" الإنسان الملتزم الذي آمن برسالته في هذه الدنيا وقدر مدى التضامن البشري وعرف إمكانياته وإستعداداته قد يؤمن بقداسة هدف وتأكد غاية وضرورة عمل وكأنه الهم ودفع إلى أمام . هذا الإنسان الذي يعادل حرصه على أن يكون ذا قيمة أخلاقية إيمانه بوجوب العمل قد يضطر - وهو يسعى - إلى سلوك طريق غير نظيفة ، فهل يحق له أن يفعل ؟ ومعنى ذلك أيضاً : إذ رأي الإنسان إن الوصول إلى غاية شريفة - أو يعتقد أنها كذلك - لا يكون إلا بالسير أحياناً في الوحل ، فهل يقدم متعللاً بنبل الغاية . فيتورط ؟. أم يحجم تمسكاً بوجوب المحافظة على نبل الطرق ولو ضاعت الغاية نفسها ؟ هذا المشكل يلخصه عادة السؤال التالي : هل الغاية تبرر الوسائل ؟ ؟ " .
هل من السهل أن يكتب المرء عن مثقف كبير (*) غير عادى وأن يعطيه حقه وأن يحيط بكل خصاله ومزاياه وخصائصه التي يختلف بها عن الآخرين ؟ والمثقفون الكبار غير العاديين نادرون ، وهم عندما يسطع نجمهم فى الحياة العامة ، فى محافل الثقافة وحلقات السياسة يكون الخلاف بينهم وبين الرجل العادى على أشده .
ولكن هناك أشياء تظل تربط بين النوعين من الرجال لا تنفصم ، وهى أيضاً من خصال هذا المثقف الكبير غير العادي ، ذلكم هى الطيبة وحب الآخرين والإصرار على الحياة والخلق والتجديد فهل من السهل انطلاقا من هذه النظرية أن يتناول المرء بالدراسة والتقييم أفكار مثل هذا الرجل ؟ يبدو ذلك صعبا . وبقدر ما هو صعب بقدر ما هو مغر ومشجع
إنى أمام علم من أعلام الثقافة ورجل عرف كيف يدخل دائرة المسؤولية الإجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية وكانت نظرياته منذ عشرات السنين فى مختلف النشاطات الإنسانية ومشاغلها تلك النظريات القائمة على المنطق والواقعية والتسلسل إلى جانب أعماله وممارساته التطبيقية هى التى هيأته لأن يتسلم مناصب أساسية فى الدولة
إنه الرجل الذى شق طريقه بإستقامة ثابتة وعزم حديد وفكر ثاقب . يجب أن نستنبط دائماً غذاء روحياً وثقافياً طريفاً وأن نجدد بحق التفكير الفلسفي والتفكير الإقتصادى والفكرى والسياسي والأدبى والتفكير الإجتماعى ويجب أن نتلاءم دوماً مع المعطيات المتغيرة وتتطور مع العلم والتكنولوجيا الحديثة من دون أن تمحي ذاتنا الفردية والجماعية ودون أن نفقد العزم على المساهمة الإيجابية فى هذا التطور )
ضمن هذه الحدود تحرك دائماً محمد مزالي وقد بدأت هذه الحدود تتوضح منذ أن عين على رأس الأذاعة التونسية سنة 1964 . وكانت سياسته تتمثل في إنتهاج أسلوب إعلامى يتماشى ونهضة البلاد ، وطموح المواطن ولعل البرمجة الاذاعية بما فيها من مواد إخبارية وثقافية وموسيقية ومنوعات أخذت ملامحها الحقيقية وشخصيتها خلال الفترة التى قضاها محمد مزالي مديراً عاماً للأذاعة وقد شهدت التلفزة التونسية النور على يديه . وأنتجت فى فترة قصيرة برامج تلفزيية متعددة وذات مستوى رفيع ما زالت التلفزة التونية تستخدمها حتى الآن من حين لآخر . ولم يكن خافياً على أحد أن المحتوى العام لكل البرامج المستموعة والمرئية يهدف إلى الرفع من مستوى المواطن وإعانته على مواجهة قضاياه اليومية الخاصة . وقضاياه الوطنية المشتركة والقضايا الخارجية التي تمسه مباشرة أو بطريق غير مباشرة
وكانت هذه السياسة الإعلامية الهادفة تندرج في سياق ايديولوجية محمد مزالي إذ شغل قبل ذلك خطة مدير للشباب والرياضة . ورغم حساسية هذه المسؤولية ودقتها خاصة فى ظرف ما تزال فيه تونس المستقلة حديثا تبحث عن المناهج والسبل في كل الميادين . فقد سعى محمد مزالي جاداً إلى معالجة قضايا الشباب ومشاكله وكان يقول فى هذا الموضوع :
