إن أهم ما يتميز به الشعر الفارسى الاسلامى منذ نشاته فى القرن الثالث الهجرى حتى يومنا هذا ، الغنائية الرقيقة الممعنة ، وقد بث فيها الشعر اشواقهم اللاهثة ولوعتهم المبرحة وحنينهم الذى لا ينتهى ، وصاغوها فى اخيلة هائمة تاسر القلب وتفتن العين ، ولونوها بأصباغ وشكول توافرت فيها طرائف الحياة ومتعها على نسق فجئى يصدم القارىء لاول مرة لكنه يعرج به من بعد ذلك الى آفاق من الحلم والتصور والمتاع ، يأتلف في الشعر الغنائى الفارسى الطير واللؤلؤ والزنبق وكل ما تموج به " الحدائق " والقصور فى أرض البلابل " فتتلاطم الاخيلة وتزخر ، وتتألق الصور وتتبرج ، ويتجلى هذا خاصة فى الغزل ووصف الخمر ، لذلك آثرت أن اعرب هذه النماذج التى صادفتنى هذه الايام وأنا بصدد مطالعة الشعر الفارسي في عهد الدولة السامانية ( 261 ه - 874 م - 389 ه - 999 م ) خاصة لاهيئى للقارئ رحلة ممتعة الى مجالس ايران المفعمة حبا وخمرا وصورا بارعة .
فى الغزل : لابى شكور البلخى ( تــــ 340 ه : 951 م ) من شعراء الدولة السامانية
نظرت من بعيد الى وجهك فجرحت وجنتك المفعمة حسنا وملاحة
ومن جراء نظرتك العليلة جرح قلبي وهذا حكم القضاء اذ الجروح
بالجروح
وترجمها ابو الفتح البستى شعرا بشىء من التصرف :
رميتك عن حكم القضاء بنظرة ومالي من حكم القصاص مناص
فلما جرحت الخد منكم بمفلني جرحت فؤادى والجروح قصاص
ومن المبالغات الطريفة لابى شكور :
لقد سرقت من طرتيك شعرة حين كنت تمشط بالمشط ايها المعبود
ثم اخذت أجرها بعناء كما تجر النملة حبة القمح الى مسكنها
ولما دخلت بها الدار قال أبي : من يكون "منصور" منكما ؟
وترجمها بديع الزمان الهمذانى شعرا بشىء من التصرف :
سرقت من طرته شعرة حين غدا يمشطها بالمشاط
ثم تدلجت بها مثقلا تدلج النمل بحب الحناط
قال أبى من ولدى منكما ؟ كلاكما يدخل سم الخياط
ولابى منصور الدقيقى ( ت 370 ه : 980 م) من شعراء الدولة السامانية :
ليت الليل لم يوجد فى هذا العالم حتى لا أهجر تلك الشفة ولا تهجرني
ولو لم يكن لها تلك الحلقات السوداء الملتوية ما وقعت لسعات العقرب على
روحى
ولو لم يكن ذلك الكوكب المشرق من تحت شفتيها ما وجد كوكب يؤنسني
حتى الصباح
ولو لم يكن جسمها مركبا من جمال ما كانت روحي مكونة من عشقها
ولو كتب على أن احيا بدون حبيبة فلا كانت هذه الحياة يا رب :
ولابى شعيب الهروى من شعراء الدولة السامانية فى فتاة نصرانية :
على الرغم من أن هذا الحبيب مسيحي الدين مصيره الى جهنم فانه
فردوسى الوجه والقد
عيناه عينا غزال ، وخصل شعره كالحلقات السوداء وخده كالزنبق
وشفتاه كمداد من الفضة سالت من قلم نقاش صيني فسقطت على الورد
ولو وزع حسنه على الزنوج لحسدهم عليه الترك دون شك
وانف ذلك الحبيب كقبة من الحرير انعقدت فوق قمة من الحرير
وهذا الحبيب من أسفل كنز محجوب ومن اعلى جنة الفردوس وفيما بين
هذين الطرفين مسلة فضية
ولابى عبد الله محمد بن صالح الولوالجى من شعراء الدولة السامانية :
تتدلى خصل شعره المتجعدة على جبهتة الفضية حتي ليخيل اليك ان
جيوش الزنوج تغير على بغداد
وتلك الخصل السوداء تمتد على عارضيه حتى ليخيل اليك ان شخصا
ينفخ النار بجناح غراب
وللمعزى (ت . حوالى 518 ه / 1124 م ) من شعراء الدولة السلجوقية :
يا من وجنتاك مثل الثريا ويامن شفتاك مثل المرجان ان ثرياك بلاء للقلب
ومرجانك غذاء للروح ان ظهرى فى سبيل الحصول على ثرياك قد انحني
مثل قبة الفلك وان عينى بسبب ما اصابها من هم البحث عن مرجانك قد
فاضت بالدموع مثل البحر .
يخيل الى ان شعرك الخفيف النابت على العذار والذقن دخان تتخلله
اوراق الورد وربما يكون شعرك الاسود المجعد سحابا اختفت فيه الشمس
انه دخان قد أوقد النار فى جسمى وسحاب قد أجرى الدمع الهتون من
عينى
ان لك وجها كورق الزنبق فى رقته وحمرته وان لك اسنانا كحبات
اللؤلؤ فى اشراقها وصفائها
ما سمعت قط بوجود لؤلؤ في مرجان حشوه العسل وما سمعت قط
بوجود زنبق فى وسط سنبل (1) امتزج به المسك
فى وصف الخمر
لابى شكور البلخي
ايها الساقي اعطني من تلك الخمر فان غمى يبارحنى بسببها
انها اذ تصب من الزجاجة مثل الهلال وحين تستقر فى الكاس كبدر التمام
وله
هات من تلك التى كانت مثل العين فى اول الامر
ثم اعتصر منها المعتصر بالقوة روحا مشرقة
من تلك التى لو تقاطرت منها قطرة على الارض :
لقال الاعمى : هي عينى ، ولقال الميت : هي روحي .
لابى منصور الدقيقى :
اختر لى من تلك الخمر المرة الطعم التى تجعل قوتها العقل الغبي ذكيا
والتي من ضوء طلعتها تخضب الآفاق لونا
كما يخضب دم الطير صدر النسر
وله ايضا :
اسقني من ذلك المزيج الذي جسمه من نور
ولكن له عقلا وروحا من نار
أو من ذلك الكوكب الذي يغرب فى الفم
ومشرقه دائما على سطح الخد .
وللكسائى المروزى (ت . حوالى 393 ه / 1002 م) من شعراء الدولة السامانية :
افتح عينيك وامعن فى النظر إلى الشنبليد (1)
تجده مضيئا مثل الجواهر في وسط النبات الإخضر
كالعاشق الذي بسبب ماعرا وجهه من خجل
قد سحب الى وجهه غطاء من الديباج الاخضر
ما كان أجمل الخمر حين سقطت عليها اشعة الشمس
وبخاصة حينما ظهر عكس الاشعة داخل النبيذ
وترى الكاس الزرقاء والخمر الحمراء والإشعة الصهباء
فيخيل اليك انك ترى البنفسج وشقائق النعمان وزهور الشنبليد
وتلك الخمر المشرقة حينما تتساقط قطرات من القنينة الى الكاس
يخيل اليك أن عقيقا اخضر قد تساقط إلى لؤلؤ ابيض
وتلك الكاس الصافية اللون التى حينما تضعها فى كفك
لا تميز الكف من القدح ولا القدح من الخمر .

