلخير ، لم يعد الى جلفة ، ويرى امه ، فانه ابل مما كان يشعر به من ضيق وكرب وضجر ، حين كانت تفصله عن الوطن الحبيب محيطات وبحار ، وآلاف الاميال . . فقضى ما يقرب من الشهر فى قلعة تلمسان العسكرية هادئا مطمئنا فى هدنة مع الافكار التى تحمل له الازمات .. فلم يفكر فى شىء واضح يمكن أن ينغص عليه حياته ، ولو انه فى بعض الاحيان ، وحين يخلو الى نفسه فقط ، يستعيد كلمات الشاب الذى لم يره منذ نزل من الباخرة ، عن الحرب التى تجرى فى الجزائر ، هذه الحرب التى يقال انها تمرد وعصيان خارجين عن القانون الم ينقرض هؤلاء الخارجون عن القانون بعد ؟ ؟ الم يقولوا ان اسلحتهم بدائية ، بنادق صيد ، وخناجر ؟ ؟ كم عدد هؤلاء الخارجين عن القانون ؟ ؟ وكيف عجزت السلطات النظامية عن ابادتها وهم لا يملكون الا بنادق الصيد ؟ ؟ . . .

ومع انه طال به هذا التفكير ، ولاك هذه الافكار عينها اكثر من ليلة ، فانه لم يخطر لبلخير قط ان يتخذ موقفا من هذه الحرب وهذا التمرد مثل الشاب الذى لم يعد يشك فى ان كلامه ذاك بلغ الى علم الضباط فالقى عليه القبض .. انه لم يظهر منذ تلك الليلة ، ولم يفته وهو الذكى ان يدرك ان هناك رقابة

مشددة على كل الجنود المسلمين ومعنى ذلك انه لا يثق بهم من طرف الذين يعمدون فى صفوفهم . . الفرنسيين ؟ ؟

ومع ذلك ، لم يتخذ اى قرار بل لم يشعر باية ازمة ، من تلك الازمات التى تسبق دائما اتخاذ القرار . . اى قرار . . حتى حين نقل الى ( الحراش ) وكلف باصطحاب الفرقة التى تحرس قوافل نقل البترول من حاسى مسعود بيد انه شعر بان حراسة محكمة مضروبة حوله من طرف الجنود الفرنسيين الذين لا عمل لهم كما يبدو الا حراسة الجنود الجزائريين ، الذين يحرسون بدورهم القوافل . . من الجزائريين . ؟ .

وانقضت ثلاث سنوات عن اليوم الذى باع فيه نفسه ولم يبق على استرجاع ملكية الستين كيلو غرام التى يزنها الا سنة . . سنة واحدة . . حسنا ليصبر اذن ، وليفكر فى كثير من الامور ، حين يعود الى الحياة المدنية . . وقد آن له ان يعود . . سنة واحدة ستقضى فى طرفة عين ، ودون ان يشعر بها الا ان العجوز المسكينة . . امه التى اكثرت من الالحاح عليه فى رسائلها بان يحضر لتراه قبل ان يوافيها الاجل المحتوم - كما قالت فى رسالتها الإخيرة ، لماذا لا يقدم طلبا فى اجازة ، ولو قصيرة الامد ، يزور فيها العجوز . ؟ .

وحين قدم الطلب جاءه الجواب بعد اسبوع . . لقد تقرر ان ينقل الى فرنسا . . . .

وان هى الا ايام قلائل ، حتى اقلعت به باخرة حربية مع جمع من اخوانه المجندين والمتطوعين الجزائريين ؟ لم يشعر بلخير بالاستياء هذه المرة ، ولم يداخلة اى حزن او اسى ، ولم يطل حتى التحديق فى الشاطىء حين اقلعت به الباخرة مثل المرات السابقة ولم يركبه الهم هذه المرة لا هو ولا من كان معه حتى يخطر له ان يقول يواسيهم : عسكرى هوه يا عسكرى لقد خرجنا فرارا من الهم ، فهل يليق بنا ان نصطحب ولو مثقال ذرة منه ؟ انس الهم ينسك الهم .

انه بات على يقين من ان نقلتهم هذه كانت لغاية . . غاية واضحة وضوح الشمس . . المقصود من ابعادنا هو ابعاد رؤوسنا ، عن افكار الثورة . . هذا هو جزاؤك على اخلاصك يا بلخير . . النفى ، النفى والابعاد . . انك فى نظرهم لست الا عدوا ، شكرا ، شكرا يا فرنسا . . انا ايضا عدو ؟ انت ايضا عدوة . . وسنرى . .

