لم أتمكن من الاطلاع على رد الدكتور زرانا احسان الهي المنشور على صفحات مجلة (( المنهل )) في شهر ربيع الثاني الماضي فقد كنت خارج المملكة العربية السعودية ، ولقد اطلعت على رد الدكتور عقب عودتي من الاجازة منذ يومين فسرني كثيرا ما كتب ، ولاحظت أن الدكتور مصر على رأيه استنادا على آراء بعض المؤرخين . هو يجزم بأن كلمة ( الاثالث ) بالثاء هي الصحيحة وغيرها خطأ راميا وراء ظهره أقوال الاصطخرى (( المسالك والممالك (( والأدريسى (( نزهة المشتاق في اختراق الآفاق )) وياقوت (( معجم البلدان )) وألويس موسل (Arabia Pettrae )
وحاجى خليفة (( جهان نما )) ( ط استانبول ١١٤٥ ه ص ٥٢١ )
فهؤلاء كلهم يطلقون اسم (( الأثالب )) بالباء على الصخور المتناثرة وعلى الجبل القائم في الموضع المعروف باسم (( مدائن صالح )) ولم أقل ان كلمة (( الثالث )) التى وردت في
مقال الدكتور الاول هى من قبيل التحريف وانما قلت : ان الحموى يحرف كلمة الاثالب فيكتبها الاثالت (( بالتاء )).
يقول الدكتور رانا احسان الهى انه لم يستطع العثور على كلمة (( الأثالب )) بالباء في كتاب ياقوت ولا في كتاب الادريسى فليراجع الدكتور مرة ثانية كتاب (( معجم البلدان )) الذى نشره ( فيستنفلد ، ليبزج ) ٧٣/١٨٦٦
وكتاب (( نزهة المشتاق )) في ذكر الامصار والاقطار والبلدان والجزر والمدائن والآفاق روما ١٥٩٢ ، نشره برندل ، ابسالا ١٨٩٤ و (( نزهة المشتاق في اختراق الآفاق )) ترجمة فرنسية قام بها جوبير ، باريس ٤٠/١٨٢٦ ، مجلدان . وكتاب (( جهان نما )) . استنبول ١١٤٥ ه ص ٥٢١
وقال الدكتور ان كلمة (( الأثالب )) ، بالباء لا معنى لها ولا علاقة بالحجر .
لقد تسرع صديقنا الدكتور
من المعقول أن يستعمل هذه الكلمة كتاب معروفون أمثال ياقوت ، والأدريسى ، والاصطخرى ، وحاجى خليفة ، والمستشرق ألويس مول ، دون أن يعرفوا معناها . فليراجع صديقنا الدكتور أقرب قاموس اليه كالمنجد مثلا ص ٧٣ الطبعة الجديدة .
يجد أن (( الاثالب )) بالباء جمع اثلب وأثلب ومعناها ( فتات الحجار والتراب ) ،
أما (( الأثالث )) ، بالثاء الت على يتشبت بها الدكتور فهى جمع الثلاثاء ومعناها اليوم الثالث من الاسبوع ، واذا فرضنا أن معناها - كما قال الدكتور - ( بطان منسوج بعضه على بعض يشد به الرجل على البعير ) فأيهما أقرب الى الحقيقة ؟ فتات الصخور والتراب أو بطان منسوج يشد به الرجل على البعير ) ؟ وأيهما أقوى علاقة بمدائن صالح التى تغطى سطحها الحجارة المهشمة والصخور المحطمة ؟
ومن الغريب أن الدكتور لا يعتقد بقول موسل ان (Hagra ) هى مدينة الحجر . ان ( Hagart ) ( Haegra ) ( Hagra ) ( Hagra )
ألفاظ تدل على معنى واحد هو الحجر . وليس موسل هو الوحيد الذى أطلق كلمة (Hagra ) على البحر فقد قالها بعض المؤرخين مثل بلينى . أنظر
C . Plinius Sucundus ( d . ٧٩ ) Naturalis. . Historia Edited by C . May Hoff ٢nd Edition , ٦ Vols . Leipzig , ١٨٩٢-١٩٠٩.