"الشباب التونسى كغيره من الشباب يعاني أزمة الوعي فهو نهب الحيرة واضطراب النفس لأنه سوي صافى المعدن . ولكنه ضحية نظام تعلييمي مفروض عليه فرضاً أخص خصائصه أنه يحتوى على أسلوبين كلاهما شر قد نشأ عنهما صنفان من الشبان كلاهما منقوص هناك التعليم القديم المتحجر المشدودة قواه إلى الوراء قد أخنت عليه عصور الإنحطاط فأيبسته وجففت ماء الحياة فيه فإذا المتعلم قلما يجد فيه غذاءه الروحى ، ويصعب أن يطمح منه إلى تكوين عقلي أو تهذيب شعوري ، بحيث أن اولئك الآلاف من الشبان الذين قذفت بهم مقتضيات الحياة فى هذا الجو الخانق محرومون من التعليم الحي المحيي رازخون تحت كلكل المجتمع ووطأة هذه المعارف التي تنهال عليهم ولا تجد صدى فى أنفسهم فهم في حركة عارمة وإضطراب دائم وأزمة حادة تفضى بهم إلى نفاد تلك الطاقة الطبيعية المودعة فيهم فيسقط الكثير منهم إلى الحضيض كالخذروف لا هم بقوا على حالتهم الطبيعية الهادئة الأولى ولا هم وجدوا حقيق أنفسهم أو فازوا باليقين ، هم كالماء العذب يجرى في الأرض الملح أو الغيث النافع يمطر البحر "
إن الإطار الذي يتحدث عنه وداخله الأستاذ محمد مزالي هو تونس . وهذه الأخيرة قد عرفت ابتسامة الحياة ونور الإستقلال وعزة الحرية فى الخمسينيات وكانت وهي مقبلة على العهد الجديد الذي دام انتظاره مئات السنين . تحفل بكثير من المتناقضات الإجتماعية والثقافية خاصة . شأن كل البلدان التي غرز فيها الإستعمار براثن التخلف وخطط لأن تكون دائماً على قاب قوسين من الفوضى والإنهيار . كانت إذن تحفل بالتناقضات . ولكن النسبة الغالبة من مواطنيها كانت تنظر إلى المستقبل نظرة ثابتة محاولة بكل إخلاص تجاوز إرهاصات الزمن الماضى . فكل شئ يجب أن يبنى من جديد على قواعد متينة ضاربة فى الأرض الصلب وعملية البناء صعبة ومرهقة وطويلة النفس ولذلك لم يكن هناك وقت يمكن تبديده فى القضايا والخلافات الهامشية . كان
لا بد من التغير لبشمل البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وكان لا بد من تحويل المجتمع من مجتمع تطغي عليه النزعة العشائرية التي أوجدها الإستعمار إلى مجتمع موحد فى ظل الجمهورية وحدودها وواجبتها
وإذا كان الشعب التونسي قد عرف كيف يخرج من معركة التحرير منتصراً فإن واجبه يحتم عليه آنذاك الدخول فى معركة أشد ضراوة وبأساً . وهي معركة بناء الذات التونسية من خلال ترميم الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وأستطاعت تونس أن تحقق فى هذا المجال خطوات ثابتة بدأت بالرفع من المستوى الثقافي للمواطن عن طريق تشييد مئات المدارس والمعاهد . وعشرات الكليات وأستمرت بضمان الحد الأدنى من العيش الكريم له . أستفاد المواطن من هذه المرحلة الجديدة بإنتقال من الضيق والخصاصة والجهل إلى السعة والإكتفاء الذاتي والتعليم
ولكن كيف يمكن تأمين إزدهار ونمو هذه الهياكل الجديدة فى التعليم والثقافة والإجتماع وحتى فى السياسة ؛ إن الامر يتعلق دائماً ببناء شخصية المواطن بناء ينسجم واهتمامات العصر والمجتمع وليس هناك أروع ولا أصدق من الديمقراطية اسلوبا تعليمياً وثقافياً وحضارياً لبناء المجتمعات الجديدة . أى المجتمعات الخارجة من الظلمات إلى النور . فلا بد من تحسيس المواطن العادى بمعانى الحياة والتحرك والعمل . تحت شعار الديمقراطية أى القيام بواجباته كاملة إزاء الآخرين ليتسنى له طلب حقوقه من الآخرين.
