لابد ان نتفق فى البدء على ان القصيدة العربية التى تكتب فى تونس فى السنوات الاخيرة هى التى اصبحت تقرع ابواب الحداثة بعنف بحيث بات ممكنا الآن وبعد التراكمية التى عرفها الشعر فى تونس زمنا طويلا ان نقول : إن تجارب السنوات الاخيرة تستوجب الوقوف عندها كتجارب بدأت تكتسب خضوصية لعل شعرنا سيعرف معها المنعرج .
وحرى بنا التوقف فى البدء عند مصطلح اساسى لا ابالغ فى شئ حيث اقول انه الهاجس الكبير الذى نشترك فيه جميعا والذى نقف عليه لنؤسس الفعل الشعرى المغاير .
انها كلمة الحداثة . . وقبل الحداثة اننى اعنى بالاشكالية هذا المخاض الخصب والمشروع الذى تحياه القصيدة الحديثة فى تونس والذى مرده الشغف بالتحول وركوب مهرة الآتى والرفض للقصيدة المطلق ، والنوذج الخالد ، واللغة المقياس . . وقد يصل بنا كل ذلك فى أحيان كثيرة الى التناقض . . ولم لا يكون التناقض ان كنا فعلا نريدها قصيدة حديثة مسكونة بالاسئلة ؟
فى معنى الحداثة :
اما مصطلح الحداثة فهو مصطلح وافد علينا من الغرب كاغلب الاتجاهات الفنية التى جاءت من هناك ومنها الرمزية والدادئية والسريالية وغيرها وقد لا اتجاوز الحد لو قلت : ان مصطلح الحداثة هو ترجمة منقوصة لكلمة ( Modernisme) واتفق هنا مع بول شاوول حين يرى ان الترجمة الصحيحة
كان يمكن أن تكون حداثية على نحو ما ترجمت كلمة ( Liberalisme ) باللبيرالية وكلمة ( Surrialisme ) بالسريالية .
ومهما يكن من امر فان الترجمة كمصطلح لا تعنينا كثيرا بقدر ما تعنينا دلالتها فالحداثة هى حضور الهم الحديث هم التجاوز الشكلانى او التجريبى او الاختبارى اللغوى على هم تقديم نتيجة كيانية ذلك ان القصيدة تنتمى فى الاصل الى تجربة ولا تنتمى الى شرح او تحليل انها كما يقول ناقد عربى كبير : ينبغى ان تكون لا ان تعنى . انها مغامرة بدائية تفيض بالحدس والدلالة والكشف عن ادراك خاص للعالم اداركا يهدم نظام التصورات المألوفة ليعيد توزيعها من جديد فهى تنزع الاشياء من كيانها المالوف وتعمل على بنائها من جديد فى سياق آخر مدهش وغير متوقع قد يدهش المتلقى ويثيره من خلال تفجير اقصى طاقة ايحائية وانفعالية لديه بحيث يدرك معنى اعادة ترتيب التجربة الانسانية واعادة خلقها وتفسيرها من جديد . . لتخطف الصورة الروح كما يقول بودلير . . ونعود للحداثة لنقول ايضا : إن الحداثة لا تعنى اطلاقا - وهذا بديهى - الظرفية الزمنية بقدر ما تعنى حضور التوهج فى الفعل الشعرى . .
ان هذا الاستهلال يسلمنا للحديث عن اشكالات الحداثة فى القصيدة العربية فى تونس والواقع ان اغلب الاسئلة التى يطرحها الشعر التونسى الحديث قد طرحت منذ بداية القرن ثم مع الاربعينات مع الرواد ومع شعراء الستينات بعد ذلك وها هى تعود اليوم لتمتلك الساحة الشعرية عندنا ان اهم ما يطرح اليوم على ساحتنا الشعرية يمكن تحديده فى الظاهرة الايقاعية وظاهرة الغموض والظاهرة اللغوية .
1) الظاهرة الايقاعية :
ان من اهم الاشكالات التى تطرح اليوم مسالة ايقاعية الكتابة الشعرية وما يثار فى كل المحافل الشعرية والنقدية حول الوزن والقافية فى الشعر لنقول العيب كل العصب اعتبار الوزن والقافية ميزة خاصة نوعية لا تقوم اللغة الشعرية العربية الا بها ولا تقوم الا بدءا منها واستنادا اليها انه زعم واه جدا وباطل جدا .
