الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

محو العار

Share

- 2 - ما اجمل العودة . . ما اجمل الحرية ذلك فقط ما ظل يتردد فى خواطر بلخير منذ امتطى الباخرة عائدا الى الوطن الحبيب . . الى جلفة العزيزة الى امه الحبيبة . . وها قد عاد ، ها هو يشق انهج القرية ، انه يود لو يتقدم الى كل من يعترضه فيحتضنه ويقبله ، بل ما الذى يمنع من تقبيل الحجارة والنخيل والتمرغ فى البساط الذهبى الذى يكسو اديم قريته . . الم يكن يتطلع الى هذه اللحظات منذ اربع سنوات ؟ . لولا الحياء لفعل ذلك . .

لكن   لكن  ها قد اوشك ان يلتقى بامه ، اية عواطف هذه التى تعتريه اية احساسات هذه التى تتاجح فى صدره ؟ اية حرائق هذه التى تضطرم فى دمائه ؟ . ؟ انه مغترب عائد . . عائد الى امه ومنذ صباح الغد الف نفسه محط رقابة مشددة من طرف الجندرمة الذين يتفقدونه صباح مساء . . عارضين عليه اما العودة الى الجندية ، واما الالتحاق بالحركة . .

ومنذ الغد اصطدم بالفقر المدفع الذى يتخبط فيه ابناء جلدته . . والمجاعة التى يتضور منها قومه باستثناء من كان منهم فى الحركة ، او بعض الاثرياء الذين يتجاوز عددهم عدد اصابع اليد . . ومنذ الغد ايضا تجلى له الجو المكهرب الذى تعيش فيه جلفة . . العسكريون اكثر من المدنيين . . رجال الحركة يسومون اخوانهم مر العذاب والهوان وينكلون بهم سوء التنكيل . . الحديث بين الناس لا يجرى الا همسا . . الخوف والرعب يسودان الجميع ، عساكر ومدنيين ، الثقة تكاد تكون منعدمة . اى وجود هذا ؟ . ؟ واية حياة هذه . ؟ . اى معنى للبقاء ها هنا . ؟ . اى واقع هذا الذى كان لا يتصوره . ؟ ولم ينس القسم الذى اقسمة والعهد

الذى اخذه على نفسه . . لم ينس ذلك ، لم ينس . . بل ان كل ما يحيط به يذكره ويصرخ فيه الجبل الجبل ، الثورة الثورة .

وفي الليل حين ضمه الكوخ ، واستلقى فى الفراش الى جنب امه العجوز ، سألها بصوت خافت عما تعرف عن المجاهدين . . فحدثته طويلا ، بما تعرف وما لا تعرف مثل : انشقاق الارض كلما حاصر العدو المجاهدين ودخولهم الى القرى والمدن فى صور اكباش او غيرها من الحيوانات ، والا كيف يستطيعون ان يعدموا فى وضح النهار ثم يختفون ، فلا يعثر لهم على اثر ؟ اما اسلحتهم فانها على كل شكل ولون ولديهم حتى الطائرات فقد سقطت فى احدى المعارك طائرة فى عرض دوار ، قال العسكر انها للمجاهدين . ولما انتهت من كلامها الذي ظلت تنتظر عودته حتى تحدثه به ، فليس هو وحده الذى رأى وسمع الغرائب والعجائب في ارض الهند الصينية . . قال لها بصوت خافت هادىء

- امى ، يجب ان التحق بالثوار . . ودون ان يترك لها فرصة لتقاطعه اردف : - والا ان التحق بالحركة لعنة الله عليهم فى الليل اذا يغشى و النهار اذا تجلى بادرت امه حالما تلفظ بهذا الاسم الذى يعرف كل جزائرى كم هو بغيض . . الحركة . .

فواصل كلامه قائلا : - او ان اعود الى صفوف فرنسا ، لاحارب المجاهدين . . هذه الحلول الثلاثة لا بد من احدها ؟ ما رايك يا أمى ؟ . فهمته العجوز ، فهمته جيدا ، الا انه شق عليها ان تعطيه رأيها ، ان تقول له : اذهب عنى اهجرنى ، سواء الى الجبل او الى الحركة البغيضة ، او الى صفوف فرنسا ، ليقاتل اخوانه المجاهدين . . فاثرت الصمت وتركت له الخيار تركت مسؤولية الفراق تقع على كاهله ، حتى لا تقول ذات يوم ، لقد قذفته بنفسى . . تركت له الخيار وقد اختار بعد . . اختار السير فى الدرب التى سلكها شعبه البطل . . بيد ان المشكل لا ينحصر فى هذا النطاق ، نطاق الاختيار . . انما يتمثل

كيفية البدء فى هذا الدرب كيف يصل الى الثوار ؟ ومن اين يستطيع اللحاق بهم . . وانه لمشكل جد عويص . . وجد عسير . . اكثر مما يتصور فمن ذا الذى سيثق بك يا بلخير . ؟ . انت الذى لم تعد الا امس من الجندية ؟ الجندية التى بعت نفسك فيها بيعا ؟ ومن ذا الذى يمكنك ان تثق به انت يا بلخير الذى لا تعرف عن الحياة فى بلادك شيئا . ؟ .

وفوق هذا وذاك ، كيف تتخلص من الرقابة المضروبة حولك . ؟ . القى بلخير هذه الاسئلة على نفسه ، وقبل ان يجد اى جواب حاول ان ينال قسطا من الكرى الذى يثق انه لن يزوره ليلتها الا بعد ان يعيش مرارة عمر كأمل ٠٠ . .