ولعل أدنى ما يجب أن نعرفه فى هذا السياق ونطالب به أنفسنا هو ضبط معنى المواطن أو المواطنة ثم تحديد العلاقة التي يجب أن تربط المواطن بالدولة وذلك معناه ذكر حقوقه وواجباته .
وأعتقد أن امر الحقوق والواجبات لا يتضح ولا يفهم الفهم الصحيح حتى نلم - ولو إجمالاً - بمعنى الديمقراطية ونتعرف إلى منزلة المواطن فيها . ذلك إنه لا يمكن أن نتصور حقوقاً ولا واجبات فى دولة ذات طابع استبداد أو بالأحرى فى جماعة بدائية بسيطة "
وما دامت الحقوق والواجبات وثيقة الصلة بما تعارفنا على تسميته بالديمقراطية فما هى هذه الديمقراطية في نظر المفكر محمد مزالي ؟
" إن الديمقراطية ليست شيئاً طبيعيا بالنسبة للإنسان ومعنى ذلك انه لم بتمتع بها كما تمتع بماء العيون وثمار الأشجار ونور الشمس بل هو ناضل دونها وسعى إليها ولم يحصل على شئ منها إلا فى العصر الحاضر وهو مازال يقاسى فى سبيل استبقائها الأمرين "
كانت المعركة الاساسية التى يتحتم إذن الظفر بها هي إفهام المواطن العادى "الحقوق والواجبات " وذلك بصفته مواطناً ينتمى إلى مجتمع وإلى حضارة وتاريخ ودين وأمة ثم إفهامه كيفية التعبير عن طلباته الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية دون مبالغة ولا شطط ولا تأثر بالشعارات الفوضوية المستوردة.
لقد كانت المعركة شاقة وذات جبهات متعددة ، واعتماد الإختيار الديمقراطى ليس الإختيار السهل . ولكن كيف تعد مواطناً لمعركة طويلة النفس . بل كيف تهيئ أجيالاً كاملة لممارسة الفعل الاجتماعى الراشد إذا لم تكن الديمقراطية هى البداية والنهاية . وبالديمقراطية يصبح المواطن سيد نفسه وهو الذي يقرر مصيره فى ضوء القوانين الدستورية والنظم المدنية التى تسوسه :
يقول محمد مزالي في مقال نشر فى مجلة " الفكر " - جانفى 1956 تحت عنوان : تونس على عتبة الديمقراطية " .
" . . ( . . ( إن تونس تمر اليوم - إذن - بمرحلة وسط هى نهاية عهد أظلم غير مأسوف على زواله وبداية عهد نريده جديداً قولاً وفعلاً .