ثم ان الوزن والقافية عمل تنظيرى لاحق بالشعر تاريخيا وهو بالتالى محدود لا يستنفد امكانات الايقاع وامكانيات التشكيل الموسيقى فى اللغة العربية وانما يمثل ما استخدم واستقر .
ولذلك اننا اليوم نقول : إن الايقاع النسبى الذى عاشت عليه القصيدة العربية أربعة عشر قرنا قابل للتغير ويمكن ان يتعدل أو تضاف اليه استخدامات اخرى وربما يزول وذلك حسب مقتضيات التطور . . وهذا يوصلنا الى الحتمية التالية ان اعتبار الوزن الخليلى كامكانية واحدة للايقاع الابداعى الشعرى تقليص للامكانيات الايقاعية الهائلة للغة العربية وضرب من ضروب معوقات هذه الامكانات . والسؤال اليوم هو الى اى مدى ما زال ما يسمى بنظام التفعيلة او الشعر الحر اعتباطيا قادرا على استيعاب التجارب الشعرية المعاصرة ؟ فهل آل مصيره اليوم الى ما آل اليه مصير القصيدة العمودية الخليلية منذ اكثر من ثلاثين عاما ؟ هل استنفد ايقاعاته بحيث صار اعتماده ضربا من التكرار والاجترار . . ؟
لابد اذن من مواجهة المشكلة وطرحها طرحا موضوعيا ، خاصة اذا قلنا ولسنا وحدنا فى هذا والقول هنا مشترك مع اكثر من شاعر وناقد ، اننا منذ اكثر من عشر سنوات قلما وجدنا فى مجمل انتاج الشعر الحر الذى ينشر فى الدواوين والمجلات والصحف اى تنويع او تقدم او جديد . . ويمكننا بكل سهولة ان نقتطع مقاطع لشعراء مختلفين ومن مراحل شعرية مختلفة ونجرى عليها عملية تركيبية لنتبين انه لا فوارق بين مجمل ايقاعات هذه المقاطع او حركاتها او نبراتها فكان كل الشعراء الذين يعتمدون الشعر الحر اليوم باتوا يكتبون قصيدة واحدة ولا نسال بعدها عن الخصوصية والتميز ( انظر قصائد درويش الاخيرة وقصائد ممدوح عدوان ) ثم واذا اعتبرنا وتمثلا برأى سوزان برنار ان التجربة هى التى تجد شكلها كالنهر الذى يحفر مجراه وان كل قصيدة تجربة بحالها فلا بد ان نسلم بان كل قصيدة تنسج ثوبها الخصوص وتاتى وفق حالتها التى هى التجربة التى هى الشعر تاليا لقد وجدت الحل وهو ان لا أفكر بالشعر يجب ان لا اضع الهاجس الشعرى فى حالة يقظة دائمة الحل هو ان ارمى بنفسى في الحياة ، الشعر موجود فى الحياة والقصيدة هى محاولة اقتناص ما فى الحياة من شعر ، الشعر ليس فى القصيدة ، الشعر موجود فى الحياة هكذا قال درويش ومن اقر بهذا يعنى اساسا اقر بتجربة ذاتية لكل قصيدة . .
اننا نريد الشعر ولا نكتب انطباعتنا الشعرية . ثم ، واذا كان الشعر هو الانتماء الاقصى للحرية وللزمن وللاستمرارية وللمطلق ، اليس من حق الشاعر ان يرفض قانونا ابديا ، يقال : انه صالح لكل زمان ومكان ولكل الحالات والتجارب ولكل الآفاق والمدن ! ؟
ان تحرير الشكل الشعرى من كل شرط سابق او قالب مسبق يفترض دائما شكلا معينا لكل قصيدة وان الشكل لا يعنى الوزن والقافية او انعدامهما بالضرورة ان الشكل الحديث اكثر من وزن وقافية هو حركة القصيدة وطريقة تكونها وعلاقة اجزائها ببعضها البعض والاصوات الداخلية فيها . . ثم ان الايقاع لا يعنى الوزن التقليدى ( الخليلى تحديدا ) وهو ليس ضروريا ان يكون من خصائص القصيدة الحديثة لان القصيدة الحديثة ليست للطرب هى قصيدة تهمس من وراء الباب .