وفى 19 ديسمبر 1959 اى بعد عودته باسبوع الى جلفة التى طالما حلم بالعيش بين احضانها وتاق الى العودة اليها كان بلخير ، فى مركز ( عين وسار ) العسكرى يرتدى البزة العسكرية ، والحذاء الخشن ، وعلى كتفيه الخرقتان اللتان ترمزان الى رتبته العسكرية . . سارجان

لقد باع نفسه مرة اخرى . . لمدة سنتين . وها هو فى المركز العسكرى يقوم بواجباته ، كنخلص جندى ، بل كأخلص ضابط بيد انه مع كل اسف لا تتمثل واجباته ، الا فى الخروج مع الدورية التى تجوب القرية بين آونة واخرى

هذا هو كل ما يعهد اليه القيام به ، هذا هو عمله الذى يدرك المغزى الذى يرمى اليه الضباط . . انه يعرف جيدا العقلية التى يفكر بها الفرنسيون . الم يقض زهرة عمره بينهم ؟ . ؟ لكن ماذا يسعه ان يفعل ؟ . . يعرف انه حين يخرج مع الدورية يجوب القرية . . انما يرمز الى ان الجزائريين ايضا فى السلطات النظامية ، وان الجزائريين يناهض قسم عظيم منهم التمرد والعصيان . . لكن ليس فى وسعه وقد باع نفسه عن طواعية الا ان يمتثل لكل الاوامر ويقوم بكل ما يطلب منه . . ليس فى وسعه الا - آن يفكر وفى سره فقط كيفما بدا له وان يسخر ممن يشاء حتى من نفسه . . ايه من نفسه

وليسخر ، ليسخر ، ليملأ الدنيا سخرية ، دنيا سره ، دنيا ما تحت الغطاء ، حين ينام . ليسخر من هؤلاء الذين يتباهون به ، بوجوده بينهم فى صفهم ولكنهم لا

يستطيعون الا ان يستعرضوا به فقط . . اما ان يمنحوه السلاح ويدفعوه الى ساحة الوغي ليكون فى صفهم ، فلا . . ان يرقوه فى رتبته التى جمدت من اربع سنوات فلا ، ايضا

ليس بعد السخرية اى عمل ، على الاطلاق . . انه محاط برقابة يقظة . . ليس حوله الا الجنود الفرنسيون . . فمهلا ، مهلا . . وليتحين الفرص ومر ربع المدة التى باع فيها نفسه ، ستة اشهر كاملة انسلخت ، دون ان يحدث جديد . . دون ان تواتى الفرصة ؟

يا لهذه الفرصة التى طال ترقبها . ؟ كيف تواتى الفرص يا ترى ؟ اتخلق من تلقاء نفسها لكى تسمى فرصا : نعم ولكن اذا لم توات ولم تخلق من تلقاء نفسها هل نظل نترقبها فقط ؟ قد نترقبها سنوات وسنوات ، ولكن دون جدوى ؟ اذن . ؟ . اذن على المرء ان يخلق الفرص خلقا . . عليك يا بلخير ، ان تبحث كيف تخلق فرصة تنفذ فيها ارادتك ولو كلفك ذلك ما كلفك . . اى نعم

ولكن كيف . وتحولت السخرية من الضباط الى السخرية من نفسه ، من غباوته ، من تسرعه فى بيع نفسه ، من عجزه عن خلق فرصة . . ثم تحولت الى التبرم من نفسه ، من وجوده ، من حياته من القيود التى كبل بها نفسه . . وشعر بان ايامه ولياليه ما تنفك تشدف وتدلهم . . وضاقت نفسه ، فلم يعد يرى الا الحلول الانتحارية . حلول اليأس القاتل . . فتارة يخطر له ان ينهض فى الليل ويحمل البندقية ويتسلل الى الباب فان اعترض سبيله معترض تخلص منه ومن نفسه ، هذه العاجزة الخائرة المتداعية . . وتارة اخرى يخطر له ان يلتفت الى من معه فى الدورية ويطلق عليهم النار ثم يطلق ساقيه للريح فان نجا فحبذا والا فالراحة الابدية اولى من وجود لا ينطوى الا على العدم . . واخرى يفكر فى ان يرتدى لباس ضابط من الضباط الكبار ، ثم يمتطى عربة ويفر ، يفر الى الجبل . الدرب الذى اختاره شعبه فاختاره هو بدوره عن وعي ، وعن ادراك . . وبينما هو كذلك يتخبط فى دياج كالحات ، لا امل فى نور يومض ، حتى حلول الياس لم يتجاوز نطاق راسه ، نطاق سره . . بينما هو كذلك اذ بالمعجزة تقع . نعم وقعت المعجزة فجأة . . .

فقد نودى باسمه واعلم انه تقررت نقلته الى ( بوحجار ) . . وانه سينقل عما قريب . .

اسرع بلخير الى الخريطة ووقف امامها يتامل ، باحثا عن موقع بوحجار وبعد برهة تمتم : - هذا الشرق ، آه هذه سوق اهراس شمالها قليلا ، قليلامع هذه السلسلة من الجبال الشامخة ، سلسلة الاطلس الاشم . . يا لهذه الجبال كم هى كثيفة ، كم هى كبيرة . . ترى كم يوجد فيها من الثوار . . ثم هتف من اعماقه - بوحجار . . بوحجار . . ياللفرصة

وهناك بدت المهمه اول الامر شاقة الى حد الاستحالة ، انها هامة حقا ولكنها شاقة

انشدح ابن عالية فى الفراش : تبن عليه بساط قطنى رث . . لا غير فى الليلة الثانية من وصوله الى مركز بوحجار وراح يفكر : المسلمون هنا كثيرون ، كثيرون جدا ، كيف سمح لهم ان يجتمعوا بهذه الصفة . ؟ . ام هل انهم من الموثوق بهم ، من بائعى ضمائرهم ، من الخونة الميئوس منهم ؟ لكن انا . ؟ . كلا ، كلا ، قد اكون من الموثوق بهم من بائعى ضمائرهم فى نظر الفرنسيين ، حتى فى نظر البعض من اخوانى . . لكن انا ؟ . ؟ هل انا كذلك . ؟ . لا ، ، لا ، . . ربما ارسلوا من عين وسار الى جلفة يسألون عن ماضى فوجدوه كما يشتهون فأرسلونى آلى بوحجار على انى من الموثوق بهم . . من يدرى ؛ وكذلك الشان بالنسبة لزملائى . . الا انه اذا كان الامر كذلك فاننى سانجح فى مهمتى

كم هى شاقة هذه المهمة . . . ان الفرار سهل جدا ، ولكن هل لفرارى وحدى معنى ؟ لم لا يفر معى هؤلاء الجنود ؟ ما الذى يمنعهم ؟ ألم يفكروا قط فى هذا الامر يا ترى ؟ من يدرى ؟ ؟ ان ما يجعل مهمتى شاقة هو جهل اجوبة هذه الاسئلة . . فان بحثت عنها بين زملائى قد تكون هى رميى بالرصاص من طرف الفرنسيين ، او هى ارتياب زملائى فى امرى