ويقول الدكتور انه لا ينظر الى آراءموسل اذا كانت تعارض نصوص القرآن . لقد اطلعت على كتاب موسل ( شمال الحجاز ) فلم أجد فيه شيئا يمس كرامة القرآن من قريب ولا من بعيد . واذا كان هناك شىء
يخالف ما جاء به القرآن الكريم فلم لا يشير اليه ويدعم قوله بنص من نصوص كتابه ؟
وموسل هذا الذى لا يعتقد الدكتور بآرائه هو أستاذ الدراسات الشرقية بجامعة براغ ألف كتابه القيم (( شمال الحجاز )) شمال خط العرض ٤٠ ر٢٦ جمع فيه كل النصوص العربية والسامية أو اليونانية الرومانية وقام بمقارنتها على ضوء الظواهر الطوبوغرافية ، وفي سبيل تأليف كتابه هذا قام بسلسلة من الرحلات فيما بين عامي ١٨٩٦-١٩١٥ بدأها بارتياد الجزء الذى كان يعرف قديما باسم بلاد العرب الحجرية ( Arabia Petraea ) وقد ترجم كتابه
الى عدة لغات منها العربية قام بترجمته الدكتور عبدالمحسن الحسينى .
الدكتور رانا احسان الهي لا يزال يؤمن بأن بالحجر بيوتا لا قبورا .
لا شك أن الدكتور يعلم أن معظم المؤرخين كانوا يكتبون ويصغون الى الروايات التى يسمعونها من الناس وعلى ما يتوارثه الخلف عن السلف من قصص . هذا اللون من التاريخ كثيرا ما يصطدم بالواقع ، يصطدم بالادلة المادية التى يكتشفها علماء الآثار .
وانى لأذكر انى حين كنت أقوم بتدريس تاريخ مصر القديم بمدرسة محمد علي الثانوية بالقاهرة جاءتنا نشرة من وزارة التربية والتعليم بتعديل بعض الموضوعات بناء على ما اكتشف من آثار تتصل بتاريخ الاسرة الثالثة .
وبعض الكتاب يسجلون في مؤلفاتهم كل ما يقصه عليهم القصاص دون أن يتأكدوا من صحة ما يروى لهم ، ومعظم هؤلاء القصاص يبالغون في وصفهم ويتجاوزون حد المعقول لا سيما فيما يتعلق بالتاريخ القديم
وبالاخص بالآثار التى تركها السلف للخلف ولعل خير مثال لذلك ما جاء في كتاب (( معجم ما استعجم )) للبكرى .
روى الكلبي عن رجاله عن الأصيغ بن نباتة قال : كنا عند علي بن أبي طالب في خلافة عمر . فسأل رجلا عن حضرموت فقال : أعالم انت بحضرموت ؟ قال : إذا جهلهتها فما أعلم غيرها . قال : أتعرف موضع الاحقاف؟
قال : كأنك تسأل عن قبر هود ؟ قال : نعم . قال : خرجت وانا غلام في أغيلمة الحي نريد أن ناتي قبره لبعد صيته ، فسرنا في وادى الاحقاف أياما وفينا من قد عرف الموضع حتى أتينا الى كثيب أحمر فيه كهوف فانتهى بنا ذلك الرجل الى كهف منها فدخلناه فأمعنا فيه فانتهينا الى حجرين قد أطبق أحدهما فوق الآخر وفيه خلل يدخل منه النحيف متجانفا ، فرأيت رجلا على سرير شديد الادمة كث اللحية ، قد يبس على سرير واذا لمست شيئا من جسده وجدته صلبا وعند رأسه كتابة بالعربية : أنا هود الذى آمنت بالله وأسفت على عاد لكفرها ، وما كان لأمر الله من مرد .
فقال علي : كذلك سمعت من أبي القاسم صلى الله عليه وسلم .