2) فى المعنى والغموض :
ان هذا التوغل فيما نعتقده بداية لممارسة شعرية جديدة تواجه اليوم فى تونس وفى غيرها صعوبات مرحلية اساسية . . فالذين يرومون السهل والعدو فى ارض معبدة يصفون تجارب الشباب علاوة على الفوضى والمروق الايقاعى بالاغراق فى الغموض لذلك طالما الصقوا هذه الصفة على شكل تهمة توجه الى التجارب الحديثة فى الشعر العربى وتجاوزا للسؤال التقليدى الذى طرح على ابى تمام لماذا تقول ما لا يفهم . . ؟ والذى جوابه لماذا لا تفهم ما اقول ؟ وتجاوزا لأبعاد هذه المسألة فى تاريخية الشعر العربى القديم نسأل هذا السؤال : هل ترانا نبحث عما اراد ان يقول شاعر فرنسى كبير حين كتب يوما : الخلود هو البحث عن ساعة يد قبيل منتصف الليل عند الارض المواجهة للماء ؟ ام ترانا نسأل ماذا اراد ان يقول امرو القيس منذ قرون عديدة عندما كتب :
أيقتلنى والمشرفى مضاجعى ومسنونة زرق كأنياب أغوال ؟
ان المسالة اذن مسالة الكون المرئى بكامله والذى هو مخزن صور وعلامات يمنحها الخيال مكانة وقيمة نسبيتين ، ان الايحاء بالشئ واثارته تدفع بالقارئ الى رغبة أصيلة فى التخمين وفى التخيل وكيفية الايحاء بالشئ هى المغامرة الحميمة للشاعر فى منطقة تسمى الحدس او الغموض اعتباطا . ان الغموض هو العاطفة المبهمة التى تدفق منها القصيدة انها وكما اسميها غزالة الملح التى تقف عند بابى بعد منتصف الليل . . ان هذا الخيال المبدع الذى تخطف الصورة فيه الروح هو الذى يفتح القصيدة على عالم الاسطورة الكونية تفجيرا للمدهش من خلال الرمز والتداعى والتراسل انها وكما قال أحد النقاد الجادين : شبكة التوقعات الخفية التى تتحول شيئا فشيئا الى واقع مضئ يتدفق فى عفوية مدهشة . . وانها الصورة ومهما يكن غموضها فهى كشافة ومضيئة . .
ثم وكيف لا تطرح قضية الغموض فى حاضر معقد وفى زمن تصاعدت فيه الصلة بين الشعرية والمعرفية . . ؟ ان الشعر اليوم هو المعرفية وهو صنو حميم للفلسفة ومن هنا فالشعر لا يمكن ان يكون له معنى الا بالنسبة لاولئك الذين استوعبوا التقاليد التى تنتظم الشعر من حيث هو نظام ومؤسسة .
ان القصيدة الواحدة وكما تقول ريتا عوض تستمد معناها من النظام الشعرى العام كما تستمد الجملة الواحدة معناها من النظام اللغوى . . فالنظرية النقدية التى جاء بها البنيويون وينادى بها الناقد الكندى الكبير نورتروب فراى وكان قد تنبه لها احد الآباء الشرعيين لشعر الرواد العرب واقصد س . اليوت احدثت قفزة أساسية فى النقد الحديث من خلال التأكيد على ان الشعر نظام من القصائد المتماسكة والمترابطة الامر الذى يسمح بتحويل النقد الادبى من ثرثرة وصفية فارغة حول الادب والشعر بالذات الى دراسة منهجية للادب والشعر .
ان الغموض النسبى الذى يبدو من خلال بعض التجارب الشعرية الحديثة لا يعنى اطلاقا مؤشرا للانفصال عن حياة الواقع وعن الذاكرة التراثية انما هو قضية تعبيرية مرتبطة بالتشكيل اللغوى والشكلى الذى جاءت به القصيدة الحديثة وهو نتيجة حتمية وطبيعية للعزلة والاغتراب اللذان يعيش فيهما المبدع فى حضارة نمطية ترفع شعار العلم وتهدم هاجس الكلمة . .