اننى شخصيا لا استطيع ان امنح ثقتى لاى كان ، فكيف اطلب من غيرى ان يمنحنى ثقته ؟ اتنى واحد منهم بائع نفسه ، متطوع فى الجيش الفرنسى فى ظروف كالحة بالنسبة لشعبه ، لقد مرت اربع سنوات كاملة على الثورة دون

ان التحق بها فى حين ان فرار اخوانى يتواصل منذ البدء . . ان الشاب الذى حدثنا عن الثورة فى الباخرة ليلة حللنا بوهران عائدين من الهند الصينية لا اخاله الا انه التحق بها اثناء تلك الليلة نفسها . . اجل ، وما كلامه ذاك الا عرض للفرار لمن يفكر فيه لولا غباوتى لكنت الآن الى جانبه . . لكن آنذاك لم اكن افهم شيئا . . يرموننى بالذكاء ، ولكننى عكس ذلك ، عكس ما يتوهمون . . غبى ، غبى . . اربع سنوات كاملة لم استطع ان افر فيها يجب ان افر ، ينبغى ان يتم ذلك فى اقرب فرصة ، كلا ، انما فى اقرب وقت ، وبصفة تبقى تاريخا ودرسا للمترددين . نعم الف نعم ورويدا رويدا تسلل الكرى الى بلخير ، فانتشله مما يعانى من صخب الافكار المضطربة اضطراب الموج فى يوم عاصف

لقد اوشكت ، اوشكت يا بلخير على النجاح الباهر ، لم تبق الا ايام قلائل ويتم كل شئ . . مرحي ، مرحى ، نحن الآن فى عشرين ، على فكرة واحدة ، والبرنامج مسطر لم يبق الا التنفيذ ، غدا بعد غد ، على اية حال عما قريب . . كان ذلك كل ما يجول بخواطر الشاب بعد نصف شهر من استقراره فى بوحجار ، فقد استطاع ان يكتشف خبايا صدور زملائه ، ويكشف لهم بدوره عما اقر العزم عليه الا انه لم يكد ذات يوم ان يختلى باحد زملائه الذي قال له : - بلخير ، متى . ؟ . - يجب ان لا نتسرع ، صبرا جميلا - يكفى ما صبرنا ، قل لى ماذا ننتظر ؟ الا نخشى انكشاف الامر ان طال تلكوءنا ؟

- ماذا تريد ان نفعل ؟ لقد اتفقنا على ان يتم الامر اثناء خروجنا مع القافلة فى احدى العمليات ، ولكن انت ترى ان القافلة لم تخرج بعد وبمعنى اوضح لم يصادف ان خرجنا جميعا مع بعضنا فكل مرة لا بد ان يتخلف البعض اعتقد انه ينبغى تغيير البرنامج من الاساس ان نفكر فى طريقة اخرى : نسف المركز مثلا ، وقتل من به . . ما رايك ؟

- انها فكرة رائعة ، يا لها من فكرة ولم نفكر فى هذا قبل اليوم ؛ انا من جانبى اقتسم معك هذا الرأى ، واظن ان الاخوان ايضا سيؤيدونه ، المهم هو ان نسرع قبل ان يتسرب الياس والشك الى نفوسنا قبل ان يرتاب بعضنا فيك

- ماذا تقول ، ان يرتاب بعضكم فى ؟ عجبا . . - لاننا نريد منك ان تبرهن لنا على حسن نواياك ، اليس لنا الحق فى هذا . - اطرق بلخير هنيهة ثم رفع رأسه قائلا ما دام الامر كذلك ، فانه يجب ان ننفذ برنامجنا الليلة ، الليلة بالذات . . وساقول لكم فيما بعد كيفية نسف المركز ، والفرار الى غير ذلك ، استعدوا ، يجب ان يبرهن كل واحد على نواياه ، وعلى مشاعره الوطنية بالفعل ، لا بالقول هذا امر معقول جدا بل هذا هو الواجب ، ينبغى ألا نتسامح مع اصحاب النوايا الطيبة ، مع الوطنيين بالنيات . . ألا ننخدع بكلاههم واحلامهم قط . . العمل ليكن ذلك هو شعارنا جميعا ، البرهان ، ليكن ذلك هو كلمة السر بيننا

يكد بلخير وزميله ينتهيان الى هذا الحد ، حتى انتهى الى مسمعيهما هذا النداء - مساعدية بلخير ؟ مستعدية بلخير ؛ - حاضر اجاب بلخير ثم اسرع الى مصدر النداء حيث اعلم بانه نظرا الى قلة الاطارات فى المراكز الاخرى ونظرا الى اخلاصه تقررت نقلته الى مركز آخر . ؟ . وقع الخبر خبر النقلة ، فى نفس بلخير ، وقع الصاعقة ، حتى انه لم يستطع ان يخفى ما استولى عليه من استياء ولم يتمالك من القول ، فى شبه ذهول :

- متى ؟ . ؟ - ماذا بك بلخير ما الذى دهاك ؟ . ؟ ساله الضابط فى مكر ، فاستفاق من ذهوله واجابه - اقول لك الحقيقة . . اية حقيقة . ؟ .

- اننى غير مسرور بهذه النقلة ، لقد تعودت بكم ، ولا اظن اننى ساجد امامى مثل هذا الجو ، اننى مستاء لفراقكم - اوف ، ستجد امامك دائما من يحبونك ، ان ملفك انظف ملف لجزائرى وقع بين يدى حتى الآن . . - متى ستتم نقلتى . ؟ . - الآن . .

