الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

مدارس الشعر الموريتاني القديم

Share

اذا القينا نظرة تاريخية على التراث الخصب الذي خلفته اقلام النهضة الادبية التى شهدتها بلادنا خلال القرون الثلاثة الماضية فسنجد امامنا مرتعا خصبا ودواوين مشتتة لا تقع تحت حصر ، تتناول اغراض الشعر الموريتانى القديم من مدح وهجاء ورثاء ونسيب وغزل ... الا ان المتفحص لهذا التراث ، سيصطدم ولاشك بمصاعب جمة فى سبيل تصنيفه وتفصيل مذاهبه ومدارسه . ولا غرابة فى ذلك فالبيئة الثقافية التى انبتت هذا التراث وترعرع فى احضانها لم تكن منسجمة فيما بينها بالقدر الكافى . فمثلا كان فقهاء الشرق الموريتانى ( المدرسة الولاتية ) يرون فى الشعر رجسا من عمل الشيطان وينهون عن الاهتمام بكتابته الا ما كان منه ذا طابع ديني بحت ( مواعظ ، مدائح نبوية نظم قواعد علمية ) وفى الشمال الموريتانى كان امحمد بن الطلبة ومن لف لفه يساجلون الشماخ بن ضرار واعشى قيس ، وقد حفزهم الى ذلك مدى شدة التشابه بين بيئة الشعر الجاهلى الذى تأثروا به والبيئة الموريتانية التى تربوا فيها ، فطغت مسحة مؤثرات الاولى على الثانية ، وجاء انتاج شعرائنا : جاهليا وان طبعته مسحة دينية اسلامية ، تقليديا وان غلفته بعض الاذواق والالوان والمسمات الموريتانية . وفى أرض القبلة تجمعت مختلف النزعات والمذاهب المتنوعة : فابن رازكة الاديب المطلع ورجل الثقافة الواسعة فى عصره ، عرض على شعره نغمة اندلسية حضرية لا لبس فيها ، لم يعكر صفوها الا اختلاف بيئته الاجتماعية عن بيئة الشعر الاندلسى الذي تاثر به ، خلافا لما وقع لمقلدى الشعر الجاهلي ، هذا الى جانب آخرين حاولوا شق طريق موريتانية أصيلة تستمد لحمتها وسداها من نفسية واذواق وحتى لغة الموريتانيين انفسهم ( اللغة الدارجة ) : وعلى رأس هؤلاء الشاعر والاديب الكبير محمد بن احمد يوره - ولو اضفنا الى هذا التنوع

والاختلاف والتباين قلة المجهودات ، حتى الان ، في مجال دراسة هذا التراث لادركنا بالفعل صعوبة تمييز مشاربه واتجاهاته ، سيما وانك تجد فى انتاج شاعر واحد اكثر من اتجاه ... تجده جاهليا حينا ، واندلسيا حينا آخر او صوفيا يكتب على غرار البصيرى وابن الفارض ، كما هى الحال بالنسبة للشيخ سيدى محمد بن الشيخ سيديا .

النزعات الاساسية

ولكن تعقد المسالة لا يمنعنا بمجرد مراجعتنا لبعض النماذج من استظهار الملامح الاولية لنزعاته ومدارسه الاساسية : فنستطيع ان نطلق عليها الاسماء المناسبة لها :

المدرسة الجاهلية

و يكفينا ممثلا لها محمد بن الطلبة كما راينا ، خصوصا إذا سهرنا معه ليلته اليلاء ( بلغبيبيره ) :

وتحسب صبيان المجرة بينها      تناوير أزهار نبتن بهجهج

أو صحبناه عل عيسة النحائب في احدى رحلاته أو رأيناه ينقل معانى النابغة الذبيانى في الغزل بدون زيادة أو نقصان : يقول النابغه :

كالأقحوان غداة غب سمائه      جفت أعالية وأسفله ندى

ويقول محمد :

فهو كالأقحوان بيته الطل    فأضحى وجف منه الاعالى

* المدرسة البوصيرية :

واعتقد انه اسم جدير بتلك النزعة التى نجد آثارها من مدائح نبويه واشعار صوفية متناثرة فى انتاج شعراء مثل الشيخ سيدي محمد ومحمد بن محمدى في صدق هذا الاخير عندما قال فى قصيدته الشهيرة ( زارت على : )

اهدى اليك قديما من مدائحه        كعب وحسان والهمزى ما كثرا

اسدوا به واناروا ثم ما بلغوا          كلا لعمرك من معشر العشرا

لكن أتوا فيه بالقدر الذى اقتدروا     قبلى ، فهلهلت اقفو منهم الاثرا

فعندما نتفحص احدى تلك القصائد لا نرى فيها فكرة واحدة تقريبا الا وهى ماخوذة عن البرعى أو البوصيرى وغيرهم .