ولعل أهم ما يلفت النظر مما جد فى هذه الآونة بهذه البلاد أمران :
الأمر الأول هو تونسة السلطة التنفيذية وزوال ما كان يعوق عملها من تأشيرات وغير تأشيرات سفيرية
الأمر الثاني هو الإعتراف للشعب بأنه صاحب السيادة المقدر الوحيد لمصيره . وذلك أن الباى " أذن " بإنتخاب مجلس تأسيسى وظيفته وضع دستور للبلاد .
وهكذا يصبح الشعب مصدر السيادة وصاحب السلطة التشريعية وبالتابع السلطة التنفيذية بحيث تصير إرادته هى القول الفصل وتضعف القيود المتبقية وتتضاءل كما يتضاءل نور المصباح عندما تطلع الشمس .
كل ذلك يدعو إلى الإبتهاج ويحمل على التفاؤل وينبئ بخير ما من شك في ذلك . لكن على شرط أساسى هو أن نعتبر الإستقلال والإنتخابات والدستور . أداة لا غاية . وأن ننظر إلى كل ذلك كوسيلة إلى شىء آخر هو الذي يتعين أن نفكر فيه ونحرص عليه .
فالخطر كل الخطر أن يقنع الشعب بالكلمات دون الحقائق ويستغنى بالمظهر عن اللب ، الخطر الذي يهدد الأمم الفتية هو اعتبار هذه المنشآت الحديثة كالبرلمان والدستور والوزارة نسبياً كذلك والإستقلال نفسه . غاية تطلب في حد ذاتها وتقصد لنفسها والتغنى بها دون ما كان مفروضاً أن توفره للشعب من سعادة حق ورفاهية كاملة وإزدهار شامل .
إن الخطر الذي يهدد الأمم الفتية وخاصة التى كان منها مستعمراً هو اعتبار الإستقلال والبرلمان وغيرهما مما هو موجود فى الدول العصرية حلية يتباهى بها القوم كما تتباهى النساء الجاهلات بحليهن فى المحافل ".
ويرتبط بالديمقراطية ما يسمى بالكرامة ويرتبط بهذين المطلبين مجموعة من المطالب الأخرى التى تضمن للمواطن فى البلد المستقل الحد الأدنى من الحياة الفاضلة . ولقد تعرض محمد مزالي إلى هذه المطالب في كثير من المقالات التي نشرت في مختلف المجلات والصحف ، وخاصة مجلة " الفكر " الشهرية التي أسسها منذ الخمسينات وظل مسؤولاً عنها حتى يومنا هذا
إن تركيز المؤسسات السياسية والاجتماعية والتشريعية والاقتصادية ليست غاية فى حد ذاتها فالمواطن ليست طلباته فى الحياة مقتصرة على ضمان الشغل وتوفير الخبز ، هناك ما هو أهم من هذا بكثير " وليس من شك في أن الأنظمة الاقتصادية والسياسية مهما بلغت من الكمال فهي غير كافية إذا هي لم تف بحاجة البشر إلى هذا الذي لا يغنى عنه الخبز ولا تعوضه المادة ، أعني الكرامة والشعور بالحرية واستقلال الرأى" (5)
ليس غريباً أن يتناول فكر محمد مزالي المواضيع ذات الصبغة الفلسفية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقضايا الإنسان المعاصر . إذ الفكر الحق هو ذلك الذي يتجاوز المواضيع الجاهزة والطرق المعبدة ليطرح إلى النقاش والبحث معاناة الإنسان فى عصره وصراعه المتجدد من أجل فرض وجوده ومنح هذا الوجود صفة الشرعية أليس الصراع الذى يخوضه الانسان طيلة حياته يجسم مجموعة الخصال والمثل والمبادئ الفاضلة ؟ أليس الصراع الإنسانى هو عملية مشروعة من أجل إعلاء قيمة الإنسان على الأرض ومن أجل صنع المعجزات؟ وقد فعل الإنسان كثيراً في هذا السياق على أن الأعمال الخالدة المشرفة التى تحفظها المجتمعات وتظل تحدث عنها فى كل حين وإن هى أعمال الإنسان الفاضل المثالي . ذلك الذى يؤمن بالفكر والعلم ويحترم الآخرين والتى تنجز فى إطار الكرامة والحرية والمساواة .