خرج بلخير من لدن الضابط الذى بلغ اليه النبأ المشؤوم مكتئبا وفى طريقه الى قاعة النوم لاحضار حقيبته تاهبا للرحيل ، التقى بزميله الذى كان يتحدث معه قبل لحظة عن نسف المركز والفرار ، فبادره : - ما الذى يريدونه منك . ما هذه اللهجة التى تخاطبنى بها ؟ . . - لان الحقيقة التى تخفيها تجلت لكل احد . . . - اية حقيقة ، لقد طلبونى ليبلغونى امر النقلة حالا ، اية حقيقة ؟ - ايها العميل . . - اتقولها . ؟ . الم نتعاهد ؟ من الذى القى فى رؤوسكم فكرة الفرار . ؟ . هيا ، اتريدون ان نخرج الآن . ؟ ابحث عن ضحايا آخرين ، ايها العميل . قالها زميله جافة صريحة ، ثم مر فى سبيل حاله كأن شيئا لم يكن

بعد اربعة ايام قضاها بلخير فى مركز ( هنشير الحديد ) يردد : ما اشبه الليلة بالبارحة ، ها قد انه انهار كل شئ ، كل ما بنيناه ، كل ما بنيته . ها قد اصبح لزاما على ان ابدا من جديد كما لو انى البارحة فقط حللت بمركز عين وسار ، او بمركز بوحجار ، كل ما مشيته يتحتم ان ارجع فامشيه ، وكل ما قاسيته يتحتم على ان ارجع فاقاسيه . . رباه . .

ما اشبه الليلة بالبارحة ، ولكن لست ادرى كيف ستكون النهاية هذه المرة ؟ . ؟ وما ستكون عليه النتيجة ؟ اهى النجاح ام الفشل الذريع ؟ لا ، لا ، لن افشل هذه المرة . . فقد تعلمت اشياء كثيرة . . وفى مساء اليوم الرابع ، طلب الكولونيل الكورسيكى بلخير ، وحين مثل بين يديه فحصه بعينيه الضيقتين ثم امره بالجلوس قربه وبادره : - مساعدية بلخير . ؟ . - تحت طلبكم - اتعرف لماذا نقلت الى هنا ، ام لا ؟ . كلا

حسنا لقد فر من المركز الذى كنت به تسعة عشر جنديا ، اولئك هم الذين وشوا بك واتهموك بأنك تفكر فى الفرار ، لقد تخلصوا منك بهذه الطريقة ، افهمت . ؟ . انك تحمل ملاحظات حسنة من جميع الضبط الذين كنت معهم حتى من ضابط المركز الاخير الذى جئت منه ، انما ابعدوك فقط لكى يعتبر بك غيرك . . مهما يكن فانا مسرور جدا بوجودك هنا . . واشكرك باسم فرنسا على الخدمات التى قدمتها . . واخيرك بين الذهاب الى خط شال او الى خط موريس . ؟ . فكر بلخير قليلا ثم قال : - اريد ان اذهب حيث الحرب متفاقمة ، حيث استطيع ان اقوم بعمل حقيقي - خط شال اذن . . سارسلك الى السرية السادسة ، شكرا بلخير

تلقى بلخير الشكر ، ثم غارد مكتب الكولونيل وهو يتمتم : - لقد غدروا بى منحتهم ثقتى ولكنهم هزأوا بى ، سخروا منى ، رباه . . يا لهذه القساوة ، يا لهذا الدرس يعلم المرء غيره شيئا ، لكى ينقلب ضده ، ما الذى علمتهم انا ، اقل شىء علمتهم اياه هو كيف يفكرون فى الالتحاق بالثورة ولكنهم تخلصوا منى ثم التحقوا . . عجيبة . . ترى ما الذى دفعهم الى اساءة الظن بى . ؟ . ما بدا لهم من تردد بلا شك . . اننى فى الحقيقة لم اتردد ، انما كنت اهيى ضربة قاصمة للعدو ، علمتهم كيف يمحي العار ، فالصقوا بى العار . . لقد فهمت ، انهم ليسوا ثوريين كما ينبغى ، تيقظت مشاعرهم

الوطنية فقط ، فأنتفضوا ، الثورة شىء والانتفاضة شىء آخر ، الثورية هى التفكير والسلوك مع اما الانتفاضة ، فهى سلوك اندفاعى احمق لا غير . . الثورى هو من يستطيع ان يعرف اخاه مهما كانت الظروف . . الثورى هو من لا ينخدع بمجرد الوهم ترى كيف كان فرارهم . ؟ . قد التقى بهم ذات يوم فاعرف الحقيقة ، ويعرفون ايضا حقيقتى . . اللهم عجل بلقائنا

تم التحاق بلخير بالسرية السدسة التى يقودها القبطان دى فيلان ، وفى اليوم الاول من التحاقه ، طلبه القبطان وبعد ان رحب به واكد له سروره بان يكون فى سريته مخلص مثل بلخير اضاف - ساكون فصيلة من المسلمين فقط ، بقيادة السوليطنان ، بيرتى ، ومساعدتك انت . . ان لى الثقة المطلقة فى اخلاصك بلخير خرج بلخير مسرورا جذلان ، انه المسلم الوحيد من ضمن اطارات السرية كلها ، ولو ان رتبته لم تتغير ، فبالرغم من الملاحظات الحسنة التى دبج بها ملفه ، وبالرغم من اطراء كل ضابط عمل معه له فانه بقى سرجان . ؟ .

اتصل ببيرتى ثم ببقية الجنود الجزائريين وبالحركيين الذين لم يكونوا يقومون  الا بالاعمال الثانوية والشاقة ، وبدأ فى عمله ، او بالاحرى فى عمليه : مساعدة بيرتى فى تسيير الفصيلة والتزلف اليه لكسب مودته وثقته ، واختيار العناصر الصحة التى يعتمد عليها . . وخلال الشهر الاول الذى انصرف فى الخروج لاعمال التفقد والمراقبة تارة خرج الحط وترة اخرى داخله ، فرغ بلخير من عمليه معا ، استولي على ثقة بيرتى وفهم جميع زملائه الجزائريين الطيب منهم والخبيث ، المغفل منهم والفطن من تمكن مصارحته والاعتماد عليه ، ومن يجب الحذر واخذ الحيطة منه ولم يبق الا الشروع فى العمل الايجابى ، باسرع ما يمكن ، وقد شرع فعلا فى هذا العمل

كان الوقت الثالثة بعد منتصف ليلة خرجوا فيها الى جبل بوجابر لنصب كمين لما قد يكون من ثوار ، وبينما استغرق بلخير فى تفكير عميق ، شجعه عليه عليه الظلام الدامس الذي يلتف الكون فى ردائه ، والسكون العميق الذى يغلف ما حوله . كانت افكاره فى الواقع منحصرة فى امر واحد : آه ، ما انسبها