وهناك مثال آخر لمبالغة القصاص فيما يروون ، فقد ورد ذكر (( برهوت )) في بعض الكتب العربية . . ذكرها الهمدانى في كتابه (( صفة جزيرة العرب )) وذكرها القزويني فى كتابه (( عجائب المخلوقات )) قال : تقع بئر برهوت على مقربة من حضرموت . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ان أرواح الكفار والمنافقين تسكن فيه وهو من أيام عاد . وقيل ان عليا كرم الله وجهه قال : ان أكره بقعة في الارض عند الله هو وادى
برهوت وبها بئر كريهة الرائحة وماء آسن حيث تسكن أرواح الكفار .
وقال المسعودى في ( مروج الذهب ) : تقع بئر برهوت في بلاد (( أسفارا )) وحضرموت وهي جزء من بلاد الشحر -كذا- بين اليمن وعمان ويسمع لها صوت كالرعد على بعد أميال وتقذف أكواما من الحمم يسمع لها أزيز مرعب .
وقال الاصمعى : حدثنى رجل حضرمى فقال : كلما شممنا رائحة خبيثة في أقليم برهوت علمنا بعد ذلك أن شخصية كبيرة من الكفار قد ماتت .
فهذه الروايات كلها من أخبار القصاص المنمقة وجميعها لا حظ لها من الصحة .
في صيف عام ١٩٤٩ م ذهبت الى حضرموت لمشاهدة الآثار في ريبون ودفعنى حسب الاطلاع لمشاهدة برهوت والدخول في هذا الكهف فوجدته كهفا جيريا ليس به أثر بركانى ، وأما الروائح الخبيثة التى تنبعث منه فهى ليست ناجمة عن الكبريت ، بل عن تحلل الصخور وبول الخفافيش ، والحرارة الموجودة داخل برهوت ليست نتيجة عوامل بركانية ولكن من تأثير الحرارة الخارجية .
وأحسن وصف لبرهوت هو ما حاء في كتاب ( Hadramant ) للعالمين الدكتور فان درميلن D . Van . Der Meulen وويزمان H . Van Wissmann فقد رحلا الى حضرموت عام ١٩٣١ ودخلا برهوت وشاهدا كل ما بداخلها ومعهما الآلات العلمية اللازمة وفانوس ليختبرا به الهواء عما اذا كانت به كمية وافرة من الاكسجين . ويعتبر وصفهما لهذا الكهف الاثرى أول وصف مبني على المشاهدة والواقع فكل ما قيل عن برهوت في الكتب العربية
الجغرافية القديمة بعيد عن الحقيقة كل البعد .
لا شك أن الادلة المادية والمشاهدة من أقوى الادلة لاثبات الحقيقة . والجماجم البشرية والعظام التى وجدها بعض علماء الآثار الغربيين داخل مقابر قوم صالح في الحجر خير دليل على أن تلك البيوت المنحوتة في الصخر هي للاموات لا للاحياء ، وربما كانوا يضعون الادوات التى كان يستعملها أولئك الاموات في حياتهم فقد كانت هذه العادة معروفة لدى السبئيين والقطبانيين والحمريين كما هى عادة قدماء المصريين .
والجدير بالذكر أن لكل مقبرة باباواحدا يغلق من الداخل كما قال الدكتور رانا احسان في مقاله الاول ، وليس لها أية فتحة أخرى ينفذ منها الهواء ، فاذا فرضنا أن تلك الاماكن المنحوتة في الصخر بيوت للسكن فكيف كان يعيش أولئك الناس في بطون جبال لا يتجدد فيها الهواء ولا ينفذ اليها الاوكسجين ؟ كيف كانوا يتحملون ارتفاع درجة الحرارة عندما يغلقون الابواب وخاصة في الصيف ؟
أما (( النقر )) التى بها يغلق باب المكان من الداخل فذلك لا ينهض حجة في الموضوع ، واذا كانت الابواب تغلق من الداخل كما يرى الدكتور فذلك قد يكون دليلا على شدة حرص القوم على بقاء أضرحة موتاهم بعيدة عن أيدى لصوص المقابر الذين كانوا ينبشون القبور بحثا عن الكنوز . وهؤلاء اللصوص كانوا منتشرين في كل مكان وخاصة في الجنوب العربي واليمن ومصر ، فقوم صالح ربما كانوا يغلقون أبواب قبورهم من الداخل بطريقة بارعة بحيث لا يستطيع اللصوص الاهتداء الى فتحها بسهولة .