لقد أبرز محمد مزالي كثيراً من الآراء وتمسك بها ودافع عنها ورددها في أسماره وكتاباته ومحضراته وكانت هذه الآراء متمحورة حول "أصالة المواطن التونسى والمجتمع التونسي . فلكى يكون المواطن التونسي أصيلاً يجب أن يكون تونسياً عربياً معتزاً بعروبته . مؤمناً بتاريخه وحضارته مدافعاً عن هويته ولكى يكون كذلك يجب أن تتجسم هذه المثل والمبادىء فى الحياة التطبيقية ، أى فى الأفعال والسلوك ، لتظهر بعد ذلك فى خصائص تميز هذا المجتمع عن باقي المجتمعات الأخرى . وقد لخص محمد مزالي خصائص الأم التونسية فى ما يلى :
" 1 - الروحانيات التي تستمدها من الشرق منذ القرون الأولى والتي أشاعها الأنبياء وخاصةً موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام ، لذلك لم يكن امتزاجنا بالعرب والمسلمين امتزاجاً لغوياً فحسب بل هو امتزاج روحي ومصيرى . وإن تلك الروح السامية لا تزال ترفرف على هذه الربوع وتعمر قلوبنا إيماناً وتهدى سبيلنا وتكيف سلوكنا ورد أفعالنا إنها تنزع بنا إلى الأعلى وتجذبنا نحو المطلق وتزهدنا فى المادة وتخلصنا من جاذبية الأرض .
2 - التفاعل مع روح البحر الأبيض المتوسط الذي يحيط ببلادنا شرقاً وشمالاً ويجمعنا مع شعوب متجانسة متقاربة وحدت بينها قرون من العيش المشترك والمناخ الواحد والإحتكاك السلمي تارة والحربي طوراً . مما أورث فينا النظرة الواقعية والقدرة على التسامح والنفور من التطرف و " توسط مركز
الإعتدال فى كل شئ ثم إن لهذه الامة مقوماتها وهى ما به تتكون وتكون شخصيتها . وإن تونس ليست مجرد فرع من أصل إنها وطن متميز . له كيانه المعروف وحيزه الجغرافي المضبوط وإن دينها الإسلام معتقداً وحضارة وتراثاً سلوكا ونظام حياة ونظرة إلى الوجود . وإن لغتها العربية ، ونجزم فى هذا الصدد أن اللغة لست مجرد أصوات وألفاظ بل هى الوطن العقلي والإطار الوجدانى والركن الركين للشخصية الوطنية والعنصر المتين للذاتية القومية وأن لغتنا العربية التي يجهلها بعض ضحايا الإستعمار الثقافي ويحتقرها البعض الآخر غروراً وتشبهاً بالغير . . وسعت كتاب الله لفظا وغاية . وليست هي أقل قدرة من اللغات الأخرى ولا دونها قيمة . إنها من أوثق الروابط التي تربط بين الأبناء والآباء والحافظ الأمين لتراث الأجداد ، وعن طريقها نتصل بماضينا رغم الحواجز الزمانية والمكانية فهى ضمان الوحدة القومية وعنوان الكرامة الفردية والجماعية ) (6 )
إن كثيراً من المثقفين والأدباء وخاصة المتمغربين منهم ، لم يدركوا تمام الإدراك سواء عن قصد أو عن غير قصد مرامي محمد مزالي الفكرية والفلسفية والحضارية عندما يؤكد على " التونسة والتعريب " ويتأتى عدم إدراكهم أو قل عدم انسجامهم وتعلقهم بالقوالب الثقافية الغربية الجاهزة والإعتقاد بأن القيم الحضارية واللغوية الغربية هى التي يجب أن تعلو على القيم الذاتية فى العالم الثالث تلك القيم المستمدة من تاريخ وحضارة ودين ولغة الخ . كانت آراء محمد مزالي في هذا الشأن بمثابة التهديد الخطير لتلك القيم المستوردة المركبة تركيباً افتعالياً داخل مجتمعنا . وقد آثر محمد مزالي خوض المعركة دون هوادة ملتزماً الدفاع عن الأصالة التونسية العربية . ولرفع كل التباس وخلط يوضح محمد مزالي ما يقصد بموضوع " التونسة "