فرصة للفرار . . ماذا لو يتسلل بين تلك الاشجار والصخور ؛ لا احد يستطيع ان يتبينه او يحاول اللحاق به ومطاردته هل يعقل ان تضيع هذه الفرصة سبهللا . ؟ . اليس من الجدير اغتنمها . ؟ . لكن الامر لو كان يقتصر عليه وحده لحل المشكل وانتهى الامر لقد اهتدى منذ زمن بعيد الى ان فراره هكذا وحده وبدون اية هدية يقدمها للثورة ، ولو عملية صغيرة ، ولكنها بطولة لا معنى لها انما الاخرون ، هؤلاء الاخرون الذين معه ماذا يدور بخلدهم انهم يتظاهرون له بالود ، ربما يحبونه حقا ، فهو طيب معهم الى اقصى حدود الطيب ولكن هل يخطر لهم ان . . ي   ل

وقبل ان يتمم الكلمة الاخيرة ، انتهى الى سمعه صوت الكابران حبايبية يقول همسا وهو يزحف على بطنه نحوه . - بلخير ، اصغ الى يا سرجان . . ماذا هناك ؟ هل لاحظت شيئا . ؟ . - ماذا تعنى ، العصاة . ؟ يقين انهم لن يمروا من هنا . . فوقتهم فات . . انهم لا يمرون الا اول الليل لكن - لكن ماذا . . ؟ - الزبير اقترب منى ، ادن ، ماذا به الزبير . ؟ .

- انه يفكر فى الفرار ، لا بد انه يحاول الآن ، او على الاقل يفكر فى المحاولة - هاه . . كيف عرفت ذلك . - لقد راقبته طيلة النهار ، ففهمت ذلك . . انه يتحدث ولكن ما ان يبصرنى حتى يكف او يغير موضوع الحديث . . والليلة ، الليلة بالذات ، حركاته لا تبشر بخير . . - شىء جميل ، فائق ، رائع وخارق للعادة . . ولكن قل لى ما الذى يهمك انت من الزبير او غيره . ؟ . - اجاد انت يا سرجان ؟ اجاد فيما تقول ؟ - اسمع ، ما رايك فى ان نفر نحن ايضا معه . ؟ . اما ترى ان الفرصة سانحة ؟ لم لا نمحو العار ، ونتخلص منه ؟

اجاد انت يا سرجان ؟ اتعني ما تقول ؟ . ؟ نعم ، انفر معا ؟ - كلا يا سيدى ، واصارحك باننى ذاهب حالا لاخبر السيد بيرتى . . نعم نعم ، لقد كنت اثق فيك . . يا سرجان - اسمع ، تعال هنا ، اننى لو كنت فارا حقيقة لن اترك لك الفرصة لاخبار السيد بيرتى . ؟ . هات يدك ، اننى اشكرك جدا على اخلاصك هذا ، على وفائك هذا ، على فطنتك وتيقظك هذين . . اننى فى حاجة الى امثالك . . كن مطمئنا لن يستطيع اى كلب الفرار ، أننى لم انحصل على رتبة سارجان الا بعد اعمال تعجز طيلة عمرك عن القيام بنصفها . . اسمع اطلب من الزبير ان ياتى الى حالا . . - الاولى ان تحرسه بنفسك يا سرجان ، ان له اخا مع العصاة ، ان هذا وحده يكفي لشنقه . .

لما استلقي الزبير بالقرب من بلخير وراء الصخرة ، صمم على الكار ما نسبه حبايبية اليه ، مدعيا ان بينهما حزازات قديمة ، وانه لم يفكر قط فى الفرار وعبثا حاول بلخير ، ان يتحصل على ثقة الزبير ليلتها فاخفى امتعاضه واجل الامر الى المستقبل القريب . . مكتفيا بالخيط الاول الذى عثر عليه .

وعلى الساعة الثانية عشرة من نهار الغد عادت الفصيلة الى المركز ، فكان اول ما قام به بلخير ، ان بلغ امر حبايبية والزبير الى القبطان ، خشية ان يسبقه الكابران بذلك ، مؤكدا انه يثق الثقة المطلقة فى الزبير ، وان حبايبية انما يسعى فقط الى لفت الانظار اليه ، وليرقى بالتالى

امر القبطان باحضارهما معا ، وبعد بحث خفيف قال فى لهجة صارمة : - لا اريد الاساطير العربية فى السرية ، ابدا ، منذ اليوم ، افهمتم . ؟ . وشعر الزبير منذ تلك اللحظة بميل غريب نحو بلخير ، وانشغل بالتفكير فى امره . . من يكون يا ترى ، هذا السرجان ؟ انه ليس بمجرد متطوع ، بائع ضميره ونفسه . . ابدا ليس بلخير كذلك ؟ انما هو مجاهد . . مجاهد مثل اخيه يرتدى اللباس الفرنسى . . يختفى به

رباه ، لو تصدق هذه الظنون ، لو ان اماله فيه لا تخيب . ولكن اية آمال يعلقها عليه ؟ آمال عراض فى الواقع . . آمال كبرى . . انه رفيق . . ونعم الرفيق مساعد قائد الفصيلة . . بيد ان الحذر مطلوب ، والحيطة ضرورية . . اذن فلينتظر حتى يتجلى الامر ويقين ان بلخير سيقوم ببادرة ان كان حقا صادقا فيما ادعاه البارحة . . وفعلا كان الامر مثل ما خمن الزبير ، فقد ناداه بلخير فى مساء ذلك اليوم ، وعرض عليه اصطحابه فى نزهة قصيرة ، فلبى شاكرا مغتبطا .