والغموض اساسا افراز طبيعى للتناقض الرهيب الذى يهز المجتمعات العربية . . تناقض القول مع الفعل والمعلن مع الخافى والذى نريده نحن مع الذى يراد لنا ، انه رد فعل مباشر لهذه الازدواجيه التى نحياها ولهذا الانشطار الذى افقد حياتنا معناها الحر وزج بنا فى كون الهوامش التى لا يحق لها ان تفكر او تقول او تحلم وتؤسس وبالتالى ان تحيا حرة ومسؤولة .
3) اللغة :
واذا كان الغموض يرتبط عادة بعلاقة الشاعر الظاهرة باللغة التى يستعملها فان اللغة فى الشعر تظل المادة والمتشكل ان القصيدة الجديدة هى اولا وقبل كل شئ محاولة فى ادراك اللغة ادراكا مباشرا خارج سجون التقسيمات والقوالب والمذهبيات وحتى الكنائس والمساجد وكل ما ينضوى تحت القداسة .ان موقفنا من اللغة التى نحفر جسدها يرفض النموذج قديما كان او جديدا ويلبس فتوة التجربة الواحدة التى لا تتكرر والتى تخرج اللغة من منزلتها الوضعية المعجمية المحدودة الى فضاء القدرة الدلالية التى تخاطب الكون الانسانى مرة
واحدة . . وبأعلى درجة فى الكشف ومن اقصى منطقة للتغلغل ولعل من اشكالية اللغة فى شعرنا الحديث ان علاقة عدد كبير من الشعراء ليست علاقة التحام وانصهار كلى بقدر ما هى علاقة تسطيح عمادها النقل عن الغير وغياب الارضية المعرفية العامة والانسياق فى استعمال الرمز التاريخى والاسطورى الجاهز بغرض الابهار والسعى الى حداثة واهمة وبالتالى الذوبان فى النمطية وتشييع الابداع .
ان القصيدة فى نهاية الامر هى خلق ثلاثى يتفاعل فيه الشاعر والكون واللغة ويظل الشاعر قطب الثالوث .
ان هذا المدخل العام الذى قصدت به تثبيت بعض المعطيات الاساسية فى الممارسة الشعرية ومن زاوية ذاتية يوصلنا الى الملاحظات الاساسية التالية :
أ) ان الممارسة الشعرية الحديثة فى تونس بدأت تاريخها بعد سنة 1970 وهى متواصلة الى اليوم وهذه الممارسة حركة افراد وليست حركة جماعية رغم ما قيل ويقال عن تكتلات وجماعات وبشئ من التفخيم والتبجح : مدارس . ب) ان هذه الممارسة تتميز بغيات كلى للاسس النظرية الواضحة وغياب حركة نقدية موازية او قل حركة متابعة ورصد تسجيلا وتحليلا وتوقعا .
ج) ان هذه الممارسة ضعيفة الكيف وذات ثقوب على امتدادها الزمانى فلم تتسلسل تسلسلا ملموسا فى حركة النشر وايصال الانتاج الشعرى الى الناقد والقارئ . وقد افرز هذا الوضع غيابا للمتن الشعرى الحديث فى تونس كما أفرز فوضى وتهميشا لما اراد به البعض شعرا وهو فى الواقع ممارسة انطباعية سمجة لكتابة بعيدة عن الشعر . وبشئ من التحديد يمكن طرح الاسئلة التالية :
أ) متى ستفرز الممارسة الشعرية فى تونس قصيدة عربية حديثة ؟ ب) متى سيقف شعراؤنا على ارضية معرفية تراثا ومعاصرة ليتحرروا من التراكمية المجانية واللغوية العابثة والشرح والنثرية . ج) متى نوجد النص الناقد التحليلى الرافض للوصفية والتصنيفية والجزم الاعتباطى ومتى سيفكر بعض المنتمين الى الشعر فى مراجعة ما يكتبون والتزام الضبط والصعب واحترام العصر والشعر . . ؟ كل هذه الاسئلة تجعلنى اجزم ان هناك اشكالية واضحة على صعيد الممارسة الشعرية فى تونس .