* المدرسة القاموسية :

وهى نزعة اتبعها بعض الشعراء الذين ملكوا رصيدا هائلا من اللغة ، فاهتموا بتحبير انتاجهم بالتعابير القاسية بحثا عن الموسيقى الكامنة في الكلمات الرنانة ذات الاجراس الصلفة وربما ايضا لاظهار عضلاتهم في مجال اللغة ، فجاء شعرهم اقل تقليدا ولكن اكثر افتقارا الى العناصر الاخرى من عاطفة وذوق ادبى . يمثل هؤلاء كل من محمد النانه بن المعلى ومحمد السالم بن الشين ولنأخذ نموذجا لابن الشين فى وصف أسد :

خبعثنة هريت الشدق جا     ب يكب على سواعد أيدات

إذا ما اعتس لا يعتس ليــ    ــــث تبيت به جواحر ضامرات

انها مدرسة جديرة باسم (( القاموسية )) . ولعل اقوى دوافع ذوبها هو نظم المفردات وتسهيل حفظها على طلاب اللغة .

* المدرسة الشعبية :

واشهر ممثليها محمد بن احمد يور كتب اصحابها شعرهم ، وكأنما ليس فى اذهانهم غير ماطبعت البيئة الموريتانية فى مخيلاتهم ، وما أعطتهم من أمثلة وحجم شعبية . فجأة شعرهم متسما بالعمق والصدق مع بساطه فى الصور البديعية :

سقى النخلات اللائى يظهرن من بعد     على النهر من ثوبان مرتجس الرعد

فيا نخلتى لورين انى على العهد             وان كنتما منى عن العهد فى زهد

فمبلغ جهدى ان سلام عليكما           وليس يلام المرء في مبلغ الجهد

وفى بعض الحالات تختلط الفصحى بالعامية فى شكل مشوق ولكنه لا يحترم قواعد اللغة العربية ولا يخدم نقاءها . ومهما يكن من شئ فقد ظل شعر المنتسبين الى هذه المدرسة اقرب الى القلوب واوسع جمهورا واكثر أصاله .

* موقف الشعراء المعاصرين

السؤال المطروح هنا اليوم : هل يتابع الشعراء الموريتانيون المعاصرون بناء تجربتهم ومساهمتهم في انجاز النهضة الادبية الموريتانية بمعزل عن هذا التراث ؛ هل ينبغى ان نقول ان للماضين زمنهم ولنا زمننا وما علينا الا الاستفادة فقط من اقلام النهضة العربية فى المشرق ومثل هذا الموقف شبيه من يرفض اشعال شمعته فى الظلام مكتفيا بما يتسرب اليه من اضواء خافتة صادرة من مصابيح الجيران ، ولا يقل خطأ عن موقف المتحجرين الدين يحبسون شعرهم في أطر ( البكاء على المغانى ) واستدرار العطية من اهل الخير . لا مندوحة لنا طبعا عن الاستفادة من شعر النهضة العربية فى المشرق ، والسعى إلى اللحاق بها ، بل وبجميع الآداب العالمية المتطورة .

ولكن علينا ان نفعل ذلك ونحن وقوف على ارض موريتانية

والسؤال الآخر : كيف نستفيد بشكل محدد من تراثنا الشعرى ؟ يمكن ان يتم ذلك إذا تناولناه بالدرس الجدى وغربلناه اولا ، وعندها ستتجلى لنا نقاطه المضيئة وجوانبه الايجابية ، وتجافينا ما منه غير ملائم لروح العصر او يقف عقبة فى طريق التجديد .

ان مدارس الشعر الموريتانى رغم كون الكثير منها مطبوعا بميسم التقليد والغوص خارج الماهية الموريتانية ، وعدم التوفيق فى كثير من الحالات فى رسم الذوق والعاطفة والمعاناة الموريتانية ، فلا تخلو واحدة منها من نواحى حسنة ، مثلا نستطيع ان نقتبس من المدرستين الجاهلية والقاموسية جزالة اللفظ واحكام البناء الشعري وموسيقاه ، بدون ان تقع فى قوالبها الجامدة والمقلدة ومن البوصيرية رقة المعانى وحرارة العاطفة والغنائية البديعية .

اما المدرسية الشعبية فهى اجدر من غيرها بالفات انتباه شعرائنا اليها ، قصد احيائها وتجديدها والاقتباس منها . فحبذا لو كان شعرنا العصرى قريب المأخذ مشحونا بالامثلة والتعايبر الشعبية ، مما يجعل محتواه الهادف فى متناول الجميع .

ان مهمتنا اليوم اذن ليست تكرار أخطاء الشعراء القدماء فى التقليد بل تصحيحا . الا ان هذا التصحيح ينبغي ان يمر بالجمع بين روح العصر و الانطلاق من تجربتنا الغنية وعدم نسيانها ، إذا كنا نريد ان نخلق شعرا موريتانيا حقا ومتطورا حقا .

اشترك في نشرتنا البريدية