وعلى مسافة مائة متر تقريبا عن المركز ، وكانت اشعة غزالة الاصيل ، تخترق اغصان الاشجار المتكاثفة المتشابكة ، وتنعكس على اعينهما ، وهبات من نسيم عليل تتموج بين الفينة والاخرى فتداعب وجهيهما . . وتحرك فى راسيهما ، خواطر شتى ، وافكارا مختلفة منها ما يتصل بالماضى السحيق وذكرياته المرة والعذبة معا . . ومنها ما يتصل بالحاضر وما فيه من مخاطر وصراع يعنف تارة ويلين اخرى . . ومنها ما يتصل بالمستقبل الغامض المجهول وما يكتنفه من اسرار ومخاوف . . ويخبئه من مفاجئات . . الله وحده اعلم بها ٠٠

بعد اطراقة قصيرة قال بلخير : - الزبير . ؟ . - بلخير . ؟ . ؟ . وفى نظرة باهتة التقت عينان عسليتان . . عينا بلخير ، اللتان طالما احبتهما العجوز الفرنسية وعشقت جمالهما وعينان بنيتان يتطاير منهما الحذق . . عينا الزبير . . لم تطل كثيرا تلك النظرة ، فقد مد بلخير يده وتناول يد زميله قائلا :

الاولى ان نتعاهد قبل كل شىء على ان يحفظ كلانا سر اخيه ، مهما كانت الظروف ومهما كان هذا السر . . باسم الجزائر ، باسم الجهاد ، باسم ما نبذله فى سبيل محو العار اعاهدك على ان يظل سرك مدفونا فى صدرى - بلخير . - الزبير ؟ اننا اخوان . . اتعاهدني . ؟ - باسم الجزائر ، بسم الجهاد ، باسم ما نبذله فى سبيل محو العار ، اعاهدك على ان يظل سرك مدفونا فى صدرى

- اتعرف اذن ما يبغى ان نفعله . - ان نفر طبعا . . - كلا لو ان الامر يقتصر على الفرار نهان . . ولحل المشكل . . انه ليس صعبا ان نفر منذ الآن ، فقط ان نذهب بين هذه الاشجار ولا نعود . . انما . . انما . ان لا نفر وحدنا اولا ، وثانيا ان نمحو العار بعملية يسجلها لنا التاريخ فى صفحاته الذهبية . . افهمت يا اخى . ؟ . ينبغى ان نقنع كل من نستطيع اقناعه بوجوب الفرار ، ومحو العار وبعد ذلك نرتب الامر ونسطر البرنامج والشئ الذى ينبغى ان نجعله نصب اعيننا هو السرعة ، لان التجارب علمتنى ان الروح الوطنية اذا استيقظت دفعت صاحبها الى الطفرة والانتفاضة ، وقد لا تكون هذه الطفرة منظمة ، فتعود بالضر من حيث كان يرجى منها النفع . افهمت . ؟ . يجب اختيار الرفيق قبل الطريق - كما يقول المثل - وحين يتم اختيار الرفيق . . اخضعه للتجارب : لا تظهر له جدك من عبثك وهزلك ولاحظ رد فعل الصراع الذى يعيشه وادرس جيدا مبادرته . . افهمت

اي ثورى انت . لكن قل لى ما هى ثقافتك . ؟ . - ان ما اقوله لك فقط اكتسبته من التجارب من مدرسة الحياة ، اما ثقافتى فانها حصيلة ثلاث سنوات فى المدرسة . . - اما انا فاننى متحصل على الجزء الاول من شهادة الباكلوريا ، لقد صدق من قال : اسأل مجربا ولا تسأل طبيبا . . ان شعبنا له فلسفة عبقرية ، اما ترى ان كل ما نظنه جديدا واكتشافا من طرفنا ، نجده معبرا عنه من طرف شعبنا حقا ان الفلسفة من صنع الشعب لا من صنع الفلاسفة . . - المهم ان نفهم بعضنا ، ان نفهم ما نفعلنه . .

ما اشبه الليلة بالبارحة . . الانتظار . . الانتظار . . الذى قضى على خطتك يا بلخير فى بوحجار ، هو الذى تتخبط فيه الآن . . ما ابشع الانتظار ، ما اشقه على النفس ، ابدا اصعب شىء فى الحياة هو الانتظار . . اخي ما امرن هذه الكلمة . . الانتظار ، ان التمهل يليق فى ظروف دون اخرى فى الظروف الثورية الانتظار لا يليق انما يضر الى اقصى حد ، فى  الحروب وفى الثورات ينبغي الاتقان مع السرعة . تلزم الثائر والثورى روح المبادرة ، روح السرعة

رباه ، ما اقسى ما يعانيه الانسان حين يتفطن الى ان الليلة هى نسخة من البارحة . . كم يعتريه السام والضجر وكم تضيق به الدنيا بما رحبت وها انك بعد مرور شهر على العهد الذى قطعته على نفسك يا بلخير ، باسم الجزائر ، وباسم الجهاد ، وباسم ما تبذله فى سبيل محو العار ، هذا العار الذى يلازمك كظلك هنا وهناك ، هذا العار الذى ما يفتا ينغص حياتك منذ برزت الى الحياة هذا العار الذى كلما اوشكت ان تمحوه ، ازداد التصاقا بك ازداد امده امتدادا . .

ه انك يا بلخير تنتظر فما اشبه الليلة بالبارحة ، الاخوان يسودهم القلق والارتيب ، وتعتورهم الوساوس والهواجس وربما تسرب اليهم الشك فى امرك ، وانه آن لهم ان دقولوها صريحة جافة . . ايها الخائن ، ايها العميل . . لقد فهمنا حقيقتك لا ، لا . . مائة مرة الف لا لن تطيق سماعها هذه المرة ، لن تمنح لاى كان الفرصة لكى يقولها لك جفة صريحة ايها العميل ايها الخائن . . انك لست كذلك وعليك فقط ان تبرهن على نواياك . . اى نعم . . وستبرهن . سابرهن عما قريب ، الليلة ، هذا المساء ، الليلة ، الآن . . الآن . توا . . توا . . حالا . . لاذهب فابلغ الى الاخوان التسعة امر الاستعداد ، لنسف المركز والفرار الآن ، وفى وضح النهار . . انهم تسعة ، فليقوموا بعملية تمحو العار ، ومن نجا ، نجا بدون عار ، ومن مات ، انما محا العار ومات شهيدا . . وانا بلخير مساعدية الاول مستعد للاستشهاد

الدورية ليست السلوك والتفكير فحسب ، الثورية هى انسجام التفكير والسلوك فى الوقت الواحد . . نعم نعم وفي طريقة الى الاخوان ليبلغ اليهم ما اقر عليه العزم ، التقى بلخير ، يبيرتى ، ادى له التحية العسكرية ، رمز العار كما قال فى سره ، ثم تقدم ليمر فى سبيل حاله ، بيد ان بيرتى استوقفه ، وطلب منه ألا يوقظ آحدا من الجندود ، وان يصطحبه - اعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال بلخير في سره ثم سار الى جنب السوليطنان قدما ، وبعد بضع خطوات التفت اليه قائلا - بلخير . ؟ . - فى الطلب . .