واذكى الروح الجديدة التى سكنت بلخير ، ونمى افكاره هذه التى تجمعت لديه شيئا فشيئا منذ اقترحت عليه العجوز الفرنسية العقيم ان يتجند فى الجيش الفرنسى . . ما وجده امامه فى فرنسا من روح لدى كل من يتصل به من الجزائريين ، قيل له انها الوطنية ، التى فرضت نفسها حتى داخل مراكز فرنسا العسكرية . . فقد بات الجنود الجزائريون ، لا حديث لهم الا عن الثورة والثوار . . وكل منهم يقسم على الالتحاق بالجبل حالما يعود الى الجزائر وكثر بينهم تداول المجلات والصحف التى تتحدث عن الثورة ، وتورد اخبارها بالتفصيل . . بل وكثر النقاش بينهم وبين المدنيين الفرنسيين الذين يلتقون بهم كل يوم احد ، حول الثورة ، حول حق الشعب الجزائرى فى ان يثور ويطالب باسترجاع اما اغتصب منه من حرية و كرامة .

ووجد بلخير جوابا لاسئلة طرحها على نفسه منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات : لماذا اخرج من مسقط راسى فى هذه السن المبكرة ؛ لماذا لا اكسب من ثروات قريتى الجميلة الا كوخا حقيرا ؟ اهكذا كتب ان امارس وجودى ؟ هذا الوطن الكبير الثرى ، ما الذى يحرمنا منه ؟ ؟

وجد بلخير الجواب : الاستعمار هو الذى طردنى من جلفة الجميلة وهو الذى حرمنى من ثرواتها وحرم على وعلى الالاف من امثالى وطنى الكبير . ؟ . الجزائر ، الجزائر التى اقسمت على الالتحاق بجبالها حالما اعود اليها

لم تخف هذه الظاهرة عن الضباط الفرنسيين ، فلم يجدوا اية طريقة لمقاومة هذا التيار المكتسح . . سجنوا البعض لكنهم لم يفعلوا سوى اثارة المشاكل والشغب من حيث لا يقصدون . . طردوا البعض الا ان ذلك لم يجد فتيلا ايضا . . لان المسألة ليست مسالة اشخاص انما هى مسالة روح ، مسالة عقلية . . مسالة وعى

فاضطر الكومندان ( ستيلان ) الى ان يجمعهم ذات يوم ويقول من جملة ما قاله فى خطابه الطويل الذيل :

- . . اعرف ما فى رؤوسكم ، اعرف جحودكم ، اعرف عواطفكم ، انتم ثوار فى قلب المراكز العسكرية الفرنسية . . اعرف ذلك جيدا . . لكن الذى انصحكم به ، هو ان تحترموا غيركم . . . لكم الحق والحرية فى اختيار افكاركم انما ليست لكم الحرية ولا الحق فى جرح عواطف غيركم . . لا تضطرونا الى القاء القبض عليكم جميعا . . احترموا اللباس الذى ترتدونه ، وحين تنتزعونا

وتستبدلونه باى لباس تشاؤون ، افعلو وقولوا ما يحلو لكم . . ما يخطر ببالكم ما ترونه لائقا

ولم يبق لبلخير حين نقل الى بروطان سوى شهر واحد ، ثلاثون يوما فقط ثم يسترجع حريته ، التى اصبح يدرك تمام الادراك قيمتها . . ويعرف جيد المعرفة ماذا سيفعل بها ، ثلاثون يوما فقط ، ثم ينزع الى الابد اللباس الذى يرتديه و طلب منه احترامه ، ويستبدله بلباس آخر يعرف من اى نوع هو . . فقضى ذلك الشهر مدللا من طرف الضباط الفرنسيين ، عكس بقية زملائه الذين سخروا للقيام بالاعمال الشاقة ، وكان يعرف لماذا يدلـله الفرنسيون . . اذ لا تكاد تمر ساعة حتى يعرض عليه احدهم ان يجدد عقد تطوعه . . ان يبيع نفسه مرة اخرى . . ان لا ينزع البزة التى يبغضها سنوات اخرى . . ؟ ؟ . .

- البقية فى اعدادنا القادمة -

اشترك في نشرتنا البريدية