" ونعيد القول - حتى يسود الوضوح مقاصدي - أن التونسة لا تعني الإنفصال عن العروبة ولا تتنافى مع محبتها والإخلاص لتراثها ولا أقصد بها التملص من مشكل التعريب . وإنما التونسة روح قبل كل شئ ووفاء للذات وعمل لخلق شباب تونسي مؤمن بمقومات أمته الأساسية : الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية . واللغة العربية . والتاريخ القومي . شباب تونسي مرهف الشعور بإرتباطه بشعبه واعتزازه بأمته وصادق العزم على العمل الدائب من أجل صيانة بلاده وإشعاع فكرها وحضارتها
والتونسة لا تعنى أيضاً الإنغلاق على النفس . ولا الإدبار عن العالم المتمدن ولا تتنافى مع وجوب الإخلاص للحضارة الإنسانية والوفاء للثقافة البشرية فيبقدر ما يكون شبابنا تونسيا يكون إنسانيا إذ التفح لا معنى له إذا كان فى اتجاه واحد ولم يقم على قاعدة الأخذ على قدر العطاء . ( 7 ) .
ليس من السهل تحقيق هذا الإنجاز الإنسانى العظيم ، ومحمد مزالي يعرف ذلك تمام المعرفة ، لكنه يؤمن مثل كل المفكرين الكبار أن تحقيق الإنجازات العظيمة - مهما كان الميدان ومهما كانت أدوات العمل - لا يمكن أن تتم إذا لم يحد أصحابها صدق لا مراء فيه وأصالة لا شك فيها . إن الاديب المفكر يعلم أكثر من غيره إن الصراع ضد أي شئ هو فى البداية إيمان عميق بضرورة الصراع . بل إيمان بشرعية الصراع من ناحية وإيمان ببطلان حجة ذلك الذي توجه ضده صراعنا أي أن الصراع يفترض قوتين متقابلتين : الأولى تجسم الخير ، والثانية تجسم الشر . وهذه القوة الثانية المعادية ليست سهل الإنصياع إنها عدائية متربصة ذات وجود وقوى متعددة فكيف إذن للقوة الأولى أن تتغلب عليها ؟ إذ الغلبة ممكنة . ومطاردة قوى الشر والفساد والتخريب ممكنة ولكن لابد من التسلح بما يسميه محمد مزالي : الصدق والأصالة . فهما الطريق إلى كل شئ خالد .
وإذا كانت قوى الخير تنتصر على القوى العادية لأنها تلتزم الصدق والاصالة . فإن هناك عاملاً آخر لا يمكن إهماله فى هذا المجال وهو ما يسمى "بالمسؤولية" التي يجب أن تكون حاضرة فى كل المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية إن الشعور بالمسؤولية يقوى وازع الإستمرار حتى النصر ووازع الإجتهاد حتى الموت .
يتناول محمد مزالي هذه الناحية عند الكتاب ويتساءل هو أيضا ، على أن تساؤله ناتج عن معرفة دقيقة بالأمور . وله على تساؤله جواب وأكثر من جواب يتبين من خلاله إنه ذلك المفكر الذي لا يؤمن بالقشور ، ولا بالمظاهر ، وإنما يعطى المحتوى الموضوعي العناية الفائقة . ولنتابع هذا التساؤل وهذا الجواب .