اعرف ذلك ، يجب ان لا تبقى القفازات دائما بيننا فى حديثنا ، اننا اولا وقبل كل شىء صديقان . . اليس كذلك . ؟ . أ . . أ . . ماذا اردت ان اقول ؟ اننى فى الواقع ما ازال نائما . . لقد اردت ان اقول لك . . ماذا ؟ ماذا ؟ هاه . لقد تذكرت ، اذهب واحضر نظاراتك المكبرة . . وتعال ، اننى فى انتظارك بلخير

صعد بلخير وبيرتى درج صومعة المراقبة رويدا ، الى ان بلغا منتهها ها فقال بيرتى وهو يشير باصبعه : - انظر بلخير ، الى هنالك ، سنذهب الليلة اتري  الى تينك البنايتين . تامل بلخير البنايتين الواقعتين فى المنطقة المحرمة هنيهة ثم قال اراهما ، اذن سنذهب الى هنالك ؟ المسافة ليست بعيدة . . لا تتجاوز ثلاثة كيلو مترات فيما يبدو

- بالضبط ، لقد اصبت . . سنقطع المسافة سيرا على الاقدام على ما اظن . . هيا بنا الى المكتب . . اياك ان توقظ حدا ، دعهم ياخذون نصيبا كافيا من الراحة ، فمن يدرى ما تكونه المفاجئات ، على كل نحن سنكمن فقط ، هكذا قيل لى ، بيد اثنى اعتقد ان هذا الكمين سيكون من نوع خاص . . المشحون بالمفاجئات ، لان الاسلاك قطعت البارحة ولا بد ان تكون هناك قافلة من الخارجين عن القانون مارة الليلة - كم انا متشوف الى لقائهم يا سيدى بيرتى - ماذا تقول بلخير . ؟ . - اننى اخترت خط شال لانه المكان الذي تجرى به اكثر العمليات والمعارك ولكن مع الاسف الشديد لم يصادف قط ان قتلت ولو ( فلاقا ) واحدا منذ دخلت الجيش الفرنسى . .

- شكرا بلخير ، قد نلتقي بهم الليلة ؟ - يقين اننا سنلتقي بهم قال بلخير وكانما يخاطب نفسه الا ان بيرتى كان قد سمعه ، فبادره - يقين . ؟ . من ادراك ؟ اياك ان تقول مثل هذا الكلام امام الجنود ابتسم بلخير فى سره ثم قال :

- ان فصيلتنا لا تتكون الا من الشجعان . . انهم كلهم يتطلعون الى اليوم الذي يبرهنون فيه عن شجاعتهم وفى المكتب استند بلخير بيده على المنضدة يمتص من السيقارة التى فى قمه ، ويملي على بيرتى اسماء من يعتقد فى شجاعتهم : الكابران حبايبية ، الشاد الزبير . . الى آخره . . ومن بين الاثنين والعشرين الذين اختارهم ، احد عشر معه واحد عشر مع بيرتى ، عين اربعة من الاخوان معه واربعة مع بيرتى الذى كان الاختيار محل رضاه ، واعجابه فى نفس الوقت . . وحالما استيقظ الجنود وكانت الساعة تشير الى العاشرة صباحا ، والجو بالرغم من الضباب الكثيف الذى جثم على الكون قبل ذلك كان جميلا يبشر بيوم مشمس دافىء . . اسرع بلخير ، فعين ثمانية للقيام بشدف الحطب للضباط كان الثمانية الذين عينهم هم الاخوان . . وما انفرد بهم بلخير حتى اطلعهم على الامر قائلا

- ان لم نفر الليلة ، فلن نفر ابدا ، وان لم نمح العار الليلة فسيلازمنا الى الابد . . لقد وزعتكم اربعة مع بيرتى واربعة معى ، الاربعة الذين معى ساعين لهم عملهم فيما بعد ، اما الاربعة الآخرون فحالما ينتهى الى سمعكم اطلاق النار ، الهبوا الفرنسيين الذين معكم بالرصاص ، ثم خيروا المسلمين بين الفرار معكم او الموت ، يجب ان يتم كل هذا بسرعة فائقة . . الموت او الحياة . . من تردد مات ومن قبل الفرار فحبذا . . اما ما ينبغى ان لا يغيب عن بال احد قهو حمل اقصى ما يمكن من الاسلحة والذخيرة . . افهمتم   . اما ان يمحى العار الليلة واما ان يلازمنا الى الابد . .

كأن كل شىء يسير فى مجراه الطبيعى . . البشر يعلو الوجوه ، القلوب يشتد خفقا نها كلما عجت بالصدور ولعجت احاسيس وعواطف متباينة متضاربه تبدا بالخوف واستفداح واستعظام الامر وتنتهى الى التشوف الى ما ينطوى عليه المستقبل . . الاجساد تعتورها بين الفينة والاخرى قشعريرة هى اقرب ما تكون الى الزلزال منها الى القشعريرة . . وباختصار ، كل شئ يسير فى مجراه الطبيعى الى ان حلت الساعة السادسة ، وحل معها مشكل لم يكن بالحسبان ، هو حضور يوطنان من ( المريج ) خصيصا للاشراف على هذا الكمين لانه كان يعرف المنطقة معرفة جيدة كما قيل . . اما المشكل بالذات فانه تكاثر عدد الفرنسيين بالاضافة الى المشكوك فى امرهم من الجزائريين ، والميئوس منه من بينهم

لاحظ  بلخير جوانب هذا المشكل ثم عاد الى زملائه ، وراح يشجعهم واحدا واحدا ، ويستمد مما يبدونه من شجاعة ، ومن استعداد للتضحية وايمان بضرورة القيام بما يمحو العار ، يستمد من كل ذلك قوة وعزيمة وشعورا بعزة الجانب ووفرة الطاقة ، وهى اقصى ما يطمح اليه من كان مقدما على مثل ما هو مقدم عليه

ومهما يكن من امر فان هذا المشكل الطارىء لم يكن ليغير من البرنامج شيئا فقد حلت الساعة السابعة الا الربع موعد الكمين ، وها هي الفصيلة بلغت البنايتين ، هتان البنايتان آلتان كانتا ذات يوم اهلتين بالسكان ، زاخرتين بأمالهم واحلامهم ، مزدهرتين بنشاطهم ، وبين صبحة وضحاها اقفرتا وخلتا الا من البوم والحمام ، بعد ان احدثت المنطقة المحرمة ، فاضحتا بدورهما حراما على من بناهما . .