والبيوت التى تحتها قوم صالح من الجبال (( وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين )) الحجر . ربما كانت على مقربة من تلك المقابر فلما كذب أصحاب الحجر رسولهم صالحا . أخذتهم الصيحة فلم تبق لهم مما نحتوا ومما بنوا ومما كسبوا شيئا يغنى عنهم ويدفع البلاء من حوالى .
يقول العلامة الاستاذ سيد قطب في الجزء الرابع عشر من تفسيره :
(( وها هم أولاء قوم صالح تأخذهم الصيحة مصبحين وهم في ديارهم الحصينة آمنون ، فاذا كل شئ ذاهب واذا كل وقاية ضائعة واذا كل حصين موهون . فما شئ من هذا كله بواقيهم من الصيحة وهى فرقعة ريح وصاعقة تلحقهم فتهلكهم في جوف الصخر المتين ))
فالمدينة التى نحتها قوم صالح من الجبال - وهى لا بد أن تكون قريبة من تلك المقابر أو حواليها - ربما طغت عليها الرمال بعد الصيحة التى أخذت القوم فذهبت بكل ما نحتوا وما بنوا وما كسبوا .
وبطليموس نفسه يرى أن مدينة الحجر دفنت تحت الرمال كما دفنت مدينة تمنية عاصمة قطبان في الجنوب الغربي لشبه الجزيرة العربية وانتى بنيت منذ ألف عام قبل الميلاد والتى اكتشفتها بعثة ويندل فيليبس حوالى عام ١٩٥١ م على عمق ثلاثين قدما من سطح الارض .
والدكتور لا يزال يؤمن بأن الرفوف المنقورة بداخل تلك الاماكن (( مخازن للاموال والنقودوالثماروالبخور )) لا للاموات دون أن يذكر لذلك سندا . والنص الذى أتى به لدوتى ليس دليلا قاطعا على صحة رأيه لان دوتى لم يقل على وجه التأكيد أن الرفوف هى لحفظ (( الاموال والنقود والثمار والبخور ))
فقد قال (Isuppose) أى أظن أو أفترض . ولقد جاءت عبارة الدكتور بصورة تدل على أنه واثق كل الثقة من رأيه هذا ، وكان يبغى أن يستعمل لفظ : يحتمل أو ربما ، في آرائه تلك . كما أنه يأبى الا أن يصر على صحة آرائه وتعديلاته كما أكد بصورة لا تدع مجالا للشك رأيه حول صورة (( الققنس )) أو النسر المرسوم على مداخل تلك المقابر اذ قال :
(( وقولنا واضح كالنهار وتفسيره الوحيد (كذا) ان هؤلاء القوم كانوا يعتقدون انه برسم صورة ((الققنس))على مداخل قصورهم
يمكنهم أن يعيشوا آمنين فارهين دائمين خالدين في هذه القصور مثل ( الققنس ) الذى لا يموت أبدا )) .
وأخيرا . . لعل وزارة المعارف تقوم بالعمل في حفر وازالة الرمال المتراكمة منذ آلاف السنين على مدينة الحجر ( مدائن صالح ) خدمة للتاريخ وتبيانا للحقيقة فالغموض لا يزال يغشى تلك المنطقة الاثرية الهامة وكم بددت المكتشفات الاثرية الغموض عن وجه الحقيقة وأبانت الحق للعلماء والباحثين .
١١ جمادى الاولى سنة ١٣٩١ ه الاذاعة العربية السعودية - جدة