" ) . . ( هل الكاتب مسؤول هو أيضاً عن كل شئ أمام كل إنسان ؟ وهل لكتابته أثر فى واقع الناس وخطورة على مصيرهم ؟ هل تفعل الكتابة فعلها
( فى الدنيا وفي الناس فتنفعل الدنيا وينفعل الناس ؟ وما مدى هذا الإنفعال ؟ فإن صح كل ذلك وأدرك الكاتب أن لكلامه وزناً وفي الناس والواقع أثراً وقدر مسؤوليته تقديراً فلا بد من أن يصغى إلى ما تمليه هذه المسؤولية من الواجبات وتفرض عليه من الإلتزامات وإذا به يتساءل هو بدوره لماذا أكتب ؟ ولمن أكتب ؟ وماذا أكتب ؟ وهل أستطيع أن أكتب دائماً ؟ وإذا كأنه هناك شروط لابد من توفرها لكي أتمكن من الكتابة فما هى ؟ " ) (8 ).
ثم يعطى محمد مزالي الجواب فوراً :
( إذا نحن سلمنا بأن الكاتب فكر في موضوع وتراءت له معان قبل أن يمسك القلم فنحن مضطرون إلى أن نسلم بأن الكتابة ليست لعباً كذلك اللعب البرئ الذى يؤثره الأطفال عندما يتناولون قطعاً معينة من الخشب المزين أو الورق المقوى ويشيدون بها قصوراً مختلفة ونماذج متباينة قتلاً للوقت وطرداً للملل والكلل .
الكتابة إذن تعبير عن أفكار وكلمة أفكار مستعملة هنا فى معناها الواسع العام كما فى قوله ديكارت : " أفكر أذن أنا موجود " . والمهم هو الأفكار لا الألفاظ فأنت إذا فقهت مثلاً فلسفة أرسطو أو هيفل حق الفقه أمكنك أن تلخصهما أو تعبر عنهما تعبيراً يغاير تماماً تعبير الفيلسوفين من دون أن " تخونهما " كما يقال وإذن يجب أن ننظر فى الفكرة أو المعنى أو التصور العقلي أو - بصفة عامة - " المسمى " سمه بأي اسم شئت .
ماذا يحدث " للمسمى " عندما تناوله الكلمة ؟ ماذا يحدث عندما تقول : " هذا رجل متعصب " أو " العبودية شر " ؟ يحدث انك " غيرت " الرجل في نظر نفسه وفي نظر الناس . ولم يعد كما كان . فقد عرف أنه متعصب وأنه معروف بالتعصب فقد يغير سلوكه مع نفسه وسيغير سلوكه معك ما من شك فى ذلك ) . . ( 9 ) .
إن الدارس لأعمال محمد مزالي الفكرية إذا ما أراد أن يدرك بعض معانيها ومقاصدها فهو لا بد أن يتعرف عن الشخصيات الفكرية التى يتخذها محمد
مزالي كمرجع ، أو كمنارات ثقافية يستعين بها على طرح القضايا وإقتراح الحلول ، وهذه الشخصيات كثيرة غربية وعربية ، وهي لا يشك أحد فى أنها من أرقى وأعظم ما عرف التاريخ . فهناك سقراط وأفلاطون وأرسطو وهناك الغزالي وابن رشد والفارابي وابن خلدون وهناك باسكال وفولتير وروسو وسارتر وهيجل وقوته وماركس وهكسلى وغاندى . الخ .
كما يجب حصر الكلمات التي تجسم المبادئ والمثل العليا التي استخدمها محمد مزالي في كتاباته مثل : الديمقراطية والحرية والأصالة والمسؤولية والإلتزام والتعريب والتونسة ، والأخلاق والفضيلة والمحبة وهى كلمات تحدد فى حد ذاتها اهتمامات هذا الرجل المفكر ، وقد تتاح الفرصة لدراسة هذه الآثار دراسة هيكلية علمية .
إلا ننا نكتفى الآن بالقول أن محمد مزالي عرف كيف يدخل عالم الفكر ويخوض فيه صراعاً طويلاً ومريراً انتهى به إلى الشهرة وحمله إلى منزلة كبار المفكرين في العالم العربي والإسلامى بل أن آراءه لها وزن وإشعاع لدى المستشرقين وغير المستشرقين من أدباء وكتاب العالم الغربي