ام بيرتى واليوطنان والاحد عشر جنديا الذين معهما بناية ، وام بلخير وجماعته البناية الاخرى البعيدة عنها بنحو ثلاثمائة مترا او يزيد ، وفور الوصول شرع بلخير فى ترتيب زملائه فى اماكنهم . . وضع خمسة ، الاخوان الاربعة واحبايبية فى المقدمة ، احبايبية طبعا فى الوسط وخلفهم على بعد خمسين مترا وضع الكابران ( مير ) والجندى ( مالافال ) والمدفع الرشاش وقذافه المسلم وبالقرب منهم بقية الجنود .

تفقد الشاب السرجان مير ومن معه فالقى عليهم نظرة فاحصه ، ثم عاد الى حيث يكمن الكابران احبايبية بالاخوان الاربعة ، فوقف عند رأسه والقى نظرة خاطفة عليه وعلى المدفع الرشاش . . انه منبطح ويداه فى جيبيه ، المدفع بعيد عن متناول يده . . فرصة سانحة اذا ؟ فليغتنمها . وضع قدمه على المدفع ثم شهر مدفعه الرشاش الذى على كتفه فى وجه حبايبية قائلا :

- ارفع يديك ايها الخائن . قهقه الكبران قائلا دعنا من الهزل ، الناس لا يهزلون بالسلاح يا سرجان - قلت لك ارفع يديك والا  اطلقت النار ، هيا . لم يرفع يديه ولم يأخذ كلامه وتهديده مأخذ الجد ، فقد حمله محمل الهزل

والمداعبة ، الا ان الوقت الكافى للهزل والمداعبة لم يكن بالمتوفر ، فقد بادر السرجان باصدار الامر الى اخوانه - اوثقوه بالحبال ، اسرعوا ، اما انت فاياك ان تتحرك ولو قيد انملة . ارتمى الشبان الاربعة على الكابران واخرجوا الحبال التى كانت فى جيوبهم وانهمكوا يحاولون شد وثاقه الا انه بادر فارسل صرخة استنجاد ، فلم يكن من بد سوى القضاء عليه ، فهوى بلخير على راسه ببندقية فتشدخ مثلما تشدخت البندقية ايضا ، واخرج احد زملائه موسى وانكب على رقبته يحاول جذمها ، بينما اصطحب بلخير الزبير وام الجماعة الاخرى ولم يكد يصل حتى بادره مير يسأله .

- ما هذا الانين ؟ ؟ كلب حاول الفرار فضربته - وماذا يفعل الآن ؟ هل اخبرت عنه ؟ اخبرت فقيل لى احرسوه حتى يأتيكم الامر ، ولكن ليست لى ثقة فى الذين يحرسونه والاولى ان تحرسه بنفسك هيا معى بالكلب البوليسى . - اذهب معه يا مالافال ، اصطحب الكلب معك ولما عاد بلخير بمالافال التفت اليه مشهرا مدفعه وخاطبه : - ارفع يديك ، حالا بلا تردد

اودعه الى زملائه حين رفع يديه فجرده من السلاح وامرهم بالانصراف به ثم عاد الى الكابران مير فوضع السلاح الذى على كتفه فى الارض ثم ارتدى المعطف وعبأ القنابل اليدوية فى جيوبه واعاد السلاح الى كتف ، ووضع الجهاز اللاسلكى اليدوى فى كتف اخرى واصدر امرا الى القذاف بان يحضر له قهوة من جرابه هو الذى يعرف انه وضعه داخل البناية ولما عاد بالقهوة احتساها فى هدوء تام ، ثم ٠٠ ث التفت الى مبر وضغط بأصبعه على الزناد تأوه مير ثم سقط طريح الارض تنزف منه الدماء ، وفي تلك اللحظة بالذات التفت الى القذاف وامره بان يرفع يديه الا انه اسرع فانبطح على بطنه ، فضغط على الزناد مرة اخرى وجمد القذاف ، ثم التفت الى الاخرين فى سرعة عجيبة فاطلق النار على من صمم قبلا على قتله اما لانه ميؤوس منه واما لانه ارتكب ما يستوجب قتله من الجرائم وبينما هو يخبر البعض بين الالتحاق بالثورة او الموت اذ بالقذاف يزحف على بطنه نحو المدفع . . . كان لم يمت بعد . . انما جذمت ساقاه فقط ، فضغط مرة اخرى بلخير على الزناد فتطاير راس القذاف

شدفا ولكن فى تلك الاثناء ايضا ، انبعثت آهة من صدر يضم قلبا حبيبا . . الزبير . . مسكين الزبير لقد انذهل فبقى جامدا لا يعى شيئا مما يدور حوله فأصيب ، مسكين هو الزبير . . اطلق بلخير النار على من تردد أو رفض ان يمحو العار . . ثم اطلق ساقيه للريح ليلفه رداء البهمه ويحتضنه الجبل الحبيب مثل بقية اخوانه

ومنذ منتصف الليل تبادل الاشارات الضوئية مع بقية الاخوان ، وبعد ان سألهم عن الاسير وكلبه ، علم انه ابى المسير فقتلوه وكذلك كان مصير الكلب انتظر معهم قليلا لعل احدا يلتحق بهم ، ثم استأنف بهم السير ، وفي منتصف نهار الغد فوجئوا بالكلب يطل عليهم . . لقد انبطح حين سقط صاحبه فظنوه مات . . الا انه ها هو ذا ، اخذوه معهم ثم واصلوا الطريق

وان هى الا لحظات ، حتى بانت مراكز المجاهدين فتنفس الشبان الصعداء ، وهمس من همس منهم مثل بلخير - لقد انمحي العار

اشترك في نشرتنا البريدية